Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل الحديث: ٢٦ ذلكَ؛ فإنه لا يُخالفُ فيه أحدٌ، فصارَ الإيمانُ كلُّه - على ما قررهُ - عملا . والمقصودُ بهذا الباب: تقريرُ أَنَّ قولَ اللِّسان: عملُه؛ واستدَّلَ لذلك بقوله تعالى ﴿وَتَلْكَ (١) الْجَنَّةُ الَّتِي (١٩٦ - أ/ ف) أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٢] وقوله ﴿لمثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٦١]. ومعلومٌ أنَّ الجنةَ إنما يَستحقُ دخولَها بالتَّصديقِ بالقلبِ مع شهادةِ اللِّسان، وبهما يخرجُ مَنْ يخرجُ مِنْ أهلِ النَّارِ فيدخلُ الجنَّةَ - كَمَا سبق ذكره. وفي «المسند»، عن معاذ بن جبلٍ مرفوعًا: ((مِفْتَاحُ الجنَّةِ: لا إِلَّهَ إِلا الله)) (٢) . وَحَكَى البخاريُّ عَنْ عدةٍ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّهم قالُوا فِي قولهِ تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَأُنُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢]: عن قول لاَ إِلَهَ إلا اللهُ؛ فَفَسَّرُوا العملَ بقولِ كلمةِ التوحيدِ . وممن رُوِيَ عنه هذا التفسيرُ: ابنُ عمر، ومجاهد(٣). ورواه ليثُ بنُ أبي سُلَيْمٍ ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَنَسٍ موقوفًا(٤). ورُويَ عنه مرفوعًا - أيضًا - خَرَّجَه الترمذيُّ وغَرَّبَهُ(٥) . (١) كتبها في ((ف)): ((تلكم)) وأصلحها . (٢) ((المسند» (٢٤٢/٥). (٣) أخرج أثر ابن عمر ومجاهد: ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٤٦/١٤). (٤) رواه ابن جرير في تفسيره)) (٤٦/١٤). (٥) الترمذي (٣١٢٦)، وأخرجه مرفوعًا - أيضًا - ابن جرير في «تفسيره)) (٤٦/١٤). ١٢١ الحديث: ٢٦ كتاب الإيمان وقالَ الدار قطنيُّ: ليثٌ غيرُ قويٌّ،، ورَفْعُه غيرُ صحيحٍ(١). وقد خالف في ذلك طوائفُ من العلماءِ من أصحابِنَا وغيرِهم كأبي عبدِ اللهِ بنِ بطة؛ وحملوا العملَ في هذه الآياتِ على أعمالِ الجوارحِ؛ واستدلُّوا بذلكَ عَلَى دخولِ الأعمالِ في الإيمانِ . وأما حديثُ أبي هريرةَ: فهو يدلُّ على أَنَّ الإيمانَ بالله ورسوله عملٌ لأنه جَعَله أفضلَ الأعمالِ، والإيمانُ بالله ورسولهِ الظاهرُ أنَّه إنَّما يُراد به الشهادتان مع التَّصديقِ بِهما؛ ولهذا وردَ في حديثٍ: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ))(٣) وفي روايةٍ ذكرَ ((الإِيمَانُ بالله ورسوله)) بدلَ ((الشَّهادتينِ))؛ فدل على أَنَّ المرادَ بهما واحدٌ؛ ولهذا عطفَ في حديث أبي هريرةَ على هذا الإيمانِ ((الجهادَ)) ثم (الحج)، وهما مِمَّ يدخل في اسمِ الإيمانِ المطلقِ؛ لكنِ الإيمانُ باللهِ أخصُّ من الإيمانِ المطلقِ، فالظاهرُ أنه إِنَّما يُرادُ بِهِمَا الشَّهادتانِ مَعَ الَّصديقِ بهمَا، فإذا سمَّى الشَّهادتينِ عملا دلَّ على أنَّ قَولَ اللِّسانِ عملٌ. وَقَدْ كَان طائفةٌ من الْمُرْجِئَة يقولونَ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ - موافقةً لأهلِ الحديثِ -، ثم يفسرونَ العملَ بالقولِ ويقولونَ: هو عملُ اللِّسان. وقد ذكر الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن شبابة بن سوار وأنكرهُ عليه وقال: هو أخبثُ قولِ، ما سمعتُ أَنَّ أَحدًا قال به ولا بلغنِي. يعني أنه بدعةٌ لم يقلْهُ أَحدٌ ممن سلف (٣) . (١) الدارقطني في ((علله)) (٤ / ق ٣٣ - ب). (٢) سبق وهو حديث رقم (٨). (٣) ((السنة)) للخلال (٩٨٢)، وذكره ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٧ /٢٥٥)، وابن حجر في «تهذيبه)» (٤ /٣٠٢). ١٢٢ ١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل الحديث: ٢٦ لعلَّ مرادَه إنكارُ تفسيرٍ قَولِ أَهْلِ السنَّةِ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ بهذا التفسير؛ فإنَّه بدعةٌ وفيه عيِّ وتكريرٌ؛ إذ العملُ عَلى هذا هو القولُ بعينِهِ، ولا يكونُ مرادُه إنكارَ أن القولَ يُسمَّى عملا. ولكن رُويَ عنه ما يدلُّ على إنكارِ دخولِ الأقوالِ في اسمِ الأعمالِ، فإنهُ قالَ في روايةِ أبي طالبٍ - في رجلٍ طَلَّقَ امرأتَه واحدةً ونَوى ثلاثًا، قالَ بعضُهم: له فيَّتُه، ويَحْتَجُّ بقولِهِ: ((الأعمالُ بِالنِّيات)) قال