Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٩١-
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالاحد ثنا جرير
عن الأعمش عن أبى صالح عن ابى هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه ليس المسكين
الذي ترده النمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذى لا يسأل
الناس شيئاً ولا يفطنون به فيعطونه .
قلت الاكلة مضمومة اللقمة والا كلتان اللقمتان ، فأما الأ كلة مفتوحة
فهى الواحدة والمرة من الاكل
وفي الحديث دليل على ان المسكين في الظاهر عندهم والمتعارف لديهم هو
السائل الطواف وانما نفى عَل عنه اسم المسكنة لأنه بمسألته تأتيه الكفاية ،
وقد تأتيه الزيادة عليها فتزول حاجته ويسقط عنه اسم المسكنة ، وانما ندوم الحاجة
والمسكنة ممن لا يسأل ولا يفطنله فيعطى .
وقد اختلف الناس في المسکین والفقير والفرق بينهما روى عن ابن عباس
انه قال المساكين هم الطوافون والفقراء فقراء المسلمين وعن مجاهد وعكرمة
والزهري ان المسكين الذي يسأل والفقير الذي لا يسأل .
وعن قتادة ان الفقير هو الذي به زمانة والمسكين الصحيح المحتاج .
وقال الشافعي الفقير من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعاً زمنًا كان او
غير زمن والمسكين من له مال او حرفة لا تقع منه موقعاً ولا تغنيه سائلاً
كان او غير سائل. وقال بعض أهل اللغة المسكين الذي لا شئء له والفقير
من له البلغة من العيش واحتج بقول الراعي .
اما الفقير الذي كانت حلوبته وَفْقَ العيال فلم يترك له سيد
قال جعل للفقير حلوبة، وقال غيره من اهل اللغة انما اشترط له الحلوبة قبل

٠.
-٦٢-
الفقر فلما انتزعت منه ولم يترك له سبد صار فقيراً لا شيء له ، قال والمسكين
أحسن حالاً من الفقير، واحتج بقول الله تعالى (اما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر) فأثبت لهم مع المسكنة ملكاً وكسبًا وهما السفينة والعمل
بها في البحر . وقال بعض من ينصر القول الأول انما سماهم مساكين مجازاً وعلى
سبيل الترحم والشفقة عليهم اذ كانوا مظلومين، وقيل ان المسكنة مشتقة من
السكون والخشوع اللازمين لأهل الحاجة والخصاصة والميم زيادة في الاسم.
وقيل ان الفقير مشبه من اصيب فِقاره فانقصف ظهره من قولهم فقرت الرجل
اذا اصبت فِقاره كما يقال بطنته اذا اصبت بطنه ورأسته اذا اصبت رأسه
إلى ما اشبه ذلك من نظائر هذا الباب. ويشبه ان يكون الفقير اشدهما حاجة
ولذلك بدئ بذكره في الآية على سائر اصناف اهل الفاقة والخلة والفقر هو الذي
يقابل الغنى اذا قيل فقير وغني فصار اصلاً للفاقة وعنه يتفرع المسكنة وغيرها
من وجوه الحاجة .
قال ابو داود : حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن عروة
عنابيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. قال اخبرني رجلان انهما انيا النبيعليه
في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنًا
جلدين فقال ان شئتما اعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب .
قلت هذا الحديث اصل في ان من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم .
وفيه انه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون ان ضم اليه الكسب
فقد يكون من الناس من يرجع الى قوة بدنه ویکون مع ذلك اخرق اليد
لا يعتمل فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة بدلالة الحديث. وقد استظهر

- ٦٣-
رَبّ مع هذا في امر هما بالانذار وقلد هما الأمانة فيما بطن من امره).
قال ابو داود: حدثنا عباد بنموسى الختلى حدثنا ابراهيم يعنى بن سعد
اخبرني ابي عن ريحان بن زيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي عَّ قال
لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سَوِيّ.
قلت معنى المِرة القوة واصلها من شدة قتل الحبل؛ يقال امررت الحيل اذا
احكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة اسر الخلق وصحة البدن التي يكون
معها احتمال الكد والتعب .
وقد اختلف الناس في جواز اخذ الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب
فقال الشافعي لا تحل له الصدقة ، وكذلك قال اسحق بن راهوية وابو عبيد.
وقال اصحاب الرأي يجوز له اخذ الصدقة اذا لم يملك مأتي درهم فصاعدا .
ومن باب من يجوز له الصدقة ممن هو غنى.مـ
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بنمسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن
عطاء بن يسار ان رسول الله ◌َي قال لا تحل الصدقة لغني الالخمسة لغاز
في سبيل الله او العامل عليها اولغارم او لرجل اشتراها بماله اولرجل كان
له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدي المسكين للغني.
قال أبو داود : حدثنا الحسن بن على حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى عن النبى وَ ج بمعناه.
قلت فيه بيان ان الغازي وان كان غنياً ان يأخذ الصدقة ويستعين بها في
غزوه وهو من سهم سبيل الله . واليه ذهب مالك والشافعي واحمد بن حنبل
واسحق بن راهوية. وقال اصحاب الرأي لا يجوز ان يعطي الغازي من الصدقة

