Indexed OCR Text

Pages 41-60

بيان اعتراف الشافعية بأنه مَ لالٍ كان قارناً فى الآخر
كان قارناً غير أنه تمنى التمتع من غير سوق الهدى ، كما فى رواية الشيخين :
(( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولأحللت )؛ من حديث
جابر ، كما فى "البخارى" فى ( باب تقضى الحائض المناسك) ومسلم فى
( باب وجوه الإحرام ) ، وأيضاً عند مسلم فى حديث جابر الطويل ، وعنده
من حديث عائشة ، وأخرجه البخارى فى ( باب عمرة التنعيم ) ، وفى التمنى
أيضاً من حديث جابر .
وأما الشافعية فيقولون: إنه مَلِ ابتدأ أولاً فى الحج مفرداً ثم قارن ،
فكان قارناً مالاً لا ابتداءً، وإنما قارن آخراً لرد زعم الجاهلية ، حيث كانوا
يزعمون العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور . وسيأتى البحث عنه قريباً
إن شاء الله تعالى. قال النووى فى شرح " المهذب" (٧ - ١٩٥): والصواب
الذى نعتقده أنه عّلّ أحرم أولاً بالحج مفرداً ثم أدخل عليه العمرة فصار
قارناً . وإدخال العمرة على الحج جائز فى أحد القولين عندنا ، وعلى الأصح:
لا يجوز لنا وجاز للنى عَ ا﴾ تلك السنة الحاجة ام. وفى "الفتح" (٣ - ٣٤٠):
ويؤيده أنه محّل لم يعتمر فى تلك السنة بعد الحج. ولا شك أن القران أفضل
من الإفراد لا يعتمر فى سنته عندنا اهـ. وإنما اضطر الشافعية إلى القول بذلك
لكثرة الروايات فى قرانه مح الجل حتى لم يمكن لهم إنكارها، ثم قالوا بإدخاله
عَجلّ العمرة على الحج، مع أن الروايات الصريحة فى قرانه فَ ل﴾ من بدأ الأمر
آبية عن تأويلهم كل الإباء . والعجب من مثل الحافظ ابن حجر حيث ساير
الشافعية فى تأويلهم وأغمض عن كثير من الروايات وهذا بعيد عن مثله .
ثم اختلف الشافعية بينهم فى أن الإفراد الذى هو أفضل من القران هل
هو الحج وحده فقط أو الحج ثم بعده العمرة ؟ ولعنهم رجحوا هذا القسم
الثانى دون الأول ، كما تقدم قريباً أنه صرح به النووى والحافظ ابن حجر

٤٢
معارف السنن
ج ـ-٦
وغيرهما ، فهو المذهب عندهم من غير شك . وشذ من الشافعية القاضى حسين
والمتولى بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر فى تلك السنة ، كما نقله فى " الفتح ".
ولا شك أنه قول لها، وليس هو قولاً فى "المهذب" أصلاً، وما ينقله الحافظ
عن الفاروق وعبد الله بن مسعود: ((إن النبى عَُّلُّ أتم لحجكم وعمرتكم أن
تفشؤا لكل منهما سفراً)) ، فليس يدل على أفضلية الإفراد على القران وإن
ادعى الحافظ ذلك ، وإنما بدل على أنها فى سفرين أتم منها فى سفر واحد .
وهذا هو الذى صرح محمد بأفضليته على القران ، فالرد بمثله من مثل الحافظ
على كلام النووى بعيد عن الإنصاف، فرحم الله من أنصف ولم يتعسف، وقد
كشف الغطاء عنه الإمام أبو جعفر الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" بما
لا يبقى فيه مجال للعثار، والله ولى التوفيق والعصمة.
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم كذلك اختلفوا فى حجته
صلى الله
وسيم
فبعضهم يقول : إنه قارن ، وبعضهم : إنه متمتع، وبعضهم : إنه مفرد ،
ولكن رواة القران من الصحابة سبعة عشر بالأسانيد الجياد ، كما سياتى قريباً،
بل يزيد عددهم. ورواة التمتع خمسة ، وهم : ابن عمر عند الشيخين، وعلى
عندها، ولکنه أدل على القر ان منه على التمتع، وسعد بن أبى وقاص عند مسلم،
وابن عباس عند الترمذى ، وعمران بن حصين عند البخارى ومسلم ، ولفظ
"مسلم": ((إن رسول اللّه عَ ل جمع بين حجة وعمرة)). ورواة الإفراد
أربعة : ابن عمر عند الشيخين، وجابر بن عبد الله عندهما ، وعائشة عندهما ،
وابن عباس عند مسلم ، بل اختلفت الرواية من صحابى كجابر وعائشة وابن
عمر، وروى عنهم التمتع والقران ، ثم على وابن عمر وابن عباس وجابر وسعد
ابن أبى وقاص وعائشة، كلهم رووا عنه محّ ه أنه قارن. والذين لم يختلف عنهم
القول والنقل فى رواية القران فهم : عمر وأنس والبراء بن عازب وعبد الله بن

