Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
بيان أطوفته بَّ اله فى الحج وتخريجها
السنة فقد اختلفت عبارات الفقهاء فيه، فيفيد بعضها عدم وجوب الدم وبعضها
يفيد ، والله أعلم .
قال شيخنا رحمه الله: إن جميع أطوفية النبى عَ﴾ بعد الهجرة ستة:
(١) طواف فى عمرة القضاء. (٢) طواف فى فتح مكة بلا إحرام العمرة .
(٣) طواف فى عمرة الجعرانة . وثلاثة فى حجة الوداع، فالكل ستة . وهذه
الثلاثة فى حجته متفق عليها ، غير أن هناك اختلافاً فى تخريجها .
فالأول عند أبى حنيفة للعمرة ، وعند الشافعية للقدوم . والثانى الزيارة .
والثالث الصدر اتفاقاً. فطواف العمرة دخل عندهم فى طاف الحج، وعندنا
ترك طواف القدوم . وأما ما عدا هذه الستة فأشار إليها البخارى فى "صحيحه"
فى ( باب الزيارة يوم النحر) بصيغة التمريض تعليقاً: ويذكر عن أبى حسان
عن ابن عباس: ((إن النبى مِ لمٍ كان يزور البيت أيام منى))، وكأنه يشير
إلى تضعيفه، وهذا التعليق وصله البيهفى كما فى " العمدة " ( ٤ - ٧٤٦ )،
ورواه الطبرانى من طريق قتادة عنه ، وله شاهد مرسل عند ابن أبى شيبة :
((إن النبي عَلَ﴾ كان يفيض كل ليلة يعنى ليالى من اهـ)).
وبالجملة الظاهر أنه طاف أطوفة عديدة فى مبيته مح اري بمنى ليالى، غير أنه
لم يدر عددها. ثم إن الطواف فى عمرة القضاء وطواف الزيارة فى حجته كان
راكباً ، وطواف عمرة الجعرانة وطواف الوداع كان ماشياً، كما فى كتب
السير. وذكر الواقدى أن طوافه بَّ فى فتح مكة أيضاً كان راكباً، ولكن
الواقدى ليس بحجة فى رواية الحديث، تكلموا فيه، قاله شيخنا رحمه الله
واستدل المالكية بأن فى الحديث دلالة على طهارة بول البعير وما يؤكل
لحمه ، وهو مذهب أحمد أيضاً، وذهب أبو حنيفة والشافعى فى آخرين إلى

١٦٢
معارف السنن
ج - ٦
نجاسته ، كما تقدم بيانه فى أبواب الطهارة ، وما أجاب الحافظ فى " الفتح "
( فى الجزء الأول من المساجد) بأن فاقته عَ لّ كانت مدربة ومعلمة، فيؤمن
منها ما يحذر من التلويث وهى سائرة اهـ . فقال شيخنا رحمه الله: ليس بقوى،
نعم هناك بحث، فإن حول البيت كان مطافاً فى عهده بَ لّ ولم يكن محاطاً
بحائط أو عمارة، كما فى رواية البخارى فى "صحيحه" فى بنيان الكعبة: (( لم
يكن على عهد النبي ◌ّ لج حول البيت حائط، كانوا يصلون حول البيت، حتى
كانفر عمر فبنى حوله حائطاً))، فإذن لم يكن هناك مسجد بالمعنى المتعارف بل
كان مطافاً، ولكن مع هذا عبر عنه فى التنزيل العزيز بالمسجد الحرام ، فالفقيه
له أن يبحث عن حقيقة المسجد فى أن الأرض والعرصة من غير بناء وعمارة ،
هل يجرى عليها حكم المسجد ؟ والظاهر أنه يأخذ حكم المسجد ، فإذن نظر المالكية
أنفذ، ومع هذا يكون النظر دائراً، فإن الذى سماه " القرآن الكريم ": مسجداً
هل هو البيت فقط ، أو هو مع المطاف حوله ، أوهناك قدر خارج من المسجد
من البيت وما حوله المتصل به فى الأصل ، وإن كان أصبح جزءً من المسجد
بعد بناء عمر الحائط .
قال الراقم : وقال أيضاً الحافظ فى " الفتح" من الجزء الثالث: طوافه
عَّ وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، وإذا حوط المسجد امتنع داخله،
إذ لا يؤمن من التلويث ، فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله ، فإنه كان
لا يحرم التلويث الخ . وأيضاً قال : واحتمل أن تكون راحلته عصمت من
التلويث حينئذ كرامةً، فلا يقاس غيره عليه اهـ . وكلام شيخنا رحمه الله أدق
نظراً وفقهاً فاقدره ، والله أعلم .
وقد علم مما أسلفنا من أخرج حديث جابر وأبى الطفيل فى الباب ، وأما
حديث أم سلمة فأخرجه الشيخان : البخارى فى المساجد وفى المناسك ، وفيه :