-٦٤ -
الا ان يكون منقطعاً به .
قلت سهم السبيل غير سهم ابن السبيل وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف
احدها على الاخر بالواو الذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق
أحدهما على الآخر فقال (وفي سبيل الله وابن السبيل) والمنقطع به هو ابن السبيل
فأما سهم ابن السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب . وقد جاء في هذا
الحديث ما بينه ووكد امره فلا وجه للذهاب عنه .
وفي قوله او رجل اشتراها بماله دليل على ان المصدق اذا نصدق بالشيء ثم
اشتراه من المدفوع اليه فأن البيع جائز وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم
البيع في ذلك وقال مالك بن انس ان اشتراه فالبيع مفسوخ .
واما الغارم الغني فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف واصلاح ذات
البين وله مال ان بيع فيها افتقر فيوفر عليه ماله ويعطى من الصدقة ما يقضي به
دينه، واما الغارم الذي يدَّان لنفسه وهو معسر فلا يدخل في هذا المعنى لأنه
من جملة الفقراء .
واما العامل فأنه يعطي منها عمالة على قدر عمله واجرة مثله فسواء كان غنياً
او فقيراً فأنه يستحق العمالة اذا لم يفعله متطوعاً، واما المهدى له الصدقة فهو
اذا ملكها فقد خرجت عن ان تكون صدقة وهي ملك لمالك تام الملك جائز
التصرف في ملكه .
وقد روى ان بريرة اهدت لعائشة لحما تصدق به عليها فقربته لرسول الله
عزل واخبرته بشأنها فقال هذا اوان بلغت حلها وكان رسول الله عز له لا تحل
له الصدقة .

- ٦٥ -
-﴿ ومن باب كم يعطي الرجل الواحد من الزكاة همـ
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو نعيم حدثنا
سعيد بن عبيد الطائى عن بشير بن يسار وزعم ان رجلاً من الأنصار يقال له
سهل بن ابي حثمة اخبره ان النبي ◌َّ وداء مائة من ابل الصدقة يعنى
دية الانصاري الذي قتل بخيبر .
قلت يشبه ان يكون النبي ◌َيع انما أعطاه ذلك من سهام الغارمين على معنى
الجملة في اصلاح ذات البين اذ كان قد شجر بين الأنصار وبين اهل خيبر في دم
القتيل الذي وجد بها منهم فأنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات .
وقد يحتج بهذا من يرى جمع الصدقة في صنف واحد من اهل السهام الثمانية
وهذا محتمل ولكن في وسع رسول الله ربي ان يسوي بين الاصناف من صدقات
مختلفة ولعله قد كان يجتمع عنده من سهم الغارمين مئون والوف فليس فيما يحتج
به من ذلك كبير درك .
وقد اختلف الناس فى قدر ما يعطاه الفقير من الصدقة فكره اصحاب الرأي
ان يبلغ به ماتي درهم اذا لم يكن عليه دين او له عيال. وكان سفيان الثوري
يقول لا يدفع الى الرجل من الزكاة اكثر من خمسين درهمًا، وكذلك قال
احمد بن حنبل وعلى مذهب الشافعي يجوز ان يعطى على قدر حاجته من غير تحديد
فأذا زال اسم الفقر عنه لم يعط .
ح﴿ ومن باب مايجوز فيه المسألةهـ
قال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن عبد الملك
( ج ٢ ٢ ٩ )

