Indexed OCR Text

Pages 221-240

٣٧ - باب سؤال جبريل النبي
الحديث ٥٠
فأتناولُ سقفَها بيدي.
ورُويَ عن (٢١٢ - ب / ف) عمرَ أنَّه كتبَ إلى أهلِ البصرةِ ينهاهم
أنْ لا يرفعَ أحدٌ بناءه فوق سبعةٍ أذرعٍ (١) .
قال عمارُ بنُ أبي عمارِ: إذا رفعَ الرجلُ بناءه فوقَ سبعةِ أذرعِ ناداه
مناد: يا أفسق الفاسقين! إلى أين؟ !.
وخرَّج الطبرانيُّ من حديث أنسٍ مرفوعًا: ((كلُّ بناءِ - وأشارَ بيده
هكذا على رأسه - أكثرُ من هذا فهو وبالٌ)(٢).
وفي (سنن أبي داودَ)) عنه أنَّ النبيَّ وَلَّ رأى قبةً مشرفةً فقال: ((ما
هذه؟)) فقالوا: لفلان، فجاءَ صاحبُها فسلَّم على النبيِّ وَلِّ فأعرض عنه،
فعلَ ذلك مِرارًاً حتَّى هدمَها الرجلُ(٣).
وفي ((سننِ ابنِ ماجَه)) عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: ((أراكم ستُشرِّفون
مساجدَكم بعدي كما شرفتِ اليهودُ كنائسَها والنصارى بِيَعَها))(٤).
فهذا الحديثُ قد اشتملَ على أصولِ الدينِ ومهماتِه وقواعده ويدخلُ
فيه الاعتقاداتُ والأعمالُ الظاهرةُ والباطنة، فجميعُ علومِ الشريعةِ ترجع
و
إليه من أصولِ الإيمانِ والاعتقاداتِ ومن شرائعِ الإسلامِ العمليةِ بالقلوبِ
(١) وأحال المصنف (٣٢٣/٣) عند شرحه للحديث (٤٥٠) على هذا الموضع .
(٢) الطبراني في ((أوسطه)) (٣٠٨١).
(٣) أبو داود (٥٢٣٧)، وانظر الخلاف في إسناده عند البخاري في ((التاريخ)) (٨٧/١)، و
((علل الرازي)) (١٠٢/٢)، و((شعب الإيمان)) للبيهقي (٣٩٠/٧ - ٣٩١).
(٤) ابن ماجه (٧٤٠).
٢٢١
1

الحديث: ٥١
كتاب الإيمان
والجوارحِ ومن علومِ الإحسانِ ونفوذِ البصائرِ في الملكوت. وقد قيل: إنَّه
يَصْلِحُ أنْ يسمَّى ((أمَّ السنةِ)) لرجوعِها كلِّها إليه كما تسمَّى الفاتحةُ ((أمَّ
الكتاب)) و ((أمَّ القرآن)) لمرجعه إليها (١).
ثُمَّ خرَّج البخاريُّ بعدَ هذا: حديث (٢):
٥١ - ابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَل
يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ،
وَسَأَلْتُكَ: هل يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةٌ لِدِيْنِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ
لا وكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
ومقصودُه بإيرادِ هذه الجملةِ من حديثِ هرقلَ: أنَّ الإيمانَ يزيدُ حتَّى
يتمَّ، وأنَّ الدينَ هو الإيمانُ؛ فإنَّه سألَه: هل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخْطَةً
لدينه؟ ثم أجابَ بأنَّ الإيمانَ حينَ تخالطُ بشاشتُه القلوبَ لا يسخطُه أحدٌ.
والبشاشةُ: الفرحُ والاستبشارُ، ومنه حديثُ: ((لا يُوطن أحدٌ المساجدَ
للصلاة والذكرِ إلا تبشبشَ اللهُ به كما يتبشبشُ أهلُ الغائبِ بغائبِهم)»(٣).
فدلَّ على أنَّ الإسلامَ والدينَ واحدٌ؛ ولكن لم يردْ بزيادة الإيمانِ هنا
إلا زيادةَ أهله، وبتمامه قوةَ أهلِه وتمكنَهم من إظهارِه والدعوةِ إليه.
(١) راجع شرحه على هذا الحديث في ((جامع العلوم والحكم)) وهو الحديث الثاني فقد ذكر
أشياء لم يذكرها ها هنا، ولكل شرح مَزِيَّةٌ.
(٢) هذا الحديث تحت باب (٣٨).
(٣) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٣٣٤)، والإمام أحمد (٤٥٣,٣٢٨/٢) وغيرهما.
وفيه اختلاف سنداً ومتناً على سعيد المقبرى، وقد سود الحافظ الدرقطني في ((علله))
(٣ب/ ق٦٣ - أ، ب) الخلاف في إسناده فانظره.
٢٢٢

٣٨ - باب
الحديث ٥١
وكلامُ هرقلَ - وإنْ كان لا يحتجّ به في مثلِ هذه المسائلِ العظيمةِ من
أصولِ الدياناتِ التي وقعَ الاضطرابُ فيها - فإنَّ ابنَ عباسٍ روى هذا
الكلامَ مقرِّرًا له مستحسنًا وتلقَّه عنه التابعونَ، وعن التابعينِ أتباعُهم
کالزهريِّ.
فالاستدلالُ إنما هو بتداولِ الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلامِ وروايته
واستحسانه، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلم.
٢٢٣