١٦٣
بيان حديث فضل الطواف
(باب ما جاء فى فضل الطواف )
حدثنا: سفيان بن وكيع نا يحيى بن اليمان عن شريك عن أبى أسماق عن
عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه جَلالٍ:
((من طاف بالبيت خمسين مرةً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)).
قال : وفى الباب عن أنس وابن عمر . قال أبو عيسى : حديث ابن
عباس حديث غريب ، سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: إنما يروى هذا
عن ابن عباس قوله .
((طوفى من وراء الناس وأنت راكبة))، ومسلم فى (١ - ٤١٣). وفى
الباب أحاديث غيرها تجدها فى " نصب الرأية" (٣ - ٤٠ و٤٢).
-: باب ما جاء فى فضل الطواف :-
قوله: خمسين مرةً. قال فى "قوت المغتذى": حكى المحب الطبرى عن
بعضهم أن المراد بالمرة الشوط ، ورده وقال : المراد خمسون أسبوعاً ، وقد.
ورد كذلك فى رواية الطبرانى فى " الأوسط"، قال: وليس المراد أن يأتى
بها متوالية فى آن واحد ، وإنما المراد أن يوجد فى صحيفة حسناته ولو فى عمره
كله اهـ. قال شيخنا: والمراد طواف النفل دون الحج خمسين مرةً ، وقد قال
العلماء : الأفضل للآفافى الطواف دون صلاة النفل ، فليكثر منه ما استطاع .
والأطوفة فى الحج ثلاثة للمفرد وكذا للمتمتع ، وأربعة للقارن .
قوله : خرج من ذنوبه . قال القاضى أبوبكر ابن العربى: مراده الصغائر .
قال الراقم: ويستبعده التشبيه بقوله: ((كيوم ولدته أمه))، ويمكن أن يقال:

١٦٤
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا: ابن أبى عمرنا سفيان بن عيينة عن أيوب قال: ( کانوا یعدون
عبد الله بن سعيد بن جبير أفضل من أبيه ، وله أخ يقال له : عبد الملك بن
سعيد بن جبير ، وقد روى عنه أيضاً .
( باب ما جاء فى الصلاة بعد العصر و بعد الصبح فى
الطواف لمن يطوف )
حدثنا : أبو عمار وعلى بن خشرم قالا نا سفيان بن عيينة عن أبى الزبير
إن تلك الأطوفة لعلها قامت مقام توبته ، والكبائر تغفر بالتوبة . ثم إن توالى
الطوافين من غير أن يصلى بينهما ركعتى الطواف بكره عند أبى حنيفة رحمه الله
إلا أن يكون بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر حيث بكره ركعتا الطواف ،
فلا بأس بتوالى الأسابيع ، وأيضاً السنة الموالاة بين الطواف والصلاة ، إلا أن
يكون الوقت مكروهاً كما فى كتب الفقه وكتب المناسك. وتحية المسجد الحرام
هو الطواف دون الصلاة .
وحديث ابن عمر رواه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه والحاكم وابن
خزيمة وابن حبان بألفاظ مختلفة ، راجع أكثرها فى " ترغيب المنذرى" (٣ -
٣١٤) ، وحديث أنس لم أجده، وفى الباب أيضاً عند محمد بن المنكدر عن أبيه
عند المنذرى والهيثمى عن " معجم الطبرانى" فى " الكبير" .
-: باب ما جاء فى الصلاة بعد العصر وبعد الصبح
فى الطواف لمن يطوف :-
حديث الباب أخرجه بقية أصحاب السنن وابن خزيمة وغيرهم ، ومصحه

تفصيل المذاهب فى ركعتى الطواف بعد صلاتى الفجر والعصر ١٦٥
عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم: أن النبى ◌َلَ قال: ((يا بنى عبد
مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)).
وفى الباب عن ابن عباس وأبي ذر . قال أبوعيسى : حديث جبير بن
مطعم حديث حسن صحيح . وقد رواه عبد الله بن أبى نجيح عن عبد الله بن
باباه أيضاً .
الترمذى وابن خزيمة وغيرهما كما حكاه البدر العينى فى "العمدة" واستدل به
لجواز ركعتى الطواف بعد الصبح والعصر ، وهو مذهب الشافعى وأحمد
واسماق ، وبه قال عطاء وطاؤس والقاسم وعروة .
ومال أبو حنيفة ومالك - فى رواية - وأبو يوسف ومحمد والثورى إلى
كرامتها ، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصرى ، ومن أدلة
الفريق الأول ما عند البخارى تعليقاً عن ابن عمر ، ولكنه معارض بما عند
الطحاوى عنه بإسناد صحيح ، كما يقوله البدر العينى أن ابن عمر قدم عند صلاة
الصبح فطاف ولم يصل إلا بعد ما طلعت الشمس . قال العينى: وقال سعيد
ابن أبى عروبة فى المناسك عن أيوب عن نافع: ((إن ابن عمر كان لا يطوف
بعد صلاة العصر ولا بعد صلاة الصبح)) وأخرجه ابن المنذر أيضاً . ومن أدلة
الفريق الثانى الأحاديث العامة المتواترة فى النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد
العصر فى الصحاح ، وعموم حديث عقبة بن عامر الجهنى عند مسلم وأصحاب
السنن، وأثر عمر الفاروق عند الطحاوى، وأخرجه البخارى تعليقاً، ووصله
أيضاً مالك فى "المؤطأ": ((وطاف عمر رضى الله عنه بعد صلاة الصبح فركب
حتى صلى الركعتين بذى طوى)، ولفظه عند ابن منده فى " أماليه": ((فلما
كان بذى طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين))، كما حكاه الحافظ فى "الفتح" ،