أحمدُ: ما يشبهُ هذا بالعملِ؛ إنَّما هذا لفظُ كلَامِ الْمُرْجِئَةِ يقولونَ: القولُ هو عملٌ. لا يُحكمُ عليه بالنِّةِ وَلَا هُوَ مِنْ العملِ . وهذا ظاهرٌ في إنكارِ تسميةِ القولِ عملا بكلِ حالٍ وأنَّه لا يدخلُ ء تَحْتَ قوله ((الأعمالُ بالنِّيات)» . وكذلك ذكر أبو بكرٍ عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ في كتابِ ((السنَّةَ)). وهذا على إطلاقه لا يصحُّ؛ فإن كناياتِ الطلاقِ كلَّها أقوالٌ ويعتبرُ لها النِّية، وكذلك ألفاظُ الأَيْمَان والنُّورِ أقوالٌ ويعتبر لها النِّيةُ وألفاظُ عقودِ الْبَيْعِ (١٩٦ - ب / ف) والنكاحِ وغيرِهما أقوالٌ ويُؤْثِّرُ فيها النِّيّةُ عنْدَ أحمدَ، كما تُؤْثِّرُ النِّيّةُ [في] (١) بطلانِ نكاحِ التحليلِ وعقودِ التّحليلِ على الرِّبًا. وقدْ نصَّ أحمدُ على أنَّ مَنْ أعتقَ أَمْتَه وجعلَ عِثْقَها صَدَاقَها أَنَّه يعتبرُ له النّةُ، فإنْ أرادَ نكاحَها بذلكَ وعِثْقَها اِنْعقَدَاً بهذا القولِ. وكذلكَ ألفاظُ الكفرِ المحتملةُ تَصِيرُ بالنِّيةِ كُفْرًا . (١) كلمة ((في)) ليست في (ف)) وهي لازمة في السياق. ١٢٣ الحديث: ٢٦ كتاب الإيمان وهذا كلُّهُ يَدل على أن الأقوالَ تدخُلُ في الأعمالِ ويعتبرُ لها النية . ومسألةُ الطلاقِ المذكورةُ فيها عن أحمدَ روايتانِ - أيضًا . وقد خرَّج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابِ ((الطلاق)) له بدخول القولِ في العملِ، وأن الأقوالَ تدخلُ في قولِهِ نَّهِ((الأعمالُ بالنِّيات)). وأبو عُبيدٍ مَحلُه من معرفةٍ لغةِ العربِ المحلُّ الذي لا يجهلُه عالمٌ. وقد اختلفَ الناسُ لو حلفَ لا يعملُ عملاً أو لا يفعلُ فعلاً فقالَ قولا هلْ يَحْنثُ أَمْ لا؟ وكذا لو حلفَ ليفعلنَّ أو ليعملنَّ هل يبرُ بالقولِ أم لا؟ وقد حكَى القاضي أبو يعلي في ذلكَ اختلافًا بين الفقهاء، وذكرَ هو في كتاب ((الأَيمان)) له أنه لا يبرُّ ولا يَحْنثُ بذلك. وأخذه من رواية أبي طالب، عن أحمدَ - التي سَبَقَ ذكرُها - واسْتَدَلَّ له بأنَّ الأَيْمَانَ يُرجعُ فيها إلى العُرْفِ، والقولُ لا يُسمَّى عَملا في العُرف؛ ولهذا يُعْطفُ القولُ على العملِ كَثِيرًا فيدل على تغَايُرِ هِمَا عُرْفًا واستعمالا . ومِنَ النَّاسِ مَنْ قال: القولُ يدخلُ في مسمَّى الفِعلِ ولا يدخلُ في مسمّى العملِ . وهو الَّذِي ذكره ابنُ الخشَّابِ النَّحوي(١) وغيرُه. وقد ورد تسميةُ القول فعلا في القُرآنِ في قَوْلِهِ تعالَى ﴿وَكَذَلكَ جَعَلْنَا لِكَلِّ نَبِيِّ عَدُوا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأَنْعَامِ: ١١٢]. (١) ترجمه السيوطي في ((بغية الوعاة)) (٢ /٢٩). ١٢٤ ٥. م فَصْلٌ قال البخاريّ: ١٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإسلامُ على الحَقِيقَةِ وكانَ على الاستسلامِ أوِ الخوفِ مِنَ القَّلِ لِقَوْلِهِ عزَّ وجلَّ ﴿قَالتِ الأعرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكن قُولَّوا أَسْلَمِنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فإذَا كانَ على الحقيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ(١) ﴿إِنَّ الدِّينَ عندَ الله الإسلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. [وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيّرَ الإسلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ﴾](٢) [آل عمران: ٨٥]. معنى هذا الكلام: أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ : أحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ وهو دينُ الإسلامِ الذي قالَ اللهُ فيه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ﴾ . والثاني: باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا مع عدمٍ إسلامِ الباطنِ إذا وقَعَ خوفًا كإسلامِ المنافقينَ، واستدَلَّ بقوله تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنَ قُولُوا أسْلَمِنَا وَلَمَّا يَدخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وحمَلَه على الاستسلامِ خوفًا وتقيَّةً. (١) زاد في ((اليونينية)): ((جل ذكره)). (٢) ما بين المعقوفين ليس في ((اليونينية))، وهو ثابت في