٤.٣
رواة القرآن وبيان من ألف فى المناسك وأطال فيه النفس
عمرو والهرماس بن زياد وأبو طلحة الأنصارى وعبد الله بن أبى أوفى وعمران
ابن حصين وأبو قتادة وحفصة وأم سلمة ــ أما المؤمنين - رضى الله عنهم
أجمعين ، ويأتى البيان الشافى قريباً . فقد اختلف على جابر رضى الله عنه
واختلف على عائشة، فحديثها فى الباب صريح فى إفراده عّ لّ بالحج. وصح
عنها: ((أنه مَ الٍّ اعتمر مع حجته))، وأسانيد هذه الروايات كلها صاح
وحسان .
فائدة: قال النووى فى شرح " مسلم" وفى شرح " المهذب" (٧ -
١٦١) والعينى فى " العمدة" (٤ - ٥٣٩): قال القاضى عياض: قد
أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف،
ومن مطيل مكثر ، ومن مقتصر مختصر ، وأوسعهم نفساً فى ذلك أبو جعفر
الطحاوى الحنفى ، فإنه تكلم فى ذلك فى زيادة على ألف ورقة ، وتكلم معه فى
ذلك أبو جعفر الطبرى، ثم أبو عبد الله بن أبى صفرة ، ثم أخوه المهلب
والقاضى أبو عبد الله بن المرابط والقاضى أبو الحسن بن القصار البغدادى
والحافظ أبو عمر ابن عبد البر وغيرهم اهـ. ومثله فى " المواهب " وشرحه.
وقال فى تأليف الطحاوى ذلك ، كما ذكر عنه جماعة من العلماء منهم عياض
الخ. وأيضاً فى شرح "مسلم" (١ - ٣٩٤) فى (باب حجة النبى وَّ).
قال القاضى : وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا ، وصنف فيه
أبو بكر ابن المنذر جزءً كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً،
ولو تقصى ليزيد على هذا العدد قريب منه اهـ. وكذلك أفرد فى هذا الموضوع
ابن حزم فى مجلد ضخم كما فى شرح " المهذب"، وكذا أطال فيه فى شرح
" المحلى". وقد ألف فى المناسك الإمام محمد بن شماع الثلجى كتاباً فى نيف
وستين جزءاً كبيراً دقيقاً كما يذكره صاحب " توجيه النظر فى مصطلح أهل

٤٤
معارف السنن
ج - ٦
الأر" فى بحث متشابه الأسماء.
تنبيه : تأليف الطحاوى ذلك يكون على الأقل فى حجم " شرح معانى
الآثار"، وبكل أسف نقول: لم نقف على هذا الكتاب القيم فى خزائن الآستانة
ومكاتيب مصر والحجاز، فلا ندرى أين هذه الدرة اليتيمة ؟ ومتى أضاعتها
يد الحدثان ؟ والإمام الطحاوى يكاد يكون وحيداً فى فقهاء الأمة فى كثرة
التآليف فى عهده وكثير من العصور اللاحقة ، ويكاد يكون وحيداً فى التوسع
فى الرواية مع الجمع بين الفقه ودقة النظر، وبصر نافذ فى حل المشكلات وشأو
بعيد فى الأصول والفروع، لا يجاريه قرناؤه وإن كانوا أمثال ابن نصر وابن
المنذر وابن خزيمة وابن جرير ومن عداهم فضلا على أقرانه ع :
فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
ثم إنه بسط الكلام فى عدة أوراق فى كتابه " شرح معاني الآثار " ،
وتجد فيها نفائس لا تجدها فى غير هذه المادة الزاخرة بين يديك بكل تنقيح
وتحقيق، غير أنه اختار أمراً فى إحرامه فّله بما يقرب من تأويل الشافعية بأنه
أهل أولاً بعمرة ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية، وحكاه
الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٤٢) فقال: ومن العلماء من جمع بين الأحاديث
على نمط آخر مع موافقته على أنه كان قارناً كالطحاوى وابن حبان وغيرهما ،
ثم ذكر ذلك. ويقول شيخنا كما فى " العرف الشذى": أنه سها الحافظ فى
مراده ، وكلام الطحاوى يشتمل على قطعتين: القطعة الأولى جمع فيها روايات
الصحابة المختلفة، فقال فيها بالإدخال. والثانية: فى تحقيق إحرامه عَ لَةٍ فى
الواقع، ففى هذه القطعة الثانية هو يصرح بأنه مح له كان قارناً فى بدأ إحرامه ،
قلبى بما فى " العرف الشذى" بعد أن أمعنت نظرى فى ما قاله

٤٥
تحقيق التمتع الوارد فى التنزيل
الطحاوى، فلا ندرى ماذا وقع من الضابط من سهو واختلاط والله أعلم .
والذى قاله النووى وغيره فى الجمع بين الروايات ومال إليه الحافظ فى
"الفتح": أنه أهل بالحج مفرداً ثم أدخل عليه العمرة ، وهذا إدخال العمرة على
الحج، وعليه أكثر الشافعية ، وحملوا روايات التمتع على التمتع اللغوى بما يشمل
القران ، وقيل : وعليه تعبير القرآن .
ثم قال علماء المذاهب الأربعة - منهم الشيخ ابن الحمام - فى " الفتح "
(٢ - ٢١٨) فى (باب التمتع) والحافظ ابن حجر فى " فتح البارى" (٣ -
٣٣٤) وابن القيم فى " الهدى" وغيرهم: إن التمتع الوارد فى التنزيل العزيز
فى قوله تعالى: ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، الآية) أريد به التمتع اللغوى، وهو
التمتع بأداء النسكين فى سفر واحد ، وهذا أعم من التمتع المصطلح والقران
المصطلح، فيشملهما. ويقول الحافظ فى "الفتح": وادعى ابن عبد البر أنه
لا خلاف بين العلماء فى ذلك . وقال بعضهم : بل التمتع فى روايات الصحابة
أيضاً من هذا القبيل ، وقاله غير واحد منهم ابن القيم فى " الهدى"، وهو
أحد وجهى الجواب عن أحاديث التمتع. والثانى: أنه يَج أمرهم بالتمتع،
وعلى هذا ورد إضافة التمتع إليه عَ الج، ويضاف الفعل إلى الآمر به ، قاله
الشافعى فى اختلاف الحديث ، ثم تبعه الخطابى وعياض والنووى وغيرهم .
قال الشيخ : وظنى أن المذكور فى الآية ربما يكون ما هو مصطلح
الفقهاء، ولفظ " القرآن": (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ٥) يشير إليه .
قال الراقم : ويظهر من البحث عن كلماتهم : أن الأولى أن يقال على
مصطلح أهل الأصول : أن الآية نص فى التمتع العرفى المصطلح، وظاهر فى
القران يعنى يشمل بظاهره وعمومه القران أيضاً وإن لم يكن مسوقاً له . أنظر