- ٦٦ -
ابن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري عن سمرة عن النبي مَ ا قال المسايل مكدوح
يَحْدَح بها الرجل وجهه فمن شاء ابقى على وجهه ومن شاء ترك الا ان
يسأل الرجل ذا سلطان او في امرلا يجد منه بداً .
قلت قوله الا ان يسأل الرجل ذا سلطان او في امر لا يجد بداً هو ان يسآله
حقه من بيت المال الذي في يده وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها
ايدي بعض السلاطين من غصب املاك المسلمين .
قال ابو داود : حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عنهارون بن رباب حدثني
كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت
النبي ◌َ فقال اتم يا قبيصة حتى تأتينا صدقة فنأمر لك بها ثم قال ياقيصة ان
المسئلة لا تحل الا لأحد ثلاثة. رجل تحمل بحمالة خلت له المسألة فسأل حتى
يصببها ثم يمسك. ورجل اصابته جائحة فاجتاحت ماله خلت له المسألة فسأل
حتى يصيب قوامًا من عيش او قال سِداداً من عيش ورجل اصابته فاقة حتى
يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه قد اصابت فلانًا الفاقة خلت له المسألة
فسأل حتى يصيب قواماً من عيش او قال سداداً من عيش ثم يمسك وماسواهن
من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها بحثاً.
قلت في هذا الحديث على كثير وفوائد جمة ويدخل في ابواب من العلم والحكم
وذلك أنه قد جعل من تحل له المسألة من الناس اقسامًا ثلاثة غنيًا وفقيرين وجعل
الفقر على ضربين فقراً ظاهراً وفقراً باطنًا، فالغنى الذي تحل له المسألة هو
صاحب الحمالة وهي الكفالة والجميل الكفيل والضمين وتفسير الحمالة ان يقع
بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببهما العداوة والشحناء ويخاف

- ٩٧ -
منها الفتق العظيم فيتوسط الرجل فيما بينهم ويسعى فى اصلاح ذات البين
ويتضمن مالاً لأصحاب الطوايل يترضاه بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود
بينهم الالفة فهذا الرجل صنع معروفًا وابتغى بما اتاه صلاحاً فليس من المعروف
ان تورّك الغرامة عليه في ماله ولكن يعان على اداء ما تحمله منه ويعطى من الصدقة
قدر ما يبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه .
واما النوع الأول من نوعي اهل الحاجة فهو رجل اصابته جائحة في ماله
فاهلكته والجائحة في غالب العرف هي ماظهر امره من الآفات كالسيل يغرق
متاعه والنار تحرقه والبرد يفسد زرعه وثماره في نحو ذلك من الأمور وهذه
اشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فأذا اصاب الرجل شيئء منها فذهب
ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس ان يعطوه الصدقة من غير بينة
يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه اياها .
واما النوع الآخر فأنما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر
فأدعى تلف ماله من لص طرقه او خيانة ممن اودعه او نحو ذلك من الأمور
التي لا يبين لها اثر ظاهر في المشاهدة والعيان فأذا كان ذلك ووقعت فى امره
الريبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة الا بعد استبراء حاله والكشف عنه
بالمسألة عن اهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه ، وذلك معنى قوله حتى بقول
ثلاثة من ذوي الحجى من قومه قد اصابت فلانًا الفاقة واشتراطه الحجى تأكيد
لهذا المعني اي لا يكونوا من اهل الغباوة والغفلة ممن يخفى عليهم بواطن الأمور
ومعانيها وليس هذا من باب الشهادة ولكن من باب التبيين والتعرف وذلك
أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات ، فأذا قال نفر من قومه او

- ٦٨ -
.......
جيرانه او من ذوي الخبرة بشأنه انه صادق فيما يدعيه اعطى الصدقة .
وفيه من العلم ان من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام فطلب المحكوم
له به حبسه وادعي المطلوب الأفلاس والعدم فأن الواجب في ذلك ان ينظر
فأن كان الطالب انما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل ان يقرضه مالاً او
يبيعه متاعاً فيقبضه اياه فأنه يحبس ولا يقبل قوله في العُدْم لأنه قد ثبت له ملك
ما صار اليه وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى
تقوم دلالة على افلاس حادث بعده فأن اقام البينة على ذلك لم يحبس وخلى عنه
وان كان ذلك مستحقًا علیه بجناية من اتلاف مال او ارش جراحة جرحه بها
في بدنه او من قبل مهر امرأة او ضمان او ما اشبها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا
اقباض فأنه لا يحبس له وينظر فأن كان له ملك ظاهر انتزع له منه او بيع
عليه والا انظر الى الميسرة .
واصل الناس العُدْم والفقر وقد روي عن رسول الله عَ ◌ّه قال ان احدكم
يسقط من بطن امه ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله تعالى ويغنيه او كما قال: وثبت
عن رسول الله ربيع انه قال مطل الغنى ظلم وقال. ليء الواجد يحل عرضه وعقوبته
فأنما جعله ظالما مع الوجد والغنى فلا يجوز حبسه وعقوبته وهو ليس بظالم .
وفي قوله اقم حتى تأتينا صدقة فنأمر لك بها دليل على جواز نقل الصدقة
من بلد الى اهل بلد آخر . وفيه ان الحد الذي ينتهي اليه العطاء في الصدقة
هو الكفاية التي تكون بها قوام العيش وسداد الخلة وذلك يعتبر في كل انسان
بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف احوالهم.
قال ابوداود : حدثنا عبد الله بن مسلمة اخبرنا عيسى بن يونس عن الأخضر