بعض نسخ الصحيح، وإليه أشار في ((اليونينية)) . ١٢٥ كتاب الإيمان وهذا مرويّ عن طائفة من السَّلف، منهم: مجاهدٌ، وابنُ زيد، ومقاتلُ بْنُ حَيَّان وغيرُهم(١). وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرِ الْمَرْوزِيُّ(٢) - كما رجَّحهُ البخاريُّ -؛ لأنهما لا يفرقانِ بين الإسلامِ والإيمانِ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ. وهو اختيارُ ابنِ عبد البرِ، وحكاه عن أكثر أهلِ السّنة من أصحاب ءُ مالك والشافعي وداودَ. وأمَّا مَنْ يُفَرِّقُ بين الإسلامِ والإيمانِ فإنه يستدلُ بهذه الآية (١٩٧ - أ /ف) على الفرق بينهما ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيٌ الإسلام كما نَفى الإيمانَ عن الزاني والسارقِ والشاربِ وإن كان الإسلامَ عنهم غير منفيً. وقد ورد هذا المعنى في الآيةِ عن ابنِ عباسٍ، وقتادةَ، والنَّخعي، ورُويَ عن ابن زيد معناهُ - أيضًا -، وهو قولُ الزهريِّ، وحمادِ بنِ زيدٍ، وأحمدَ، ورجَّحَه ابنُ جريرٍ وغيرُه(٣). واستدلوا به على التفريقِ بين الإسلامِ والإيمانِ. وكذا قال قتادة في هذه الآية قال: ((قُولُوا أَسلَمنَا)): شهادةُ أَن لا إله إلا اللهُ، وهو دين الله، والإسلام درجة والإيمانُ تحقيقٌ في القلب، والهجرة في الإيمان درجةٌ، والجهاد في الهجرة درجةٌ، والقتل في سبيل الله درجةٌ. (١) راجع ((تفسير الطبري)) (٢٦ / ٩٠). (٢) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥١٠). (٣) راجع ((تفسير الطبري)) (٢٦ / ٩٠)، و((تفسير ابن كثير)) (٣٦٧/٧) و((الدر المنثور)) (٦ / ١٠٠). ١٢٦ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة خرجَه ابنُ أبي حاتم. فجعل قتادةَ الإسلامَ الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمانُ ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القومٍ لم يحققوا الإيمانَ في قلوبهم، وإنما دخل في قلوبهم تصديقٌ ضعيفٌ بحيث صَحّ به إسلامُهُم، ويدل عليه: قوله تعالى ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]. واخْتلفَ من فرق بين الإسلام والإِيمان في حقيقةِ الفرقِ بَيْنهما. فقالت طائفةٌ: الإسلامُ: كلمةُ الشِّهادتين، والإيمانُ: العملُ. وهذا مَرْويٌّ عن الزهري(١) وابن أبي ذئب(٢)، وهو روايةٌ عن أحمد(٣)، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيرِهِ من أصحابِه. ويشبه هذا: قولَ ابنِ زيد في تفسير هذه الآية قال: لم يُصَدِّقُوا إيمانَهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فقال: الإسلامُ إقرارٌ، والإيمانُ تصديقٌ(٤). وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث. وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القولَ عن أحمدَ وقال: الصحيحُ: أن مذهبه: أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ روايةً واحدةً؛ ولكن لا يُدْخِلُ كلَّ الأعمالِ في الإسلامِ كما يدخلُ في الإيمانِ، وذكر أن (١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٠٧). (٢) ((السنة)) للخلال (١٠٧٦). (٣) راجع ((المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة)) (١ /١٠٨). (٤) انظر ((تفسير الطبري)) (٢٦ / ٩٠). ١٢٧ كتاب الإيمان المنصوص عن أحمدَ أنَّه لا يُكَفِّرُ تَاركَ الصلاة؛ فالصلاة من خصالِ الإِيمانِ دون الإسلامِ وكذلك اجتنابُ الكائرِ من شرائطِ الإيمانِ دون الإسلامِ. كذا قال، وأكثر أصحابنا أنَّ ظاهرَ مذهب أحمدَ تَكفيرُ تارك الصلاة، فلو لم تكن الصلاةُ من الإسلامِ لم يكنْ تاركُها عنده كافرًا. والنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلةٌ في الإسلامِ كثيرةٌ جدّاً. وقد ذهبَ طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٍّ والإيمانَ خاصٌّ، فمن ارتكب الكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمانِ الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامةِ . هذا مَرْويٌّ عن أبي جَعْفَرٍ مُحَمد بنِ علي، وضعَّفْه ابنُ نصرِ المَرْوَزِيُّ من جهة راويهِ عنه وهو فضيل بنُ يَسَارِ، وطعن فيه (١)، ورُويَ عن حَمَّاد ابنِ زيدِ نحو هذا - أيضًا. وحُكيَ رواية عن أحمدَ - أيضا -؛ فإنه قال