Indexed OCR Text

Pages 361-380

منع الحائض عن الطواف لأجل عدم الطهارة وحكم الحائض فى العمرة والحج ٣٦١
حدثنا : زياد بن أيوب نا مروان بن شماع الجزرى عن خصيف عن
عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبى حَمْ}: «أن
عن الطواف بقوله: " فإنه فى المسجد ولا يجوز الحائض دخوله اهـ" فغير
صحيح ، فإن المؤثر فى منع الطواف هو فقدان الطهارة ، والطهارة من واجبات
الطواف، ولا تأثير فيه للمسجد .
قال الراقم : ومثله يقول الشيخ ابن الهمام فى "الفتح" ( ٢ - ٤٥٩)
.... فيكون المنع لعدم الطهارة لا لعدم دخول المسجد للحائض ام. فما قاله
المهلب - كما سبق - غير متجه . ووجوب الدم على ذلك لأجل أن المدار على
الطهارة ، وعليه عامة عبارات فقهاء المذاهب والله أعلم . نعم ربما يقال أنه
يزيد منع الطواف حرمةً عند اجتماع الأمرين عدم الطهارة ثم كون الطواف فى
المسجد . ويقول الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٤٠٤): لأنها إذا أمرت باعتزال
المصلى - أى فى حديث: ((ويعتزل الحيض المصلى)) - كان اعتزالها للمسجد
بل للمسجد الحرام بل للكعبة من باب الأولى اهـ .
قال شيخنا رحمه: والحائض إن كانت قارنةً فترفض العمرة وتقضى
مناسك الحج كلها ثم تقضى العمرة ، ويكون حجها حج إفراد ، مثل سيدتنا
عائشة رضى الله عنها رفضت العمرة، هذا عندنا ، وعند الإمام الشافعى :
إذا كانت قارنةً دخلت أفعال العمرة فى الحج، فلا حاجة إلى رفض العمرة ،
وتقضى المناسك كلها وتنتظر للطواف حتى تطهر فتطوف لهما جميعاً طوافاً
واحداً. ثم العمرة التى قضتها بعد الحج عمرة مستقلةً ، إنما هى لتطبيب خاطرها
عندهم ، وأما عندنا فكانت قضاءً لما رفضتها اهـ .
قال الراقم : الروايات فى إحرام عائشة وكلمات الرواة فى حديثها فى غابة

٠ ٣٦٢
معارف السنن
ج - ٦
النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضى المناسك كلها ، غير أن لا تطوف بالبيت
حتى تطهر )) .
الاختلاف، وكل ذلك تجده فى روايات البخارى فى " صحيحه "، فيمكن أن
يستدل ببعضها لقرانها ، وببعض لتمتعها ، وبآخر لإفرادها . وخوفاً من طول
البحث وسآمة الباحث نطوى الكشح عن خطبها . وكل فريق يستدل بما يوافق
مذهبه . قال عياض : اختلفت الروايات فى إحرام عائشة اختلافاً كثيراً امـ ،
حكاه الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٣٠)، وحكاه البدر العينى عنه، وعن
ابن عبد البر قبله، ولفظه: والأحاديث عن عائشة فى هذا مضطربة جداً اهـ .
وكأن مشية الله الأزلية جرت وسبقت فى أن تكون بید کل إمام مسكة ودليل
يشفى به غلة أتباعه وأصحابه، وأن يؤجر ويثاب بجده واجتهاده، ويطمئن كل بالبلوغ
إلى غاياته وأغراضه، فتارةً تراعى الألفاظ وتارةً تراعى الأغراض، والمجتهد
حيناً يرجح لفظاً على لفظ وآخر يجمع بين لفظ ولفظ ، وكل على صواب .
فيقول الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٣٦) ما ملخصه: إن قول الكوفيين أن عائشة
تركت عمرتها وحجت مفردة ، تمسكاً بحديثها فى "الصحيح": (( دعى عمرتك)) ،
وفى لفظ: ((ارفضى عمرتك)) و((أهلى بالحج)). واستدلوا بها على أن المرأة
إذا تمتعت ثم حاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهل بالحج مفرداً مثل
عائشة. ولكن رواية مسلم من حديث جابر: ((إن عائشة أهلت بعمرة حتى
إذا كان بسرف حاضت، فقال لها النبى ◌َّجُلٍ: أهلى بالحج، حتى إذا طهرت
طافت بالكعبة وسعت، فقال لها النبى ◌ِ الجُّ: قد حللت من حجتك وعمرتك))،
يقول الحافظ : فهذا صريح فى أنها كانت قارنةً وإنما أعمرها من التنعيم تطبيباً
لقلبها ، حيث لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة اهـ .
وذكر البدر العينى فى " العمدة" (٤ - ٥٤٥) ما ملخصه: إن حديث