- ٦٩ -
ابن عجلان عن ابي بكر الحنفى عن انس بن مالك ان رجلاً من الأنصار اتى
النبي عُبه فقال له اما في بيتك شيئء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه
وقعب نشرب فيه قال ايتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله عريت بيده فقال
من يشتري هذين فقال رجل انا آخذهما بدرهم فقال من يزيد على درهم مرتين
او ثلاثًا قال رجل انا آخذهما بدر همين فأعطاهما اياه واخذ الدرهمين فأعطاهما
الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعامًاً فأنفذه إلى اهلك واشتر بالآخر قَدُوما
فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله عَ فى عوداً بيده، ثم قال اذهب فأحتطب
وبع ولا ارينك خمسة عشر يومًا فذهب الرجل يختطب ويبيع فجاءه وقد اصاب
عشرة دراهم فأشترى ببعضها ثوباً ويبعضها طعاماً فقال رسول الشعب هذا خير
لك من ان تجئ المسآلة نكتة في وجهك يوم القيامة. ان المسألة لا تصلح الا
لثلاث لذي فقر مدقع او لذي غرم مفظع او لذي دم موجع .
في هذا الحديث من الفقه جواز بيع المزايدة وانه ليس بمخالف لنهيه ان يبيع
الرجل على بيع أخيه لأن ذلك انما هو بعد وقوع العقد ووجوب الصفقة وقبل
التفرق من المجلس وهذا انما هو في حال المراودة والمساومة وقبل تمام المبايعة.
وفيه اثبات الكسب والأمربه. وفيه انه لم ير الصدقة تحل له مع القوة على الكسب.
وقوله فقر مدقع فهو الفقر الشديد واصله من الدقعاء وهو التراب ومعناه
الفقر الذي يفضى به الى التراب لا يكون عنده ما بقى به التراب . والغرم المفظع
هو ان تلزمه الديون الفظيعة القادحة حتى ينقطع به فتحل له الصدقة فيعطى
من سهم الغارمين. والدم الموجع هو ان يتحمّل حمالة في حقن الدماء واصلاح
ذات البين فتحمل له المسألة فيها وقد فسرناه فيما مضى.

- ٧٠ -
﴿ومن باب الاستعفاف .
قال أبو داود : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن
عمران ان رسول الله عَ ◌ّه قال على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف منها
والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة .
قال ابو داود اختلف على ايوب عن نافع في هذا الحديث قال عبد الوارث
اليد العليا المتعففة وقال ا كثرهم عن حماد بن زيد عن ايوب المنفقة وقال واحد
عن حماد المتعففة .
قلت رواية من قال المتعففة اشبه واصح في المعنى وذلك ان ابن عمر ذكر
ان رسول الله عَ ◌ّ﴾ قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعظف
الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه اولى .
وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو ان يد المُعْطي مستعلية فوق يد
الآخذ يجعلونه عن علو الشيىء الى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وانما هومن
علاء المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها . وانشدني ابو عمر
قال انشدنا ابو العباس قال انشدنا ابن الأعرابي في معناه :
اذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العلياء من جانب الفقر
يريد به التعزز بترك المسألة والتنزه عنها .
-﴿ ومن باب الصدقة على بني هاشم امـ
قال ابو داود: حدثنا محمد بن كثير اخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن ابي رافع
ان النبي عَب بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع اصحني
ء
فأنك تصيب منها فقال حتي آتى النبي تُرَّ فاساً له فأتاه فسأله فقال مولى القوم