٤٩
معارف السنن
ج - ٦
" أحكام الجصاص" و "فتح البارى" من المناسك والتفسير من مظانه، و" روح
المعانى" و "المظهرى". واختار القاضى ثناء الله الحنفى فى تفسيره " المظهرى
منهجاً آخر فقال: والتحقيق أنه مَلٍ كان قارناً، وأن القران أفضل من
التمتع إن ساق الهدى ، والتمتع أفضل إن لم يسق الهدى، وكل منها أفضل من
الإفراد اهـ. ( والقاضى ثناء الله من كبار المحققين، له كتاب " منار الأحكام "
فى بيان أدلة المذاهب الأربعة من الأحاديث، ومشى على طريق المحدثين ، وهو
من أكابر أصحاب الشيخ ولى الله الدهلوى، توفى سنة ١٢٢٥ - ه، وكان
الشاه عبد العزيز الدهلوى يلقبه بـ : " بيهقى العصر" لغزارة توسعه فى علوم
الحديث ورواياته ، وكتابه " منار الأحكام " لم يطبع، وهو كثير الإحالة عليه
فى تفسيره " المظهرى"، وسما تفسيره "المظهرى" تيمناً وتلميحاً باسم مرشده
وشيخ طريقته الشيخ " مظهر جان جافان" قدس الله أرواحها، وهذا التفسير
من أفراد تفاسير الأمة ، ولاسيما فى تحقيق المذاهب وسرد أدلتها بكلام منقح
فى غاية من الحسن ، وبالأسف إنه لم يطبع إلا أجزاء منه (١). ولم يزد طبعه
على ثلاثة ، ومنهاج تعبيره وتنقيحه منهاج الشيخ عبد العلى بحر العلوم فى " رسائل
الأركان "، غير أنه إمام فى الحديث والفقه، كما أن بحر العلوم إمام فى العلوم
العقلية وأصول الفقه، رحمنا الله وإياهم جميعاً).
وقال الشيخ فى اختلاف روايات الصحابة فى حجته مح الم بأن: من
قال: " كان متمتعاً" فأراد به التمتع اللغوى، وأريد به القران، كما أوله به
بعض العلماء ، وروايات الإفراد مؤولة كما يأتى، فبقى أنه كان قارناً ، وصرح
به فى روايات كثيرة .
(١) هذا حاله قبل ثلاثين سنة عند تأليف هذا المقام، وقد طبع التفسير
كله فى عشرة أجزاء بدهلى بالهند قبل أعوام، وهو موجود عندنا الآن ، منه .

٤٧
بيان عدة أحاديث فى كونه عبدالله قارناً
فمنها: حديث جابر كما تقدم فى (باب ما جاء: كم حج النبى عَل؟؟)
وفيه: ((وحجة بعد ما هاجر معها عمرة))، وقد أخرجه ابن ماجه والدار قطى
ر لبيهفى ، وتكلم فيه البخارى والترمذى من جهة زيد بن حباب، ولم يعده
البخارى محفوظاً
قلت : تابع زيد بن حباب عبد الله بن داود الخريبى عند ابن ماجه عن
سفيان الثورى، ويقول ابن كثير فى "البداية والنهاية " (٥ - ١٣٤ ):
وهذه طريق المريقف عليه الترمذى ولا البيهقى، وربما ولا البخارى حيث تكلم
فى زيد بن الحباب ظاناً أنه انفرد به وليس كذلك . ولجابر حديث آخر عند
أحمد والترمذى: ((إن رسول اللّه فَّ لل فرن الحج والعمرة وطاف لهما طوافاً
واحداً)،، وفيه "الحجاج بن أرطاة"، وحسنه الترمذى وصححه فى بعض
النسخ، كما يقول ابن كثير، ورواه ابن حبان فى " صحيحه" أيضاً. وقال ابن
القيم: وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم يتفرد بشتى أو يخالف الثقات .
قال الراقم: وتابعه عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم عن أبى الزبير عن جابر
عند البزار فى " مسنده" كما ساقه ابن كثير فى " البداية والنهاية "، ولم أر
من ترجمه، وليس هو من رجال " التهذيب"، ولا " الميزان" و" اللسان"
و " التعجيل
ومنها : حديث جابر فى "صحيح البخارى" من أواخره، وفيه تصريح
بحجته وعمرته، وهو ما فى "الصحيح" فى كتاب التمنى (٢ - ١٠٧٤)، وفى
المناسك فى ( باب تقضى الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت آ هـ) ،
وفى ( باب عمرة التنعيم ) من حديث جابر، وفيه: ((قالت عائشة يا رسول
الله! أتنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بحجة))، وهو نص فى غير الإفراد ،
( م - ٣٦ )