١٦٦
معارف السنن
ج - ٦
وقد اختلف أهل العلم فى الصلاة بعد العصر وبعد الصبح بمكة ، فقال
بعضهم : لا بأس بالصلاة والطواف بعد العصر وبعد الصبح . وهو قول الشافعى
وأحمد واسحاق، واحتجوا بحديث النبي حَلِ، وقال بعضهم: إذا طاف بعد
العصر لم يصل حتى تغرب الشمس ، وكذلك إن طاف بعد صلاة الصبح أيضاً
لم يصل حتى تطلع الشمس، واحتجوا بحديث عمر: (( إنه طاف بعد صلاة الصبح
فلم يصل وخرج من مكة حتى نزل بذى طوى ، فصلى بعد ما طلعت الشمس ،
وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس .
وقريب منه لفظ "الترمذى" . قال الطحاوى : فهذا عمر رضى الله عنه أخر
الصلاة إلى أن يدخل وقتها ، وهذا بحضرة جماعة من الصحابة ولم ينكره عليه
منهم أحد ، ولوكان ذلك الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى ولما أخر
ذلك ، لأنه لا ينبغى لأحد طاف بالبيت إلا أن يصلى حينئذ إلا من عذر. ومن
أدلة هؤلاء أثر جابر عند أحمد بسند صحيح، وفيه: ((ولم نكن نطوف بعد
صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب))، وأثر أبى سعيد
الخدرى عند ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور . وكذلك أثر عائشة عند ابن أبى
شيبة بإسناد حسن: ((إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر
نطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع ، فصل لكل أسبوع
ركعتين)) هذه الآثار أخرجها البدر العينى فى "العمدة" (٤ - ٦٤٠ و ٦٤١).
ومن الأدلة أيضاً حديث أم سلمة فى " صحيح البخارى " فى ( باب من
صلى ركعتى الطواف خارج المسجد) وفيه: فقال لها رسول اللّه عَلَ﴾: ((إذا
أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون)) ففعلت ذلك فلم تصل
حتى خرجت أى من مكة ، فلو كان خروجها من مكة أو الحرم فهو دليل
صريح على أنه لم تكن ركعتا الطواف عندها جائزتان بعد الصبح ، وإلا لما

١٦٧
بحث ركعتى الطواف بعد الفجر والعصر
تركت المسجد أو الحرم ، وقد استدل به شيخنا رحمه اللّه وفعلها فى حكم المرفوع،
فإنها طافت بأمره صَلالٍ ، وقال : ويحتمل أن يكون معناه خرجت من المسجد ،
وإذن لا يكون دليلا على ذلك .
قال الراقم : والمتبادر خروجها من الحرم وتأخيرها لكراهة فى الوقت،
فإن التأخير يكره من غير عذر ، وكذلك مقام إبراهيم أو المسجد الحرام أفضل
محل لركعتى الطواف، فالتأخير وترك الأفضل ليس له وجه ظاهر غير هذا ،
والله أعلم .
والجواب عما استدل به الفريق الأول من حديث الباب أنه ليس بنص فى
ذلك بل لغرض أنه ليس لبنى عبد مناف حق المنع فى أية ساعة ، أما أنه فى
أية ساعة تجوز الصلاة أو الطواف ، فهذا شئ وراء هذا ، كذا قاله شيخنا .
وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى فى " أماليه" على " الترمذى": والاستدلال
ليس بتام ، فإن هذا خطاب لبنى عبد مناف ، فإن دورهم كانت محيطة بالبيت،
وكانوا يغلقون الباب، فلايصل الرجل إلى البيت، فنهاهم عن ذلك لأجل هذا
اهـ ملخصاً . ثم إنه قال صاحب " الهداية": إن ركعتى الطواف لكون الوجوب
فيهما لغيره فيهما الكراهة بعد الصبح والعصر ، وغرضه أنه لم يكن الوجوب للغير
كان أداؤها فى هذين الوقتين من غير كراهة
وحديث ابن عباس فى الباب أخرجه الطبرانى، وحديث أبى ذر أخرجه
الدار قطنى والبيهقى، والأول غريب والثانى ضعيف ومنقطع، كما حققه فى
"العمدة" ( ص - ٦٤٠).
( ٢ - ٥١ )

١٦٨
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء: ما يقرأ فى ركعتى الطواف )
حدثنا : أبو مصعب قراءة عن عبد العزيز بن عمران عن جعفر بن محمد
عن أبيه عن جابر بن عبد الله: ((إن رسول اللّه جَلالٍ قرأ فى ركعتى الطواف
بسورقى الإخلاص : " قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد")).
حدثنا: هناد نا وكيع عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه : ((أنه
كان يستحب أن يقرأ فى ركعتى الطواف بـ : "قل يا أيها الكافرون" و" قل
هو الله أحد ": "
قال أبو عيسى : هذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران ، وحديث
جعفر بن محمد عن أبيه فى هذا أصح من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن
جابر عن النبى عَّرله، وعبد العزيز بن عمران ضعيف فى الحديث .
-: باب ما جاء: ما يقرأ فى ركعتى الطواف :-
حديث الباب أخرجه الترمذى مرفوعاً من طريق عبد العزيز بن عمران
المدنی المعروف بـ: "ابن أبی ثابت" الذی احتر قت کتبه ، فحدث من حفظه فاشتد
غلطه كما فى " التقريب"، ولم يخرج عنه أصحاب الستة إلا الترمذى، وقال
الترمذى : وهو ضعيف فى الحديث ، ولكنه لا يضر حيث أخرجه مسلم فى
"صحيحه" من طريق حاتم بن اسمعيل المدنى عن جعفر بن محمد فى حديث
جابر الطويل فى حجة الوداع، وأخرجه النسائى من طريق مالك عنه، فقد تابعه
ثقتان، فقول الترمذى: " إن الموقوف أصح" لا يصح إلا بالنسبة إلى إسناد
الترمذى ، وقد أخرجه البيهقى أيضاً بإسناد صحيح على شرط مسلم ، كما يقوله
الإمام النووى عن جعفر بن محمد عن أبيه .