- ٧١ -
من انفسهم وانا لا تحل لنا الصدقة .
قلب اما النبي ◌َّ فلا خلاف بين المسلمين ان الصدقة لا تحل له وكذلك
بنو هاشم في قول اكثر العلماء .
وقال الشافعي لا تحل الصدقة لبني المطلب لأن النبي تعري من سهم ذي القربى
واشر كهم فيه مع بني هاشم ولم يعط احداً من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية
عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة .
فأما موالي بني هاشم فأنه لا حظ لهم في سهم ذي القربى فلا يجوز ان يجرموا
الصدقة ويشبه ان يكون انما نهاه عن ذلك تنزيهاً له . وقال مولى القوم من
انفسهم على سبيل التشبيه في الاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال
الصدقة التي في اوساخ الناس. ويشبه ان يكون ◌َ ه قد كان بكفيه المؤنة
ويزيح له العلة اذ كان ابو رافع مولى له وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة
فقال له على هذا المعنى اذا كنت تستغني بما اعطيت فلا تطلب اوساخ الياس
فأنك مولانا ومنا .
قلت وكان رسول الله عَ به يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه وكان المعني
في ذلك ان الهدية انما يراد بها ثواب الدنيا فكان ما يقبلها ويثيب عليها فتزول
المنة عنه والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز ان يكون يد اعلى من يده
في ذات الله وفى امر الآخرة .
قال أبو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل ومسلم بن ابراهيم المعني قالا حدثنا
حماد عن قتادة عن انس ان النبي عليه كان يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من اخذها
الا مخافة ان تكون صدقة .

- ٧٢ -
العائرة في الساقطة على وجه الأرض لا يعرف من صاحبها ومن هذا قيل
عارالفرس اذا انفلت على صاحبه فذهب على وجهه ولا يدفع. وهذا اصل في الورع
وفي ان كل مالا يستبينه الأنسان من شيء طلقاً لنفسه (١) فأنه يجتنبه ويتركه.
وفيه دليل على ان التمرة ونحوها من الطعام اذا وجدها الأنسان ملقاة في طريق
ونحوها ان له اخذها واكلها ان شاء وانها ليست من جملة اللقطة التي حكمها
الاستيناء بها والتعريف لها .
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا محمد بن الفضيل عن الأعمش
عن خبيب بن ابي ثابت عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال بعثني
ابي الى النبي عَبة في ابل اعطاها اياه من الصدقة.
قلت وهذا لا ادري ماوجهه والذي لا اشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس
والمشهور انه اعطاه من سهم ذوي القربى من الفيء. ويشبه ان يكون ما اعطاه
من ابل الصدقة أن ثبت الحديث قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة
فقد روي انه شكى اليه العباس في منع الصدقة فقال في على ومثلها كأنه كان
قد تسلف منه صدقة عامين فردها او رد صدقة احد العامين عليه لما جاءته ابل
الصدقة فروى الحديث من رواه على الاختصار من غير ذكر السبب فيه والله اعلم.
(١) يقال هذا لك طلقاً اي حلاً مباحاً له اهـ. هذه الجملة في الأحمدية بين قوله لنفسه
وقوله فأنه ولا وجود لها في النسختين الطرطوشية والكتانية ويظهر أنها كانت على
الهامش بخط بعض الفضلاء فأدخلها ناسخ الأحمدية او غيره في كلام الشارح ظناً منه
انها منه ١٠هـ م

- ٧٣ -
-0﴿ ومن باب من تصدق بصدقة ثم ورثهاومـ
قال ابو داود : حدثنا احمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبدالله
ابن عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة إن امرأة أتت النبي عليه فقالت
كنت تصدقت على امي بوليدة وانها ماتت وتركت تلك الوليدة . قال قد
وجب اجرك ورجعت اليك في الميراث .
قلت الصدقة في الوليدة معناها التعليك واذا ملكتها في حياتها بالأقباض
ثم ماتت كان سبيلها سبيل سائر املاكها . والوليدة الجارية الحديثة السن
والولايد الوصايف .
﴿ ومن باب حقوق المالامـ
قال ابو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن ابي
النجود عن شقيق عن عبد الله قال كنا نعد الماعون على عهد رسول اللهعلى
عارية الدلو واقِدْر .
قلت يقال في تفسير الماءون انه الشيء الذي لا يجوز منعه من الأرفاق التي
للناس فيها متاع، وزعم بعض اهل اللغة ان الماعون مشتق من المعن وهو الشيئ
القليل وزنه فاعول منه والعرب تقول ماله سَعْنة ولا مَعْنة اي قليل ولا كثير
وقال النمر بن تولب .
فأن هلاك مالك غير مَعْن
وانما اشتق للصدقة والمعونة هذا الأسم لأن الواجب من حق الزكاة والصدقات
انما هو قليل من كثير ، وقد جاء الماعون بمعنى الزكاة قال الراعي .
( ج ٢ م ١٠ )