٤٨
معارف السنن
ج - ٦
فيحتمل القران والتمتع جميعاً. ورواه البخارى أصل حديثه مطولاً ومختصراً
فى ستة مواضع أخر، غير أن هذا اللفظ فى هذه المواضع الثلاثة والحديث
نفسه متفق عليه ، ولكنه وقع فى غير مظانه .
ومنها : حديث أنس فى " الصحيحين"، وفيه: (( ثم أهل بحج وعمرة))
البخارى فى ( باب نحر البدن قائمة ) وغيره ، ومسلم فى ( باب جواز التمتع) وفى
( باب الإفراد والقران ). ذكر ابن الحمام فى " الفتح": إن فى بعض طرقه :
« كنت آخذاً بزمام ناقة رسول اللّهِ فَجُلٍ وهى تقصع بجرتها ولعابها يسيل على،
وهو يقول: لبيك بحجة وعمرة معاً)). ويشير إليه فى " الهدى" أيضاً بقوله:
(((ولكن ما عذرهم ... )) وفى خبر: ((من تحت بطن ناقته))، وأقرب إليه
من غيره .
... ((يسمعه يقول: لبيك بحجة وعمرة)، اهـ. وعند أحمد من
طريق حميد الطويل عنه: (( ... وقال: لبيك بعمرة وحج، وإنى لعند فخذ
ناقته اليسرى)). وأيضاً عنه أنه قال: (( إنى ردف أبى طلحة وإن ركبته لتمس
ركبة رسول اللّه عَّالله وهو يلى بالحج والعمرة))، كما فى رواية البزار على ما
ساقه ابن كثير، وهو عند الطحاوى من طريق أبي قلابة وحميد بن هلال عنه
قال: ((كنت ردف أبى طلحة وركبنى تمس ركبة النبى ◌َالجهل، فلم يزالوا
يصرخون بها جميعاً))، وفى " الصحيح" من (باب الإرتداف فى الغزو والحج)
عن أنس قال: ((كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بها جميعاً: الحج
والعمرة )، فرواه مختصراً. وفى " الكنز" (٣ - ٣٢) عن أنس: ((إنه
كان عند ناقة رسول اللّه مَّله بهل بالحج والعمرة جميعاً)) (ابن النجارى). وعند
أحمد من طريق سالم بن أبى الجعد عنه: ((والله إن رجلى لتمس رجل رسول اللّه
3 0 ، وإنه ليهل بها جميعاً)) .
نعم عند البيهقى فى حديث ابن عمر: ((وإنى كنت تحت ناقة رسول الله

٤٩
بيان حديث أنس فى القران وعدة من روى عنه
حَ لم يمسنى لعابها، أسمعه يلبى بالحج)». ولا ريب أن المثبت يقدم لزيادته فى
العلم ، علاأن القارن يكفى له التلبية بأحدهما أيضاً. وفى رواية " الصحيحين"
- واللفظ لمسلم ( ١ - ٤٠٥) -: عن بكر بن عبد الله المزنى عن أنس قال :.
((سمعت النبى ◌ُّ لج يلبى بالحج والعمرة جميعاً))، قال بكر: فحدثت بذلك ابن
عمر؟ فقال: لبى بالحج وحده ، فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال
أنس: ((ما تعدونا إلا صبياناً، سمعت رسول اللّه فَل يقول: لبيك عمرة
وحجاً )).
وقد ذكر ابن حزم وغيره أن عمر أنس فى ومستجها الوداع كان نحو عشرين
سنة، ولا يزيد سن ابن عمر على منه إلا نحو سنة ، فبطل به زعم ابن الجوزى
فى " التحقيق" أنه كان صبياً حينئذ، فلعله لم يفهم الحال . ثم إن ستة عشر
رجلاً من الثقات كلهم بروون عن أنس: ((أنه ضَّ لَ لبى بحج وعمرة)). كما ذكر
هؤلاء ابن حزم كما فى " العمدة"، وابن كثير فى " البداية والنهاية " مع
تخريج رواياتهم ، وكذا ابن القيم فى " الهدى"، وابن عبد الهادى الحنبلى فى
" تنقيح التحقيق " .
وهم : الحسن البصرى ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمى ، وحميد بن
هلال البصرى ، وحميد بن عبد الرحمن الطويل ، وقتادة بن دعامة السدوسى ،
ويحى بن سعيد الأنصارى، ويحى بن أبى اسماق الحضرمى ، وثابت البنانى ،
وبكر بن عبد الله المزنى ، وعبد العزيز بن صهيب ، وسليمان بن طرخان
التيمى ، وزيد بن أسلم ، ومصعب بن سليم ، وأبو أسماء الصيقل ، وأبو قدامة ،
وأبو قزعة سويد بن حجير البصرى . وزاد ابن كثير : سالم بن أبى الجعد ،
وعلى بن زيد بن جدعان . فإذن هؤلاء ثمانية عشررجلا من التابعين . وفى
" العمدة" عن مصعب بن عبد الله عن أنس أيضاً، وهو ابن أبى أمية المخزومى ،

٥٠
معارف السنن
ج - ٦.
صدوق من رجال " ابن ماجه"، فبلغ عديدهم عشرين إلا واحداً.
فحديث أبى قلابة عند أحمد والشيخين وغيرهم ، وحديث بكر بن
عبد الله كذلك عند أحمد والشيخين ، وحديث يحيى بن أبى اسحاق وعبد العزيز
وحميد الطويل عند مسلم والنسائى وأبى داود ، وأيضاً حديث حميد عند أحمد
بإسناد ثلاثى على شرط الشيخين ، وحديث حميد بن هلال عند البزار والطحاوى .
ويقول ابن كثير فى إسناد البزار : إسناد جيد قوى على شرط الصحيح ،
ولم يخرجوه . وحديث ثابت عند أحمد والطحاوى والعدنى ، وحديث يحيى بن
سعيد عند الإمام أبى يوسف ، كما فى "الهدى" و "فتح القدير"، وحديث
الحسن عند أحمد والنسائى والبزار، وحديث سالم عند أحمد وإسناده جيد كما يقوله ان
كثير وتقدم لفظه قريباً. وحديث قادة عند أحمد والشيخين، وفيه: ((وعمرته
مع حجته)) ، وحديث سويد بن حجير عند أحمد والطحاوى وابن حزم بإسناد
جيد، وحديث مصعب بن سليم عند أحمد والعدنى ، وحديث مصعب بن
عبد الله عند العدفى فى " مسنده" كما فى " العمدة"، وحديث زيد بن أسلم
عند البرار والبيهقى ، ويقول ابن كثير فى إسناد البزار: إسناد صحيح على شرط
"الصحيح" ولم يخرجوه. وحديث سلمان عند البزار أيضاً على شرط "الصحيح"،
وحديث على بن زيد عند البزار ، وحديث أبى أسماء الصيقل عند أحمد والنسائى
والطحاوى ، وحديث أبى قدامة - وإسمه محمد بن عبيد الحنفى كما فى " تعجيل
المنفعة " وذكره ابن حبان فى الثقات - عند أحمد، قال: ((قلت لأنس: بأى
كان رسول اللّه عَ لِ يلبى؟ فقال: سمعته سبع مرات يلبى بعمرة وحجة)).
قال ابن كثير : تفرد به الإمام أحمد وهو إسناد جيد قوى ولله الحمد والمنة وبه
التوفيق والعصمة . هذا ملخص ما فى " العمدة " و" البداية والنهاية "
و"الهدى" و"الجوهر النقي" وغيرها مع المراجعة إلى أصولها فى الغالب، وضم