١٦٩
بيان القراءة فى ركعتى الطواف وكراهية الطواف عرياناً
(باب ما جاء فى كراهية الطواف حرباناً)
حدثنا : على بن خشرم نا سفيان بن عيينة عن أبى أسحاق عن زيد بن
أثيع قال: (( سألت علياً: بأى شئى بعثت ؟ قال : بأربع: لا يدخل الجنة
إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد.
عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبى معَ الجِ عهد فعهده إلى مدته، ومن
لا مدة له فأربعة أشهر)) .
وفى الباب عن أبى هريرة . قال أبو عيسى : حديث على حديث حسن .
حدثنا: ابن أبى عمر ونصر بن على قالا نا سفيان عن أبى اسماق نحوه ،
وقالا : زيد بن يشيع ، وهذا أصح)) .
قال أبو عيسى : وشعبة وهم فيه فقال : زيد بن أثيل .
وبالجملة فالحديث له أسانيد صحيحة، وسورتا الإخلاص "سورة الإخلاص"
و"سورة الكافرين" إما من باب التغليب، ويحتمل أنه على حقيقته، وإن سورة
الكافرين على انفرادها سورة الإخلاص لما فيها من التبرى ممن عبد من دون
اللّه، قاله العراقى كما حكاه السيوطى فى "قوت المغتذى".
-: باب ما جاء فى كراهية الطواف عرياناً :-
ستر العورة فى الطواف شرط عند الثلاثة كما فى " المغنى " لابن قدامة،
وواجبٌ عند الإمام أبى حنيفة ، فلو طاف مكشوفاً قدر ما لا تجوز به الصلاة
وجب الدم إن لم يعده، وهى رواية عن أحمد كما فى " العمدة" (٤ - ٦٣٤).
قال شيخنا رحمه اللّه: فإن قيل إن ستر العورة فرض فى نفسه فكيف.

١٧٠
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى دخول الكعبة )
حدثنا : ابن أبى عمرنا وكيع عن اسماعيل بن عبد الملك عن ابن أبي مليكة
عن عائشة قالت: ((خرج النبى ◌َّ الج من عندى وهو قرير العين طيب النفس
يكون واجباً للحج؟ قلت: لا منافاة بينهما فإنه قد يكون الشئ فرضاً فى نفسه وواجباً
لغيره اهـ . يعنى إنه اجتمع هناك أمران: فرض وواجب، فمن طاف عرياناً
ارتكب كبيرتين: ترك الفرض وترك الواجب . وقال شيخنا رحمه الله : إن
دلالة ظنية الدليل على الوجوب وقطعية الدليل على الفرضية إنما يظهر فى داخل
الحقيقة لا فى خارج الحقيقة من الأحكام والشروط، فإنهم لا يبحثون فى الشروط
والأحكام من الظنية والقطعية ، والموانع أيضاً من هذا القبيل ، وعلى هذا ما
زاده الحنفية على نص آية السرقة من عشرة دراهم بأخبار الآحاد ، فلا إشكال
فيه، بل عشرة دراهم شرط قطع اليد، وكذلك زيادة "عشرة دراهم" فى مهر النكاح
على نص الآية الكريمة تدل على أن يكون النكاح بمال، فهذه الزيادة بأخبار الأحاد
زيادة الحكم، لأن المهر حكم فلا إشكال، وكلا الحديثين فى زيادة العشرة حسن كما
سيأتى، وقد علم بالاستقراء أن الواجبات الداخلية ليست إلا فى الحج، والصلاة
عندنا وعند الشافعية فى الحج فقط اهـ . وراجع لبقية أبحاث الحديث وشرحه
"العمدة" ( ٤ - ٦٣٣ و٦٣٤) ، وحديث أبى هريرة فى الباب أخرجه
البخارى ومسلم: «ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عربان)).
وفى رواية للبخارى فى التفسير: ((لا يحجن)) بنون التأكيد .
-: باب ما جاء فى دخول الكعبة :-
أخرج فى الباب حديث عائشة ، وقد أخرجه أبو داود وابن خزيمة فى
"صحيحه"، والحاكم وصححه. قال البيهقى: وهذا الدخول فى حجته، ولا يخالف