الحديث: ٥٢
كتاب الإيمان
٣٩ - فَصْلُ(١)
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ (٢) من حديث:
٥٢ - الُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ(٣): سَمِعْتُ النَّبِيَّنَّهَ يَقُولُ: «الْحَلالُ بَيِّنٌ
وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَّا مُشْتُبِهَاتٌ لا يَغَلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى
الشَّبْهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَاً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الثُُّهَاتِ وَقَعَ فِي
الْحَرَامِ(٤) كَالَرَّاعِيِ (٥) يَّزَعَّىَ حَوَّلَ الَحِمَى يُوْشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيه (٦)، أَلَا وَإِنَّ
لِكُلِّ مَلك حِمَّى، أَ وَإِنَّ حمَى الله(٧) مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً
إِذَا صَلَّحَتَ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الَجَسَّدُ كُلُّهُ أَلَ وَهِيَ
القَلْبُ)).
هذا الحديثُ حديثٌ عظيمٌ؛ وهو أحدُ الأحاديثِ التي مدارُ الدينِ
عليها، وقد قيلَ: إنَّه ثلثُ العلمِ أو ربعُه.
(١) باب (٣٩) ((فضل من استبرأ لدينه))، وقد ذكر المصنف اسم الباب في أثناء الشرح.
(٢) مسلم (١٥٩٩).
(٣) في ((اليونينية)): ((يقول)).
(٤) قوله: ((وقع في الحرام)) ليس في ((اليونينية))، وراجع كلام الحافظ في ((الفتح)) (١ /١٢٨)،
والعيني في «العمدة» (١ /٣٤٦).
(٥) في ((اليونينية)): ((كراعي))، وراجع كلام الحافظ في ((الفتح)) (١ /١٢٨).
(٦) في ((اليونينية)): ((أن يواقعه)).
ولم يشر القسطلاني في «إرشاد الساري)) إلى وجود خلاف في النسخ.
(٧) زاد في ((اليونينية)): ((في أرضه)) وهي في رواية غير المستملي، قاله القسطلاني في "إرشاد
الساري))، وأشار إليها المصنف في أثناء شرح الحديث.
٢٢٤

٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه
الحديث : ٥٢
وهو حديثٌ (٢١٣ - أ / ف) صحيحٌ متفقٌ على صحته من رواية
الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، وفي ألفاظِه بعضُ الزيادة والنقصِ،
والمعنى واحدٌ أو متقاربٌ.
وقد رُويَ عن النبيِّ نَّهَ من حديثِ ابنِ عمرَ، وعمارِ بنِ ياسرٍ،
وجابرٍ، وابن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ(١)؛ وحديثُ النعمانِ أصحّ أحاديثٍ
لبابِ .
ومعنى الحديث: أنَّ اللهَ أنزلَ كتابَه وبيّن فيه حلالَه وحرامَه، وبَيَّنَ
النبيُّ وَّهَ لأمتِهِ ما خفيَ من دلالةِ الكتابِ على التحليلِ والتحريمِ،
فصرّحَ بتحريمِ أشياءَ غيرِ مصرحٍ بها في الكتابِ وإنْ كانتْ عامتُها
مستنبطةً من الكتابِ وراجعةً إليه فصارَ الحلال والحرامُ على قسمينِ:
أحدُهما: ما هو واضحٌ لا خفاءَ به على عمومِ الأمةِ؛ لاستفاضتِه
بينهم وانتشارِه فيهم ولا يكادُ يخفى إلا على من نَشَأَ بباديةٍ بعيدة عن دارِ
الإسلامِ؛ فهذا هو الحلالُ البَيِّنُ والحرامُ البَيِّنُ. ومنهُ: ما تحليلُه وتحريمُهُ
لعينِهِ كالطيباتِ من المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ والمناكحِ والخبائثِ من ذلك
(١) حديث ابن عمر: خرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٦٨) وفي ((الصغير)) (١ / ٥١)،
وانظر ((العلل)) للرازي (١٤٢,١٣٢/٢)، و((الضعفاء)) للعقيلي (٢٥٢/٢).
وحديث عمار بن ياسر: أخرجه الطبراني في «الأوسط)» (١٧٣٥)، وأبو نعيم في
((الحلية)) (٢٣٦/٩)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤ / ١٦١).
وحديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٣٣/١٠).
وحديث جابر: أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (٩ / ٧٠).
وحديث ابن مسعود: لم نجده.
٢٢٥

الحديث: ٥٢
كتاب الإيمان
كلِّه. ومنهُ: ما تحليلُه وتحريمُه من جهةٍ كسبِه كالبيعِ والنكاحِ والهبةِ والهدية
وكالربا والقمارِ والزنا والسرقة والغصب والخيانةِ وغيرِ ذلكَ.
القسمُ الثاني: ما لم ينتشرْ تحريُه وتحليلُه في عمومِ الأمةِ؛ لخفاءِ
دلالة النصِّ عليه ووقوعِ تنازعِ العلماءِ فيه ونحوِ ذلكَ، فَيَشْتَبِهُ على كثيرٍ
من الناسِ هل هو من الحلالِ أو من الحرامِ؟ وأما خواصَ أهلِ العلمِ
ءَ
الراسخون فيه فلا يشتبهُ عليهم؛ بل عندهم من العلمِ الذي اختَصوا به
و
عن أكثرِ الناسِ ما يستدلَّونَ به على حلِّ ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكونُ
ذلك مشتبهًا علیھم لوضوحٍ حکمه عندهم.
وأمَّا من لم يصلْ إلى ما وصلوا إليه فهو مُشْتَبَهٌ عليه؛ فهذا الذي
اشْتَبَهَ عليه إن اتَّقَى ما اشْتَبَهَ عليه حلُّه وحرْمه واجتنبه فقد استبرأً لدينه
وعرضه، بمعنى أنَّه طلبَ لهما البراءةَ عمَّا يشينهُما، وهذا معنى الحديث
الآخرِ: ((دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك))(١).
وهذا هو الورعُ، وبه يحصل كمالُ التَّقوى، كما في الحديث الذي
خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكون مِنَ المُتَّقِينَ حتى يدعَ
ما لا بأس به حَذَرًا مما به بأسُ))(٢).
وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها من الحرام وبعدها عنه. وقد يقع
(١) راجع ((علل ابن أبي حاتم)) (٢ / ١٣٧) من حديث ابن عمر، وقال الخليلي في
((الإرشاد)) (٤١٦/١ - ٤١٧): ((الصحيح فيه عن ابن عمر قوله)).
و((الكامل)) لابن عدي (١ /٢٠٣) من حديث أنس، والحديث عند الترمذي، والحاكم،
وابن حبان .
(٢) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥) من حديث عطية الساعدي، قال الحافظ
في ((الإصابة)) (٢٧٦/٥): ((ذكره بعضهم في الصحابة، وهو غلط)) ا. هـ.
٢٢٦

٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه
الحديث : ٥٢
الاشتباهُ في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حلَّه وحُرْمَته، كما يشكَّ
الإنسانُ فيه هل هو مِلكه أم لا؟ وما يشك في زوالِ ملكه عنه.
وهذا قد يُرجعُ فيه إلى الأصلِ فيبنى عليه، وقد يُرجعُ في كثير منه
إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع الترددُ عند تساوي الأمرينِ.
وقد يقعُ الاشتباهُ لاختلاطِ الحلالِ بالحرامِ في الأطعمةِ والأشربةِ من
المائعات(١) وغيرِها من المكيلاتِ والموزُوناتِ والنقود.
فكلّ هذه الأنواع مَنْ كان عنده فيها علمٌ يدُلَّه على حكم الله ورسولِه
فيها فتبعه فهو المصيبُ، ومَنْ اشتبهتْ عليه فإن اتَّقاها واجتنبَها فقد فعل
الأَوْلَى واستبرأَ لدِينِهِ وعِرضِهِ فسَلِمَ مِنْ تبعتِها في الدُّنيا والآخرةِ، ومَنِ
اشتبهت عليه فلم يتّقها؛ بل وقع فيها فمَثَلُه كمثلِ راعٍ يرعى حولَ الحمى
فإنه يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. وفي رواية: ((ومَنْ وقعَ في الشّبهاتِ وقعَ في
الحرامِ كراعِي يرعَى حولَ الحمَى يُوشِكُ أن يرتِعَ فيه)).
ومعنى هذا: أن مَنْ وقعَ في الشُّبهاتِ كان جَديرًا بأن يقعَ في الحرامِ
بالتدريج؛ فإنه يسامحُ نفسَه في الوقوعِ في الأمورِ المشتبهةِ(٢١٣ - ب /ف)
فتدعوه نفسُهُ إلى مواقعةِ الحرامِ بعده؛ ولهذا جاء في روايةٍ: ((ومَنْ خالطَ
الرِّبةَ يُوشكُ أن يجسرَ))(٢) يعني: يجسرُ على الوقوعِ في الحرامِ الذي لا
ریب فيه.
ومن هنا كان السَّفُ يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرامِ حاجزًا من
الحلالِ يكونُ وقايةً بينهم وبين الحرامِ، فإن اضطرُوا واقعُوا ذلك الحلالَ
(١) في ((ف))، تشتبه بـ ((المانعات)) والموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٢٩)، والنسائي في ((المجتبى)) (٧ / ٢٤١ - ٢٤٢)، (٨ /٣٢٧).
٢٢٧

الحديث: ٥٢
كتاب الإيمان
ولم يتعدّوّه، وأما مَنْ وقع في المشتبه فإنه لا يَبقى له إلا الوقوعُ في
الحرامِ المحضِ فُيُوشِكُ أَنْ يتجراً عليه ويجسرَ.
وقولُه: ((ألا وإنَّ لحلِ مَلك حِمَى، ألا وإنَّ حِمَى الله محارمُه))، وفي
روايةٍ: ((وإِنَّ حِمَى اللهِ فِي الأَرضَِ محارِمهُ)(١): ضَرْبُ مثلٍ لمحارمِ الله
بالحمى الذي يحميه المَلِكُ من الأرضِ ويمنعُ النَّاسَ مِنْ الدخولِ إليه، فمن
تباعد عنه فقد تَوَقَّى سخطَ الملك وعقوبتَه، ومَنْ رَعَى بِقُربِ الحِمَى فقد
تَعَرَّضَ لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنه ربَّما دعتْه نفسُه إلى الولوجِ في
أطرافِ الحِمى؛ وفي هذا دليلٌ على سدِّ الذرائعِ والوسائلِ إلى المحرماتِ
كما يحْرمُ الخَلْوةُ بالأجنبيةِ وكما يحْرمُ شُربُ قليلٍ ما يسكر كثيرُه وكما
يُنْهى عن الصَّلاة بعد الصُبْحِ وبعد العصرِ خشيةَ الصَّلاةِ عند طلوعِ
الشَّمسِ وعند غروبها، وكما يُمْنَعُ مَنْ تُحرِّكُ القُبلةُ شهوتَه في صيامِهِ مِنَ
القبلة، وكما يُؤْمَرَ مَنْ يباشرُ امرأتَه في حال حيضها أن يباشرها من فوقٍ
إزارٍ يستر ما بين سرَّتِها ورُكْبتها، وكما يَضْمنُ من سيَّبَ دابتَه نهارًا بقُربِ
زرعٍ غيرِهِ فتفسدُه، أو أرسلَ كلبه للصيدِ في الحلِّ بقربِ الحرمِ فصاد فيه
فإنه يَضْمنُ في الصورتينِ على الأصحِ.
وفي الحديث دليلٌ على صحةِ القياسِ وتمثيلِ الأحكامِ وتشبيهِهَا.
وفيه دليلٌ على أن المصيبَ من المجتهدينَ في مسائلَ الاشتباه واحدٌ؛ لأنه
جعل المشتبهات لا يعلَمُها كثيرٌ من الناسِ مع كونِ بعضِهِم في طلبٍ
حُكمها مجتهدينَ فدلَّ على أنَّ مَنْ يعلمها هو المصيبُ العالمُ بها دون
غيرِه ممن هي مشتبهةٌ عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير
(١) راجع التعليق على الحديث في بدايته في الفرق بينها وبين ((اليونينية)).
٢٢٨

٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه
الحديث : ٥٢
إلى ما أدَّاه إليه اجتهادُه وطلبُه .
ثم ذكر النبيّ وََّ كلمةً جامعةً لصلاحِ حركات ابن آدمَ وفسادها وأَنَّ
ذلك كلَّه بحَسَب صلاحِ القلبِ وفسادِهِ، فإذا صَلُحَ القلبُ صَلْحَتَّ إرادتُه
وصلُحت جميعُ الجوارحِ فلم تنبعثُ إلا إلى طاعةِ اللهِ واجتنابِ سخطِهِ
فقنعت بالحلالِ عن الحرامِ.
وإذا فسد القلبُ فسدتْ إرادتُه، ففسدتِ الجوارحُ كلُّها وانبعثتْ في
معاصي الله عز وجل وما فيه سخطُه ولم تقنعْ بالحلال؛ بل أسرعتْ في
الحرامِ بحَسَبِ هوى القلبِ وميلِه عن الحقّ، فالقلبُ الصالحُ هو القلبُ
السليمُ الذي لا ينفعُ يومَ القيامةِ عند اللهِ غيرُهُ، وهو أن يكون سليمًا عن
جميعِ ما يكرهُه اللهُ من إرادة ما يكرهُهُ اللهُ ويسخطُه ولا يكون فيه سوى
محبةِ اللهِ وإرادته ومحبته ما يحبّه اللهُ وإرادة ذلك وكراهَة ما يكرهُه اللهُ
والنفورِ عنه.
والقلبُ الفاسدُ: هو القلبُ الذي فيه الميلُ إلى الأهواءِ المضلةِ
والشهواتِ المحرمةِ، وليس فيه من خشية الله ما يكفّ الجوارحَ عن اتباعِ
هوَى النفسِ؛ فالقلبُ مَلِكُ الجوارحِ وسلطانُها، والجوارحُ جنودُه ورعيتُه
المطيعةُ له المنقادةُ لأمرِهِ، فإذا صَلُحَ الَلِكُ صلحتْ رعايَاهُ وجنودُه المطيعةُ له
المنقادةُ لأوامره، وإذا فسدَ الملكُ فسدتْ جنودُه ورعايَاهُ المطيعةُ له المنقادةُ
لأوامره ونواهيهِ.
وقد بوَّب البخاريّ على هذا (٢١٤ - أ / ف) الحديث: باب ((فضل
مِن استبرأ لدینه)).
والمقصودُ من إدخاله هذا الحديثَ في هذا الباب: أن مَنْ اتَّقَى الأمورَ
٢٢٩

الحديث: ٥٢
كتاب الإيمان
المشتبهةَ عليه التي لا تتبينُ له أَحلالٌ هي أو حرامٌ؟ فإنه مستبرىءٌ لدينه
بمعنى: أنه طالبٌ له البراءةَ والنزاهةَ مما يدنِّسُهُ ويشينُه؛ ويلزمُ من ذلك أن
مَنْ لم يتقِ الشُّبهاتِ فهو معرِّضٌ دينَه للدنسِ والشَّيْنِ والقدحِ، فصارَ بهذا
الاعتبارُ الدينُ تارةً يكون نَقِيّا نَزِهًا بَرِيّا، وتارةً يكون دنسًا متلوثًّا.
والدينُ يُوصف تارةً بالقوةِ والصلابةِ، وتارةً بالرِّقَةِ والضعف، كما
يوصف بالنقصِ تارةً وبالكمالِ أخرى، ويُوصف الإسلامُ تارةً بأنه حسنٌ
وتارةً بأنه غيرُ حسنٍ، والإيمانُ يُوصفُ بالقوةِ تارةً وبالضعفِ أخرى.
هذا كلُّه إذا أُخذَ الدينُ والإسلامُ والإيمانُ بالنسبةِ إلى شخصٍ
شخصٍ، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسِه من حيث هُوَ هُوَ (١) فإنه
يُوصفُ بِالنَّزَاهةِ .
قال أبو هريرةَ: الإيمانُ نَزَهُ، فإن زَنَا فارقَه الإيمانُ، فإن لامَ نفسَه
وراجعَ راجعَه الإيمانُ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ في كتابِ ((الإيمانِ)).
ومن كلامٍ يَحْيَى بِنِ مُعَاذٍ: الإسلامُ نَقِيٌّ فلا تُدنِّسْهُ بآثامِكَ (٢).
(١) كتب في ((ف)) فوق ((هو)) الثانية علامة ((صح))، حتى يدفع إيهام التكرار.
(٢) إلى هنا انتهى ما بأيدينا من كتاب الإيمان، وراجع شرح المصنف على هذا الحديث في
كتابه ((جامع العلوم والحكم)) الحديث السادس، فقد تكلم في شرحه بما لا يدع لمتعقب
كلامًا، فجزاه الله خير الجزاء.
٢٣٠