٥١
بيان أن من روى عن أنس متواتر، وهم نحو عشرين راوياً
كلام بعضهم إلى بعض .
وبالجملة تواتر عن أنس رضى الله عنه برواية نحو عشرين من ثقات
التابعين أنه سمع النبى عِّلج بلبى بحج وعمرة، ولم يسمعه مرة بل مرات، وأنس
فى ذلك اليوم رديف أبى طلحة إلى جنب رسول اللّه عَله، بحيث إن رجله
تمس رجل النبى حقّله، فمن أولى بحفظ كلامه من كان أقرب الناس إليه ولصبقه
وليس بينه وبينه فَ له أحد؟ أو غيره كما يقول ابن جزم، ومن سمع حجة على
من لم يسمع على أن القارن جازله الإكتفاء فى التلبية بحج وحده عند الكل ،
فربما أهل مرةً بالحج وحده، فرواه ابن عمرو جابر وغيرهما، وربما يخفى بعض
كلمة على السامع ، فحديث أنس وحده حجة أقوى ما يكون فى الباب ،
فلروايته خصوصية ليست لغيره ، والمثبت قوله مقدم على النافى ، ومن سمع
حجة على من لم يسمع ، والقريب أولى بالاستماع من بعيد. علا أن لكل من
جابر وعائشة وابن عمر رواية تخالف رواياتهم فى الإفراد وتوافق رواية
أنس ، وليس لأنس رواية قوية ولا ضعيفة توافقهم ، فأخذ المتفق أولى من
أخذ المختلف، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . فإذن لا يمكن إنكار قرانه
حَ ل أصلاً، وقد أخرج الزيلعى فى " تخريج الهداية " صراحةً من أحاديث
القران ثمانية ، وأخرج من أحاديث التمتع ، وكذا فى سياق آخر ما يبلغ به
العدد إلى عشرين حديثاً ، وذكر صاحب " الهدى" اثنين وعشرين حديثاً من
رواية سبعة عشر صحابياً .
قال الراقم عفا الله عنه . وقد استقريت المظان وبحثت عنها فصادفت
برواة القران من الصحابة بضعاً وعشرين محابياً، وأحاديثهم نحو ثلاثين حديثاً
مما أخرجه أحمد والأئمة الستة والطحاوى وابن جزم وغيرهم ، ثم ابن كثير
واين القيم والزيلعى والهيشمى ، ثم العينى والعسقلانى وابن الهام، ثم الزرقانى

٥٢
معارف السنن
ج - ٦
وغيرهم . ووددت أن ألتقطها بالإشارة إليها إجمالاً بترتيب وتنقيح ، استيفاءٌ
لأطراف البحث وإيضاحاً لمقاصد الشرح . فأقول ـ وبالله التوفيق - :
ثبت عن عمر عند البخارى مرفوعاً، وفيه: ((وقل عمرة فى حجة)). وعن
على عند البخارى ومسلم ، وعن عثمان سكوتاً وموافقة لعلى عندهما ، وصراحة
عند أحمد ومسلم، وفيه: ((لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله عَالمٍ ؟ قال:
أجل، ولكنا كنا خائفين))، وأخرجه الحاكم ، وصححه فى "المستدرك"،
رسول اللّه بَّ نمتع؟ قال: بلى))، فهذا اعتراف
وفيه: فقال على: «
صريح بما يرويه على .
قال الراقم : ويمكن أن يثبت ذلك عن أبى بكر استدلالاً بحديث ليث
ابن أبى سابم عن طاؤس عن ابن عباس عند الترمذى فى (باب التمتع) قال :
((تمتع رسول اللّه حَّ له حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات،
وعثمان حتى مات رضى الله عنهم الخ))، حيث إن رسول اللّه عَلٍ لم يتمتع
تمتعاً اصطلاحياً عرفياً عند أحد فى الأمة حتى القائلين بأفضلية التمتع، فيحمل
عند الكل على القران لأنه متفق فى الأئمة نهائياً ، وإن كان خلافياً فى البداءة ،
فإذا حمل على القران ولا بد فليحمل عليه فيمنى بعد، ومنهم : أبو بكر وعمر .
ولم أر من احتج به أو تنبه له وبالله التوفيق .
فإذن يثبت القران عن الخلفاء الراشدين جميعاً ، ورواية ابن أبى سليم
لا ينزل عن الحسن وإن كان فيه مقال. وعن أنس عندهما كما تقدم ، وعنه عند
البخارى من حديث الاعتمار، وعن على عند النسائى مرفوعاً: ((سقت الهدى
وقرنت ))/، ومثله عن البراء عند النسائى وأبى داود ، وعنه عند البيهقى فى
حديث الإعتمار ، وعن عمران بن حصين عند مسلم: ((جمع بين حج وعمرة).