في رواية الشالنجي(٢) في مرتكبِ الكبائرِ: يخرج من الإيمانِ ويقع في الإسلامِ. ونقل حَنْبَلٌ عن أحمدَ معناه(٣). وقد تأوَّلَ هذه الروايةَ القاضي أبو يَعْلَى وأقرها غيره، وهي اختيارٌ أبي عبدِ اللهِ بْنِ بَطَّةَ وابنِ حامد وغيرِهما من الأصحابِ. وقالت طائفةٌ: الفرقُ بين الإسلامِ والإيمانِ: أن الإيمانَ هو التصديقُ تصديقُ القلبِ فهو عِلْمُ القلبِ وعملُهُ، والإسلامَ: الخضوعُ والاستسلامُ والانقيادُ؛ فهو عمل القلبِ والجوارحِ. (١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٧٥). (٢) هو: إسماعيل بن سعيد، مترجم في ((طبقات الحنابلة)) (١٠٤/١). (٣) ((السنة)) للخلال (١٠٨٠). ١٢٨ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وهذا قول كثيرٍ من العلماء، وقد حكاه أبو الْفَضْلِ التّمِيمِي عن أصحابِ أحمدَ، وهو قول طوائف من المتكلمين (١٩٧ - ب / ف)؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ وتدخلُ في الإسلامِ . وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ فعندهم أنَّ الأعمالَ تَدخلُ في الإيمانِ مع اختلافهم في دخولِها في الإسلامِ - كما سبق - فلهذا قال كثيرٌ من العلماء: إن الإسلامَ والإيمانَ تختلف دلالتهما بالإفراد والاقترانِ، فإن أُفْرِدَ أَحَدُهما دخل الآخر فيه، وإن قُرِنَ بينهما كانا شيئين حينئذ. وبهذا يُجْمع بين حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ ففرق النبيّ وَله بينهما، وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسّر فيه النبيّ صَلَالـ وَسِيَّلة الإيمانَ المنفردَ بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديثٍ جبريلَ. وقد حكى هذا القولَ أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهلِ السنةِ والجماعة، ورُويَ عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه(١)، وهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألة وأشبهُها بالنصوصِ واللهُ أعلمُ. والقول بالفرقِ بين الإسلامِ والإيمانِ مَرْويٌّ عن: الحَسَنِ، وابنٍ سيرينَ، وشَريك، وعبد الرحمنِ بنِ مَهْدِي، ويَحْيَى بِنِ مَعِينٍ، ومؤملٍ ابنِ إهابٍ، وحُكيَ عن مالك - أيضًا -، وقد سبق حكايتُه عن قتادةَ، وداودَ بنِ أبي هندٍ، والزهريِّ، وابنِ أبي ذئبٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ، وأحمدَ(٢)، وأبي خَيْثَمَة، وكذلك(٣) حكاهُ أبو بكرِ بنُ السمعاني عن أهلِ (١) انظره في «تعظيم قدر الصلاة))، (٢ / ٥٢٨). (٢) راجع معظم هذه الأقوال في ((السنة)) للخلال (١٠٧٣ - ١٠٨٣)، و((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٠٦ - ٥١٧). (٣) في ((ف)): ((فكذلك))، وما أثبتناه موافق للسياق. ١٢٩ الحديث: ٢٧ كتاب الإيمان السنة والجماعة جملةً. فحكايةُ ابنِ نصرٍ (١) وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جيد؛ بل قد قيل: إِنَّ السلفَ لم يُرَوَ عنهم غيرُ التفريقِ، واللهُ أعلم. وخرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثَ: ٢٧ - الزُّهْرِيِّ، عَنْ (٢) عَامِرِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النبيَّ ◌َ أَعْطَى رَهْطَّا وَسَعْدٌ جَالسٌ فتركَ رسولُ اللهِوَِّ رَجَّلَا هُوَ أَغَجَبُهُمْ إِلِيَّ فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ الله(٣) عَنْ فُلانِ؟! فَوَهِ إِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا)) فَسَكَتَّ قَلِيلاً ثُمَّ غَيْنِي مَا أَغْلَمُ مِنْهُ(٤) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله(٥)! مَالَكَّ عَنْ فُلاَن؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ (٦): (أَوْ مُسْلِمًا)) فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي وَعَادَ رَسُولُ اللهِ وَ ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ! إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ خَشَْةَ أَنْ يَكْبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ». خرَّجه من طريقِ شعيب، عن الزهري، ثم قال: رواه يُونُسُ وصالحٌ ومعمرٌ وابنُ أخي الزهريِّ، عن الزُّمريّ(٧). وقد رواه ابن أبي ذئب - أيضا -، عن الزهري كذلكَ. (٢) في ((اليونينية)): ((أخبرني)). (١) ((تعظيم قدر الصلاة))، (٢ / ٥٣١). (٣) فى ((اليونينية)): ((يا رسول الله مالك)). (٤) زاد في ((اليونينية)): ((فعدت لمقالتي)). (٥) ((يارسول الله)) ليس في ((اليونينية)). (٦) في ((اليونينية)): ((فقال)). (٧) راجع ((أطراف الغرائب)): (٥٠١) بتحقيقنا، وقال هناك: ((صحيح من حديث معمر، عن الزهري، وغريب من حديث المعتمر، عن عبد الرزاق، عنه، تفرد به: صالح بن حاتم ابن وردان)). ا. هـ. ١٣٠ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة الحديث: ٢٧ ورواه العباس الخلال(١) ، عن الوليد بن مسلم، عن ابن وهب. ورشدين بن سعد، عن يونس، عن الزهريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ ابنِ عوفٍ، عن أبيه، عن النبيِّ بََّ، وأَخْطَنَا في ذلك. نَقله ابنُ أبي حاتمٍ الرازيُّ عن أبيهٍ(٢). فهذا الحديثُ محمولٌ عند البخاريِّ على أن هذا الرجلَ كان مُنافقًا، وأن الرسولَ بِّهِ نفى عنه الإيمانَ وأثبت له الاستسلامَ دون الإسلامِ الحقيقي، وهو - أيضًا - قولُ محمدِ بنِ نصرِ المروزِيُّ.( وهذا في غايةِ البعدِ، وآخر الحديث يردّ على ذلك، وهو: قولُ النبيِّ بَّه : ((إِنِّي لأُعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليَّ مِنه)) فإن هذا يدل على أَنَّ النَّبِيَّ وَّ وَكَلَهُ إِلى إيمانهِ كما كان يُعطي المؤلفةَ قُلُوبُهُم ويمنع المهاجرينَ والأنصارَ. ءِ وزعم عليّ بنُ المدينيِّ في كتاب ((العلل)) له أن هذا مِن بابِ المزاحِ من النبي وبَّله؛ فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقّا، فأوهمَ سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ؛ بل مسلمٌ وهما بمعنَّى واحدٍ كما يقول (١٩٨ - أ / ف) لرجلٍ يُمازحهُ وهو يدعى أنه أخٌ لرجلٍ فيقول: إنَّما أَنتَ ابنُ أَبِيهِ أَو ابنُ أُمّه، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد. وهذا تعسفٌ شديدٌ. والظاهرُ - والله أعلم - أن النبيّ وَلّ زجرَ سعدًا عن الشهادة بالإيمان؛ ے (١) هو العباس بن الوليد بن صبح، له ترجمة في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر . (٢) فى ((علله)): (٢ / ١٥١). (٣) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢/ ٥١٠). ١٣١ الحديث: ٢٧ كتاب الإيمان لأن الإيمانَ باطنٌ في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه، فالشهادةُ به شهادةٌ على ظنِّ فلا ينبغي الجزمُ بذلكَ كما قالَ: ((إن كنتَ مادحًا لا مَحَالةَ فقل: أَحْسَبُ فلانًا كذا ولا أزكِّي على الله أَحدًا))(١)، وأَمَرَهُ أن يشهدَ بالإسلامِ لأنه أمرٌ مطلعٌ عليه كما في ((المسند)) عن أنس مرفوعا: ((الإسلامُ علانية، والإيمان في القلبِ))(٢). ولهذا كَرِهَ أكثرُ السلفِ أن يُطلقَ الإنسانُ على نفسِهِ أَنَّه مؤمنٌ، وقالوا: هو صفةُ مدحٍ، وتزكيةٌ للنفسِ بما غابَ من أعمالها؛ وإنَّما يشهد لنفسه بالإسلام لظهورِه، فأمَّا حديثُ: ((إذا رأيتُم الرجلَ يعتادُ المسجدَ فاشهدُوا له بالإيمان)): فقد خرَّجه أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه من حديثِ درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا(٣). وقال أحمدُ: هو حديثٌ منكرٌ، ودرَّاج له مناكيرُ (٤)، واللهُ أعلم. وهذا الذي ذكره البخاريّ في هذا البابِ من الآيةِ والحديثِ إِنَّما يطابقُ التبويبَ على اعتقاده أنَّه لا فرق بين الإسلامِ والإيمانِ . (١) البخاري (فتح: ٢٦٦٢). (٢) ((المسند))(٣ / ١٣٤)، من طريق علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس، وعلي فيه توثيق وقال البخاري في ((التاريخ)): ((فيه نظر)). وليس من أصحاب قتادة، وقتادة مدلس، وقد عنعن . (٣) ((المسند)) (٣ /٦٨، ٧٦)، والترمذي (٣٠٩٣)، وابن ماجه (٨٠٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٣ /١١٤). وأحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف. قاله أحمد . (٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٣ /١١٦) ولدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غرائب، انظر بعضها في ((أطراف الغرائب)) (٤٨٨١_٤٨٨٣) بتحقيقنا، و((الكامل)) لابن