- ٧٤ -
ماعونهم ويضيعوا التهليلا
قوم على الاسلام لما يمنعوا
يريد الصلاة والزكاة .
قال ابو داود: حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا حماد عن سهيل بن ابي صالح
عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله عليه قال مامن صاحب كنز لا يؤدي
حقه الا جعله يوم القيامة يحمي عليها في نار جهنم فيكوي بها جبهته وجنبه
وظهره حتى يقضي الله بين عباده فييوم كان مقداره خمسين الف سنة مما تعدون
ثم يَرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار (١) وما من صاحب غنم لا يؤدي
حقها الاجاءت يوم القيمة اوفر ما كانت فيُبطح لها بقاع قَرْقَر تنطحه بقرونها
وتطؤه بأظلافها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضت اخراها ردت عليه
اولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ما تعدون
ثم يرى سبيله اما الى الجنة واما إلى النار، ومامن صاحب ابل لا يؤدي حقها
الاجاءت يوم القيمة اوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قَرْقر فتطؤه بأخفافها
كما مضت اخراها ردت عليه اولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان
مقداره خمسين الف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله اما إلى الجنة واما الى النار .
القرقر المستوى الأملس من الأرض والعقصاء الملتوية القرن والجلحاء التي
لا قرن لها. وانما اشترط نفي العقص والالتواء في قرونها ليكون انكى لها وادنى
ان تمور في المنطوح .
قال أبو داود : حدثنا الحسن بن على حدثنا يزيد بن هرون اخبرنا شعبة عن
قتادة عن أبي عمير الغُداني عن ابي هريرة قال سمعت رسول الله عزطيع وذكر
(١) من اول الحديث الى هنا في الأحمدية لاغير أهـ م

- ٧٥ -
الحديث الى ان قال فما حق الابل قال تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتُفقِر
الظهر وتُطرِق الفحل وتسقى اللبن .
الغزيرة الكثيرة اللبن والمنيحة الشاة اللبون او الناقة ذات الدر تعار لدرها
فأذا حلبت ردت إلى ربها. وافقار الظهر اعارته للركوب يقال افقرت الرجل
بعيري اذا اعرته ظهره يركبه ويبلغ عليه حاجته واطراق الفحل اعارته للضراب
لا يمنعه اذا طلبه ولا يأخذ عليه عسباً، ويقال طرق الفحل الناقة فهى مطروقة
وهي طروقة الفحل اذا حان لها ان تطرق .
قال ابو داود : حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد بن مسلمةعن
محمد بن اسحق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن
عبد الله ان النبي ◌َّ امر من كل جاد عشرة اوسق من التمر بقنو يعلق في
المسجد للمساكين.
قوله جاد عشرة اوسق . قال إبراهيم الحربي يريد قدراً من النخل يُجَدّ
منه عشرة أوسق وتقديره تقدير مجذوذ فاعل بمعني مفعول واراد بالقنو العذق
بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين بأ كلونه وهذا من صدقة المعروف
دون الصدقة التي هي فرض واجب .
﴿ ومن باب حق السائلحمـ
قال ابو داود : حدثنا محمد بن کثیر اخبرنا سفيان حدثنا مصعب بن محمد بن
شرحبيل حدثني يعلي بن ابي يحيى عن فاطمة بنت الحسين عن حسين بنعلى قال
قال رسول الله عَلى للسائل حق وان جاء على فرس.
قلت معني هذا الكلام الأمر بحسن الظن بالسائل اذا تعرض لك وان لا تجبهه

