Indexed OCR Text

Pages 41-60

٥ - باب أيُّ الإسلام أفضل؟
الحديث : ١١
ذلك، وإن اختلفَ جنساهما فترجيحُ أحدهما على الآخرِ يكونُ بلفظة
خير، فيقالُ مثلا: النفعُ المتعدي خيرٌ من النفعِ القاصرِ، وإن كانَ جنسهما
مختلفًا ويقال: زيدٌ أفضلُ من عمرو، إذا اشتركا في علمٍ أو دينٍ ونحو
ذلك، وامتازَ أحدهما على الآخرِ بزيادةٍ.
وإن استعملَ في النوعِ الأول لفظة ((أفضل)) مع اختلاف الجنسين،
فقد يكونُ المرادُ: أن ثوابَ أحدهما أفضلُ من ثوابِ الآخرِ وأزيدُ منه،
فقد وقعَ الاشتراكُ في الثوابِ وامتازَ أحدهما بزيادةٍ منه - وحينئذٍ - فمن
سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ إسلامُهُ أفضلُ من إسلامٍ غيرِهِ ممن ليسَ
كذلكَ؛ لاشتراكهما في الإتيانِ بحقوقِ الله في الإسلامِ من الشهادتينِ
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلكَ، وامتازَ أحدهما بالقيامِ بحقوقٍ
المسلمينَ، فصارَ هذا الإسلامُ أفضلَ من ذاكَ.
وأما المسلمُ: فيقالُ: هذا أفضلُ من ذاكَ؛ لأن إسلامَهُ أفضلُ من إسلامِهِ
ويقال: هو خيرٌ من ذاكَ لترجحِ خيرِهِ على خيرِ غيرِهِ وزيادته عليهِ .
٤١

الحديث: ١٢
كتاب الإيمان
٦ - فَصْلٌ(١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ:
١٢ - يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو أَنَّ
رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيِّ بَلِ: أَيَّ الإسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (١٨٢ - ب/ف) ((تُطْعِمُ (٢)
الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنَ عَرَفُتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)).
وخَرّجهُ مسلمٌ - أيضًا (٣) .
جعلَ النبيُّ ◌َِّ في هذا الحديثِ خيرَ الإسلامِ: إطعام الطعامِ وإفشاء
السلامِ.
وفي «المسندِ)) (٤) عن عمرو بنِ عبسةَ أنه سألَ النبيَ نَّ: ما الإسلامُ؟
قال: ((لينُ الكلامِ وإطعامُ الطعامِ)).
ومرادُهُ: الإسلامُ التّامُّ الكاملُ. وهذه الدرجةُ في الإسلامِ فضلٌ،
وليست واجبةً؛ إنما هي إحسان.
وأما سلامةُ المسلمين من اللسان واليد فواجبةٌ إذا كانت من غيرِ حقٍّ،
فإن كانت السلامةُ من حقِّ كان - أيضًا - فضلا.
وقد جمعَ اللهُ تعالى بينَ الأفضالِ بالنداءِ وتركِ الأذى في وصفٍ
المتقين في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَّ
وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] فهذا
(١) باب ((إطعام الطعام من الإسلام)) وقد عزا إليه تحت شرحه الحديث رقم: (٢٨).
(٢) في ((ف)) تحرفت الضمة التي على كلمة ((تُطعم)) كأنها ((واو)).
(٣) برقم (٣٩).
(٤) (٣٨٥/٤) بمعناه.
٤٢

٦ - باب إطعام الطعام من الإسلام
الحديث : ١٢
إحسانٌ وفضلُ وهو بذلُ النداء واحتمالُ الأذى.
وجمعَ في الحديثِ بين إطعامِ الطعامِ وإفشاءِ السلامِ؛ لأنه به يجتمعُ
الإحسانُ بالقولِ والفعلِ وهو أكملُ الإحسانِ، وإنما كان هذا خيرَ الإسلامِ
بعد الإتيانِ بفرائضِ الإسلامِ وواجباته، فمن أتى بفرائضِ الإسلامِ ثم
ارتقَى إلى درجةِ الإحسانِ إلى الناسِ كانَ خيرًا ممن لم يرتقِ إلى هذه
الدرجة وأفضلَ - أيضًا -، وليس المرادُ أن من اقتصرَ على هذه الدرجة
فهو خيرٌ من غيرِهِ مطلقًا ولا أنَّ إطعامَ الطعامِ ولينَ الكلامِ خيرٌ من أركانِ
الإسلام ومبانيه الخمس؛ فإن إطعام الطعامِ والسلامَ لا يكونان من
الإسلامِ إلا بالنسبةِ إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ
الآخرِ .
وقد زعمَ الحكيميُّ(١) وغيره أنه قال: خيرُ الأشياءِ كذا، والمراد
تفضيله من وجه دونَ وجه وفي وقتِ دونَ وقتِ أو لشخصِ دونَ
شخصٍ، ولا يرادُ تفضيلُهُ على الأشياء كلها، أو أن يكونَ المرادُ: إنه من
خيرِ الأشياءِ، لا خيرها مطلقًا .
وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالفٌ للظاهر، ولو كانَ هذا حقّا لما احتيجَ
إلى تأويلِ قولِ النبيِّ وَلاّ لمن قالَ له: يا خيرَ البرية، فقال: ((ذاك
إبراهيم)) (٢).
وقد تأوله الأئمةُ، فقالَ الإمامُ أحمدُ: هو على وجهِ التواضعِ .
(١) كذا في ((ف))؛ ولعل صوابها ((الحليمى)) صاحب كتاب ((المنهاج في شعب الإيمان)) وقد
مرت ترجمته(ص٣٣). تحت حديث (٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٨/١١)، وعنه مسلم (٢٣٦٩) وغيره، وانظر ((أطراف الغرائب))
(٩٦٩) بتحقيقنا .
٤٣