(١ - ب/ ط)
بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُتَعَالى:
كتَابُ الْغُسْلِ
وَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْله (١): ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].
صدَّرَ البخاريُّ - رحمه الله - كتابَ الغسلِ بهاتين الآيتينِ؛ لأنَّ غسلَ
الجنابة مذكورٌ فيهما .
أما قولُه تعالى: ﴿وَإِن كُنْتمِ جُنُبًا فَأَطََّّروا﴾ فأمرَ الجنبَ إذا قام إلى
الصَّلاة أن يتطهَّرَ. وتطهُّرُ الجنب هو غسلُه كما في تطهرِ الحائضِ إذا
انقطعَ دمُها؛ ولهذا قال تعالى ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والمرادُ بتَطَهُّرِنَّ: اغتسالُهنَّ عند جمهورِ العلماءِ؛
فلا يباحُ وطُها حتَّى تغتسلَ، وسيأتي(٢) تفسيرُ الآيةِ في كتابِ الحيضِ إن
شاء اللهُ تعالى .
وأما قولُه تعالى: ﴿لا تَقرِبُوا الصَّلاةَ وأنتم سُكَارى حتَّى تَعْلَمُوا
ما تَقُولونَ ولاجنبا إلا عابري(٣) سبيلِ حتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فنهيٌ عن قربانِ الجنبِ
الصَّلاةَ حتَّى يغتسلَ . فصرَّحَ هنا بالغسلِ وهو تفسيرُ التّطهير المذكورِ في
آية المائدة .
(١) زاد في ((اليونينية)): ((جل ذكره)).
(٣) فى ((ط)): ((عبارى)) خطأ.
(٢) أول المجلد الثاني.
٢٣١

كتاب الغسل
وهل المرادُ نهيُ الجنبِ عن قربانِ الصَّلاة حتَّى يغتسلَ إلا أن يكونَ
مسافرا - وهو عابرُ السبيل - فيعدم الماءَ فيصلِّي بالتَّممِ؟ أو المرادُ نهيُ
الجنبِ عن قربانِ موضع الصَّلاة - وهو المسجدُ - إلا عابرَ سبيلٍ فيه غير
جالسٍ فيه ولا لابث؟ هذا ممّا اختلف فيه المفسِّرُونَ من السَّفِ .
وبكلِّ حالٍ: فالآيةُ تدلُّ على أنَّ الجنبَ مالم يغتسلْ منهيٌّ عن الصَّلاة
أو عن دخول المسجد، وأنَّ استباحةَ ذلك تتوقفُ (١) على الغسلِ، فيُستدلُّ
به على وجوبِ الغسلِ على الجنبِ إذا أراد الصَّلاةَ أو دخولَ المسجد.
(١) في ((ط)): بالتاء والياء معا .
٢٣٢

الحديث: ٢٤٨
١ - بَابُ
الْوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ
خرَّج فیه حدیثین
الحديثُ الأولُ : حديث:
٢٤٨ - مَالِك(١)، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةً(٢) أَنَّالنَّبِىَّ ◌ِهِ: كَانَ
إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ بِفَسَلٍ (٣) يَدَيَّهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ الصَّلاة،
ثَّّيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِ الماءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَّى رَأْسِهِ
ثَلاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّيُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِ كُلِهِ.
غسلُ اليدين [ ..... ](٤) قبلَ الوضوءِ شبهُ غسلِهِما للمُتُوضِّيِّ (٥)
قبلَ إدخالِهما في الإناءِ .
رَوَى هذا الحديث (٢ - أ / ط) وكيعٌ، عن هشامٍ، وقال في حديثِه:
يَغْسلُ یدیه ثلاثا .
خرَّجَه مسلمٌ (٦) من طريقه كذلك.
واستحسنَ أحمدُ هذه الزيادةَ من وكِيعِ .
(١) اختصر المؤلف الإسناد، وتمامه: ((حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك» به؛
وهذه عادته في الغالب، وقد نبهنا عليه في بعض المواضع .
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((زوج النبى وعَلِيلاً)).
(٣) في ((اليونينية)): ((فغسل)).
(٤) هنا كلمة تآكلت لقدم النسخة ولعلها: ((هاهنا)) والله أعلم .
(٥) فى ((ط)): ((للمتوض)) وما أثبتناه هو الصواب.
٢٣٣
(٦) (٣١٦) .