٥٢ ٣٥
عدة روايات فى قرانه على
ومثله عن أبى طلحة عند أحمد وابن ماجه ، وعن سراقة بن مالك عند أحمد
والطحاوى، وعن سعد بن أبى وقاص عند مالك والنسائى والترمذى بحمل التمتع
على القران ، وعن أبى سعيد عند الدارقطنى وعند أبي قتادة عنده ، وعند
الحاكم وصححه على شرطهما وأقره الذهبي ، وعن ابن أوفى عند البزار
والطبرانى .
وعن ابن عمر عند الشيخين، وفيه: ((فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج)).
وعنه عند مسلم: ((قرن الحج إلى العمرة .... ، ثم قال: هكذا فعل رسول
اللّه ◌َلَّ)). وعنه عند أبى يعلى: ((إن رسول اللّه بَ لٍ طاف طوافاً واحداً
لإقرانه لم يحل بينهما الخ))، وعن عائشة عند الشيخين بمثل حديث ابن عمر
الأول، وعنها عند أبى داود والبيهقى حديث عمرته وّ ل مع حجة الوداع.
وعن جابر عند الترمذى وابن ماجه والدارقطنى والطحاوى والبيهقى ، وفيه :
(((وحجة بعد ما هاجر معها عمرة))، وعن جابر عند البزار مرفوعاً: ((فقرن
بين الحج والعمرة، وساق الهدى)). قال الهيثمى : ورجاله رجال الصحيح .
وعنه عند أحمد والترمذى وابن حبان: ((إن رسول اللّه عَ لّ قرن الحج والعمرة
الخ)، وتقدم .
وعن ابن عباس عند أبى داود والترمذى والطحاوى وفيه: «والرابعة
التى قرن مع حجته))، ورواه أحمد أيضاً . وعن الهرماس بن زياد عند أحمد
والكجى والطحاوى، وفيه: ((إن رسول اللّه ◌َ لل قرن فى حجة الوداع بين
الحج والعمرة)). وعن أبى داود عند الطبرانى، وفيه: «فصلى ركعتين ثم
أحرم فى دبر الصلاة بحجة وعمرة معاً)). وأبو داود هو المازنى ، ذكره فى
" الإصابة " من الكنى ، وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد وفيه غرابة ، وعنه
حديث أربع عمر كلها كانت فى ذى القعدة إلا عمرته التى كانت مع حجته .

٥٤
معارف السنن
ج - ٦
أشار إليه ابن عبد البر فى " الإستذكار"، ذكره الحافظ المارديني فى
" الجوهر النقى " .
وعن حفصة عن الشيخين وقرره ابن كثير أوضح بيان ، وفيه: « ما
يمنعك أن تحل ؟ قال : إنى لبدت رأسى وقلدت هدبى فلست أحل حتى أنحر
هدى)). فعلم منه أنه اعتمر ولم يحل ، فكان قارناً ، وعن أم سلمة عند أحمد
مرفوعاً: ((أهلوايا آل محمد بعمرة فى حج)). وعن صبى بن معبد التغلبى
عند أحمد والطبالسى وابن أبى شيبة والنسائى وأبى داود وابن ماجه والدار قطنى
فى "العثل" قال: ((أهللت بها، فقال عمر: هديت لسنة نبيك حَلٍ))،
وهو حديث صحيح. وصبى من صغار الصحابة ذكره فى " الإصابة" وحج
فى عهد عمر.
فهؤلاء الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأنس وجابر وابن
عمر وابن عباس وعمران بن حصين وسعد بن أبى وقاص والبراء وأبو قتادة وأبو
طلحة وابن أبى أوفى وعبد الله بن عمرو وعائشة وحفصة وأم سلمة أمهات المؤمنين،
وسراقة والهرماس وأبو سعيد الخدرى وأبو داود المازنى وصبي بن معبد التغلبى
وغيرهم بضع وعشرون صحابياً روى عنهم القران ، وغالب رواياتهم صحاح ،
وبعضها حسان ، والضعيف أو الغريب فيه نادر ، على أنه يجبر وهنها بتلك
الصحاح ، وأكثرها صريحة فى الموضوع لا يحتاج إلى تأول ، ويتأول فى قليل
الجمع والتصحيح من جهة أخرى
ومنهم من له حديثان أو ثلاثة ، وهم : ابن عمر وجابر وأنس وعائشة
والبراء من عازب وعلى ، فجميع الروايات فى الباب ثلاثون حديثاً ، ويروى
عن أنس وحده نحو عشرين من الثقات الأثبات . فهل يبقى بعد هذا التواتر

٥٥
بيان ترجيح القران على الإفراد والتمتع بإثنى عشروجها
العظيم أدنى مظنة الوهم والشك؟ وربما لا يكون فى أحاديث الأحكام ما بلغ هذه
المنزلة إلا قليلا .
ثم إنه يترجح رواية القران بأمور:
منها أن معه زيادة علم على من روی الإفراد وغيره
ومنها : أن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه فى ذلك ، فأشهر من
روى عنه الإفراد عائشة ، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته ، وابن عمر وقد
صح عنه أنه ◌ِّالجٍ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج، وثبت أنه جمع بين حج وعمرة،
ثم حدث أن النبى نحّلج فعل ذلك. وجابر وثبت عنه: اعتمر مع حجته أيضاً.
وإن من روى القران عنه جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه .
ومنها : أنه لم يقع فى شئ من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال :
((أفردت ولا تمتعت))، بل قد صح عنه أنه قال: ((قرنت.)). وصح عنه أنه
قال: ((ولولا أن معى الهدى لأحللت)).
ومنها : أن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف ،
بخلاف من روى الإفراد والتمتع، ويؤيد ذلك أن من روى عنه الإفراد روی
عنه القران ومن روى عنه التمتع وصفه بصفة القران من عدم الإحلال بعد
العمرة ، وليس هى الاصفة القران .
ومنها : أن رواة القران أكثر فبلغوا إلى بضع وعشرين صحابياً ، وغالب
روایاتھم صاح جياد .
ومنها : أنه ثبت برواية بلاته من الخلفاء الراشدين بل كلهم .
ومنها : أن طرق الإخبار به تنوعت ، فتارةً التعبير بالإهلال بها ،
( م - ٣٧)