٣٦٣
تحقيق اختلاف روايات عائشة فى حجها
وهذا حديث غريب من هذا الوجه .
عروة عن عائشة فى " الصحيح": ((فأهللنا بعمرة)) رده الأوزاعى والشافعى
وأبو ثور وابن علية، وقالوا : هذا غلط من عروة ولم يتابع عليه . وقال
اسماعيل بن اسحاق - ابن علية القاضى - : اجتمع القاسم والأسود وعمرة على أن
أم المؤمنين عائشة كانت محرمة بحج لا بعمرة، و کذلك رده مالك وأحمد بن حنبل
ثم ابن حزم، إلى آخر ما قال ، فراجعها. وفى "العمدة" (٤ - ٥٥٩): رجح
لفظ عروة على تحقيق القاضى عياض: بأنها أحرمت بالحج أولاً ثم أحرمت بالعمرة،
ثم رفضت العمرة بسبب حيضها وأهلت بالحج. وقال بعد بيان الجمع فى الروايات:
فلا يحتاج إلى تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها اهـ . والغينى فى " العمدة "
(٤ - ٧٧٩) قال مثل ما قال الحافظ ابن حجر: بأنها كانت قارنةً ،
واحتج بحديث مسلم ، وهذا التعارض غريب من مثل العينى .
قال الإمام محمد بن الحسن فى " مؤطئه" بعد روايات ابن عمر: وحديثى
عائشة من طريق القاسم ومن طريق عروة كلها من طريق مالك . قال محمد :
وبهذا نأخذ ، الحائض تقضى المناسك كلها ، غير أن لا تطوف ولا تسعى بين
الصفا والمروة حتى تطهر ، فإن كانت أهلت بعمرة فخافت فوت الحج فلتحرم
بالحج وتقف بعرفة وترفض العمرة ، فإذا فرغت من حجها قضت العمرة كما
قضتها عائشة، وذبحت ما استيسر من الهدى، بلغنا: ((أن النبى عَّلي ذبح عنها
بقرةً، وهذا كله قول أبى حنيفة رحمه اللّه اهـ. وتجد ما يشرح هذا ما بسطه
الإمام الطحاوى فى ( باب القارن كم عليه من الطواف لعمرته ولحجته ؟ ) .
والشيخ المحدث السندى فى كتابه "المواهب اللطيفة" رجح الجمع على الترجيح
بضوء ما أفاده البدر العينى، كما حكاه شيخنا العثمانى فى " فتح الملهم "
والله الموفق .

٣٦٤
معارف السفن
ج - ٦
(باب ما جاء من حج أو اعتمر
فليكن آخر عهده بالبيت )
حدثنا: نصر بن عبد الرحمن الكوفى نا المحاربى عن الحجاج بن أرطاة عن
عبد الملك بن مغيرة عن عبد الرحمن بن السلمانى عن عمرو بن يونس عن الحارث
-: باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت :-
أخرج فى الباب حديث الحارث بن عبد الله بن أوس ، وهو الثقفى
الحجازى سكن الطائف، روى عنه عٍَّ وعن عمر ، وعنه عمرو بن أوس
الثقفى ، كما فى " التهذيب" .
والحديث أخرجه أبو داود والنسائى من أصحاب السنن ، وأخرجه أحمد
والطحاوى. ولفظ أبى داود: ((قال: أتيت عمر رضى الله عنه فسألته عن
المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض ؟ قال : ليكن آخر عهدها بالبيت ،
فقال الحارث: كذلك أفتانى رسول اللّه ◌َلِ ، فقال عمر: أربت عن يديك!
سألتنى عن شئ سألت عنه رسول اللّه فَل لكيما أخالفه)). وهذا أوضح وأبسط.
قال العينى فى "العمدة" (٤ - ٧٧٦): ومعنى "أربت عن يديك": سقطت
آرابك، وهو جمع "أرب" وهو: العضو. ولفظ الترمذى: ((خررت عن
بديك)، سقطت . وفيه ألفاظ أخر، جمعها كلها الطبرى فى " القرى" ( ص -
٥١٠ ) وشرحها .
قال شيخنا : اتفقوا على أن طواف الوداع ليس على المعتمر ، وإنما هو
على الحاج. وحديث الترمذى من طريق الحجاج بن أرطاة ، ومن طريقه
هذه الزيادة ، وهو ليس بذاك . ورواه أبو داود من غير طريقه وليس فيه

٣٦٥
بحث طواف الوداع الحائض
ابن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبى عَّ ◌َ يقول: ((من حج هذا البيت أو
اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت ، فقال له عمر : خررت من يديك ! سمعت
هذا من رسول اللّهِ عَّ﴾ ولم تخبرنا به؟)).
ذكر المعتمر، فالترمذى مشى على ظاهر ما عنده من لفظ الحجاج بن أرطاة ،
فعقد عليه الباب وذكره فى الترجمة ، وكان المناسب أن يكتفى فى الترجمة بقوله:
" من حج" ، ولا يزيد عليه " أو اعتمر" .
ثم قال الشيخ: فى قول عمر: ((خررت عن يديك)) أن عمر كان يأمر
بطواف الوداع الحاج ولم يكن عنده نص من حديث عن رسول اللّه بجلاء ،
فلما سمعه عن الحارث قال له - أى مغضباً -: بأنه لم يخبره بهذا اهـ. هكذا فى
" العرف الشذى". وأرى أنه وقع فيه تغيير من كلام الشيخ وسهو من الضابط
فى ضبط الإملاء وحفظ الإلقاء، وربما ذكره الرد عليه فإنه ذكره بعضهم وليس
بصحيح. وسياق حديث أبى داود واضح جداً ، ويدل على أن غضبه على أنه
سمع من رسول اللّهِ فَّله بأن طواف الوداع لا يسقط بعذر الحيض، ثم سأل
عنه ما سأل عنه رسول اللّه ح 9$، فربما أخطأ فى الحكم وذهب إلى خلاف ما
ثم إنه قد تقدم البحث الشافى بأن سيدنا عمر الفاروق تفرد بالقول بطراف
الوداع الحائض بأن تبقى إلى أن تطهر ثم تطوف. وذكرنا توجيه الخطابى لرأيه ،
وكلام الطحاوى: بأنه منسوخ والحكم فى حديث عائشة عند الأمة .
وأما مسألة طواف الوداع على المعتمر ، فقال ابن بطال : لا خلاف بين
العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع كم
فعلت عائشة .. والبخارى رحمه الله ترجم عليه ولم يقطع فقال: (باب المعتمر

٣٦٦
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن ابن عباس . قال أبو عيسى : حديث الحارث بن عبد اللّه
ابن أوس حديث غريب، وهكذا روى غير واحد عن الحجاج بن أرطاة
مثل هذا ، وقد خولف الحجاج فى بعض هذا الإسناد .
إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع ؟ ) ، فالحافظ
الشهاب العسقلانى يقول: لأجل التردد ترجم هكذا ، والحافظ البدر العينى
يميل إلى أن حكمه فى حديث عائشة: أنها لم تطف للوداع، فكأنه جزم بعدمه .
هذا خلاصة بحثها .
وفى "الهداية" وشرحها لا ين الهمام: وليس على أهل مكة ومن كان داخل
الميقات، وكذا من اتخذ مكة داراً ثم بدا له الخروج، ليس عليهم طواف صدر،
وكذا فائت الحج ، لأن العود مستحق عليه ، ولأنه صار كالمعتمر، وليس على
المعتمر طواف الصدر. ذكره فى " التحفة". قال ابن الهمام: وفى إثباته على
المعتمر حديث ضعيف رواه الترمذى - يريد به حديث الباب -. وفى "البدائع"
(٢ - ٢٢٧): فأما طواف الصدر فلا يجب على المعتمر، وقال الحسن بن زياد:
يجب عليه ، كذا ذكره الكرخى اهـ .
ثم إن طواف الوداع يكون فى آخر عهده بالبيت عند الخروج ، فإن
اشتغل بعده بتجارة أو إقامة فعليه الإعادة عند مالك والشافعى وأحمد ، وليس
عليه الإعادة عند أبى حنيفة وإن أقام شهراً أو أكثر. هذا ملخص ما فى
" المغنى" لابن قدامة (٣ - ٤٥٩) و "شرح المهذب" (٨ - ٢٨٥).
دليل الجمهور ظاهر حديث الباب، ولأبى حنيفة أنه طاف بعد النفر بعد
ما حل فقضى ما كان عليه ، والحديث لا يدل على الوجوب ويكفى أن يكون
للندب والاستحباب . فالحديث للفريقين ، فعندهم للوجوب، وعنده للندب ،

٣٦٧
بحث عدم طواف الوداع للمعتمر وطواف القارى
( باب ما جاء أن القارن يطوف طواناً واحداً)
حدثنا : ابن أبى عمر نا أبو معاوية عن الحجاج عن أبى الزبير عن جابر:
((إن رسول اللّه حَ لّ قرن الحج والعمرة، فطاف لما طوافاً واحداً)).
فما يقوله صاحب "القرى": "وفى الحديث دلالة على استواء الحج والعمرة
فى طواف الوداع إيجاباً واستحباباً " ففيه نظر، فإن الحديث الذى عليه مدار
طواف الوداع للمعتمر ضعيف ، وقد صرح به نفسه. فکیف یثبت الوجوب
بمثله والإجماع على خلافه؟ والله أعلم .
وبالجملة ليس على المعتمر طواف الوداع كما ليس عليه طواف القدوم ،
ويسمى. طواف الوداع: طواف الصدر وطواف آخر عهد بالبيت، كما فى "الهداية"،
ويسمى طواف القدوم: "طواف اللقاء" أيضاً. وحديث ابن عباس الذى أشار
إليه الترمذى رواه مسلم وأحمد ، وليس فيه ذكر الحاج والمعتمر، ثم الترمذى
قد صرح بما فى حديث الحارث من الضعف بقوله : غريب. ثم قال : وقد
خولف الحجاج فى بعض هذا الإسناد . وقال المنذرى فى سند الترمذى : فيه
ضعيف، وفى سند أبى داود: فيه حسن اهـ ، كما فى " نصب الرأية".
وبالجملة ابن أرطاة تفرد به ولم يتابع عليه ، وعامة الأحاديث لم يذكر
فيه ما ذكره الحجاج بن أرطاة ، فلم يقل به الأئمة ولم يعمل به الأمة .
-: باب ما جاء أن القارن يطوف طوافاً واحداً :-
أُخرج فى الباب حديث جابر، أخرجه النسائى عن أرباب السین فی ( باب
طواف القارن من المناسك ) ، وأخرج حديث ابن عمر بعد ما أشار إليه فى
( م - ٧٦ )

٣٦٨
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن ابن عمر وابن عباس . قال أبو عيسى : حديث جابر
حديث حسن، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي مَاه
الباب، وقد أخرجه ابن ماجه فى ( باب طواف القارن ) . ودل حديثا الباب
على تداخل أفعال العمرة فى الحج للقارن من الطواف والسعى ، فالقارن عليه
طواف واحد لهما ، وكذا سعى واجد لهما .
والمسألة خلافية من أقدم عهده إلی الیوم، وذکر الترمذی فی کل جانب
بعض أهل العلم من الصحابة رضى الله عنهم . وما ذكره من المذاهب فى المسألة
فملخص ما قاله النووى فى " شرح مسلم" وابن قدامة فى "المغني" (٣ -
٤٦٥) والعينى فى "العمدة" (٤ - ٥٤٦): أن القارن لابد له من طوافين
وسعيين. وحكى ذلك عن عمر وعلى والحسن والحسين وابن مسعود والشعبى
والنخعى وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود ومجاهد وعلقمة والأسود بن
يزيد وشريخ القاضى ومحمد بن على بن حسين وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه ،
والثورى والأوزاعى والحسن بن صالح وحماد بن سلمة وحماد بن أبى سليمان
والحكم بن عتيبة وزياد بن مالك وابن شبرمة وابن أبى ليلى ، وهو رواية عن
أحمد . وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود : على أن القارن
يكفى له طواف واحد وسعى واحد . ويروى ذلك عن ابن عمر وجابر وعائشة
وعطاء والحسن وطاؤس .
وبالجملة فقهاء عصر واحد من فقهاء الأمصار أبى حنيفة وسفيان
والأوزاعى وأحمد فى رواية فى جهة واحد ، ومعهم من كبار فقهاء الصحابة
والتابعين جماعة ، ومالك والشافعى وأحمد فى أشهر الروايتين فى جهة أخرى ،
ومعهم طائفة من الصحابة وشرذمة من التابعين رضى الله عنهم أجمعين . وها.