الحديث: ٢٤٨
كتاب الغسل
وقال أبو الفضل بن عمار(١): ليستْ عندنا محفوظةً .
قلت: وتابعه - أيضًا - على ذكرِ الثلاث في غسلِ الكفين(٢): مباركُ
ابنُ فضالةَ، عن هشامٍ .
خرَّج حديثه ابنُ جرير الطبريّ. ومبارك ليس بالحافظِ .
وكذلك رواها ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الأسودِ، عن عروةَ، عن عائشةَ.
وقد رُوِيتْ - أيضًا - من حديث أبي سلمةَ، عن عائشةً(٣)، وسيأتي
حديثُه .
وقد رُويَ أَنَّه غسلَهما قبلَ الاستنجاءِ، ثُمّ اسْتَنجى، ثم دَلَكَهما
بالأرضِ، ثم غَسَلهما قبلَ الوضوءِ مَرَّتَينِ أو ثلاثًا، وسيأتي ذلك - فيما
بعد (٤) - إن شاءَ اللهُ تعالى .
وقولُ عائشة: ((ثم توضأ كما يتوضَّأُ الصَّلاة)) يدلُّ على أنَّه توضّاً
وضوءًا كاملا قبلَ غسلِ رأسِهِ وجسدِهِ. وروى أبو معاويةَ الضَّرِيرُ هذا
الحديثَ عن هشامٍ، وزاد في آخرِ الحديثِ: ثم غسلَ رجليه. خَرَّجه مسلمٌ (٥).
وتابعَه عليها محمدُ بن كُنَاسَةَ، عن هشامٍ. خرَّج حديثَه أبو بكر
عبدُالعزيز بن جعفر في كتاب ((الشافي)) في الفقه(٦) .
(١) في جزء ((علل أحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج)) (ص/ ٧٢) .
(٢) فى ((ط)): ((الكفن)) بإسقاط الياء.
(٣) انظر ((المصنف)) (٦٣/١) لابن أبي شيبة، و((المسند)) (٩٦/٦) وسيأتي بعد قليل.
(٤) (ص٢٦٤) عند حديث رقم (٢٥٧) .
(٥)(٣١٦) .
(٦) هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد البغدادي، غلام الخلال. قال ابن أبي
يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (٢/ ١٢٠): ((كان لأبي بكر عبد العزيز مصنفات حسنة منها =
٢٣٤

١ - باب الوضوء قبل الغسل
الحديث: ٢٤٨
وذكر أبو الفضلِ بنُ عمار(١) أَنَّ هذه الزيادةَ ليست بمحفوظة
قلتُ: ويدلُّ على أنَّها غيرُ محفوظةِ عن هشامٍ: أَنَّ أيوبَ روى هذا
الحديثَ عن هشامٍ، وقال فيه، فقلتُ لهشام: يغسلُ رجليه بعدَ ذلك؟
فقال: وُضوءه الصَّلاة وضوء للصَّلاة. أي: أَنَّ وضوءَه في الأول كاف.
ذكره ابنُ عبد البر(٢). وهذا يدلُّ على أَنَّ هشاما فَهِمَ من الحديثِ أَنَّ
وضوءَه قبل الغسلِ كان كاملا بغسلِ الرجلين كذلك، لم يَحتج إلى إعادة
غسلهما .
وقد روى حمادُ بن سلمةَ، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمةَ، عن
عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا أرادَ أن يغتسلَ من الجنابةِ يغسلُ
يديه ثلاثًا، ثم يأخذُ بيمينه فيصبَّ على شماله، فيغسل فرجَه حَتَّى يُنْقِيَه،
ثم يغسلُ يَده غسلا حسنًا، ثُمَّ يمضمضُ ثلاثا، ويستنشقُ ثلاثًا، ويغسلُ
وجهَه ثلاثا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم يصبَّ على رأسِه الماءَ ثلاثًا، ثم يغتسلُ
فإذا خرجَ غسلَ قدميه. خرَّجَه الإمامُ أحمد(٣) عن عفان، عن حماد.
وخرَّجْه ابنُ جريرِ الطَّريُّ(٤) من طريقِ حجاجٍ بن منهال، عن حماد،
به. وفي روايته: ((ثمّ يغسل جسدَه غسلا، فإذا خرجَ من مغتسلِه غسلَ
= كتاب ((الشافي)) نحو ثمانين جزءا)) ا. هـ وترجمه الحافظ الذهبي في ((السير))
(١٤٣/١٦-١٤٤) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٥٩/١٠) وذكروا وفاته سنة ٣٦٣هـ .
(١) في ((العلل)) له (ص/ ٧٢).
(٢) ((التمهيد)) (٩٣/٢٢) بتصرف من ابن رجب - رحمه الله - .
(٣) ((المسند)) (٩٦/٦)، و((المصنف)) (٦٣/١) كما سبق في بداية شرحه على الباب.
(٤) لم نهتد إليه في مظانه من ((التفسير)) ولعله في غيره .
٢٣٥

الحديث: ٢٤٨
كتاب الغسل
رجليه)) .
وخرَّجَه الطبرانيُّ في ((الأوسطِ)) (١) من طريقِ مُؤمل، عن حمَّدٍ، عن
عطاء بن السائبِ، وعلي بن زيدٍ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ أَنُّ النبيَّ
وَاللّه كان إذا اغتسلَ من جَنَابةِ غَسَلَ كَفَّيه ثلاثًا قبلَ أن يغمسَهما في
الإناء(٢)، ثُمَّ يأخذُ الماءَ بيمينه فيصبه على شمالِه ثم يغسل فرجَه، ثُمَّ
يتمضمضُ ثلاثا ويستنشقُ ثلاثا، ثُمَّ يغسلُ وجهَه ثلاثا ويغسلُ ذراعيه
ثلاثا ثلاثا ثم يصبَّ على رأسه الماءَ واحدا واحدا، فإذا خَرجَ من مغتسله
غسل قدميه .
وخرَّجه النَّسائي(٣) بمعناه، ولم يذكرْ (٢ - ب/ط) غسلَ رجليه في
الآخرِ، وعنده أنَّه صبَّ على رأسِهِ ثلاثًا. وفي رواية له: ((ملءَ كفَّه))(٤).
ورَوى الإمام أحمد(٥): ثنا هشيمٌ: أنا خالدٌ، عن رجلٍ من أهلِ
الكوفة، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَ لّ إذا خرجَ
من مغتسله حيثُ يغتسلُ من الجنابة يغسل قدميه. ورَوَى الأوزاعيّ قال:
وُ
حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، وحدثني عمرو
ابنُ سعد، عن نافع مولى ابنِ عمرَ أَنَّ عمرَ سأل رسولَ اللهِ وَلِّ عن
الغسل من الجنابةِ. قَالَ الأوزاعيُّ: واتَّفقت(٦) الأحاديثُ على هذا: يبدأُ
فيفرعُ على يدِه اليمنى مرَّتينِ أو ثلاثًا، ثم يدخلُ يدَه اليمنى في الإناء
(١) (٢٦٦٩)، (٢٦٧٠) .
(٢) في («الأوسط)): ((الماء)).
(٣) (٢٠٦/١) .
(٤) الذي عند النسائي: ((فأخذ بكفه))، وهذه الزيادة عند الدار قطني في ((السنن)) (١١٤/١).
(٥) ((المسند)) (٦ / ١٧٠).
(٦) في المطبوع من ((المجتبى)) (٢٠٥/١): ((واتسقت)).
٢٣٦