ج - ٦
معارف السنن
وتارةً بعدم الإحلال بينهما ، وأخرى باقتران عمرته مع حجته ، ومرةً بلفظ
القران إلى غير ذلك مما يتضح مما سلف .
ومنها : أنه النسك الذى أمربه فى حديث عمر عند البخارى ، فلم يكن
ليعدل عنه .
ومنها: أنه النسك الذى أمر به كل سائق الهدى، وهو نفسه عَ لَ﴾
وسـ
سائق الهدى، فكيف يأمرهم بما يخالفه ؟
ومنها : أنه النسك الذى اختاره الله لآله وأهل بيته وأمرهم به ، فلا
يختار لهم إلا ما اختار لنفسه .
ومنها : أن قوله : " دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة " يقتضى
أن تكون العمرة من الحج كالجزء من الشيَّى، وذلك لا يكون إلا بالقران، إلى غير
ذلك من وجوه بينوها . وفى هذا القدر مقنع وكفاية، والله ولى التوفيق والهداية .
ثم ما تكلف البيهقى فى تأويلات روايات القران فى " سننه" فقد أبى عنها
كبار أهل مذهبه ، كالنووى والتقى السبكى وابن حجر وغيرهم ، بل سماها
الحافظ ابن حجر فى "الفتح": تعسفاً، والحافظ علاء الدين قد كشف عن
تعسفه وأجابه بما شفى وكفى ع :
شفى وكفى ما فى الصدور فلم يدع . لذى اربة فى القول جداً ولا هزلاً"
ومن ضعف مذهب إمامه فى المسألة رجع عنها مثل المزفى وابن المنذر
وأبى. اسماق المروزى من قدماء أتباعه ، والتّفى السبكى من متأخريهم، واضطر
مثل النووى وابن حجر وغيرهما من الشافعية والقاضى عياض وغيره من المالكية
إلى القول بانتهاء أمره حلمٍ إلى القران.
هذا وصلى الله على سيدنا ومولان فى الرحمة والرأفة محمد وآله وصحبه

٥٧
بيان المنشأ فى اختلاف الروايات فى القران والإفراد
وتبعه وحفظة - ينه وشرعه وبارك وسلم تسليماً .
قال الشيخ: ثم الإفراد الذى رواه طائفة من الصحابة لا حاجة بنا إلى
الجواب عنه بعد إثبات قرانه محّلهم، ولأن القران مثبت والإفراد ناف والمثبت
يقدم على النافى، فإذن جواب الإفراد لا يكون إلا تبرعاً منا، فقال: قال بعض
الحنفية : معنى "أفرد بالحج": أى شرع الإفراد بالحج. أقول: لم أقف
على قائله . وبالجملة هو نظير ما تأول به الإمام الشافعى نفسه والخطابى وعياض
وغيرهم فى أحاديث القران والتمتع بأنه محّا كان الآمر به .
قال الشيخ: ومعناه عندى: أنه أفرد بالحج أى أنه اعتمر وحج بإحرام
مفرد لهما بدون أن يحل فى البين ويستأنف الإحرام كما يفعل المتمتع الغير السائق
أهدى حيث يحل فى البين. فالنبى معَّ له لم محل فى البين من الإحرام كما حل
الذين أحرمرا ولم يسوقوا الهدايا بأمره عَ لّج واستنكروا ذلك بأن يحلوا وقالوا:
" نروح إلی منی ومذا کیرنا تقطر منباً" کما یأتی قريباً و جه استنکافهم فى (باب
التمتع ) .
ويمكن أن يقال فى اختلاف رواياتهم فى الإفراد والقران والتمتع أن منشأً ذلك
اختلاف سماعهم فى لفظ " التلبية" ، فبعضهم سمع الإهلال بالحج، وبعضهم
بالعمرة، وبعضهم بها، والإحرام إنما كان للقران فقط. ومثله يقول ابن الهام فى
" الفتح": ومما يمكن الجمع به بين روايات الإفراد والتمتع أن يكون سبب
روايات الإفراد سماع من رواه تلبيته عليه السلام بالجج وحده ، وأنت تعلم أنه
لا معنى من إفراد ذكر نسك فى التلبية وعدم ذكر شى أصلاً ، وجمعه أخرى
مع نية القران .
قال : فهو نظير سبب الاختلاف فى تلبيته عليه السلام ، أكانت دبر

٥٨
معارف السنن
ج - ٦
الصلاة ؟ أو استواء ناقته ؟ أو حين علا على البيداء ؟ اهـ . وزد على ذلك أن
المفرد لا يجوز له التلبية إلا بالحج وحده كما أن المتمتع لا يجوز له إلا التلبية
بالعمرة وحدها ، فلا يقول المفرد والمتمتع: " لبيك بحجة وعمرة". والقارن
أمره واسع فيجوز له الكل كما يجوز له عدم ذكر شئ ، فروايات القران
الصريحة بالإهلال بها لا يحتمل التأويل، وروايات خلافه يحتمل التأويل من
غير ما شك .
وقد سبق ابن الهام الخطابى فيقول : ويحتمل أن بعضهم سمعه يقول :
" لبيك بحجة" ، فحكى أنه أفرد ، وخفى عليه قوله : "وعمرة" فلم يحك
إلا ما سمع. وسمع أنس وغيره الزيادة، وهى: "لبيك بحجة وعمرة"، ولا ينكر
قبول الزيادة ؛ وإنما يحصل التناقض لو كان الزائد نافياً لقول صاحبه : فأما
إذا كان مثبتاً له وزائداً عليه فليس فيه تناقض اهـ. حكاه شارح " المهذب "
( ٧ - ١٦١ ) .
قال الراقم : والحكم فى ذكرهما فى التلبية عندهم كالحكم عندنا ، وقد
أسلفنا من قبل ، وسبق الخطابى أبو جعفر النحاس فذكر ذلك كما حكاه القرطبى
فى أحكامه (٢ - ٣٦٧)، ومثله قال الجصاص فى " أحكامه ".
قال الشيخ: ولمولانا شيخ الهند محمود حسن الديوبندى ههنا لطيفة ، كان
يقول : قال الشافعية فى حديث سراقة بن مالك: إن العمرة دخل فى الحج
الخ. أى أن أفعال العمرة دخلت فى أفعال الحج. فلنا أن نقول فى روايات
الإفراد : أنه جعل الحج والعمرة مفرداً مفرداً، أى أتى بأفعال كل منها
عليحدة من غير أن يدخل أفعال العمرة فى الحج .

٥٩
عدم
مسألة النهى عن التمتع والقران للمكى
ثم ههنا مسألة أخرى، وهى: مسألة جواز العمرة للمكى فى أشهر الحج،
فاختار ابن الهام فى " الفتح" من ( باب التمتع ) أولاً عدم جوازها لمن أراد
الحج من عامه وفاق سائر الحنفية بناءً على عدم جواز التمتع للمكى، ثم قال :
ظهرلى بعد نحو ثلاثين عاماً من كتابة هذا الكتاب: أن الوجه منع العمرة للمكى
فى أشهر الحج سواء حج من عامه أو لا ؛ لأن النسخ خاص لم يثبت ، إذ
المنقول من قولهم: " العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور" لا يعرف إلا
من كلام الجاهلية دون أنه كان فى شريعة إبراهيم عليه السلام أو غيره ، ولم
يبق إلا النظر فى الآية - أى قوله تعالى: (. ذلك لمن لم يكن أهله حاضري
المسجد الحرام 0) -... واتفقوا فى تعليله بأن تجويزه للآفاقى لدفع الحرج
كما عرف ، ومنعه من المكى لعدمه، ولا شك أن عدم الجرج فى الجمع
لا يصلح علة لمنع الجمع ... بل إنما يصلح عدم الحرج فى عدم الجمع أن
يجوز له كل من عدم الجمع والجمع ... فحين وجب عدم الجمع لم يكن
إلا لأمر زائد، وليس هنا سوى كونه فى الجمع موقعاً للعمرة فى أشهر الحج
انتهى مختصراً بلفظه .
قال الشيخ: ثم إنه اختلفت نسخ " الفتح" المطبوعة ، فى بعضها هذا
التعقب على الهامش ، وفى بعضها فى صلب الكتاب ، ولا يوجد فى بعضها
أصلاً، وكذلك تردد ابن الهام فى مسألة التمتع والقران للمكى إذا قارن أو
تمتع، هل يصح ذلك ويكون آثماً أو لا يصح أصلاً؟. وبعبارة أخرى : أن
تمتع المكى وقرانه فاسدان ويجبران بالدم ، أو باطلان لا وجود لهما فى الشرع ؟
وتردد أولا، بل رجح الفساد دون البطلان . ثم اختار البطلان وقال : إنه
مقتضى كلام الأئمة ، وكلامهم أولى بالإعتبار وأطال فى ذلك . والصحة مع
الكراهة ما مشى عليه فى " التحفة" و" غاية البيان" و "العناية" و"السراج"

٦٠
معارف السنن
ج - ٦
وشرح الأسبيجابى على " مختصر الطحاوى " وخالفه ابن الحمام من بعده ،
كصاحب " البحر" و"النهر" و "المنح" والشرنبلالى والقارى، قاله ابن
عابدين .
وبالجملة اختار ابن عابدين فى شرح "الدر المختار" بأن تمتع المکی باطل دون
قرانه، وإن قرانه جائز مع الكراهة . وذكر أن هذا قول ثالث لم أره، ولكنه
استنبطه من كلام " البدائع" وغيره ، ثم رآه صريحاً فى " النهاية" و" أسرار
الدبوسى" ، وراجعه للتفصيل . وللشيخ طاهر سنبل فى الموضوع رسالة خاصة
سماها: "نزهة المشتاق فى عمرة المكى والملحق به من الآفاق"، وأدرجها
برمتها صاحب " إرشاد السارى إلى مناسك على القارى" فراجعها إن شئت.
قال الشيخ : وهذا هو الحق عندى، فإن الدليل يساعده ، فإنهم صرحوا
بأن الإلمام الصحيح مبطل للتمتع دون القران . وقال الشافعى : إن المكى جازله
القران والتمتع ولا يجب عليه دم، وهو مذهب مالك وأحمد. وفرق ابن الماجشون
فقال بالدم فى القران دون التمتع . ولا يجوزان عند أبى حنيفة. ومنشأ الخلاف
اختلافهم فى تفسير قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (١)
فالمشار إليه بذلك الهدى عند الشافعى ، والقران والتمتع عند أبى حنيفة .
وظاهر الآية لأبى حنيفة ، إذ لو كان المشار إليه الدم أو بدله لقال : (على من
لم يكن ) بدل: ( لمن لم يكن )، و"اللام" وإن كان يأتى بمعنى " على " كما
فى قوله: ( ولهم اللعنة ) غير أن التأويل مجاز لا يجوز إليه الصرف إلا بحجة.
وأيضاً منشأ الجواز للآفاقى هو التخفيف عليه بالاتفاق ، ولا مشقة على أهل
مكة فى العمرة فى غير أشهر الحج. وقد روى عن ابن عمر: (( إنما جعل القران لأهل
الآفاق، وتلا قول الله عزوجل: ( ذلك لمن لم يكن أهله ٥ الخ ) كما فى " أحكام
القرطبى". وروى عن طاؤس : ليس على أهل مكة متعة ، فإن فعلوا وحجوا
٢