٣٦٩
بحث طواف القارن من الوحدة أو التعدد
وغيرهم ، قالوا : القارن يطوف طوافاً واحداً ، وهو قول الشافعى وأحمد
واسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي حَ الم وغيرهم: يطوف
طوافين ويسعى سعيين، وهو قول الثورى وأهل الكوفة
اتفقوا جميعاً على أن القارن عليه ثلاثة أطوفة : طواف القدوم واللقاء ، وهو
سنة، وطواف الإفاضة والزيارة ، وهو فرض ، وطواف الوداع والصدر ،
وهو واجب .
واختلفوا فى طواف العمرة، فأثبته أبو حنيفة والثورى والأوزاعى وأحمد
فى رواية، ونفاه مالك والشافعى وأحمد، كما اتفقوا على أنه حّل طاف فى
حجته حجة الوداع ثلاثةً : طوافاً يوم قدومه ، وطوافاً يوم النحر، وطوافاً
للوداع ليلة أربع عشرة من ذى الحجة .
قال شيخنا : ولم يثبت طواف النفل منه عليه صلوات الله وسلامه إلى
العاشر، نعم ثبت بعد العاشر فى ليالى منى برواية قوية اهـ .
قلت : وتقدم بيانه ، فالطواف الأول هو للقدوم عند الشافعى ومالك ،
ويوم النحر للإفاضة عند الجميع ولكنه دخل فيه طواف العمرة عندهم، والوداع
متفق بيننا وبينهم جميعاً. والاختلاف فى الثانى: هل هو للحج - كما هو عندنا -
أو الحج والعمرة معاً - كما هو عندهم - ؟.
قال شيخنا رحمه الله : ويمكن أن يقال : أن الطواف الأول يوم القدوم
كان للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم ولكن لم أجد من صرح من علمائنا
بذلك ولكن قالوا: من ترك طواف القدوم - وهو سنة - لاشئ عليه ولا يلزمه
شئ؛ غير أن فى عبارة الإمام الطحاوى فى " شرح معانى الآثار" إشارة اهـ .
قال الراقم : لا شك أن طواف القدوم تحية للبيت كتحية المسجد

٣٧٠
معارف السنن
ج -- ٦
حدثنا : خلاد بن أسلم البغدادى نا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن
معمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه عَل}: (( من أحرم بالحج
والعمرة أجزاء طواف واحد وسعى واحد منها حتى يحل منها جميعاً)).
بالركعتين، ومن دخل المسجد وصلى السنة ونوى التحية فيها دخل صلاة التحية
فى السنة ، كما صرح بذلك غير واحد من أرباب التآليف، وله نظائر غير هذا،
فيمكن أن يجعل هذا من هذا القبيل . وما ذكره الشيخ من إشارة الإمام الطحاوى
فلعله يريد بها قوله فى ( باب القارن كم عليه من الطواف؟): فاستحال بذلك أن
يكون الطواف الذى كان رسول اللّه عَّله فعله للعمرة التى انقلبت إليها مجزية
عنه من طولف حجته الخ .
قال الراقم: ويقول المحدث الفانى فى فى " تفسيره" (١ - ٢٣٠)
قلت : وذلك الطواف والسعى كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه اهـ
فالذى صرح به الشيخ قد وقعت إليه الإشارة الخاطفة من الإمام الطحاوى .
وصرح بمثله المحدث الفقيه العارف الفانى فى، فلله الحمد على هذا التوارد والتوافق .
ثم إنه لا شك أن حديث الباب وأمثاله من الإكتفاء بطواف واحد للقارن
مؤول عند الكل ، فليس هناك واحد وإنما الثلاثة متفق عليها بين الأئمة جميعاً ،
فإذن الاختلاف فى التخريج والتحليل ، بل الاختلاف فى الأول فقط ، فعندنا
للعمرة داخل فيه طواف القدوم ، وعندهم للقدوم فقط كما إن الطواف الثانى
يوم النحر عندنا الحج فقط وعندهم الحج والعمرة .
وحجة مالك والشافعى وأحمد فى اكتفاء القارن بطواف واحد وسعى
واحد عدة أحاديث فى الصحاح الستة :
منها : حديث عائشة فى " الصحيحين " من حديث طويل ، وفيه :

٣٧١
بيان أدلة تعدد طواف القارن
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح ، تفرد به الدراوردى
على ذلك اللفظ ، وقد رواه غير واحد عنى عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه
وهو أصح .
(( وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً)) واللفظ للبخارى .
وحديث ابن عمر عند الشيخين وفيه : " فطافا لهما طوافاً واحداً " وفى
طريق آخر عند البخارى: ((قال ابن عمر: كذلك فعل رسول اللّهَ حَالْمٍ)).
وحديث جابر عند النسائى والترمذى كما فى الباب. وحديث ابن عمر
عند الترمذى .
وحجة أبى حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى وأحمد - فى رواية - عدة
أحاديث :
الأول : حديث الصبى بن معبد التغلبى ، أخرجه أبو حنيفة عن حماد
- وهو ابن أبى سليمان - عن ابراهيم عن الصبى بن معبد من حديث طويل قال:
((أقبلت من الجزيرة حاجاً - إلى أن قال - : كنت رجلا بعيد الشقة قاصى الدار
أذن الله لى فى هذا الوجه، فأحببت أن أجمع عمرةً إلى حجة فأهللت بها جميعاً
ولم أنس)»، وفيه: ((مضيت فطفت طوافاً لعمرفى وسعيت سعياً لعمرفى، ثم عدت
ففعلت مثل ذلك ثم بقيت حراماً أصنع كما يصنع الحاج)). وفى طريق آخر: (( كنت
حديث عهد بنصرانية فقدمت الكوفة أريد الحج فى زمان عمر بن الخطاب ))
وفيه: ((فلما قدم الصبى مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته ثم
رجع حراماً لم يحل من شئ، ثم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة لحجته )).
وفيه: ((فضرب عمر على ظهره وقال: هديت لسنة نبيك محتاجٍ))، ولحديثه
طرق وألفاظ جمعها الشيخ محمد عابد السندى فى ترتيبه لـ " مسند أبى حنيفة "

٣٧٢
معارف السنن
ج - ٦
على رواية الحصكفى ، وأصل الحديث مختصراً رواه أحمد واسماق والطبالسى
فى مسانيدهم ، وأبو داود والنسائى وابن ماجه فى سننهم ، وابن أبى شيبة فى
" مصنفه " وابن حبان فى "صحيحه"، والدارقطنى فى " العلل" ، ورواية
أبى داود والنسائى عن منصور ، ورواية ابن ماجه عن الأعمش، كلاهما عن
أبى وائل عن صبى بن معبد التغلبى، وليس فيه ذكر الطوافين والسعيين لهما، ولاشك
عندهم جميعاً فى صحة المختصر، بل إسناده فى غاية الصحة ، ولكن ينكرون
هذه الزيادة .
وروى محمد بن الحسن الشيبانى فى " مبسوطه": ((إن الصبى بن معبد
قرن فطاف طوافين وسعى سعيين، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه
فقال: هديت لسنة نبيك حَ اجٍ))، حكاه البدر العينى فى " البناية " كما فى شرح
الشيخ أحمد حسن السنبلى على " مسند أبى حنيفة". وفى " المحلى " لابن حزم
(٧ - ١٧٥): روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن
ابراهيم النخعى: ((إن الصبى ين معيد - التغلبى - قرن بين العمرة والحج فطاف
طوافين وسعى سعيين ولم يحل بينها وأهدى ، وأخبر بذلك عمر بن الخطاب
فقال: هديت لسنة نبيك ح ياه)). وغاية ما يقال فيه أن ابراهيم لم يدرك
عمر ولا الصبى، فيقول الحافظ علاء الدين الماردينى فى "الجوهر النقي" (١ -
٣٤٣): والنخعى وإن لم يدرك عمر ولا الصبى فقد قال أبو عمر فى أوائل
"التمهيد": وكل من عرف فإنه لا يأخذ إلا عن ثقة، فتدليسه وترسيله مقبول،
فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وابراهيم النخعى عندهم صباح .
ثم ذكر أبو عمر بسنده عن الأعمش : قلت لإبراهيم : إذا حدثتنى حديثاً
فأسنده، فقال: إذا قلت : عن عبد اللّه - يعنى ابن مسعود - فاعلم أنه عن غير
واحد ، وإذا سميت لك أحداً فهو الذى سميت . قال أبو عمر: إلى هذا نزع من

٣٧٣
ذكر رواية من وافق أبا حنيفة فى طواف القارن
أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أونى من مسنده ، لأن فى هذا الخبر ما يدل
على أن مراسيل النخعى أولى من مسانيده ، وهو لعمرى كذلك . وقال البيهقى
فى ( باب ترك الوضوء من القهقهة): قال ابن معين: مرسلات النخعى
صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث الضحك فى الصلاة اهـ . وما حكاه
عن " التمهيد" فهو فى المطبوع الطبعة الملكية المغربية (١ - ٣٠) و (١ -
٣٧ و٣٨) . فلا شك إذن أن الزيادة من الثقات معتبرة ، فرواية مثل النخعى
عن الصبى وإن كان فيه انقطاع وإرسال مقبول عندهم جميعاً، على أن أبا حنيفة
ومالكاً لا يريان الانقطاع قادحاً فى الصحة . ثم لا شك أن أهل الكوفة أدرى
الناس برجالها وأسانيدها ورواياتها وأحاديثها ، فأهل مكة أدرى بشعابها .
وهؤلاء الجهابذة من أكابر الكوفيين من التابعين ممن ذكرنا أسماءهم عند ذكر
المذاهب الأسانيد بها صحاح، ذكرها عبد الرزاق فى " مصنفه" . وحكى عنه
ابن حزم فى " محملاه"، واعترف بصحتها فقال ( ٧ - ١٧٦): ولكنه معمن
ذكرنا من التابعين صحيح إلا عن الأسود وحده فإنه من رواية جابر الجعفى اهـ .
قلت: وقد وافقه من تابعى البصرة : زياد بن مالك وأبو الشعثاء وجابر
ابن زيد ، ومن أهل مكة : مجاهد ، ومن أهل المدينة : أبو جعفر محمد بن
على بن الحسن الباقر وغيره ، فإذن لا وجه لأحد أن يزاحمهم فى رواياتهم ،
ثم لم ينفرد بذلك أبو حنيفة وحده ومعه فى هذه المسألة إمام أهل الكوفة سفيان
الثورى وإمام أهل الشام الأوزاعى كما يذكره ابن حزم أيضاً ، وهو رواية عن
أحمد ، ووافق أبا حنيفة مثل أبى يوسف ومحمد وغيرهما، فهل هؤلاء كلهم على
خطأ وضلال ؟ غاية ما يقال إنه وقع التعارض فى الروايات فوقع الترجيح
فقهاً واجتهاداً .
الثانى: حديث على أخرجه النسائى فى "الكبرى" فى مسند على من طريق حماد

٧٤"
معارف السنن
ج - ٦
ابن عبد الرحمن الأنصارى الأزدى عن براهيم بن محمد بن الحنفية قال: ((طفت
مع أبى وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعبين ،
وحدثنى: أن علياً فعل ذلك، وقد حدثه: أن رسول اللّه مٍَّ فعل
ذلك))، كما فى "نصب الراية" (٣ - ١١٠). والأزدى ذكره ابن حبان
فى الثقات، كما فى "نصب الراية" و"التهذيب"، فلا ينزل عن الحسن،
ويقول الحافظ فى " الدرابة " ( ص - ٢٠٤ ): ورواته موثقون ، ويقول:
وأخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفاً بلفظ الأمر، وفى إسناده
راو مجهول .
قال الراقم: واستدلال مثل الإمام محمد عليه دليل توثيقه عنده . وبالجملة
فقد روى عن على موقوفاً ومرفوعاً، وأخرجه الإمام الشافعى من وجه آخر
عن على فى القارى يطوف طوافين كما فى "الدراية". ثم تأوله الشافعى على
طواف القدوم وطواف الركن ، ويرده الحافظ المارديني بقوله : ولو كان كما
تأول لم يكن فيه خصوصية بالقارن ، فإن المفرد أيضاً يفعل كذلك ، ويطوف
هذين الطوافين ، وسيأتى ما يؤيده فى سياق الآثار
والحديث على إسناد آخر أخرجه الدارقطنى فى " سننه" من طريق الحسن
ابن عمارة عن الحكم عن ابن أبى ليلى عن على مرفوعاً ثم ضعفه بالحسن بن عمارة
فقال: وهو متروك . قال الراقم: والحسن بن عمارة يروى عنه السفيانان ويحى
ابن سعيد القطان ، وهو قاضى بغداد ، ومدار تضعيفه على رأى شعبة فيه ،
وقد كشف عن وجهه ما حققه القاضى أبو محمد الرامهرمزى فى " المحدث
الفاصل بين الراوى والواعى"، ونقلته كله فى الأوراق الملحقة بـ "نصب الرأية"
فى أول المجلد الثالث، وأشرت إليه فى مبحث الفاتحة خلف الإمام ، ومداره
على أنه يفنى بخلاف ما بروبه .

٣٧٥
بيان أدلة تعدد طواف القارن
ويقول الرامهرمزى : وليس يلزم المفتى أن يفتى بجميع ما يعى . ولا يلزمه
أيضاً أن يترك رواية ما لا يفتى به ، وعلى هذا جميع فقهاء الأمصار. ثم ذكر
أمثلته عن مالك وأبى حنيفة - إلى أن قال - : والإنصاف أولى بأهل العلم ،
وكان أبو بسطام سيئ الرأى فى الحسن ، والله يغفرلهما. وله إسنادان آخران
عند الدارقطنى، أفليس تعدد الطرق مما يزيل الضعف والوهن ؟ !
الثالث : حديث ابن عمر من طريق الحسن بن عمارة عند الدارقطنى
مرفوعاً ، وليس فيه من يتهم غير الحسن بن عمارة عندهم، ولم يمكن الدارقطنى
الكلام فيه بغير جرحه بالحسن بن عمارة وغير إثبات معارضته بحديث الحسن
ابن عمارة نفسه من حديث ابن عباس مرفوعاً ، ولا ريب أن المحدث يروى
روايتين عن صحابيين متعارضتين، والفقيه يختار منها اجتهاداً وفقهاً واحداً منها .
الرابع : حديث عمران بن حصين ، أخرجه الدار قطنى من طريق محمد
ابن يحى الأزدى مرفوعاً: ((إن النبى ◌َّلِ طاف طوافين وسعى سعيين))،
ثم ضعفه الدار قطنى وبين علته : بأن محمد بن يحيى حدث من حفظه فوهم
فى متنه، والصواب بهذا الإسناد: ((إن النبى معَّ ◌ُل قرن الحج والعمرة))، وليس
فيه ذكر الطواف ولا السعى ، ويقال: إنه رجع عنه اهـ. ورده الحافظ
علاء الدين فى " الجوهر النّقى" وقال: قوله : " حدث به من حفظه فوهم"
لم ينسبه إلى أحد ممن يعتمد عليه ، وكذا قوله : " ويقال: إنه رجع عنه "
والظاهر أن المراد سكت عنه ، وإذا ذكر هذه الزيادة مرة وسكت عنها مرة
لعذر لا تترك الزيادة ، ولو كان فى الحديث علة أخرى غير هذا لذكرها
الدار قطنى ظاهراً اهـ .
( م - ٧٧ )