١ - باب الوضوء قبل الغسل
الحديث: ٢٤٨
فيصبُّ بها على فرجِه ويدُهُ اليسرى على فرجِه فيغسل ما هنالك حَتّى
يُنْقِِّه، ثم يضعُ اليسرى على التُرابِ إن شاء، ثم يصبُّ على يدِه اليسرى
حَتَّى يُنقِّيَها، ثم يغسل يديه ثلاثا ويستنشقُ ويمضمضُ ويغسلُ وجهَه
وذراعيه ثلاثا ثلاثا حَتَّى إذا بلغ رأسَه لم يَمْسحه، وأفرغَ عليه الماءَ،
وهكذا كانَ[غسل](١) رسول الله وَّله فيما ذُكِرَ لنا.
خرَّجه النسائي(٢).
وهذا ممَّا رواه الأوزاعيُّ بالمعنى الذي فَهِمَه من حديث عائشةَ وحديث
عمر؛ وليسَ هو لفظ حديثهما؛ ولكنَّه إلى لفظ حديث عمرَ أقربُ؛ فإنَّ
حديثَ عمر رُوي بمعنى مقاربٍ لما قاله الأوزاعيّ من غيرِ طريقه. خرَّجه
الإمام أحمد(٣) من طريقِ شعبةَ، عن عاصم بن عمرو البجلي، عن رجلٍ
حدَّثَه أَنَّهم سألوا عمرَ عن غسلِ الجنابة وعن صلاةِ التطوعِ في البيتِ
وعن مايصلحُ للرجلِ من امرأتِه وهي حائضٌ فقال: لقد سألتموني (٤) عن
شيءٍ ما سألني عنه أحدٌ منذ سألتُ عنه رسولَ الله وَالر قال: ((صلاةٌ
الرجلِ في بيته تطوعًا نورٌ، فمن شاءَ نوَّرَ بِيتَه))، وقال في الغسلِ من
الجنابة: ((يغسلُ فرجَه، ثم يتوضأُ، ثم يفيضُ على رأسِه ثلاثا»، وقال في
الحائضِ: ((مافوق الإزار))(٥).
وخرَّجَه الإسماعيليّ في ((مسند عمر)) من طريقٍ أخرى، عن عاصمٍ،
وُ
(٢) (٢٠٥/١) .
(١) زيادة من ((سنن النسائي)).
(٣) ((المسند)) (١٤/١) بالمعنى.
(٤) في ((ط)): ((سلمتموني)). وصوبناه.
(٥) قال علي بن المديني: ((هذا حديث مرسل، وعاصم بن عمرو لم يلق عمر بن الخطاب))
انطر ((مسند الفاروق)) (١٢٩/١) للحافظ ابن كثير، و((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص/ ١٥٣).
٢٣٧

الحديث: ٢٤٨
كتاب الغسل
وفي بعض رواياته: ((توضّأُ وضوءَك للصَّلاة، ثم أفض الماءَ على رأسك،
ثم على جسدك، ثم تنحَّ من مغتسلك فاغسلْ رجليك)). وفي رواية له(١)،
عن عاصمٍ، عن عميرٍ مولى عمر: أَنَّ نفرًا سألوا عمر، فذكر الحديثَ،
وقال في حديثه: ((وأَمَّ الغسلُ فتفرغ بشمالك على يمينك، ثم تُدخِل يَدك
في الإناءِ، ثم تغسل فرجَك وما أصابك، ثم تفرغُ على رأسك ثلاثَ
مرَّات، تدلكُ رأسَك كلَّ مرةٍ، ثم تغسلُ سائرَ جسدك)).
ورواه ابنُ أبي ليلى، عن عاصم بن عمرو البجليِّ، عن عمرو بن
شرحبيل - وهو: أبو ميسرة - عن عُمر، وقد ذكر الحديثَ وقال فيه:
((وأما الغسلُ من الجنابةِ فصُبَّ بيمينك على شمالِك واغسلْها واغسلْ
فرجَك وتوضَّأْ (٣ - أ/ ط) وضوءَك للصَّلاةِ، ثم أَفِضْ على رأسِك
وجسدك، ثم تَحَوَّلْ فاغسلْ قدميك)) .
خرَّجه الإسماعيليُّ .
وقد فَهِمَ الأوزاعيَّ من حديثٍ عمرَ، وعائشةَ أنَّ الوضوءَ يكونُ ثلاثا
ثلاثا إلى مسحِ الرأس، ولا يمسحُ الرأسَ؛ بل يصبُّ عليه الماءَ ثلاثَ
مراتٍ، فيكتفي بغسلِه للجنابة عن مسحِهِ، ثم يصب الماءَ على سائرِ
وُ
جسده ويغسل رجليه .
فأمَّا القولُ باستحبابِ تثليثِ الوضوء قبلَ غسلِ الجنابة، فقد نصَّ
عليه سفيانُ الثوري، وإسحاق بن راهويه، وأصحابنا. ولم ينصَّ أحمدُ
إلا على تثليثِ غسلٍ كفّيه ثلاثًا وعلى تثليثِ صبِّ الماءِ على الرأسِ
(١) عند ابن ماجه عقب حديث (١٣٧٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٦٤) ووقع فيه:
عاصم بن عُمر - تصحيف .
٢٣٨