:٠
- ٧٦ -
بالتكذيب والرد مع امكان الصدق في امره يقول لا تخيب السائل إذا سألك
وان راقك منظره فقد يكون له الفرس يركبه ووراء ذلك عيلة ودين يجوز
له معهما اخذ الصدقة. وقد يكون من اصحاب سهم السبيل فيباح له اخذها
مع الغنى عنها وقد يكون صاحب حمالة او غرامة لديون ادّانها في معروف
واصلاح ذات البين ونحو ذلك فلا يرد ولا يخيب مع امكان اسباب الاستحقاق.
واختلفوا فيمن اعطى من الصدقة على انه فقير فتبين غنياً. قال ابو حنيفة ومحمد
ابن الحسن يجزئه ، وروي ذلك عن الحسن البصري ، وقال الثوري لا يجزئه
وكذلك قال الشافعي في احد قوليه وهو قول الى يوسف .
﴿ ومن باب الصدقة على اهل الذمة
قال ابو داود : حدثنا احمد بن ابى شعيب الحراني حدثنا عيسى بن يونس
حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن اسماء قالت قدمت علىّ امي راغبة في عهد
قريش وهي راغمة مشركة فقلت يا رسول الله ان امى قدمت علىَّ وهي راغمة
افأصلها قال نعم فصلي امك .
قولها راغبة في عهد قريش اي طالبة برى وصلتي وقولها راغمة معناه كارهة
للاسلام ساخطة علىّ تريد انها لم تقدم مهاجرة راغبة في الدين كما كان يقدم
المسلمون من مكة للهجرة والاقامة بحضرة رسول الله عز بق وانما امر بصلتها
لأجل الرحم. فأما دفع الصدقة الواجبة اليها فلا يجوز وانما هي حق المسلمين
لا يجوز صرفها إلى غيرهم ولو كانت امها مسلمة لم يكن ايضاً يجوز لها اعطاؤها
الصدقة فأن خلَّتها مسدودة بوجوب النفقة لها على ولدها الا ان تكون غارمة
فتعطى من سهم الغارمين. فأما من سهم الفقراء والمساكين فلا وكذلك اذا

- ٧٧ -
كان الوالد غازيا جاز للولد ان يدفع اليه من سهم السبيل .
-﴿ ومن باب الرجل يخرج من ماله ومـ
قال ابو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن اسحاق عن عاصم
ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال كنا
عند رسول اللّه ◌َ اذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله
اصبت هذه من معدن نفذها فهي صدقة ما املك غيرها فاعرض عنه رسول
الله عَالع ثم اتاه من قبل ر كنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم اتاه من
قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله على ثم اتاه من خلفه فأخذها
رسول الله ◌َ خذفه بها فلو اصابته لأ وجعته او لعقرنه وقال رسول اللهعز
يأتي احدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس. خير الصدقة
ما كان عن ظهر غنی .
قوله يستكف الناس معناه يتعرض للصدقة وهو ان يأخذها يبطن كفه
يقال تكفف الرجل واستكف اذا فعل ذلك .
ومن هذا قوله ◌َّ لسعد رضي الله عنه انك ان تدع ورثتك اغنياء خير لك
من ان تدعهم عالة يتكففون الناس .
وقوله ◌َّ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى اي عن غني يعتمده ويستظهر به
على النوائب التي تنوبه كقوله في حديث آخر خير الصدقة ما ابقت غنى .
وفي الحديث من الفقه ان الاختيار للمرء ان يستبقى لنفسه قوناً وان
لا ينخلع من ملكه اجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر وشدة
نزاع النفس الى ما خرج من يده فيندم فيذهب ماله ويبطل اجره ويصير

- ٧٨ -
كلاً على الناس .
قلت ولم ينكر على ابي بكر الصديق رضي الله عنه خروجه من ماله اجمع
لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الرجل الذي
رد عليه الذهب .
قال ابو داود : حدثنا عثمان بن ابى شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن ابي
صالح عن ابي هريرة قال: قال رسول الله عَّ ان خير الصدقة ما ترك غني
وابدأ بمن تعول .
قوله ما ترك غنى يتأول على وجهين احدهما ان يترك غني للمتصدق عليه
بأن تجزل له العطية. والآخر ان يترك غنى للمتصدق وهو اظهر هما الا تراه
يقول وابدأ بمن تعول اي لا تضيع عيالك وتفضل على غيرك.
.ومن باب المرأة تصدق من بيت زوجها.
قال ابو داود : حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور عن شقيق عن مسروق
عن عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي عَ ل اذا انفقت المرأة من بيت زوجها غير
مفسدة كان لها اجر بما انفقت ولزوجها اجر بما اكتسب ولخازنه مثل ذلك
لا ينقص بعضهم اجر بعض .
قلت هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان فيان
رب البيت قد يأذن لأهله ولعياله وللخادم فى الأنفاق مما يكون في البيت
من طعام وادام ونحوه ويطلق امرهم في الصدقة منه اذا حضرهم السائل ونزل
بهم الضيف فضهم رسول الله عَ على لزوم هذه العادة واستدامة ذلك
الصنيع ووعدهم الأجر والثواب عليه وافرد كل واحد منهم بأسمه لينسارعوا