الحديث: ١٢
كتاب الإيمان
ولكن هذا يقربُ من قول من تأولَ ((أفضلَ)) بمعنى: ((فاضلٍ)) وقال:
إن ((أفعلَ)) لا تقتضي المشاركة. وهذا غيرُ مطرد عندَ البصريين، ويتأول ما
ورد منه وحكى عنِ الكوفيينَ أنه مُطَّردٌ لا يحتاجُ إلى تأويلٍ .
وقوله ((وتقرأ السلام على من عرفتَ ومن لم تعرفْ)) هذا أفضلُ
أنواعٍ إفشاءِ السلامِ.
وفي ((المسندِ)) عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: ((إن من أشراط الساعة:
السلامُ بالمعرفة))(١).
ويخرجُ من عمومِ ذلكَ: من لا يجوزَ بداءته بالسلامِ كأهلِ الكتابِ
عند جمهورِ العلماءِ.
(١) ((المسند)) (٤٠٥/١ - ٤٠٦).
٤٤

الحديث : ١٣
٧ - فَصْلٌ(١)
(١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ:
١٣ - قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّوَ قَالَ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى
يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)(٣).
لما نفَى النبيُّ ◌َ ◌ّ الإيمانَ عمن لم يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه دلَّ
على أن ذلك من خصال الإيمان؛ بل من واجباته، فإنَّ الإيمانَ لا يُنْفَى إلا
بانتفاءِ بعضِ واجباتِهِ، كما قالَ: ((لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ))(٤)
الحديث .
وإنما يحبُّ الرجلُ لأخيه ما يحبُّ لنفسه إذا سلمَ منَ الحسد والغلِّ
والغشِّ والحقد، وذلك واجبٌ كما قالَ النبيّ (١٨٣ - أ/ف) وَالَ: ((لا
تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا))(٥)، فالمؤمنُ أخو
المؤمنِ يحبَّ له ما يحبُّ لنفسه ويحزنُهُ ما يحزنُهُ كما قالَ بَّهِ: ((مثلُ
المؤمنينَ في توادِّهم وتعاطفِهِم كمثلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشتكى منه عضوً
تداعَى سائرُ الجسد بالحمَّى والسهرِ))(٦)، فإذا أحبَّ المؤمنُ لنفسه فضيلةً
من دينٍ أو غيرِهِ أحبَّ أن يكونَ لأخيه نظيرُهَا من غيرِ أن تزولَ عنه كما
(٢) برقم (٤٥).
(١) باب ((من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
(٣) راجع شرح هذا الحديث في ((جامع العلوم والحكم)) (٣٠٢/١) - طبعتنا - فقد أوعب
هناك - رحمه الله تعالی.
(٤) البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، من حديث أبي هريرة، وراجع ((علل
الدار قطني)) (٣٤٢/٩).
(٥) مسلم (٥٤) وفي الرواية: ((لا تدخلون)).
(٦) البخاري (فتح: ٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، من حديث النعمان بن بشير.
٤٥

الحديث: ١٣
كتاب الإيمان
قالَ ابنُ عباسٍ : إني لأمرُّ بالآيةِ من القرآنِ فأفهَمُهَا فأودُّ أن الناسَ كلَّهم
فهموا منها ما أفهم.
وقالَ الشافعيُّ: وددتُ أن الناسَ كلَّهم تعلموا هذا العلمَ ولم ينسبْ
إليّ منه شيء.
فأما حبُّ التفردِ عن الناسِ بفعلٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ: فهو مذمومٌ، قالَ
اللهُ تعالى: ﴿تلكَ الدَّارُ الآخرةُ نجعلُهَا للذينَ لا يريدُونَ علوّا في الأرضِ
ولا فسادًا﴾ [القصص: ٨٣]، وقد قالَ عليٌّ وغيره: هو أن لا يُحبّ أن
يكونَ نعلُهُ خيرًا من نعلِ غيرِهِ ولا ثوبُه خيرًا من ثوبِهِ(١).
وفي الحديثِ المشهورِ في ((السننِ)): ((من تعلمَ العلمَ ليباهيَ به العلماءَ
أو يماريَ به السفهاءَ أو يصرفَ به وجوهَ الناسِ إليه فليتبوأ مقعده من
النار))(٢).
ءِ
وأما الحديثُ الذي فيه أن رجلا سألَ النبيَّ وَّ فقالَ: إني أحبّ
الجمالَ، وما أحبُّ أن يفوقني أحدٌ بشراكِ أو بشسعِ نعلي، فقالَ له النبيّ
وَالَى: ((ليسَ ذلكَ من الكبرِ))(٣)؛ فإنما فيه أنه أحبَّ أن لا يعلو عليه أحدٌ؛
وليسَ فيه محبةُ أن يعلو هو على الناسِ؛ بل يصدقُ هذا أن يكونَ
مساويًا لأعلاهم فما حصلَ بذلك محبةُ العلو عليه والانفرادُ عنهم، فإن
حصلَ لأحد فضيلةٌ خصصه الله بها عن غيره فأخبرَ بها على وجهِ
(١) راجع ابن جرير في ((تفسيره)) (٧٩/٢٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤) عن أبي هريرة، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٥٧/٣)، والترمذي
(٢٦٥٥)، وابن ماجه (٢٥٣) عن ابن عمر. وقال العقيلي: ((الرواية فى هذا الباب لينة))
أ. هـ ((الضعفاء)) (٤٦٧/٣)، وراجع ((جامع بيان العلم وفضله)) (٦٦٩/١).
(٣) مسلم (٩١).
٤٦