٣٧٦
معارف السنن
ج - ٦
وبالجملة علته غير قوية، وكثيراً ما يروى الراوى روايةٌ تارةً مختصرة
وتارةً كاملةً، ونظائره أكثر من أن تحصى. فالحديث متحمل، ورد مثله تحامل .
ويقول ابن الحمام : ومحمد بن يحيى ثقة ، قاله الدارقطنى، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، فإذن زبادته مقبولة ، والله أعلم .
الخامس : حديث ابن مسعود عند الدار قطنى مرفوعاً من طريق أبي بردة
عمرو بن يزيد عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ((طاف
رسول الله بُ ◌ّ لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلى ».
ثم يقول الحافظ الدارقطنى: وأبو بردة متروك ، ومن دونه فى الإسناد ضعفاء.
ويقول الحافظ ابن حجر فى " الدراية": وفيه أبو بردة عمرو بن يزيد أحد
الضعفاء ، ورواه عن حماد بن أبى سلمان .
قلت: وهو كوفى، يروى عنه مثل وكيع وأبو معاوية الضرير وطلق بن
غنام وأحمد بن يونس ويحيى الحمانى وآخرون ، وأخرج له ابن ماجه . وقال ابن
عدى : وهو ممن يكتب حديثه من الضعفاء ، وذكره ابن حبان فى الثقات ،
كما فى " التهذيب"، ومثل هذا يتحمل ، ولا سيما إذا كان له شواهد
فهذه خمسة أحاديث مرفوعة من رواية الصبى بن معبد وعلى وابن مسعود
وابن عمر وعمران بن حصين، وقد عرفت حال أسانيدها .
وأما الآثار :
فمنها : أثر على ، أخرجه الإمام محمد بن الحسن الشيبانى فى كتاب
"الآثار" قال أخبرنا أبو حنيفة نا منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعى عن
أبى نصر السلمى عن على بن أبى طالب قال: ((إذا أهللت بالحج والعمرة فطف
لهما طوافين واسع لها سعيين بالصفا والمروة)). قال منصور: فلقيت مجاهداً وهو

٣٧٧
بيان آثار فى تعدد طواف القارن
يفتى بطواف واحد لمن قرى فحدثته بهذا الحديث فقال : لو كنت سمعته لم
أفت إلا بطوافين، وأما بعد فلا أفتى بها ، وأخرجه الطحاوى من طريق
أبى نصر ومن طريق ابن أذينة، وأخرجه البيهقى فى " المعرفة" من طريق
الشافعى عن رجل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على ، ورواه الثورى وشعبة
وابن عيينة كلهم عن منصور عن مالك بن الحارث عن أبى نصر عن على ،
ويرجحه البيهقى على إسناد الشافعى عن رجل ، هذا ملخص ما قاله الزيلعى ،
ويضعفه البيهقى بجهالة أبى نصر .
قال الراقم : رجال الإسناد دون السلمى كلهم ثقات أثبات ، ومنصور
لما حدث مجاهداً بحديثه فقبله ووافقه ، ورواية مثل النخعى عنه يرفع جهالته ،
واستدلال أبى حنيفة الإمام ومن وافقه توثيق الرواية . وقد ذكر الحافظ فى
" تعجيل المنفعة ": إن ابن خلفون فى الثقات سما أباه عمراً ، وذكر فى شيوخه
ابن عمر ، وفى الرواة عنه ابنه، وقد سها التهانوى العثمانى فى نقل عبارة "تعجيل
المنفعة " فقال: ذكره ابن خلفون فى الثقات ، فكأنه عجلة. أنظر " تعجيل
المنفعة " ( ص - ٥٢٣) من الكنى. وما ذكره فى " العرف الشذى" من
توثيق العجلى إياه على نقل " التهذيب " فلم أجده. وعلى كل حال هو من
كبار التابعين، يروى عن على ، وهو كوفى ، ذكره ابن سعد فى " طبقاته "
(٦ - ٢٣٨ طبعة بيروت) فى تابعى الكوفة ، يروى عن على قال : أخبرنا
محمد بن عبيد نا محمد بن أبى اسماعيل عن عبد الرحمن بن أبى نصر عن أبيه قال:
((خرجت حاجاً فأدركت علياً بذى الحليفة وهو يلبى بعمرة وحجة))، وفى
الحديث طول . ثم ليس المدار على أبى نصر فقد رواه آخرون عن على بأسانيد
جياد ليس فيه أبو نصر، كما استوفاء الطحاوى ثم ابن حزم فى "المحلى"، وحكاه
الحافظ الماردينى ، فقد رواه الأعمش عن ابراهيم - وهو النخعى - ومالك بن

٣٧٨
معارف السنن
ج - ٦
الحارث عن عبد الرحمن بن أذينة ، ورواه ابن شبرمة والحكم بن عتيبة وزياد بن
مالك متابعين لأبى نصر ابن عمرو السلمى ، كلهم عن على ، أنظر " المحلى"
( ٧ - ١٧٥) و "الجوهر النقى" (١ - ٣٤٣). والحكم وابن شبرمة لم
يدركا علياً ، فيكون انقطاعاً ، وهو غير قادح عندنا . وقد ذكر أبو عمر ابن
عبد البر فى " التمهيد " رواية السلمى هذا عن على ، وزياد بن مالك ذكره
ابن حبان فى الثقات ، ويميل الحافظ إلى أن إسناد ابن أذينة أمثلها . وشيخنا
جنح إلى أن أمثلها رواية أبى نصر، وتأويل الإمام الشافعى فى المتن دليل قبوله
الإسناد من غير كلام. ويقول الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٩٥): لكن
روی الطحاوى وغيره مرفوعاً عن على وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها
إذا اجتمعت اهـ . فرحم الله من عدل وأنصف ولم يتعصب ولم يتعسف .
.. ومنها : أثر عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، أخرجه ابن أبى شيبة
فى " مصنفه" كما فى " نصب الرأية" عن هشيم عن منصور بن زاذان عن
الحكم عن زياد بن مالك أن علياً وابن مسعود قالا فى القارن: (( يطوف طوافبن
ويسعى سعيين))، ورواه سعيد بن منصور والطحاوى، وسكت عليه الحافظ فى
" الدراية " فى تلخيص "نصب الرأية"، وزياد بن مالك ثقة، وذكره ابن
حبان فى الثقات كما ذكر آنفاً .
فلا شك أن الوارثين لعلوم على وابن أم عبد هم تابعوا الكوفة، وعلومهم
وصلت ناضجة إلى أبى حنيفة الإمام ، فاجتماع هؤلاء الجمهرة على روايات عن
هذين الصحابيين الجليلين أقوى حجة لما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان الثورى
والأوزاعى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم من الأئمة ، والله المستعان.
ومنها : أثر سيدنا الحسن بن على ، رواه ابن أبى شيبة عن حفص بن

٣٧٩
تحقيق أن استدلال إمام بالحديث تقوية منه له
غياث عن حجاج - وهو ابن أرطاة - عن الحكم عن عمرو عن الحسن بن على
قال: ((إذا قرنت بين الحج والعمرة فطف طوافين واسع سعيين)) كما فى
" نصب الرأية "، وسكت عليه الحافظ فى " الدراية" . وابن أرطاة لا ينزل
عن الحسن عند كثير، وكم صمح له الترمذى فى "جامعه" . فإسناد ابن
أبى شيبة لا غائلة فيه .
ومنها : أثر سيدنا الحسين بن على، ذكره ابن حزم فى " محلاه "،
وجرحه بعباد بن كثير وياسين . أقول : وعباد بن كثير إن كان هو الفلسطينى
فقال ابن معين: ثقة ، وقال مرة : لا بأس به ، كما فى " التهذيب"، وهو
من رجال ابن ماجه ، وإن كان هو الثقفى البصرى فهو من رجال أبى داود
وابن ماجه ، ضعيف عندهم . وياسين هو: ابن شيبان ، أو : ابن سنان العجل
الكوفى، يقول الحافظ فى "التقريب": لا بأس به ، ومتابعة مثله لعباد بن
كثير قوبة .
فهذه أخبار وآثار يستدل بها للأئمة أبى حنيفة والثورى والأوزاعى وأبى
يوسف ومحمد وغيرهم، واستدلالهم بها تقوية من عندهم لرواياتهم ومروياتهم ،
وتضعيف من جاء بعدهم لا يضرهم ، على أن نفس صحة الإسناد وكون الرواة
ثقات لا تكفى ما لم تكن سالمة عن مغامز معنوية . ألا ترى أن حديث ابن عمر
فى الصحاح فى رفع اليدين كان أقوى حديث فى الباب وحجة اللّه على العالمين
عندهم! ولكن قد علمت حاله بعد الفحص الدقيق والبحث العميق بحيث بشكل
الاحتجاج بمثله فى معترك الخصام كما أسلفناه مفصلا فى مسألة رفع البدين .
والآن نتصدى لتوجيه الأفكار إلى البحث فى مستدلاتهم التى هى فى غاية الصحة .
وقد قلت قديماً وأقول: هؤلاء الأئمة الكبار أرباب العحاح - من البخارى

٣٨٠
معارف السنن
ج - ٦
ومسلم وأبى داود وغيرهم - قد انحازوا إلى جهة تفقهاً واجتهاداً. أو اتباعاً
لأئمتهم فى دقائق الفقه والاجتهاد وغوامض المسائل واختاروا جانباً فى الخلافيات،
ثم لما ألفوا أخرجوا فى تآليفهم ما يوافق مذاهبهم الفقهية. وسرى فقههم إلى
الحديث وتركوا ما عداهم حيث لم يذهبوا إليها إلا من التزم إخراج أحاديث
الفريقين كالإمام الترمذى غالباً ، وكابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى "مصنفيهما"،
وأحمد فى " مسنده". وقل لى بالله عليك! إن اتفاق مثل الثورى وأبى حنيفة
والأوزاعى وأبى يوسف على مسألة ثم موافقة جهابذة وصيارفة من أهل
الروايات واتفاق طائفة كبيرة من التابعين الثقات الأثبات قبل أن يخلق البخارى
وقبل أن يولد مسلم أو يأتى الترمذى وأبو داود ، أفهلا يكون أوثق وأقوى
من روايات وإن كانت صحيحة الأسانيد ، وشغب مثل ابن حزم والمتعصبين من
أرباب المذاهب، ما ذا يضر الأئمة الأجلاء الذين أخذوا بما أخذوا وببصيرة نافذة
قد كفوا، وهؤلاء يستشيطون غيظاً إذا خالفه أحد ، كأنهم أصحاب حمى وحريم،
لا يسمحون لأحد أن يدخل حريمهم فالمسائل الخلافية بين الصحابة ثم الأئمة
الأربعة والفقهاء المجتهدين تجعل الأمة فى سعة من أمرهم رحمة من الله بهم،
فینبغی اتساع الصدور فإنه لا يمكن أن ينفصم خلاف فى الأولین حدث قبل أرباب
التصنيف بقرون والتمسك بمحض الروايات ، وألفاظ الرواة والتغاضى عن
التعامل أو الإعراض والتغافل عما دار فى الموضوع من محو وإثبات أمر غير محمود
أو شى غير معقول !
ولنعم ما قال شيخنا رحمه الله: الإسناد كان لأجل أن لا يدخل فى الدين
ما ليس منه ، لا لأجل أن يخرج به من الدين ما كان منه . وكان يقول: وهل
يظن أن وقائع العالم إذا لم تكن لها إسناد أنها غير واقعة . وكان يقول فى حق
الإمام ابن حزم إذ كان يرد على الإمام أبى حنيفة أو على غيره من الأئمة: كأنه