- ٧٩ -
اليه ولا يتقاعدوا عنه .
والخازن هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول من خادم وقهرمان
وقيم لأهل المنزل في نحو ذلك من امر الناس وعاداتهم في كل ارض وبلد
وليس ذلك بأن تقتات المرأة او الخازن على رب البيت بشيء لم يؤذن لما فيه
ولم يطلق لهما الأنفاق منه بل يخاف ان يكونا آثمين ان فعلا ذلك والله اعلم.
قال أبو داود : حدثنا محمد بن سوار المصري حدثنا عبد السلام بن حرب عن
يونس بنعبيد عن زياد بن جبير بن حية عن سعد . قال لما بايع رسول الله { }
النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر فقالت يا نبي الله انا كل على آبائنا
وابنائنا فما يحل لنا من اموالهم قال الرطب تأكلنه وتهدينه .
قوله امرأة جليلة الجليلة تكون بمعنيين احدهما ان تكون خليقة جسيمة
يقال امرأة خليقة وخليقاء كذلك والآخر ان تكون بمعنى المسنة يقال جل الرجل
اذا كبر واسن وجلت المرأة إذا عجزت وانما خص الرطب من الطعام لأن
خطبه ايسر والفساد اليه اسرع اذا ترك فلم يؤ كل وربما عفن ولم ينتفع به
فيصير الى ان يلقى ويرمى به وليس كذلك اليابس منه لأنه يبقى على الخزن
وينتفع به اذا رفع وادخر فلم يأذن لهم في استهلاكه ، وقد جرت العادة بين
الجيرة والأقارب ان بتهادوا رطب الفاكهة والبقول وان يغرفوا لهم من الطبيخ
وان يتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم منها فوقعت المسامحة في هذا الباب بأن
يترك الاستيذان له وان يجري على العادة المستحسنة في مثله وانما جاء هذا فيمن
ينبسط اليه في ماله من الآباء والأبناء دون الأزواج والزوجات فأن الحال بين
الوالد والولد الطف من ان يحتاج معها الى زيادة استقصاء في الأستثمار لشركة

- ٨٠ -
النسبية بينهما والبعضية الموجودة فيها.
فأما نفقة الزوجة على الزوج فأنها معاوضة على الأستمتاع وفي مقدرة بكمية
ومتناهية الى غاية فلا يقاس احد الأمرين بالآخر وليس لأحدهما ان يفعل
شيئاً من ذلك الا بأذن صاحبه . وقد وضعه ابو داود في باب المرأة تصدق
من بيت زوجها .
﴿ومن باب صلة الرحماهـ
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن انس قال
لما نزلت ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة يا رسول الله
ارى ربنا يسألنا من اموالنا فأنى اشهدك اني قد جعلت ارضي بأريجا (١) له
فقال رسول الله عربى اجعلها في قرابتك فقسمها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب.
قلت فيه من الفقه ان الحبس اذا وقع اصله مبهما ولم يذكر سبله وقع صحيحاً.
وفيه دلالة على ان من احبس عقاراً على رجل بعينه فمات المحبس عليه ولم يذكر
المحبس مصرفها بعد موته فأن مرجعها يكون الى اقرب الناس بالواقف .
وذلك ان هذه الأرض التي هى بأريحا لما حبسها ابو طلحة بأن جعلها الله عز وجل
(١) هكذا في المتن المطبوع والمخطوط وهكذا في نسخ الشروح الثلاثة لكن على
هامش الأحمديه ما نصه: صوابه بيرحاء اه وضبطها بفتح الياء وضم الراء . اهـ
وفي القاموس وبيرحى كفيعلي (اي بفتح الفاء والعين) ارض بالمدينة ويصحفها المحدثون
بثرحاء (بكسر الباء) قال في هامشه: قوله ويصحفها المحدثون بترحاء بالكسر بأضافة البئر
الى الحاء وسيأتي في آخر الكتاب للمصنف حاء اسم رجل نسب اليه بئر بالمدينة وقديقصر
والذي حققه السيد السمهودي في تواريخه ان طريقة المحدثين اتقن واضبط إهـ شارح
((اي المرتضى الزبيدى)) اهـ م