٧ - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
الحديث : ١٣
الشكر، لا على وجه الفخرِ كان حسنًا كما كانَ النبيّ وَّ يقول: ((أنا
وَسَلم
سيدُ ولد آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ شافعٍ ولا فخر))(١).
وقال ابنُ مسعودٍ: لو أعلمُ أحدًا أعلمَ بكتابِ اللهِ مني تبلغه الإبلُ
وو
لأتيتُهُ.
(١) مسلم (٢٢٧٨) بهذا اللفظ. وهو عند البخاري بغير هذا اللفظ.
٤٧

الحديث: ١٥،١٤
كتاب الإيمان
٨ - فصلٌ(١)
۔۔(١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ:
١٤ - أَبِي هُرَيْرَةً(٣)، عَنِ النَِّّمَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ
أَحَدُكُمْ حَتَى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلِدِهِ وَوَلَدِهِ)).
وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٤) - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ:
١٥ - أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
محبةُ النبيِّ وَِّ من أصولِ الإيمانِ وهي مقارنةٌ لمحبة الله عزَّ وجلّ،
وقد قرنَهَا اللهُ بها، وتوعدَ من قدَّم عليهمَا محبةَ شيءٍ من الأمورِ المحبوبةِ
طبعًا من الأقاربِ والأموالِ والأوطانِ وغيرِ ذلكَ، فقالَ تعالَى: ﴿قُلْ إن
كَانَ ءاباؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَاجُكُم وعشيرتُكُمْ وأموالٌ اقتر فتُموها
وتجارةٌ تَخْشَوْنَ كسادَهَا ومساكنُ تَرْضَوْنَهَا أحبَّ إليكم مِّنَ اللهِ ورسولِهِ
وجَهَادٍ في سبيلِهِ فتربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بأمرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
ولما قالَ عمرُ للنبيِّمَّهِ: أنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من
نفسي، فقالَ: ((لا يا عمرُ حتَّى أكونَ أحبَّ إليك من نفسكَ)) فقالَ عمرُ:
والله أنتَ الآن أحبّ إليّ من نفسِي، قالَ: ((الآنَ يا عمرُ)). (٥)
و
(١) باب ((حب الرسول من الإيمان)).
(٢) هذا الحديث من أفراد البخاري. راجع (الفتح: ٥٨/١).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)).
(٤) مسلم (٤٤).
(٥) (الفتح: ٦٦٣٢).
٤٨

٨ - باب حب الرسول من الإيمان
الحديث : ١٥،١٤
فيجبُ تقديمُ محبةِ الرسولِ وَّه (١٨٣ - ب/ف) على النفوسِ
ءُوَ
والأولاد والأقارب والأهلينَ والأموالِ والمساكنِ، وغيرِ ذلك مما يحبّهُ
الناسُ غايةَ المحبة؛ وإنما تتمُّ المحبةُ بالطاعة كما قالَ تعالَى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُم
تُحبونَ اللهَ فاتبعونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وسئلَ بعضُهُمْ عنِ المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميعِ الأحوالِ.
فعلامةُ تقديمٍ محبةِ الرسولِ على محبةِ كلِّ مخلوقٍ: أنه إذا تعارضَ
طاعةُ الرسولِ وَّرَ في أوامرِهِ وداعٍ آخر يدعو إلى غيرِهَا من هذه الأشياءِ
المحبوبة؛ فإن قدَّمَ المرءُ طاعةَ الرسولِ وامتثالَ أوامرِهِ على ذلك الداعي:
كانَ دليلا على صحةِ محبتِهِ للرسولِ وتقديمها على كلِّ شيءٍ؛ وإن قدَّمَ
على طاعته وامتثال أوامرِهِ شيئًا من هذه الأشياءِ المحبوبة طبعًا: دلَّ ذلك
على عدمٍ إتيانِهِ بالإيمانِ التامِّ الواجب عليه.
وكذلك القولُ في تعارضِ محبةِ اللهِ ومحبةِ داعي الهوَى والنفسِ؛
فإن محبةَ الرسولِ تبعٌ لمحبةِ مُرُسِلِهِ عزّ وجلّ.
هذا كلَّه في امتثالِ الواجباتِ وتركِ الحرماتِ.
فإن تعارضَ داعي النفسِ ومندوبات الشريعة؛ فإن بلغت المحبةُ إلى
تقديمِ المندوباتِ على دواعي النفسِ كان ذلك علامةَ كمالِ الإيمانِ وبلوغِهِ
إلى درجة المقربينَ المحبوبينَ المتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ؛ وإن لم تبلغ
هذه المحبةُ إلى هذه الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحابِ اليمينِ الذين
كملت محبتهم الواجبةُ ولم يزيدوا عليها.
٤٩