١ - باب الوضوء قبل الغسل
الحديث: ٢٤٨
وأما القولُ بأنَّه لا يمسحُ رأسَه؛ بل يصبُّ عليه الماءَ صبّا ويكتفي بذلك
عن مسحِه وغسلِه للجنابةِ: فهذا قد رُوِيَ صريحًا عن ابنِ عمرَ، ونصَّ
عليه إسحاقُ بن راهويه، نقلَه عنه حرب، ونقله أبو داود(١) عن أحمدَ
ونقل عنه قال: لا يغسلُ رجليه قبل الغسل .
ورُويَ عن ابن عمرَ أنه قال: توضَّأْ وضوءَك للصلاة إلا رجليك(٢).
وظاهرُ هذا أَنَّه يمسحُ رأسَه ولا يغسلُ رجليه . وهو قولُ الثوريّ
وغيرِه من العلماء .
والاكتفاءُ بغسلِ الرَّأْسِ عن مسحِهِ يدل(٣) على أَنَّ غسلَ الرأسِ في
الوضوءِ يجزئُ عن مسحِهِ؛ لكنَّه في الوضوءِ المفردِ مكروهٌ، وفي الوضوءِ
المقرونِ بالغسل غيرُ مكروه .
وذهبتْ طائفةٌ من العلماءِ إلى أنَّه يكملُ وضوءَه كلَّه بمسحٍ رأسه
وغسلِ قدميه قبلَ الغسلِ: وهو المشهورُ عند أصحابِنا، وهو قولُ الخلالِ
وصاحِبِه أبي بكر، وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في أشهرِ قوليه؛ لظاهرٍ
حديث عائشةَ الذي خرَّجه البخاريُّ هاهنا (٤)، وقالوا: حديثُ عائشةَ
حكايةٌ عن فعلِ النبيِ نَّهِ الدَّائمِ في غسلِه للجنابةِ، وأَمَّا ميمونة(٥) التي
روتْ تأخيرَ غسل رجليه فإنَّها حكتْ غسلَه في واقعة عين؛ ولكن قد
تبيَّن أَنَّهِ رُويَ عن عائشة مايوافقُ حديثَ ميمونةَ في تأخيرِ غسلِ القَدمين،
(١) في ((المسائل)) (ص/ ١٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٢/١)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٠) في ((مصنفيهما)).
(٣) فى ((ط)): ((تدل)) وما أثبتناه أقرب للصواب.
(٤) (٢٤٨) .
(٥) كما سيأتي برقم (٢٥٧).
٢٣٩

الحديث: ٢٤٨
كتاب الغسل
ولم يأتِ عنها ولا عن غيرِها التَّصريحُ بمسحِ الرَّأْس في الوضوء .
ونصَّ أحمدُ في رواية جماعة على أَنَّه مخيرٌ بين تكميلِ الوضوءِ أو
لا وبين تأخيرِ غسلِ الرجلين إلى أن يكملَ الغسلَ .
وحُكِي للشَّافعيِّ في تكميلِ الوضوءِ أو لا قبلَ الغسل قولان، نقلَ
عنه البُوَيْطي(١) تأخيرَ غسلِ الرجلينِ، والأصحُّ عند أصحابِهِ: التَّكميلُ.
وقال سفيانُ الثوريُّ: يتوضَّأُ ثلاثا ثلاثا إلى أن ينهي (٢) إلى رأسه
فيمسحه مرةً ثم يفيضُ عليه ثلاثا ويبالغ بالماءِ أصولَ الشَّعر ويغسل لحيته
وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، ثم يفرغُ على سائرِ جسدِه من الماء (٣ -
ب/ط)، ثم يتنحى عن مكانه فيغسل قَدَميه . هكذا حكى أصحابُه عنه
في ◌ُتبهم .
والذين قالوا: يكملُ وضوءَه قبل الغسلِ قالوا: لا يعيدُ غسلَ قدميه
بعده. قَالَه إبراهيمُ النخعيَّ، ومسلم بن يسار(٣)، وهشام بن عروة، وأبو
الأسود يتيم عروة، ونصَّ عليه أحمدُ .
ومن أصحابنا من قال: يُستحبُّ إعادةُ غسل قدميه إذا انتقل من
مكانه تطهيراً لهما وتنظيفًا. وحكى الترمذيّ في كتابه (٤) ذلك عن أهلٍ
العلم، وفيه نظرٌ. وقد كانَ الشَّعبيُّ(٥) إذا خرجَ من الحمامِ يخوضُ ماءَ
(١) هو الإمام يوسف بن يحيى البُوَيطي المصري له ((المختصر)) الذي اختصره من كلام
الشافعي، انظر ترجمته في ((طبقات الشافعية)) (١٦٢/٢ _ ١٦٥).
(٢) كذا في ((ط)) ولعل الصواب: ((ينتهي)).
(٣) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٦٩/١).
(٤) ((الجامع)) عقب حديث (١٠٤).
(٥) في ((ط)): ((الشبعي)) خطأ.
٢٤٠