١٧١
بحث دخول البيت وأنه ليس من المناسك
فرجع إلى وهو حزين ، فقلت له ؟ فقال : إنى دخلت الكعبة ووددت أنى لم
أكن فعلت ، إنى أخاف أن أكون أتعبت أمتى من بعدى)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حديث ابن أبى أوفى أنه لم يدخل ، لأن حديثه فى العمرة على ما رواه مسلم من
حديثه أنه سئل: أدخل النبى ◌َّ فى عمرته البيت؟ فقال: لا، وإنما لم يدخل
فى عمرته لما كان فى البيت من الأصنام والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من
إزالتها بخلاف عام الفتح .
وذكر ابن حبان دخوله ◌َّالج البيت مرتين: فى الفتح وفى حجة الوداع،
وفى شرح " المهذب": ويستحب دخول الكعبة والصلاة فيها ، وأقل ما يصلى
ركعتين، وزاد فى المناسك: "حافياً"، وروى البيهقى عن ابن عباس قال:
قال رسول اللّه عَّخالٍ: ((من دخل البيت دخل فى حسنته وخرج من سيئته
مغفوراً له ))، وفى سنده عبد الله بن المؤمل وفيه مقال، ورواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه" وجعله من قول مجاهد، وحكى القرطبى عن بعض العلماء : إن
دخوله من مناسك الحج، ورده بأن النبى بَ لٍ إنما دخله عام الفتح ولم يكن
حينئذ محرماً .
ويستحب للداخل أن لا يرفع بصره إلى السقف ، هذا كله ملخص ما
أفاده البدر العينى فى "العمدة" (٤ - ٦١١ و٦١٢) وقوله عَّخالج: ((أتعبت
أمتى من بعدى)) معناه: إن الناس والحجاج ربما يلتزمونه اتباعاً لسنتى ويعملون
بهذا المستحب ويشكل عليهم للزحام والكثرة والتنافس، ويتأذون بذلك، وفى
هذا دليل أنه لم يكن دخوله من المناسك ولا شيئاً واجباً ، وأيضاً دل على أن
الأولى ترك المستحب إذا كان فعله منشأ لفتنة العوام ولو بعد حين . قاله الشيخ

١٧٢
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الصلاة فى الكعبة )
حدثنا : قتيبة نا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن بلال:
((إن النبي صَ لَ﴾ صلى فى جوف الكعبة. قال ابن عباس: لم يصل ولكنه كبر)).
الكنكوهى ، ولذلك نظائر كثيرة فى الأحاديث ، ومنها ترك بناء الكعبة على
بناء ابراهيم مخافة الفتنة ، ومن أجل ذلك قال الفقهاء : إن المستحب يجب تركه
أحياناً لئلايشتبه بالواجب، وإن المستحب إذا التزم التزام الواجب وجب تركه .
ولم یذ کر الترمذی ما فی الباب، ویدخل فيه حديث ابن عمر الآتی فی الباب،
وهو حديث "الصحيحين"، وكذا حديث ابن عباس عند ابن أبى شيبة والبيهقى
ما ذكرته آنفاً .
-: باب ما جاء فى الصلاة فى الكعبة :-
أُخرج فيه حديث ابن عمر عن بلال رواية صابی عن صحابى، وفيه إثبات
صلاته بَّه فى الكعبة، وقد أخرج البخارى ومسلم، البخارى فى الصلاة وفى
المناسك من طريق: «ألك عن نافع عن ابن عمر: ((إن رسول اللّهِ بَ لٍ دخل
الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبی فأغلقها عليه ومکث فيها،
فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع النبى ◌َّ ◌ُالجِ؟ قال: جعل عموداً عن يساره
وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم
صلى» ، فحديث ابن عمر وحديث بلال فيه إثبات الصلاة، وابن عباس ينفيها ،
وفى رواية لمسلم فى " صحيحه" عن ابن عباس يقول: ((أخبرنى أسامة بن زيد
أن النبى مّل لما دخل البيت دعا فى نواحيه كلها ولم يصل فيه)). والمحدثون
رجحوا رواية بلال على رواية ابن عباس ، فإن رواية الإثبات تقدم على
رواية النفى .

١٧٣
بحث ترجيح رواية الصلاة فى الكعبة على عدمها
وفى الباب عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس وعثمان بن طلحة وشيبة
ابن عثمان . قال أبو عيسى: حديث بلال حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند
قال الإمام البخارى فى "صحيحه" فى ( باب العشر): والزيادة مقبولة ،
والمفسر يقضى على المبهم، إذا رواه أهل الثبت، كما روى الفضل بن عباس :
(((إن النبى معَ له لم يصل فى الكعبة))، وقال بلال: ((قد صلى))، فأخذ بقول
بلال وترك قول الفضل اهـ. قال النووى فى شرح " مسلم": أجمع أهل
الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنه مثبت معه زيادة علم، فوجب ترجيحه ...
وأما نفى أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء ،
فرآى أسامة النبى حّله يدعو ثم اشتغل أسامة بالدعاء فى ناحية من نواحى البيت
والنبى ◌ٍَّ فى ناحية أخرى وبلال قريب منه بَّل، فرآه بلال لقربه ولم يره
أسامة لبعده ، واشتغاله مع خفة الصلاة وإغلاق الباب ، وجاز له نفيها عملاً
يظنه ، وأما بلال فحققها فأخبر بها اهـ .
وزاد الحافظ فى " الفتح": ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال
أن يحجبه بعض الأعمدة. وجمع المحب الطبرى: بأنه يحتمل أنه حَ امِ صلى فى
الكعبة لمنا غاب عنه أسأمة لأمر ندبه إليه ، وهو أن يأتى بماء بمحو به الصور
التى كانت فى الكعبة ، فأثبت بلال الصلاة لرؤيته لها ، ونفاها أسامة لعدم رؤيته
لها . ويؤيده رواية الطيالسى عن أسامة ما يدل على أنه أرسله ليأتى بالماء، هذا
ملخص ما ذكره الزرقانى شارح " المواهب" فى آخر الجزء الثانى.
قال شيخنا : رحمه الله: وكان من الممكن أن يوفق بين روايتى الإثبات
والنفى بالحمل على تعدد الواقعتين ، ولكن المحدثين لم يتوجهوا إليه ومالوا
إلى الترجيح .