الحديث: ١٦
كتاب الإيمان
٩ - فَصْلٌ (١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ:
١٦ - أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه
وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنَّ
يُحبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ
يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
وقد خَرَّجهُ مُسلمٌ وعنده في روايةٍ: ((فقدْ وجدَ طعمَ الإيمان)) (٣)،
وجاءَ في روايةٍ: ((وجدَ طعمَ الإيمانِ وحلاوتَهُ)).
فهذه الثلاثُ خصال من أعلَى خصالِ الإيمانِ، فمن كملها فقد وجدَ
حلاوةَ الإِيمانِ وطَعِمَ طعْمَهُ؛ فالإيمانُ له حلاوةٌ وَطعمٌ يذاقُ بالقلوب كما
يذاقُ حلاوةُ الطعامِ والشرابِ بالفمِ؛ فإن الإيمانَ هو غذاءُ القلوب وقُوتُهَا
كما أنَّ الطعامَ والشرابَ غذاءُ الأبدان وقُوتُهَا، وكما أن الجسدَ لا يجدُ
حلاوةَ الطعامِ والشرابِ إلا عند صحتِهِ فإذا سقِمَ لم يجدْ حلاوةَ ما ينفعه
من ذلكَ؛ بل قد يستحلي ما يضرّهُ وما ليسَ فيه حلاوةٌ لغلبةِ السقمِ
عليه، فكذلكَ القلبُ إنما يجدُ حلاوةَ الإيمانِ إذا سلمَ من أسقامِهِ وآفاته،
فإذا سلمَ من مرضِ الأهواءِ المُضلَّةِ والشهواتِ المُحرمةِ وجدَ حلاوةَ الإيمانِ
حينئذ، ومتَى مرضَ وسقمَ لم يجد حلاوةَ الإيمانِ؛ بل يستحلي ما فيه
هلاكُهُ من الأهواءِ والمعاصِي.
(١) باب ((حلاوة الإيمان)).
(٣) مسلم (٦٨/٤٣).
(٢) برقم (٤٣ /٦٧).
٥٠

٩ - باب حلاوة الإيمان
الحديث : ١٦
ومن هنا قالَ وَّ: ((لا يزني الزاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ))(١)؛ لأنه
لو كملَ إيمانُهُ لوجدَ حلاوةَ الإيمان فاستغْنَى بها عن استحلاءِ المعاصِي.
سُئُلَ وهيبُ بنُ الوردِ: هل يجدُ طعمَ الإيمانِ من يعصي اللهَ؟ قالَ:
لا، ولا من هَمَّ بالمعصيةِ .
وقال ذو النون: كما لا يجدُ الجسدُ لذةَ الطعام عند سقمه كذلكَ لا
يجدُ القلبُ حلاوة العبادةِ معَ الذنوبِ .
فمن جمعَ هذه الخصالَ الثلاثَة المذكورةَ في هذا الحديث (١٨٤ -
أ/ ف) فقد وجدَ حلاوةَ الإيمانِ وطَعمَ طعَمهُ:
أحدها :
أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهُمَا.
ومحبةُ الله تنشأُ تارةً من معرفته، وكمالُ معرفتِهِ: تحصلُ من معرفة
أسمائه وصفاتِهِ وأفعالهِ الباهرةِ والتفكر في مصنوعاتِهِ وما فيها من الإتقان
والحكمِ والعجائب؛ فإن ذلك كلَّه يدلُّ على كماله وقدرته وحكمتِهِ
وعلمِهِ ورحمتهِ. وتارةً ينشأ(٢) من مطالعةِ النعمِ، وفي حديثِ ابنِ عباسٍ
المرفوع: ((أحبوا اللهَ لما يغدوكم(٣) من نعمه، وأحبوني لحب الله)).
خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه(٤).
وقالَ بعضُ السلف: من عرفَ اللهَ أحبه، ومن أحبَّهُ أطاعَهُ فإن
(١) البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة. وسبق (ص٤٥).
(٢) كذا في ((ف)) ولعل الصواب ((تنشأ)) بالمثناة الفوقية.
(٣) كذا في الترمذي، وفي ((التحفة))و ((العارضة)): ((يغذوكم)) بالذال المعجمة.
(٤) الترمذي (٣٧٨٩)، وانظر ((التحفة)) (١٨٤/٥).
٥١

الحديث : ١٦
كتاب الإيمان
المحبَّةَ تقتضي الطاعةَ كما قالَ بعضُ العارفينَ: المحبةُ: الموافقةُ في جميعِ
الأحوالِ، ثم أنشدَ:
ولو قلتَ لي متْ متَّ سمعًا وَطَاعَةً
وَقُلْتُ لِدَاعِي الْمَوْتِ أَهْلًا وَمَرْحبًا
ومحبةُ الله علی درجتينٍ:
إحداهما: فرضٌ؛ وهي المحبةُ المقتضيةُ لفعلِ أوامرِهِ الواجبةِ والانتهاء
عن زواجرِهِ المحرمةِ والصبرِ على مقدوراته المؤلمة؛ فهذا القدرُ لابد منه في
محبة الله، ومن لم تكن محبتُهُ على هذا الوجه فهو كاذبٌ في دعوَى
محبة الله، كما قالَ بعضُ العارفينَ: من ادعى محبةَ اللهِ ولم يحفظ
حدودَهُ فهو كاذبٌ، فمن وقَع في ارتكابِ شيءٍ من المحرماتِ أو أخلِّ
بشيءٍ من فعلِ الواجباتِ فلتقصيره في محبةِ اللهِ حيثُ قدمَ محبةَ نفسِه
٠٠
وهَواه على محبة الله؛ فإن محبةَ الله لو كملت لمنعتْ من الوقوع فيما
یکرهُهُ.
وإنما يحصلُ الوقوعُ فيما يكرهُهُ اللهُ لنقصِ محبتِهِ الواجبةِ في القلوبِ
وتقديمٍ هَوى النفسِ على محبتِهِ وبذلك ينقصُ الإيمانُ كما قالَ وَلَّهِ: ((لا
يزني الزاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ)(١) الحديث.
والدرجةُ الثانيةُ من المحبة - وهي فضلٌ مستحبٌ -: أن ترتقيَ المحبةُ
من ذلك إلى التقربِ بنوافلِ الطاعاتِ والانكفافِ عن دقائقِ الشبهاتِ
والمكروهات، والرضَى بالأقضية المؤلمات، كما قالَ عامرُ بن عبدِ قيسٍ :
(١) البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة.
٥٢

٩ - باب حلاوة الإيمان
الحديث : ١٦
أحببتُ اللّهَ حُبّا هَوَّنَ عليَّ كلَّ مصيبةٍ ورَضَّاني بكلِّ بليةٍ، فما أبالي
معَ حبي إياهُ على ما أصبحتُ، ولا على ما أمسيتُ(١).
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أصبحتُ ومالي سرورٌ إلا في مواقعٍ
القضاء والقدر، ولما ماتَ ولدُه الصالح قالَ: إن اللهَ أحبَّ قبضَهُ، وأعوذُ
باللهِ أن تكونَ لي محبةٌ تخالفُ محبةَ الله .
وقالَ بعضُ التابعين في مرضِهِ: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه.
وأما محبةُ الرسول: فتنشأُ عن معرفته ومعرفةٍ كماله وأوصافه وعظمٍ
ما جاءَ به؛ وينشأُ ذلك من معرفة مُرسله وعظمته - كما سبق -؛ فإن
محبةَ الله لاتتمَّ إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله، كما
قالَ تعالى ﴿قُلْ إِن كُنْتُّم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل
عمران: ٣١].
ومحبةُ الرسولِ على درجتينِ - أيضًا:
إحداهما: فرضٌّ؛ وهي ما اقتضَى طاعتَه في امتثال ما أَمَر به من
مے
الواجباتِ والانتهاء عما نَهى عنه منَ المحرمات وتصديقَهُ (١٨٤ - ب/ف)
فيما أخبرَ به من المخبراتِ والرضَى بذلك، وأن لا يجدَ في نفسه حرجًا
مما جاءَ به ويسلمَ له تسليمًا، وأن لا يتلقَى الهُدَى من غيرِ مشكاته ولا
يطلبَ شيئًا من الخيرِ إلا مما جاءَ به.
الدرجةُ الثانيةُ: فضلٌ مندوبٌ إليه، وهي: ما ارتقَى بعدَ ذلك إلى
اتباع سنّتْه وآدابهِ وأخلاقِهِ والاقتداء به في هديه وسَمتِهِ وحُسنِ معاشرته
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٩/٢ - ٩٠) بنحوه.
٥٣

الحديث: ١٦
كتاب الإيمان
لأهلِهِ وإخوانِهِ وفي التخلقِ بأخلاقِهِ الظاهرة فِي الزهدِ في الدنيا والرغبةِ
في الآخرةِ وفي جُودِهِ وإيثارِهِ وصفحِهِ وحلمِهِ واحتمالِهِ وتواضعِهِ، وفي
أخلاقه الباطنةِ من كمالِ خشيتِهِ للهِ ومحبته لهُ وشوقه إلى لقائه ورضاه
بقضائهِ وتعلقِ قلبِه بِهِ دائمًا وصدق الالتجاءِ إليه والتوكلِ والاعتمادِ عليه،
وقطعِ تعلقِ القلبِ بالأسبابِ كلها ودوامٍ لهجِ القلبِ واللسانِ بذكرِهِ
والأنُسِ به والتنعمِ بالخلوةِ بمناجاته ودعائِهِ وتلاوةٍ كتابِهِ بالتدبرِ والتفكرِ.
وفي الجملةِ: فكان خُلُقُهُ نَّهِ القرآنَ، يرضَى لرضاه ويَسخطُ
لسخطه، فأكملُ الخلقِ من حققَ متابعتَهُ وتصديقَهُ قولا وعملا وحالا
وهم الصديقون من أمتِهِ الذين رأسهم: أبو بكرٍ - خليفته من بعده - وهم
أعلى أهلِ الجنةِ درجةً بعد النبيينِ كما قالَ وَّهِ: ((إن أهلَ الجنة ليتراءونَ
أهلَ الغرفِ من فوقِهِم كما تتراءون(١) الكوكبَ الدريَّ الغابَر من الأفقِ
من المشرقِ إلى المغربِ لتفاضلِ ما بينهم)) قالوا: يا رسول الله !تلكَ منازلُ
الأنبياء ما يبلغها غيرهم، قالَ: ((إي والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله
وصدَّقُوا المرسلينَ».
خرجاه في (الصحيحينِ)) من حديث أبي سعيدٍ(٢).
الخَصلةُ الثانية:
أن يحبَّ المرءَ لا يحبُّهُ إِلا للهِ.
والحبُّ في اللهِ من أصولِ الإيمانِ وأعلَى درجاتِهِ .
(١) في (ف)): ((يتراءون)) وما أثبتناه هو الموافق للرواية.
(٢) (فتح: ٦٥٥٥)، ومسلم (١١/٢٨٣١).
٥٤

٩ - باب حلاوة الإيمان
الحديث : ١٦
وفي ((المسند))(١) عن معاذِ بنِ أنس الجهنيِّ أن النبيَّ،وَّ سُئِلَ عن
أفضلِ الإيمانِ، فقالَ: ((أن تحبَّ الله وتبغضَ لله وتعملَ لسانك في ذكرٍ
الله)).
وفيه - أيضًا - عن عمرو بنِ الجموحِ، عن النبيِّ وَُّلّ قال: ((لا يحقّ
العبدُ حقَّ صريح الإيمانِ حتى يحبُّ لله ويبغضَ لله؛ فإذا أحبَّ لله
وأبغضَ للهِ فقد استحقَّ الولايةَ منَ اللهِ))(٢).
وفيه: عن البراءِ، عن النبيِّ وَّجله قال: ((أوثقُ عُرَى الإيمان: أن تحبّ
في اللّهِ وتبغضَ في اللهِ))(٣).
وخرج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ وَِّ قال:
(أفضلُ الأعمالِ: الحبُّ في اللّهِ والبغضُ في اللّهِ))(٤).
ومن حديث أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((من أحبَّ لله وأبغضَ
لله وأعطَى اللهِ ومنعَ اللهِ فقد استكملَ الإيمانَ)(٥).
وخرجه أحمدُ، والترمذيُّ من حديث معاذِ بنِ أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ،
وزادَ أحمدُ في رواية: ((وأنكحَ لله))(٦).
(١) (٢٤٧/٥)، ((ووقع هذا الحديث في المطبوع في مسند معاذ بن جبل، من رواية سهل بن
معاذ، عن أبيه - وهو معاذ بن أنس الجهني -، عن معاذ بن جبل، فجعله من مسند معاذ
ابن جبل، وهو وهم، والصواب أنه من مسند معاذ بن أنس الجهني)) قاله زهير بن ناصر
الناصر مجقق ((أطراف المسند» (٢٨٤/٥) فجزاه الله خيرًا.
٦
(٢) ((المسند)» (٤٣٠/٣).
(٣) ((المسند)) (٢٨٦/١).
(٤) أحمد (١٤٦/٥)، وأبو داود (٤٥٩٩).
(٥) أبو داود (٤٦٨١).
(٦) أحمد (٤٣٨/٣، ٤٤٠)، والترمذي (٢٥٢١).
٥٥

الحديث: ١٦
كتاب الإيمان
وإنما كانت هذه الخصلةُ تاليةً لما قبلها؛ لأن من كانَ اللهُ ورسولُهُ
أحبَّ إليه مما سواهما فقد صارَ حبُّه كلُّه لله، ويلزمُ من ذلك أن يكونَ
بغضُهُ الله وموالاتُه له ومعاداتُه له، وأن لا تبقَى له بقيةٌ من نفسه وهواهُ،
وذلك يستلزمُ محبةَ ما يحبه اللهُ من الأقوال والأعمال، وكراهةَ ما يكرهُهُ
من ذلكَ، وكذلك من الأشخاصِ، ويلزمُ من ذلك معاملتُهُم بمقتضَى
الحبِّ والبغضِ، فمن أحبه لله أكرَمَهُ وعاملَهُ بالعدلِ والفضلِ، ومن أبغضَهُ
لله أهانَهُ بالعدل؛ ولهذا وصفَ اللهُ المحبينَ له بأنهم ﴿أذلةٍ على المؤمنينَ
(١٨٥ - أ/ ف) أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيلِ اللهِ ولا يخافونَ لومةً
لائم﴾ [المائدة: ٥٤]. وكان من دعاء النبيِّ وَظَله: ((أسألكَ حبكَ وحبَّ من
يحبكَ وحبَّ عملٍ يبلغني إلى حبِّكَ))(١) فلا تتم محبةُ الله ورسوله إلا
بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئلَ بعضُ العارفينَ:
بما تُنَالُ المحبةُ؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأصله الموافقةُ.
الخصلة الثالثة: أن يكرهَ الرجوعَ إلى الكفرِ كما يكرهُ الرجوعَ إلى
النَّار. فإن علامةَ محبة الله ورسوله: محبةُ ما يحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ وكراهةُ ما
يكرهه اللهُ ورسولُهُ - كما سبق - فإذا رسَخ الإيمانُ في القلبِ وتحققَ به
ووجدَ حلاوتَهُ وطعمه أحبَّهُ وأحبَّ ثباتَهُ ودوامه والزيادة منه وكرهَ مفارقتَه
وكانَ كراهتُهُ لمفارقته أعظمَ عنده من كراهةِ الإلقاءِ في النار، قال اللهُ
تعالَى ﴿ولكنَّ الله حببَ إليكم الإيمانَ وزَيْنَهُ في قلوبِكُم وكرهَ إليكمُ الكفرَ
والفسوقَ والعصيانَ أولئك هم الراشدونَ﴾ [الحجرات: ٧].
والمؤمنُ يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حبِّ الماء الباردِ في شدة الحرِّ للظمآن،
(١) أخرجه أبو نعيم فى ((الحلية)) (٢٢٦/١) وفيه عبد الله بن ربيعة الدمشقي، وهو مجهول،
وأخرجه الترمذي (٣٤٩٠) من طريقه - أيضا - فجعله من قول داود عليه السلام. ورواه
أحمد في ((الزهد)) (ص٨٩) من طريق مالك قال: قال داود. وقال المصنف في ((جامع
العلوم)) (٣٦٧/٢): ((ويروى أن داود عليه السلام كان يقول ... )) فذكره.
٥٦