عدي (١١٣/٣) وإنكار الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث مع إخراجه له في ((المسند)) يدل على أن مجرد إخراج الحديث في مُصنَّفٍ لم يشترط صاحبه الصحة لا يعني رضى الإمام عنه. ١٣٢ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة الحديث: ٢٧ وأمَّا على قول الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما: فإنما ينبغي أن يُذكر في هذا الباب قولُه عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]؛ فإن الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخلقِ كلِّهم له وخُضُوعَهم، فأمَّ المؤمنُ فيستسلمُ ويخضعُ طَوْعًا، وأمَّا الكافر فإنَّه يضطرُّ إلى الاستسلامِ عند الشدائدِ ونزولِ البلاءِ به كَرْهًا ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلكَ كله كما أخبر اللهُ عنهم بذلك في مواضعَ كثيرةٍ من القرآن . والحديثُ الذي يُطابق البابَ على اختيارِ المفرقينَ بين الإسلامِ والإيمان: قولُ النبيِ نَّله في ذكر قرينه من الجن: ((ولكنّ اللهَ أعانَنِ عليهِ فأسلَم))(١). وقد رُويَ بضم الميم وفتحها؛ فمن رواه بضمها قال: المراد: أي أنا أسلمُ مِنْ شَرّهِ، ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسره بأنه أَسْلَمَ مِنْ كُفْرِهِ فَصَارَ مُسْلِمًا . وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرَّجها البزارُ فى ((مسنده)) (٢) بإسناد فيه ضعفٌ. ومنهم من فسَّرّه بأنه استسلم وخضع وانقاد كَرها، وهو تفسيرُ ابنِ عُيَيْنَةَ وغيرِهِ، فيطابقُ على هذا ترجمةَ الباب، واللهُ أعلمُ. (١) مسلم (٢٨١٥). (٢) (كشف: ٢٤٣٨ - ٢٤٣٩)، و((التاريخ)) للبخاري (٢٣٩/٤). ١٣٣ كتاب الإيمان ٢٠ - فَصْل(١) قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الإِيمانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنْ الإِنْتَارِ. هذا الأثرُ معروفٌ من رواية أبي إسحاقَ، عن صلة بنِ زُفر، عَن عمَّار، رواه عنه الثوريّ وشعبةُ وإِسْرَائيلُ وغيرُهم . ورُويَ عن عبد الرزََّق، عن معمر، عن أبي إسحاقَ مرفوعًا . خرَّجه البزارُ وغيرُهُ(٢)، ورَفْعُهُ وهمٌ، قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وتردد أبو حاتم هل الخطأُ منسوبٌ فيه إلى عبد الرزاق أو معمر(٣)؛ ومعمر ليس بالحافظِ الحديثِ العراقيينَ كما ذكر ابنُ معين وغَيَرُه(٤). وقد رُويَ مرفوعًا من وجهينِ آخرينٍ ولا يثبتُ واحدٌ منهما (٥). وإنما ذكر البخاريُّ قولَ عمارٍ في بابِ ((إفشاءُ السَّلامِ مِنَ الإسلامِ)) لأنه لا يفرق بين الإسلام والإيمان - كما تقدم. (١) باب ((إفشاء السلام من الإسلام)). (٢) ((البحر الزخار)) (٢٣٢/٤) من طريق الحسن بن عبد الله الكوفي. وابن الأعرابي من طريق محمد بن الصباح الصغاني (٤/ ٧٠) والبغوي في ((شرح السنة)) من طريق أحمد بن كعب الواسطي (فتح: ٨٢/١) ثلاثتهم عن عبد الرزاق به مرفوعا . وأوقفه عنه الدبري كما في ((المصنف)) (٣٨٦/١٠) وأحمد بن منصور الرمادي كما في ((التغليق)) (٣٨/٢) وذكر أن من رفعه روى عن عبد الرزاق بآخرة. (٣) ((علل الرازي)) (١٤٥/٢). (٥) ((تغليق التعليق)) (٤٠/٢). (٤) ((شرح علل الترمذي)) للمصنف (٧٧٤/٢) . ١٣٤ ٢٠ - باب إفشاء السلام من الإسلام الحديث: ٢٨ ثم خرج البخاريّ حدیث: ٢٨ - عَبْد الله بنِ عَمْرِو قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ(١) وَّةِ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((أَن (٢) تُطَعِمَّ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَّى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنَّ لَمْ تَغْرِفَ)). وقد خرَّجه - فيما مضى - وبوَّب عليه باب ((إِطعامِ الطعامِ مِنَ الإِسلام))(٣) وقَولُ عمَّارِ فيه زيادةٌ على هذا الحديثِ بذكرِ الإنصافِ من النفسِ، وهُوَ من أَعزِّ الخصال، ومَعناهُ: (١٩٨ - ب /ف) أَن يَعرِفَ الإنسانُ الحقَّ على نفسِهِ ويُوفيهِ مِن غيرِ طَلبٍ . وفيه - أيضا -: زيادةُ الإِنفاقِ مِن الإِقتارِ؛ ويَشهدُ لفضله: قولُهُ تَعالَى وَوَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خِصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وفي ((المسندِ)) من حديث عليّ بن أبي طالبٍ أَن ثلاثةً تصدَّقُوا: رَجلٌ كان له أَلفُ درهم فتصدقَ بمائة، وآخرُ كان له مائةٌ فَتصدقَ بعشرةٍ، وآخرُ كَان لهُ عشرةٌ فَتصدقَ بدرهمٍ، فقال النبيُّ ◌ِلّهِ: ((أنتمُ في الأجرِ سواءٌ)(٤). يَعني أَنَّ كلا مِنهم تصدَّقَ بِعُشْرِ مَالِهِ، فَاعتبرَ الباقيَ بعدَ الصَّدقةِ؛ فَمن تصدَّقَ بدرهم وَبَقيَ لهُ بعدَهُ مالٌ كثيرٌ ليسَ كَمن تصدّقَ بِدرهم وبَقِيَ له بعدَهُ دِرهمٌ آخرُ أَو درهمانٍ. (١) في ((اليونينية)): ((أن رجلا سأل رسول الله)). (٣) الباب رقم: (٦)، والحديث رقم: (١٢). (٤) ((المسند)) (١ /٩٦، ١١٤ - ١١٥). (٢) ((أن)) ليست في ((اليونينية)). ١٣٥ الحديث: ٢٨ كتاب الإيمان وروى مسددٌ: حدثنا أبو قُدامةَ: ثنا صفوانُ بنُ عيسى: ثنا مُحمدُ بنُ عَجْلانَ، عن زَيدِ بنِ أَسلمَ، عن أَبي صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((سبقَ درهمٌ مائةَ ألف درهم)) قالُوا: يَا رَسولَ اللهَ! وكَيفَ يَسبقُ درهمٌ مائةَ ألف درهم؟ قَالَ: ((رجلٌ له درهمان فَأَخذَ أجودَهما فتصدقَ به، ورجلٌ له مالٌ كثيرٌ فَأخرجَ من عَرضه مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بِهَ)(١). (١) النسائي في ((الكبرى)) (٣٢/٢)، ورواه أيضًا عن اللَّيث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري والقعقاع بن حكيم، عن أبي هريرة، ويشبه أن يكون القول قول اللَّيث، والقعقاع لم يلق أبا هريرة أشار إليه البخاري في ((التاريخ)) (١٨٨/٧) ونص عليه المزي في ((التهذيب)) (٦٢٣/٢٣) وحديث ابن عجلان، عن المقبري، تكلم فيه القطان كما في ((شرح علل الترمذي)) (٢/ ٦٧٠). ١٣٦ الحديث: ٢٩ ٢١ - فَصْل١٣ُ) خَرَّجَ البخاريُّ ومُسلمٌ(٢) من حَدِيثٍ : ٢٩ - مَالك، عَنِ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَار، عَن ابْنِ عَبَّاس، عَنِ النَّبِِّ ﴿ قَلَ(٣): (أُرَيْتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ (٤) أَكْثَرَ أَهْلِهَاً النِّسَّاءَ بِكُفْرِهِن)) قيلَ: أَيَّكْفُرُونَ(٥)؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإَحْسَانَ؛ لَوَّ أَحْسَنَتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّالدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ منكَ خَيْرًا قَطُّ). وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرِ(٦). والكفرُ قد يطلقُ ويرادُ به الكفرُ الَّذي لا ينقلُ عن الملَّةِ مِثلُ كُفرانِ العَشيرِ وَنَحوِهِ عند إطلاق الكُفْرِ(٧) . فأمَّا إن وردَ الكفرُ مُقيدًا بشيءٍ فَلا إشكالَ فِي ذلك كقولِه تعالَى ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢]. وإنَّما المرادُ هَاهُنا: أَنَّهُ قد يرِدُ إطلاقُ الكُفْرِ ثُم يُفُسَّرُ بِكُفْرٍ غَيْرِ نَاقِلٍ عَن الملَّة، وهذا كما قال ابن عباس في قولِهِ تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: لَيس بالكُفْرِ الذي (٢) مسلم (٩٠٧). (١) باب ((كفران العشير)). (٣) ((قال)) ليست في («اليونينية)). (٤) كلمة ((فرأيت)) ليست في ((اليونينية)) ونبه عليها القسطلاني وغيره. (٥) في («اليونينية)): ((أيكفرن بالله)). (٦) جعل المصنف قول البخاري عقب الحديث، وهو في ((اليونينية)) وغيرها في ترجمة الباب قبل الحديث، وصنع مثله في الحديث رقم (٤٠). (٧) وقد أحال على هذا الباب من ((كتاب الإيمان)) عند شرحه لحديث (١٠٣٨). ١٣٧ الحديث: ٢٩ كتاب الإيمان تَذْهبونَ إليه؛ إنَّهُ لَيس بِكُفْرٍ يَنقلُ عَن الملةِ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كُفْرٌ دُونَ كُفْرِ . خرَّجَهَ الحَاكمُ (١) وقال: صحيحُ الإسنادِ. وعنهُ في هذهِ الآيةِ قَال: هُو بِهِ كُفْرٌ، ولَيس كَمَن كَفَرَ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتبه ورُسلهِ واليومِ الآخرِ . وكذا قال عطاءٌ وغيرُهُ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ . وقال النخعيُّ: الكفرُ كفران: كفرٌ بالله، وكفرٌ بالُنْعَم (٢) . واستدلَّ البُخاريُّ لذلك بحديثِ ابنِ عباسِ الذي خرجهُ هاهنا، وهُو حبل الله قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ خرَّجه في ((أبوابِ الكُسوفِ))(٣)؛ فإنَّ النبيَّ وَسَّام أُطلقَ على النساءِ الكُفْرَ فَسُئلَ عنه ففسَّرَهُ بِكُفْرِ العَشِيرِ . وحديثُ أَبِي سَعيدٍ(٤) في هذا المعنى يُشبهُ حديثَ ابنِ عباسٍ . وقد خُرِّجَ هذا المعنى من حديثِ ابنِ عُمَرَ، وأَبِي هُريرةً (٥) - أيضًا. وفي المعنى - أيضًا - حديثُ ابنِ مَسعودٍ، عنِ النبيِّ بِّهِ قال: ((سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقِتالُه كفرٌ». وقد خرّجه البُخاريُّ(٦) فِي موضعٍ آخرَ. وكَذلكَ قولُهُ بَّهِ: ((لا ترجعُوا بعدِي كُفَّارًا يضربُ بعضُكُم رِقَابَ (١) في ((المستدرك)) (٢ / ٣١٣). (٢) انظر هذه الأقوال في ((تفسير ابن كثير)) (١١١/٣). (٣) (فتح: ١٠٥٢). (٤) سيأتي برقم: (٣٠٤). (٥) أخرجه مسلم برقم (١٣٢ / ٧٩، ٨٠). (٦) (فتح: ٤٨). ١٣٨ ٢١ - باب كفران العشير الحديث: ٢٩ بَعضٍ))(١) . وقَولُه ((مَن قال لأخيهِ: يا كافرُ، فقد باء بها أحدهما))(٢). / وللعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددةٌ : مِنْهم: مَنْ حملَها على مَنْ فعل ذلك مستحلا لذلك. وقدْ حملَ مالكٌ حديثَ: (( مَن قالَ لأخيه: يا كافرٌ)) على الحَرورية المعتقدينَ لِكُفْر المسلمينَ بالذنوبِ. نقلهُ عنهُ أشهبُ(٣). وكذلك حمل (١٩٩ - أ / ف) إسحاقُ بنُ راهويه حديث ((مَن أتى حَائضًا أو امرأة في دبرِهَا فَقد كَفَرَ))(٤) على المستحلِّ لذلك. نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج. / ومنهم من يحملها على التغليظِ والكفرِ الذي لا ينقل عن الملة - كما تقدم عن ابنِ عباسٍ وعطاء. ونقل إسماعيلُ الشَّالَنْجِيُّ عن أحمدَ - وذكر له قولَ ابنِ عباس المتقدم وسأله: ما هذا الكفر؟ - قال أحمدُ: هو كفر لا يَنْقل عن الملة مثل الإيمان بعضُهُ دون بعضٍ، فكذلك الكفرُ حتى يَجِيءَ من ذلك أمر لا يُختلفَ(٥) فيه . قال مُحَمَّدُ بنُ نَصْرِ المَرْوزِيُّ(٦): واختلف مَنْ قال من أهلِ الحديثِ أنَّ مُرتكبَ الكبائرَ مسلمٌ وليسَ بمؤمنٍ هل يسمى كافرًا كفرًا لا ينقلُ عن الملة كما قال عطاءُ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وقال ابنُ عباس وطاوس: كفرٌ لا ينقلُ عن الملَّةُ(٧)؟ على قولين لهم. (١) البخاري (فتح: ١٢١)، ومسلم (٦٥). (٢) (فتح: ٦١٠٣)، ومسلم (٦٠). (٣) ((التمهيد)) (١٥/١٧). (٤) أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥). (٥) في ((ف)): ((تختلف)) كذا، والموافق للسياق ما أثبتناه. (٦) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٢٧). (٧) سبق وهو في ((المستدرك)) (٢ / ٣١٣). ١٣٩ الحديث: ٢٩ كتاب الإيمان قال: وهما مذهبان في الجملةِ محكيانِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ في موافقيه من أهلِ الحديثِ . قلت: قد أنكر أحمدُ في رواية المَرُّوذِيِّ ما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو أن شاربَ الخمرِ يُسمى كافرًا ولم يثبته عنه؛ مع أنه قد رُويَ عنه مِن وجوهٍ كثيرةٍ وبعضها إسنادُهُ حسنٌ، ورُويَ عنه مرفوعًا(١). وكذلكَ أنكرَ القاضي أبو يعلى جوازَ إطلاقِ كفر النعمةِ على أهلٍ الكبائرِ، ونصبَ الخلافَ في ذلك مع الزيديةِ من الشيعةِ، والإباضيّةِ من الخوارج. ورواية إسماعيل الشَّالَنْجِيِّ عن أحمدَ قد توافق ذلك. فمن هنا حكى مُحَمَّدُ بنُ نصر عن أحمدَ في ذلك مذهبينٍ (٢). والذي ذكره القاضي أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يَعْلَى عن أحمدَ جوازَ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعض الذنوبِ التي لا تُخرج عن الملَّةِ، وقد حكاه عن أحمد(٣). وقد رُويَ عن جَابِ بْنِ عبدِ اللهِ أنه سُئل: هل كنتم تسمون شيئًا من الذنوبِ: الكفرَ أو الشركَ؟ قال: معاذَ الله؛ ولكنا نقول: مؤمنينَ مذنبينَ. خرَّجهُ محمدٌ بْنُ نصرٍ (٤) وغيرُهُ. وكان عمار ينهى أن يُقال لأهلِ الشامِ الذين قاتلوهم بصفِّينَ: كَفرُوا، (١) أخرجه النسائي في ((المجتبى)) (٨ /٣١٦). (٢) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٢٧). (٣) راجع ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٢٦ - ٥٢٧). (٤) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٨٧٥ - ٨٧٦). ١٤٠