١٧٤
معارف السنن
ج - ٦
قال الراقم : ولكن قال الزرقانى: أو أنه دخل البيت مرتين: صلى فى
أحدهما ولم يصل فى الآخر؛ قاله المهلب، ثم ذكر الزرقانى بعد بحث: فلا يمتنع
أنه دخل عام الفتح مرتين ، ويكون المراد بالوحدة التى فى خبر ابن عيينة
وحدة السفر لا الدخول . وعند الدارقطنى من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا
الجمع اهـ.
ثم ابن عباس أيضاً أثبت شيئاً آخر لم يذكره غيره ، وهو ذكر التكبير.
فى نواحيه ، ومن أجل هذا أخرج البخارى روايته فى ( باب من كبر فى
نواحى الكعبة ) .
ثم إن دخوله ◌َّالي الكعبة فى فتح مكة تفصيله على ما ذكره أرباب السير:
أنه مُّل طاف بالبيت وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فكلما مر بصنم
أشار إليه بعود فى يده وهو يقول: ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان
زهوة O) فيقع الصنم على وجهه، فصار ◌ّ لي هكذا يطعن الأصنام التى حول
الكعبة بمحجنه فتخر من ساعته وبقى صنم خزاعة فوق الكعبة ، وكان من
قوارير صفر. وروى ابن أبى شيبة والحاكم عن على قال: ((انطلق النبي -حَ﴾
حتى أتى بى الكعبة فقال: إجلس ، فجلست إلى جنب الكعبة، فصعد منكبى ثم
قال: انهض، فنهضت، فلما رآى ضعفى تحته قال : إجلس فجلست ، ثم قال :
با على اصعد منكبى، ففعلت، فلما نهض بى خيل إلى: لوشئت نلت أفق السماء،
فصعدت فوق الكعبة وتنحى ◌َّ الج، فقال: إلى صنمهم الأكبر ، وكان من
نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض ، فقال عليه السلام : عالجه ، ويقول
لى: إيه إيه (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ٥)، فلم أزل أعالجه
حتى استمكنت منه))، هذا ما ذكره الزرقانى فى شرح "المواهب" (٢ -
٣٣٦)، وأيضاً قال فى (٢ - ٣٤٥) نقلاً عن "الطبالسى" و"ابن أبى شيبة":

١٧٥
بحث الصور داخل الكعبة ، والصلاة فى الكعبة
أكثر أهل العلم : لا يرون بالصلاة فى الكعبة بأساً .
و قال مالك بن أنس : لا بأس بالصلاة النافلة فى الكعبة ، و کرہ أن بصلی
المكتوبة فى الكعبة . وقال الشافعى : لا بأس أن يصلى المكتوبة والتطوع فى
الكعبة ، لأن حكم النافلة والمكتوبة فى الطهارة والقبلة سواء .
:( إنه لما دخل الكعبة رآى صوراً فدعا بدلو من ماء فأتى به أسامة بن زيد ثم
أمر بثوب ، قبل ومحا به الصور ، وكان فيها صور ابراهيم واسمعيل عليها
السلام، ويقول: قاتل الله قوماً بصورون ما لا يخلقون)) آهـ .
وبالجملة فمثل على رضى الله عنه تحمل ثقل النبى لهم ، وحديث زبد
ابن ثابت معروف فى الصحاح من أنه خاف رض فخذه حين نزل: (غير أولى
الضرر)، وكان فخذه ◌َّ ◌َّج على فخذه، وكان لا تحما عَلّ غير ناقته القصواء،
فكان ثقله مح له يزيد عند نزول الوحى واتصاله بعالم الغيب، اللهم صل وسلم
وبارك عليه . (١) .
فائدة : روى ابن أبى شيبة من قول ابن عباس : أن دخول البيت
ليس من الحج فى شى، وحكى القرطب عن بعض العلماء : إن دخول البيت
من مناسك الحج، ورده بأنه ◌َّالج دخله عام الفتح ولم يكن حينئذ محرماً ،
حكاه فى " فتح البارى" (٣ - ٣٧٥).
قوله : لا يرون بالصلاة فى الكعبة بأساً . المذاهب كما ذكره الترمذى ،
(١) بسم الله الرحمن الرحيم: بعد فترة ١٤ سنة عن الإفتتاح الثانى و ٢٤
سنة عن انتهاء الإفتتاح الأول ، وهذا افتتاح ثالث ، نسأل الله التوفيق.
( م - ٥٢ )