٩ - باب حلاوة الإيمان
الحديث : ١٦
ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ، كما في ((المسند)» عن
أبي رزينِ العقيليِّ أنه سألَ النبيّ وَّ عن الإيمان، فقالَ: ((أن تشهدَ أن لا
إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأن يكونَ اللهُ
ورسولُهُ أحبَّ إليك مما سواهما، وأن تحرقَ في النارِ أحب إليك من أن
تشركَ بالله، وأن تحبَّ غيرَ ذي نسبٍ لا تحبه إلا لله، فإذا كنتَ كذلك
فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبك كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليومِ
القائظ))(١)
وفي ((المسند)) - أيضًا - أن النبيِّ وَّهِ وصَّى معاذَ بنَ جبلِ فقال له فيما
وصاهُ به: ((لا تشركْ بالله شيئًا وإن قُطْعتَ وحُرقتَ))(٢).
وفي ((سنن ابن ماجه))(٣) أن النبيّ وَّلِ وصَّى أبا الدرداء وغيره -
أيضا .
وقد أخبرَ اللهُ عن أصحاب الأخدودِ بما أخبرَ به وقد كانوا فتنُوا
المؤمنينَ والمؤمناتِ وحرقوهم بالنارِ ليرتدوا عن الإيمان، فاختاروا الإيمانَ
على النَّار.
وفي ((الصحيح)) عن النبيِّ وَّةِ ((أن امرأةً منهم أُتِيَ بها ومعها صبيٌّ
لها يرضع فكأنها تقاعست أن تلقي نفسَهَا في النارِ من أجلِ الصبيّ فقال
لها الصبيّ: يا أُمَّهُ! اصبري فإنك على الحقِّ)(٤).
وأُلقىَ أبو مسلم الخولانيُّ في النارِ على امتناعه أن يشهدَ للأسود
بالنبوة فصارت عليه بردًا وسلامًا .
وعُرضَ على عبد الله بن حذافةَ أن يتنصرَ فأبَى فأمرَ ملكُ الرومِ
(١) ((المسند)) (١١/٤ - ١٢).
(٣) برقم (٤٠٣٤).
(٢) («المسند» (٢٣٨/٥).
(٤) مسلم (٣٠٠٥).
٥٧

الحديث: ١٦
كتاب الإيمان
بإلقائه في قدرٍ عظيمة مملوءة ماءً تغلي عليه فبكى وقالَ: لم أبكِ جزءًا
من المَوْتِ؛ لكن أبكِي أنه ليسَ لي إلا نفسٌ واحدةٌ يُفعل بها هذا في
الله، لوددت أنه كانَ لي مكانُ كلِّ شعرةٍ مني نفسًا يُفْعلُ بها ذلك في الله
عزَّ وجلَّ.
هذا مع أنَّ التقيةَ في ذلك باللسانِ جائزةٌ مع طمأنينةِ القلبِ بالإيمان
كما قالَ تعالَى ﴿إِلا من أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]
ولكن الأفضلُ الصبرُ وعدمُ التقيةِ في ذلك.
فإذا وجدَ القلبُ حلاوةَ الإيمان أحسَّ بمرارة الكفر والفسوق
والعصيان، ولهذا قالَ يوسفُ عليه السلامُ: ﴿رَبِّ السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمًَّ
يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
سُئِلَ ذو النون: متى أحبَّ ربِّي؟ قال: إذا كانَ ما يكرهُهُ أمرَّ عندكَ
من الصبرِ.
وقالَ (١٨٥ - ب/ف) بشرُ بنُ السريِّ: ليسَ من أعلامِ المحبةِ أن
تحبَّ ما يبغضه حبیبُكَ.
واعلم أن القدرَ الواجبَ من كراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ هو أن
ينفرَ من ذلكَ ويتباعدَ منه جهده ويعزمَ على أن لا يلابسَ شيئًا منه جهده
العلمِه بِسخطِ اللهِ له وغضبِهِ على أهله. فأما ميلُ الطبعِ إلى ما يميلُ من
ذلكَ - خصوصًا لمن اعتاده ثم تابَ منه - فلا يؤاخذُ به إذا لم يقدر على
إزالتهِ؛ ولهذا مدَح اللهُ من نهَى النفسَ عنِ الهوَى، وذلك يدلُّ على أن
الهوَى يميلُ إلى ما هو ممنوعُ منهٌ وأن من عصَى هواه كان محمودًا عندَ
الله عزَّ وجل.
٥٨

٩ - باب حلاوة الإيمان
الحديث : ١٦
وسُئِلَ عمرُ عن قومٍ يشتهون المعاصِي ولا يعملونَ بها، فقالَ:
﴿أولئك الذينَ امتحنَ اللهُ قلوبهم للتقْوى لهم مغفرةُ وأجرٌ عظيمٌ﴾(١)
[الحجرات: ٣]. وقد ترتاضُ النفسُ بعدَ ذلكَ وتألفُ التقوى حتى تتبدلَ
طبيعتُها وتكرهَ ما كانت مائلةً إليه وتصير(٢) التقوى لها طبيعةً ثابتةً. وهل
هذا أفضلُ من الأولِ أم الأول أفضل؟
هَذَا قَد يُخَرَّجُ على اختلافِ العلماءِ فِيمن عَمِل طاعةً ونَفسُهُ تَأْبَاهَا
وهُو يُجَاهِدُهَا، وآخَرَ عَملها ونفسُهُ طائعةٌ مختارةٌ لها أيهما أفضل؟ وفيه
قولان مشهوران للعلماء والصوفية. والأظهرُ: أن الثانيّ أفضلُ. وفي كلامٍ
الإمامِ أحمدَ ما يدلُّ على خلافِهِ.
وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ): حدثنا يحيى بنُ سعيد، عن حميد، عن
أنسِ أن النبيَّ نَّهِ قالَ لرجلٍ: ((أَسْلِمْ)) قال: أجدني كارهًا قال: ((وإن
كنت كارهًا)»(٣) .
وهذا يدلُّ على صحةِ الإسلامِ مع نفورِ القلبِ عنه وكراهته لهُ؛ لكن
إذا دخلَ في الإسلامِ واعتاده وأَلِفَهُ: دخل حبُّهُ قلبَهُ ووجدَ حلاوته.
وخرج مسلمٌ حديثَ أنسِ المتقدمَ، ولفظُهُ: ((ومن كانَ أن يلقَى في
النارِ أحبَّ إليه من أن يرجعَ في الكفرِ بعدَ إذ أنقذَهُ اللهُ منه))(٤).
(١) ((مسند الفاروق)) لابن كثير (٦٠٥/٢) من طريق مجاهد قال: كُتُب إلى عمر. ومجاهد
لم يدرك عمر وانظر ((المراسيل)) الرازى (ص: ٢٠٤) وقال ابن كثير: فيه انقطاع، وعزاه
لأحمد في «الزهد)».
(٢) في ((ف)) بالمثناة التحتانية والصواب بالفوقية كما أثبتناه.
(٣) «المسند» (١٨١/٣).
(٤) مسلم (٦٨/٤٣).
٥٩

الحديث: ١٦
كتاب الإيمان
ويستشكل من هذا اللفظ: أنه يقتضي(١) وجودَ محبة الأمرين - أعني:
الإلقاءَ في النارِ والرجوعَ إلى الكفرِ -، وتُرَجَّحُ محبةُ الأولِ على الثاني،
ووقَع مثله في القرآنِ في قوله تعالَى حاكيًا عن يوسفَ عليه السلام -
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] ومثله
قول عليّ رضيَ اللهُ عنه: إذا حدثتكم عن رسولِ اللهِ وَله فلأن أخرَّ منَ
السماءِ إلى الأرضِ أحبُّ إليَّ من أن أكذبَ عليه(٢).
ويجابُ عن ذلكَ:
بأن من خيِّرَ بينَ أمرينِ مكروهينِ فاختارَ أحدهما على الآخرِ لشدةٍ
كراهته لما رغبَ عنه فإنه يقالُ: إنه محبٌ لما اختاره مريدٌ له وإن كانَ لا
يحبّهُ ولا يختارُهُ لنفسِهِ؛ بل لدفعِ ما هو عنده أشدَّ كراهةً وأعظمُ ضررًا.
"ومن هنا وردَ ماوردَ من حبِّ الموتِ في الفتنةِ والتخلصِ منها.
وقِيلَ لعطاءِ السَّلِيميِّ: لو أُجِّجَت نارٌ وقيلَ: من دخلها نجا من جهنمَ
هل كنتم تدخلها؟ فقالَ: بلْ كنتُ أخشىَ أن تخرجَ نفسي فرحًا بها قبلَ
وصولِي إليها(٣).
ويشبهُ هذا حالَ الُكْرَهِ على فعلٍ بضربٍ أو سجنٍ أو تهديدٍ أو بقتلٍ
ونحو ذلك إذا فعله افتداءً لنفسه مما أُكره به عليه هل هو مختارٌ لَه أم لا؟
وفيه اختلافٌ مشهورٌ بين الأصوليينَ.
والتحقيقُ: أنه مختارٌ له، لا لنفسه؛ بل للافتداء به من المكروهِ
(١) في ((ف)) بالفوقية والصواب ما أثبتناه.
(٢) البخاري (فتح: ٣٦١١)، ومسلم (١٥٤/١٠٦٦).
(٣) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٥/٦)، وذكره الذهبي في ((السير)) (٨٧/٦).
٦٠