١٧٦
معارف السنن
ج - ٦
ويقول الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٧٤) ما ملخصه: إن صحة النفل والفرض
داخل الكعبة قول الجمهور، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى . وعن ابن عباس
عدم الصحة مطلقاً للزوم استدبار بعض الكعبة ، وقد ورد الأمر باستقبال
جميعها ، وبه قال بعض الممالكية والظاهرية والطبرى، ومشهور قول مالك على
رأى المأزرى: منع الفرض ووجوب الإعادة ، وعن ابن حبيب: يعيد أبداً ،
وعن اصبغ: إن كان متعمداً، وعن ابن عبد الحكم : الإجزاء ، وصححه ابن
عبد البر وابن العربى، وأطلق الترمذى عن مالك جواز النفل ، وقيده بعض
أصحابه بغير الرواتب وما تشرع فيه الجماعة . ويقول ابن دقيق العيد: كره مالك
الفرض أو منعه ، فكأنه اختلف النقل عنه اهـ .
ويقول البدر العينى فى " العمدة" ( ٤ - ٦٠٢ ): الصلاة فى الكعبة
جائزة فرضها ونقلها ، وهو قول عامة أهل العلم، وبه قال الشافعى . وقال
مالك : لا يصلى فى البيت والحجر فريضة ولا ركعتا الطواف الواجبتان ، ولا
الوتر ولا ركعتا الفجر، وغير ذلك لاباس به ، ذكره فى ذخيرتهم . قال :
وبقول مالك قال أحمد ، ونقل البدر بعض ما نقله الشهاب . ويقول الشهاب :
ومن المشخل ما نقله النووى فى زوائد الروضة من الأصحاب: إن صلاة الفرض
داخل الكعبة إن لم يرج جماعة أفضل منها خارجها ، قال : ووجه الإشكال أن
الصلاة خارجها متفق على صحتها بين العلماء بخلاف داخلها ، فكيف يكون
المختلف فى صحتها أفضل من المتفق اهـ .
أقول وبالله التوفيق : إن غرض النووى إنما هو عند القائلين بالجواز ،
كأبى حنيفة والشافعى والجمهور دون قول مالك وأحمد والظاهرية ، فالغرض
أن الفريضة ليست أنها جائزة فقط بل صلاة المنفرد داخلها أفضل من صلاة
: المنفرد خارجها ، ودليله : أن القرب إلى الكعبة أفضل من البعد عند الكل ،

باب ما جاء فى كسر الكعبة
( باب ما جاء فى كسر الكعبة )
حدثنا : محمود بن غيلان نا أبو داود عن شعبة عن أبى اسماق عن الأسود
ابن يزيد: أن ابن الزبير قال له: حدثنى بما كانت تفضى إليك أم المؤمنين - يعنى
عائشة - ؟ فقال: حدثتنى أن رسول اللّه عَل﴾ قال لها: ((لولا أن قومك حديث عهد
فهما قرب إلى الكعبة كان أفضل ، والدخول فيها غاية القرب ووصول إلى
حذاء البيت المعمور على وجه الأرض ، ولاشك أن ذلك لا يحصل خارج
الكعبة ، فإذن لا إشكال فى قول الإمام النووى، والله أعلم .
-: باب ما جاء فى كسر الكعبة :-
أخرج فيه حديث الأسود بن يزيد عن عائشة ، وهو حديث أخرجه
الشيخان ، وقد أخرجه البخارى فى العلم وفى الحج والتمنى بألفاظ مختلفة . وابن
الزبير فى الإسناد هو : عبد الله بن الزبير .
قوله : تفضى إليك. ولفظ البخارى فى العلم: ((كانت عائشة تسر إليك
کثیراً
قوله: حديث عهد بالجاهلية. ولفظ "البخارى" فى العلم: ((لولا قومك
حديث عهدهم))، قال ابن الزبير: بكفر. وفى الحج فى طريق: ((حديث
عهدهم بجاهلية))، وفى أخرى مثل لفظ الترمذى سواء عند جميع الرواة ، كما
يقوله البدر العينى (٤ - ٥٨٥ ) و"الفتح" (٣ - ٣٥٤). فلفظ الحديث
مضاف إلى العهدفى رواية الترمذى ورواية البخارى هذه ، كما أن لفظ البخارى
كلمة " حديث" فيه بالتنوين. وعهدهم مرفرع، والظاهر فى الإضافة حديثو
عهدهم، كما يقوله البدر والشهاب ، لأن القوم جمع ، ويمكن أن يكون كلمة
١٢

١٧٨
معارف السفن
ج - ٦
بالجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين ، فلما ملك ابن الزبير هدمها وجعل
لها بابين)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
الإفراد نظراً إلى لفظ " القوم" دون معناه ، كما وجه به السيوطى فى تعليقه على
"النسائى". والحديث ضد القديم، والغرض قرب عهدهم بالكفر والشرك وعدم
رسوخ الدين فى قلوبهم ، فهدم الكعبة والحالة هذه ربما يكون سبباً لنفرة قلوبهم
عن الإسلام ظناً منهم على رسول الله عَليه استبداداً ببناء الكعبة، وأن ينسبوه
إلى الإنفراد بالفخر دونهم، أو أن تغيير الكعبة كان عظيماً عندهم ، فاستفيد
منه ترك المصلحة لأمن الوقوع فى المفسدة ، ومنه إنكار ترك المنكر خشية الوقوع
فى أنكرمنه ، وإن دفع المضرة أهم من جلب المنفعة ، وإن الإمام يسوس رعيته
بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً . هذا ملخص ما أفاده
البدر والشهاب فى مواضع من العلم والحج .
قوله: وجعلت لها بابين . ولفظ البخارى فى العلم: ((فجعلت لها بابين،
باباً يدخل الناس وباباً يخرجون)) ، وملخص الروايات فى " الصحيحين "
والصحاح كلها، وما ذكره أبو الوليد الأزرق فى "تاريخ مكة"، وما ذكره
ابن اسحاق فى "السيرة": إن قريش جمعوا أموالاً من أموالهم الحلال والطيب
ما لا يكون فيه بيع ربا وما لا يكون فيه مظلمة ولا أخذ غصباً ، ومالا يكون
فيه مهر بغى، ولا قطعت فيه رحم ولا انتهكت فيه ذمة من أكسابهم الخبيثة ،
وإنما أجمعوا نفقاتهم الطيبة ، فقصرت تلك النفقات المجتمعة عن بناء طويل على
أساس ابراهيم عليه السلام، فقصروه طولاً فى جهة الشمال ، وأخرجوا منها
ما هو الحجر والحطيم بمقدار ستة أذرع ، وقصروه عرضاً شيئاً من جهتيه

١٧٩
بناء الكعبة فى أدوارها التاريخية
الشرقية والغربية ، وجعلوا بابه مرتفعاً عن الأرض ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا
من شاءوا ، فوقعت ثلاثة تغيرات من أساس سيدنا ابراهيم عليه صلوات
الله وسلامه، من ارتفاع كرسيها، وجعلى باب واحد لها ، وتقصيرها فى
جهة الشمال .
ثم إنه كم مرةً بنيت الكعبة ؟ فالذى تلخص من غرر النقول فى شروح
" صحيح البخارى " من " العمدة" و"الفتح" و "الإرشاد" فى مواضع شتى،
ومن كتب تواريخ مكة من " تاريخ الأزرق" والتقى الفاسى والقرشى صاحب
" الجامع اللطيف" ومن "مرآة الحرمين" لإبراهيم رفعت باشا، ومن كتب
التفاسير والسير : أن البيت بنيت عشر مرات :
١- بناء الملائكة قبل خلق آدم ، بأن الملائكة كانوا يطوفون بالعرش وبنى
البيت المعمور ، فأمروا بطوافه يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك
لا يعودون فيه أبداً، ثم أمروا ببناء بيت فى الأرض بمثاله وقدره ، وذلك قبل
خلق آدم بألفى عام .
٢- بناء آدم عليه الصلاة والسلام ، رواه البيهقى فى " دلائل النبوة "
مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو من طريق ابن لهيعة ، وابن كثير بصوب وقفه.
٣- بناء بنى آدم من الطين والحجارة، فلم يزل معموراً بعمرونه حتى كان
زمن نوح فرفع أونسفه الغرق وغير مكانه .
٤- بناء ابراهيم عليه السلام حيث بوّء الله له مكان البيت، وذلك بنص
القرآن ، وجزم الحافظ ابن كثير بأنه أول من بناء ، يقول : ولم يجى خبر
معصوم أنه كان مبنياً قبل الخليل ، وفيه : إن هناك روايات كثيرة تدل على

١٨٠
معارف السنن
ج - ٦
أن لها أصلاً يكفى الأسانيد التاريخية، وباب التاريخ أوسع ، وليس نص التنزيل
دالاً على النفى .
٥- بناء العمالقة .
٦- بناء جرهم ، كما رواه الفاكهى بسنده عن على ، والباقى منهم هو
الحارث بن مضاض الأصغر .
٧- بناء قصى بن كلاب ، كما ذكره الزبير بن بكار .
٨- بناء قريش قبل مبعث النب حّ ل بخمس عشرة سنة حين كان عمره
خمساً وعشرين سنة، وحضره النبى معَّ ل﴾، وكان ينقل هو عّلّه والعباس
الحجارة ، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه ، فقالوا : نحكم
بينهم أول من يدخل من باب بنى شيبة ، فكان النبی پێ أول من دخل منه،
فحكم بينهم : أن يجعلوه فى ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل فرفعوه ، ثم
أخذه فوضعه بيده ، كما يذكره أبو داود الطيالسى من الحديث .
٩- بناء عبد الله بن الزبير، وسببه توهين الكعبة واحتراقها من حجارة
المنجنيق التى أصابتها حين حوصر ابن الزبير بمكة فى أوائل سنة أربع وستين
من الهجرة من جهة أفواج يزيد بن معاوية ، فهدمها حتى بلغت الأرض يوم
السبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين، وبناها على قواعد ابراهيم ،
وأدخل فيها ما أخرجته قريش ، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض شرقياً
الموجود الآن ، وغربياً المسدود الآن ، وفرغ منها سنة خمس وستين .
١٠- بناء الحجاج بن يوسف الثقفى مبير ثقيف، فأعادها إلى ما كان فى عهد
قريش فى الجاهلية ، وذلك لما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن