Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
المذاهب فى منع صيام أيام التشريق
( باب ما جاء فى كراهية صوم أيام التشريق)
حدثنا هناد نا وكيع عن موسى بن على عن أبيه عن عقبة بن عامر قال :
وتعامل الأمة وتوارثها وإجماع كافة فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين !
ولم يتلق الدين من محض روايات الكتب ، وإنما مناطها على قواطع التنزيل.
وتعامل الأمة المتوارث والأحاديث المتلقاة بالقبول جيلاً فجيلاً، وبضوئها تنحل
أخبار الآحاد بكل دقة وديانة ، وليس من الورع فى شئ الجراءة فى مثل هذه
المسائل العظيمة باحتمالات واهية وآراء سخيفة تستند إلى رواية واحدة فى الباب،
والله ولى الهداية والصواب .
-: باب ما جاء فى كراهية صوم أيام التشريق :-
المنع من الصيام فى أيام التشريق مطلقاً هو قول أبى حنيفة ، وهو قول
الشافعى فى الجديد ، وعليه الفتوى عند أصحابه ، وهو قول الليث بن سعد ،
وأحمد فى رواية، وبه قال على بن أبى طالب وعبد الله بن عمرو والحسن وعطاء.
والجواز مطلقاً قول أبى اسماق المروزى من الشافعية ، وحكاه ابن المنذر وغيره
عن الزبير بن العوام وأبى طلحة، وحكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم ،
والجواز للمتمع الذى لم يجد الهدى ولم يصم الثلاث فى العشر قول مالك والأوزاعى
وابن راهويه والشافعى فى القديم ، ويقول المزنى : أنه رجع عنه ، وهى رواية
عن أحمد ، وروى ذلك عن عائشة وابن عمر وعروة ، هذا ملخص ما فى
"العمدة" (٥ - ٣٤٢) و "الفتح" ( ٤ - ٢١٠) و "المغنى" (٣ - ٩٨).
والأقوال فيها ذكرها البدر العينى تسعةً ، من شاء الإطلاع عليها فليراجعها.
وليس لهم حجة غير عمل عائشة فى "صحيح البخارى" فى ( باب صيام أيام

٤٨٢
معارف السنن
ج -٥
التشريق): ((كانت عائشة تصوم أيام منى))، وبوب الطحاوى فى كتاب
المناسك من "شرح معانى الآثار" (١ - ٤٢٧) على هذه المسألة، وأثبت أنه
$33 أمر منادياً ينادى فى حجة الوداع: «أن لا تصوموا فى هذه الأيام فإنها
أيام أكل وشرب وذكر الله))، فإذن كل من يدعى جواز الصيام فيها يلزمه
أن يأتى بدليل خاص فى الباب يكون نصاً فى المسألة، أو يثبت استثناء فى ندائه ،
وإلا فلا وجه لتخصيص هذه الأيام بالصيام للقارن والمتمع. وروى أمر، علام
بالنداء أيام منى عن على وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن حذافة وبشر بن سحيم من
بنى غفار ومعمر بن عبد الله العدوى، وروى المنع عن عائشة وعبد الله بن عمرو
وأبى هريرة ونبيشة الهزلى وغيرهم مرفوعاً، كلها بأسافيد جيدة ، وما فى
"المغنى" لابن قدامة: وروى عن عبد الله بن حذافة قال: "بعثى رسول اللّه
◌َلاء أيام منى أنادى: أيها الناس! إنها أيام أكل وشرب وبعال"، إلا أنه من رواية
الواقدى وهو ضعيف اهـ ، فلم يقف على روايات الطحاوى فقد رواه الطحاوى
عنه بإسناد صحيح من غير طريق الواقدى وعن غيره بأسانيد جيدة .
قال أبو جعفر الطحاوى بعد سرد الأدلة : قالوا فلما ثبت بهذه الآثار عن
رسول اللّه ◌ّل النهى عن صيام أيام التشريق وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج
مقيمون بها وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتعاً ولا قارناً دخل
المتمتعون والقارنون فى ذلك النهى أيضاً، ثم ذكر ترجيح هذه الروايات على
ما يخالفها من جهة صحتها وتواترها ، ثم من جهة النظر ومقايستها بأشباهها من
تعميم فهى صيام يوم النحر للقارن والمتمتع جميعاً، فاستوفى المسألة بحثاً من جميع
نواحيها جزاه الله عن العلم مخيراً .
وحديث نبيشة وحديث كعب بن مالك عند "مسلم" فى المنع وحديث
عبد الله بن عمرو عند أبى داود والطحاوى وابن المنذر وابن خزيمة والحاكم أيضاً

٤٨٣
بحث صيام أيام التشريق إذا لم يكن هدى
قال رسول اللّه عَل}؛ ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام،
وهى أيام أكل وشرب)).
وفى البب عن على وسعد وأبى هريرة وجابر ونهاشة وبشر بن مصم وعبدالله
ابن حذافة وأنس وحمزة بن عمرو الأسلمى وكعب بن مالك وعائشة وعمرو بن العاص
وعبد الله بن عمرو، قال أبو عيسى: حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند أهل العلم ، يكرهون صيام أيام التشريق إلا أن قوماً من
أصحاب النبى وَ الج وغيرهم رخصوا للمتمتع إذا لم يجد هدياً ولم يصم فى العشر
أن يصوم أيام التشريق ، وبه يقول مالك بن أنس والشافعى وأحمد وإسحاق .
قال أبو عيسى : وأهل العراق يقولون : موسى بن على بن رباح، وأهل
مصر يقولون : موسى بن على ، وقال: سمعت قتيبة يقول : سمعت الليث بن
سعد يقول : قال موسى بن على : لا أجعل أحداً فى حل صغر اسم أبى .
فى المنع، وصحه ابن خزيمة والحاكم كما فى "الفتح" (٤ - ٢١١)، فأنى يقاوم
هذه المرفوعات موقوف عائشة فى الباب مع كونه معارضاً بمرفوعها عند
الطحاوى ، وهذا ملخص البحث فخذه محرراً .
قوله: يوم عرفة . قال ابن عبدالبر فى "التمهيد": لا يوجد ذكر عرفة
فى غير هذا الحديث . قال العراقى: وبه إشكال ، وهى أيام أكل وشرب، ويوم
عرفة ليس كذلك. قال: ويجاب بوجهين: الأول : أنه يفضل على أيام التشريق
فقط أو عليها مع يوم النحر دون عرفة. الثانى: ما قاله فى حجة الوداع أو
قال بحق الحاج، لأن الأفضل فى حقه الإفطار يوم عرفة، وأما تسميته عيداً فلا
مانع منه اهـ ، كذا في " قوت المغتذى".
( ٢ - ٢١ )

: ٤٨٤
معارف السنن
ج .- ٥
(باب ما جاء فى كراهية الحجامة للصائم)
حدثنا محمد بن رافع النيسابورى ومحمود بن غيلان ويحيى بن موسى قالوا
نا عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابراهيم بن عبد الله بن قارظ
عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج عن النبى حمّ ل﴾ قال: ((أفطر الحاجم
والمحجوم »
-: باب ما جاء فى كراهية الحجامة للصائم :-
ذهب الأئمة الثلاثة إلى أن الحجامة غير مفطر للصوم ، وقال أحمد وبعض
السلف: إنه مفطر للصوم، واستدل بحديث رافع بن خديج فى الباب، ومذهب
الثلاثة روى عن سعد بن أبى وقاص والحسين بن على وعبد الله بن مسعود وابن
عباس وزيد بن أرقم وابن عمر وأنس وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة،
وهو مذهب عطاء بن يسار والقاسم بن محمد وعكرمة وزيد بن أسلم وابراهيم
النخعى وأبى العالية وسفيان الثورى ، كما فى " العمدة"، ومذهب أحمد مروى
عن عطاء بن أبي رباح والأوزاعی ومسروق و ابن سیرین و اسماق و أبی ثور وابن
المنذر وأبى الوليد النيسابورى وابن حبان كما فى " الفتح" و "العمدة". وحكى
النووى فى "شرح المهذب" (٦ - ٣٤٩) مذهب الثلاثة عن أبى سعيد الخدرى
وابن المسيب وعروة والشعبى أيضاً. قال: وقال صاحب " الحاوى": وبه
قال أكثر الصحابة وأكثر الفقهاء اهـ.
قال الشيخ : وقال بعضهم أن هذا الحديث مضطرب من كل طريق ،
وادعى بعضهم أنه متواتر، وقد روى عن نحو اثنين وعشرين نفساً من الصحابة،
أخرج رواياتهم السيوطى فى "الجامع الكبير" غير أنه لم ينقد أسانيدها . أقول :

٤٨٥
بحث الحجامة للصائم والمذاهب فيها
وفى الباب عن سعد وعلى وشداد بن أوس وثوبان وأسامة بن زيد وعائشة
ومعقل بن يسار ، ويقال : معقل بن سنان، وأبىهريرة وابن عباس وأبيموسى
وبلال .
ولم أقف على تعيين ذلك البعض ولا هذا البعض ، ولكن أخرجه الزيلعى فى
"نصب الراية" والحافظ فى " التلخيص" عن ثوبان وشداد بن أوس ورافع
ابن خديج وأبى موسى ومعقل بن يسار وأسامة بن زيد وبلال وعلى وعائشة
وأبى هريرة وأنس وجابر وابن عمر وسعد بن أبى وقاص وأبى زيد الأنصارى
وابن مسعود، وزاد الزيلعى عن ابن عباس وسمرة بن جندب ، فهى ثمانية عشر
حديثاً . وأشار الترمذى إلى ثلاثة عشر منها بعد ما أخرج حديث رافع ولم يزد
على هذا فى " الكنز"، وهو تبويب " الجامع الكبير". أنظر " الكنز" (٤ -
٣٠٤) والله أعلم .
وتكلم الزيلعى وابن حجر على أسانيدها ، وكل حديث يرويه عشرة أنفس
من الصحابة بعده السيوطى متواتراً كما فعل فى رسالته " الأزهار المتناثرة"،
وبعض كبار المحدثين كل ما بلغ رواته خمسة عشر رجلاً من الصحابة بعده
متواتراً، والإمام الطحاوى يطلق المتواتر على أقل منها، وتكاد تكون العبرة
لقوة أسانيدها وتلقيها الأمة بالقبول ، فربما تكون سبعة من أسانيد صحاح تفيد
من اليقين ما لا تفيده سبعة عشر من الضعاف والله أعلم .
ثم إن "جامع الكبير" بوبه الشيخ على المتفى على أبواب الفقه ، فسماه :
"كنز العمال من سنن الأقوال والأفعال"، فقيل: السيوطى منة على الأمة والمتى
منة على السيوطى، و "الكنز" مطبوع بـ" دائرة المعارف" بحيدر آباد فى الهند .
قال الشيخ : وروى عن أحمد : أنه صح فى الباب حديثان ، ومثله قال

٤٨٦
معارف السنن
ج -هـ
قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح . وذكر عن
على بن المدينى . أقول : قول أحمد فى صحة الحديثين نقله عثمان الدارمى عنه ،
كما فى " شرح المهذب" و"فتح الحافظ"، وقول على بن المدینی حكاه الترمذى
فى " العلل الكبير"، كما فى "نصب الرأية"، وتبعها البخارى ، ثم ابن حبان
والحاكم كما فى "الفتح". وقال يحيى بن معين: ليس فيه حديث يثبت، فقيل
لأحمد فى ذلك ونقل له قول ابن معين فقال أحمد : هذه مجازفة، كما حكاه الحافظ
فى " الفتح" (٤ - ١٥٤) عن المروزى، وهو أبو نصر محمد بن نصر المروزى
الإمام وتقدم غير مرة . وأجاب العلماء عنه ، فقال بعضهم : إن المراد أنه تعرضاً
للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه شى من الدم ، وأما
المحجوم فالضعف، حكاه النووى فى "المجموع" عن الخطابى، والعينى فى "العمدة"
عن البغوى ، ومثله يقول الطيبى كما فى " الحاشية".
ثم إن العلة فى " المجموع" من الضعف فقد رواه البخارى فى " صحيحه"
عن أنس بن مالك رضى الله عنه ما يقار به ، سئل أنس بن مالك رضى الله عنه:
(( أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف)). وقد ذكر
فيه الكراهة دون الأفطار . وروی ذلك عن أبى سعيد الخدری وابن عباس
وغيرهم كما ساق رواياتهم الطحاوى ، ويقرب من تأويل الخطائى والبغوى: أن
المراد به أنها سيفطران كقوله تعالى: ( أرانى أعصر خمراً) أى ما يؤل إليه .
قال الحافظ بعد نقله : ولا يخفى تكلف هذا التأويل ، وقيل : إنه تغليظ ودعاء
عليهما لارتكابهما ما يعرضهما للإفطار ، حكاه النووى ، وقيل : مر بها قريب
المغرب فقال أفطرا أى حان قطرهما ، كما يقال: أمسى الرجل إذا دخل فى
وقت المساء أو قاربه ، ذكره النووى عن الخطابى.

٤٨٧
الجواب عن حديث إفطار الحاجم والمحجوم
وأجاب الطحاوى فى "شرح الآثار" فى باب الصائم يحتجم بما ما ملخصه:
إن هذا ليس تشريعاً خاصاً فى باب الحجامة، بل قوله {فَج إنما كان ذلك فى
واقعة خاصة، كان الحاجم والمحجوم يغتابان رجلاً فى صومها ، فكان مناط قوله
عَ ل الغيبة دون الحجامة، وقال: ليس يراد بالإفطار ما يوجب القضاء وإنما
هو على هبوط الأجر، وليس كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ، وقد سبقه
إلى هذا الجواب الشافعى كما فى "المجموع"، ولكن الرواية التى استند إليها
الطحاوى ضعيفة لا يحتج بمثلها ، وهى رواية أبى الأشعث الصنعانى من طريق
يزيد بن ربيعة الدمشقى، قال: إنما قال النبى حَ لّ: « أفطر الحاجم والمحجوم
لأنها كانا يغتابان)»، ورواه عثمان الدارمى والبيهقى فى "المعرفة" أيضاً، كما فى
"الفتح"، ويزيد بن ربيعة ضعفه غير واحد، وقال البخارى: منكر الأحاديث .
وقال النسائى: متروك، كما فى " رجال الطحاوى" و" ميزان الذهبى". وحكم
على بن المدينى بأنه حديث باطل كما فى " الفتح"، ولكن قال أبو مسهر: كان
يزيد بن ربيعة فقيهاً غير متهم ، ما ننكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث ولكن أغشى
عليه سوء الحفظ والوهم . وقال ابن عدى : أرجو أنه لا بأس به كما فى
" الميزان " .
ثم إن البيهقى روى ذلك فى بعض طرق حديث ثوبان ، قاله النووى ،
قال: وقال الشافعى : وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما ،
كما قال بعض الصحابة لمن تكلم فى حال الخطبة : لا جمعة لك ، أى ليس لك
أجرها ، وإلا فهى صحيحة مجزئة عنه . ثم الطحاوى ذکر فى وجهه معنی آخر،
وهو ضعف الصائم، وأسند عن عدة من الصحابة والتابعين كما أشرت إليه من قبل.
وأجاب بعضهم بأنه منسوخ ، واحتج بحديث أخرجه النسائى ، ولكنه

٤٨٨
معارف السنن
ج -ه
أعله بعض الحفاظ بأنه موقوف، وأفاده الشيخ. والجواب بالفخ ذكره الشافعى فى
"الأم". قال النووى: وتابعه عليه الخطابى والبيهقى وسائر أصحابنا . قال: ودليل النسخ
أن الشافعى والبيهقى روياه بإسنادهما الصحيح عن شداد بن أوس قال: ((كنا مع
النبى ◌ّلي زمان الفتح فرأى رجلاً يحتجم لمان عشر خلت من رمضان فقال
- وهو آخذ بيدى -: أفطر الحاجم والمخجوم))، وقد ثبت فى "صحيح البخارى"
وغيره فى حديث ابن عباس: ((إن النبى معَّليّ احتجم وهو محرم صائم))، وابن
عباس محب النبى ◌ّله محرماً فى حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ولم يصحبه
محرماً قبل ذلك ، والفتح سنة ثمان ، فحديث ابن عباس بعده بسنتين وزيادة ،
وأيضاً يدل عليه حديث أنس عند الدار قطنى والبيهقى ، ورواته كلهم ثقات .
قال الدار قطنى: ولا أعلم له علة، وقال ابن حجر فى " الفتح": ورواته كلهم
من رجال البخارى إلا أن فى المتن ما ينكر ، لأن فيه أن ذلك كان فى الفتح ،
و جعفر کان قتل قبل ذلك، وأيضاً استدل بحديث أبى سعيد الخدرى عند النسائى
وابن خزيمة والدار قطنى بإسناد قوى: ((رخص رسول اللّه ◌َله فى القبلة للصائم
والحجامة))، ولفظ الترخيص غالباً يستعمل بعد النهى ، ولكن اختلف فى رفعه
ووقفه ، قاله الحافظ . وهذا الذى يربده الشيخ رحمه الله تعالى.
وأقوى ما ورد فى ذلك حديث مرفوع عند أبى داود فى " سننه" من
حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: حدثنى رجل من أصحاب النبي حَامِ: ((إن
رسول اللّهِ فَ له نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمها إبقاء" على أصحابه)) قال
فی " الفتح": إسناده مصیح ، والجهالةالصحابى لا تضر، ورواه عبد الرزاق
كما فى "الفتح"، وصححه النووى على شرطها، وجعله الحافظ أيضاً أحسن ما
ورد فى ذلك . وكذا ما عنده عن أنس قال : (( ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا
كراهة الجهد)). والذى عند الشيخ فى مراده: أن الحديث معناه: أفطر أى أدخل

٤٨٩
بحث إفطار الحاجم والجواب عن الحديث
أحمد بن حنبل أنه قال : أصح شى فى هذا الباب حديث رافع بن خديج .
وذکر عن على بن عبد الله أنه قال : أُصح شئ فی ھذا الباب حديث ثوبان
وشداد بن أوس لأن يحيى بن أبى کثیر روى عن أبى قلابة الحديثين جميعاً، حديث
ثوبان وحديث شداد بن أوس ، وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي
النقص فى صومه، وإنما يظهر هذا فى أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا مثل الغيبة،
ومن المعلوم أن الشريعة ربما تتعرض لبيان أحكام الآخرة وتخبر بما هو غائب عنا
فى هذا العالم، ومن هذا القبيل حكمها بقطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة ،
والمراد به قطع الوصلة التى بين المصلى وبين الله سبحانه وتعالى، والصلاة لا تبطل
فى أحكام الدنيا ، وإنما هى مجزئة صحيحة .
وبالجملة المطلوب فى الصوم أيضاً الطهارة من النجاساة ، وهى المناسب
بحال الصوم ، وفى الحجامة نجاسة ينبغى إبعاد الصوم عنها ، ونظير ذلك ما ثبت
من عدم جواز صوم الجنب ثم نسخ، كما فى "صحيح البخارى" فى (باب الصائم
يصبح جنباً)، وراجع لتفصيله "الفتح" (٤ - ١٢٤ وما بعدها)، وفى الحيض
والنفاس أيضاً نجاسة فكان الصوم منافياً لهما .
قال الشيخ : وبالجملة الوجه عندى هذا لا كما قال ابن تيمية فى كتابه
الذى ألفه فى القياس ، وموضوعة توفيق المسائل النقلية بالعقل ، ومر على مسألة
الباب فقال: إن المطلوب فى الصوم الاعتدال، والحجامة تنافى الاعتدال، وكذلك
النفساء والحالض تفقدان الاعتدال ، فينافى حالتها الصيام .
قوله : أصح شى الخ . وكذا قاله على بن المدينى شيخ البخارى فيما نقله
النووى فى " شرح المهذب" والعين فى " العمدة"، وعارضه ابن معين فى هذا

٤٩٠
معارف السنن
لي وغيرهم الحجامة للصائم حتى إن بعض أصحاب النبى حل٣ احتجم بالليل؛
أبوموسى الأشعرى وابن عمر، وبهذا يقول ابن المبارك .
قال أبو عيسى: وسمعت اسحاق بن منصور يقول: قال عبد الرحمن بن
مهدى: من احتجم وهو صائم فعليه القضاء . قال اسحاق بن منصور : وهكذا
قال أحمد بن حنيل واسحاق بن ابراهيم.
فقال : حديث رافع أضعفها. وكذا قال البخارى : إنه غير محفوظ، وكذا
اسحاق بن منصور فيما نقله الحافظ فى " الفتح" عن الترمذى . وروى أبو عبدالله
الحاكم عن أحمد بن حنبل قال: أصح ما روی فی هذا الباب حديث ثوبان، كما
في " شرح المهذب"، وحكى ابن قدامة فى " المغنى" عن أحمد أنه قال: حديث
شداد بن أوس من أصح حديث يروى فى هذا الباب ، وإسناد حديث رافع
إسناد جيداه:
وبالجملة عن أحمد أقوال مختلفة ، فتارة" یصحح حديث ثوبان وحديث
شداد معاً كما تقدم ؛ وتارةً يرجح حديث رافع ، وتارةً حديث شداد ،
واخری ےچمح حديث ثوبان . والشافعی یرجح حديث ابن عباس على حديث
شداد فى اختلاف الصحابة ولم يثبت عنده حديث فى القديم كما حكاه الترمذى .
ويقول في " الأم" (٢ - ٨٣) بعد ذكر حديث ابن عباس وما يعارضه ؛
ولا أعلم واحداً منها ثابتاً، ولو ثبت واحد منها عن النبي ◌ٍَّ قلت به، فكانت
الحجة فى قوله اهـ. ويقول فى اختلاف الحديث كما نقله الحافظ : والذى أحفظ
عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم: أنه لا يفطر أحد بالحجامة اهـ . فهذا
الذى استقر عليه رأيه والله أعلم .

بحث الحجامة فى الصوم وكلام الشافعي أن النسخ
قال أبو عيسى: وأخبرنى الحسن بن محمد الزعفرانى قال: قال الشافعى :
قد روى عن النبى وّ لهم أنه احتجم وهو صائم. وروى عن النبي ◌َلو أنه قال:
((أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم أحداً من هذين الحديثين ثابتاً، ولو تولى
رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلى ، وإن احتجم وهو صائم لم أن ذلك
أن بفطره)).
قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعى ببغداد، وأما بمصر فال إلى
قوله : على بن عبد الله ، هو المدينى شيخ البخارى وتقدم .
قوله : منهم أبو موسى الأشعرى الخ . ذكر الأول البخارى تعليقاً، ووصله
ابن أبى شيبة كما فى "العمدة" و "الفتح"، والثانى ذكره البخارى تعليقاً،
ومالك فى " المؤطأ" موصولاً"، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى
عن سالم عن أبيه، ووصله ابن أبى شيبة من طريق ابن علية عن أبوب عن
نافع كما فى " العمدة" وزاد معها ابن قدامة فى " المغنى" ابن عباس وأنساً
أيضاً والله أعلم .
قوله: اسحاق بن إبراهيم. هو ابن راهويه، الإمام المشهور، تقدم غير مرة .
قوله: الحسن بن محمد الزعفرانى . راوى القديم من الشافعى ، نسبة إلى
زعفرانة ، قرية ببغداد .
قوله: قول الشافعى ببغداد الخ . القول بالنسخ للشافعى حكاه النووى عن
"الأم " واحتج بحديث ابن عباس، وتقدم تفصيله.
( م - ٢٢)

٤٩٢
معارف السنن
ج -۵
الرخصة ولم ير بالحجامة بأساً، واحتج أن النبى وّالج احتجم فى حجة الوداع
وهو محرم صائم.
( باب ما جاء من الرخصة فى ذلك )
حدثنا بشر بن هلال البصرى نا عبد الوارث بن سعيد نا أيوب عن عكرمة
عن ابن عباس قال: ((احتجم رسول اللّه ◌ُّالمه وهو محرم صائم)).
قوله : فى حجة الوداع الخ . الحديث فى الباب اللاحق، وقد رواه البخارى
وأبوداود والنسائى من حديث ابن عباس دون قوله : " فى حجة الوداع" . قال
الحافظ فى " التلخيص": فإذا لم ترها صريحة فى شَى من الأحاديث آهـ. ثم
ذكر فى " التلخيص" ولكن ذكره الشافعى وابن عبد البر وغيره ، ثم قال :
وفيه نظر لأنه كان مفطراً، كما صح: (( أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن
فشربه وهو واقف بعرفة)) إلى آخر ما قال، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل .
-: باب ما جاء من الرخصة فى ذلك :-
حديث الباب حجة للجمهور فى عدم إفطار الصيام بالحجامة ، وكذلك
حديث عبدالله بن زيد بن أسلم مرسلا حجة لنا وللجمهور، وهو ما رواه الترمذى
فى (باب الصائم يدرعه القبى) وقد تقدم .
قوله : وهو محرم صائم . أجاب الحنابلة عن حديث الباب بوجهين :
الأول: أنه حَ ل﴾ لم يثبت إحرامه فى رمضان، فإنه عَّللج اعتمر وكل عمرة
له ◌َ ا كانت فى ذى القعدة إلا عمرته حَ اج مع حجته، فكانت هى فى ذى الحجة
فلو كان صائماً فى إحرامه كان صيامه تطوعاً ، وإفطاره جائز من غير قضاء

٤٩٣
بيان الأحاديث فى حجامة الصائم وفى الإحرام
عندهم ، كما فى كتبهم ، نعم كلام أحمد بن حنبل فى كتاب الصلاة صريح فى
وجوب القضاء ، وسبق قبل أبواب تفصيله .
والثانى: إن الألفاظ الواردة فى الحديث أربعة ، كما يقوله ابن تيمية وابن
القيم: ١- "احتجم وهو صائم". ٢- "احتجم وهو محرم". ٣- "احتجم
وهو محرم واحتجم وهو صائم". ٤- "احتجم وهو محرم صائم".
أما احتجامه وهو محرم فصحيح متفق على صحته ، وأما احتجامه وهو صائم
ففيه ما تقدم آنفاً . قال الشيخ: فرجع إلى آثار السلف ، وأكثرهم موافقون
لمذهب الجمهور ، وأيضاً تقدم حديث النسائى ما يدل على الرخصة فى الحجامة
للصائم ، ودل ذلك على النسخ ، وما حكاه الترمذى فى الباب السابق من كلام
الشافعى من عدم ثبوت الحديثين ففيه أنه قد صحح المحدثون الحديثين جميعاً .
وتلك الوجوه الأربعة فى حديث الباب حكاها الحافظ فى "التلخيص" عن بعض
الحفاظ، والحافظ الزيلغى حكاه فى "التخريج" عن صاحب " التنقيح"، وهو
ابن عبد الهادى الحنبلى، وفيه يقول: فأما احتجامه وهو محرم فمجمع على محته،
وأما احتجامه وهو صائم فصححه البخارى والترمذى وغيرهما ، وضعفه أحمد بن
حابل ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما. قال مهنا: سألت أحمد بن حنبل عن
حديث ابن عباس: ((إن النبي ◌ُّ ل احتجم وهو صائم محرم))؟ فقال: ليس فيه:
("صائم"، وإنما هو: "محرم"، قلت: من ذكره؟ قال: سفيان بن عيينة عن
عمرو بن دينار عن عطاء وطاؤس عن ابن عباس: ((أنه عليه السلام احتجم
وهو محرم)،، وكذلك رواه روح عن زكريا بن اسماق عن عمر وعن طاؤس عن
ابن عباس مثله ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن خيثم عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس مثله . قال أحمد: فهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون
صياماً ، ثم ذكر أنه على تقدير صحته إنه لم يكن محرماً إلا وهو مسافر ، والمسافر

٤٩٤
معارف السنن
ج -٥
يباح له الإفطار ، وأسنده عن الحاكم بسنده عن ابن خزيمة ، وكذلك ابن حبان
يقول مثله، وابن أبى حاتم بذلك أعل الحديث فى كتابه ، فيقول أبو حاتم :
هذا خطأ أخطأ فيه شريك، إنما هو: ((احتجم وأعطى الحجام أجره))، كذلك
رواه جماعة عن عاصم ، وحديث شربك من حفظه
وأما ابن قدامة فى "المغنى" فاختار منهاجاً آخر فى الجواب وقال :
وحديثهم بحديثنا بدليل ما روى ابن عباس أنه قال: ((احتجم رسول الله
بالقاصة يقرن وفاب، وهو محرم صائم ، فوجد بذلك ضعفاً شديداً فنهى رسول
اللّه ◌َا﴾ٍ أن يحتجم الصائم))، قال: ورواه أبو اسحاق الجوز جانى فى المترجم ،
وكان ابن عباس - وهو راوى حديثهم - يعد الحجام والمحاجم ، فإذا غابت
الشمس احتجم بالليل ... وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه آهـ .
قال الراقم : المتبادر من الحديث النهى كان إبقاءً عليهم كراهة الجهد
وليس فيه شبه دليل على أن الحجامة مفطر ، واحتجام ابن عباس بالليل
کیف یکون دليلاً على النسخ، وهل كان بالليل منهياً عنه ؟ ولا ريب أن الليل
أصلح مخافة الجهد والعناء فى حالة الصوم . وبالجملة دعوى الجمهور فى نسخ
حديثهم فى غاية من القوة نظراً إلى دعواهم النسخ بضد ذلك ، والبحث فى
حديث ابن عباس وما إلى ذلك طويل ، ومن شاء الزيادة على هذا فليراجع
" نصب الرأية" و "شرح معاني الآثار" الطحاوى و"تلخيص الحافظ "
و "فتحي" و "عمدة العينى" و"مجموع النووى"، وفيما ذكرته كفاية للإلمام
بأطراف البحث .
وحديث ابن عباس فى الباب من طريق زید بن أبیزیاد عن مقسم ضعيف،
لأن ابن أبى زياد رمى بسوء الحفظ ، هو: يزيد بن أبى زياد أبو عبد الله مولاهم

٤٩٥
بحث الصوم محرماً ومجتجماً
قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح ، هكذا روى وهيب نحو رواية
عبد الوارث . وروى اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن عكرمة مرسلا ولم
یذ کر فیه عن ابن عباس .
الكوفى ممن أخرج له مسلم والأربعة ، وجل ما قيل فيه أنه كان يتلقق بعد ما كبر
وساء حفظه ، فلعل مسلم ینتمی من حديثه ولکن كلامه فى مقدمة "صحيحه" بدل
على أنه يوثقه ، راجع " التهذيب" .
قوله : وهكذا روى وهيب الخ. رواية وهيب أخرجه البخارى فى "صحيحه"
لكنه بلفظ: ((احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)). وضوبه الحافظ فى
"التلخيص" بأن الراوى جمع بين الجديثين ، وكل واقعة فى حالة مستقلة ،
وهذا لا مانع منه، فقد صح أنه حَ لٍّ صام فى رمضان وهو مسافر وهو فى
"الصحيحين" ... ويقوى ذلك أن غالب الأحاديث ورد مفصلآ آهـ.
قال الراقم: وبذلك دفع الزيلعى فى " نصب الرأية" (٢ - ٤٧٨ )
تأويل ابن خزيمة وغيره، ودفع الخطابى تأويلهم بكونه مسافراً : بأنه أثبت له
الصيام مع الحجامة ، وبقول النووى: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس
احتجم وهو صائم الأخبار بأن الحجامة لا تبطل ، ومثله قال البدر والشهاب .
قوله : روى اسمعيل بن ابراهيم الخ . أخرجه النسائى من طريقه ومن طريق
معمر، كلاهما عن أيوب عن عكرمة ، ومن رواية جعفر بن ربيعة عن عكرمة
مرسلاً، واسمعيل بن ابراهيم هذا هو ابن علية . قال الراقم : والرفع زيادة ،
وزيادة الثقات مقبولة ، فقد رواه مرفوعاً وهيب عند البخارى، وتابعه
عبد الوارث عند الترمذى هنا ، وعند البخارى فى " الطب". وبالجملة اختلف
على عكرمة ، وأخرجه النسائى عن حماد بن زيد مرفوعاً ، وكذا مرسلاً .
٣٢

٤٩٦
معارف السنن
ج -۵
حدثنا : أبو موسى محمد بن المثنى نا محمد بن عبد الله الأنصارى عن
حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: ((إن النبى عَل احتجم
وهو صائم)) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .
حدثنا أحمد بن منيع نا عبد الله بن ادريس عن يزيد بن أبي زياد عن
مقسم عن ابن عباس: ((أن النبى مَّةٍ احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم
صائم».
وفى الباب عن أبى سعيد وجابر وأنس . قال أبوعيسى : حديث ابن
عباس حديث حسن صحيح. وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ﴾
وغيرهم إلى هذا الحديث ، ولم يروا بالحجامة للصائم بأساً ، وهو قول سفيان
الثورى ومالك بن أنس والشافعى .
قوله : حسن غريب من هذا الوجه . ورواه النسائى بإسناد الترمذى وزاد:
((وهو محرم))، وقال: هذا حديث منكر، ولا أعلم أحداً رواه عن حبيب
غير الأنصارى، ولعله أراد أن النبى ◌َُّّ تزوج ميمونة، قاله العينى فى "العمدة"
(٥ - ٢٦٢). قال الراقم: تعليل النسائى إياه ليس إلا من جهة استشكاله
جمع الصيام والإحرام بأنه فّله كان لا يصوم تطوعاً فى السفر ولم يسافر فى
فى رمضان إلا فى غزوة الفتح ولم يكن محرماً ، فكل هذا البحث جاء من غير
جهة الإسناد ومن غير وظيفتهم فى النقد وقد علمت ما فيه ، والله أعلم .

٤٩٧
حديث المنع عن الوصال فى الصوم
( باب ما جاء فى كراهية الوصال فى الصيام )
حدثنا : نصربن على الجهضمى نا بشر بن المفضل وخالد بن الحارث عن
سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول اللّه عَلَهُ: ((لاتواصلوا،
قالوا : فإنك تواصل با رسول الله ؟ قال: إنى لست کأحدكم، إن ربى
( باب ما جاء فى كراهية الوصال فى الصيام )
الوصال فى الصيام أن لا يفطر يومين أو أكثر، كما فسره الحافظ ابن
الأثير الجزرى وابن قدامة الموفق والبدر العينى وغيرهم . واختلف فى حكمه
على ثلاثة أقوال: (١) الكراهية. (٢) التحريم . (٣) الإباحة لمن قوى عليه
والتحريم لمنى يشق عليه .
وإلى الأول ذهب أبو حنيفة ومالك والثورى والشافعى - فى وجه -
وأحمد ، وهو مذهب الجمهور ، وإليه ذهب على وأبو هريرة وأبو سعيد
وعائشة .
وإلى الثانى ذهب الشافعى فى " الأم"، فقد نص فى " الأم" على أنه
محظور، وهو مذهب أهل الظاهر، وصححه ابن العربى من المالكية .
والثالث حكى عن أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وابن وضاح من
المالكية ، هذا ملخص ما فى " العمدة" و"الفتح" و "المغنى". وأحاديث
النهى نحو عشرة، واستدل بمجموعها، على أن الوصال من خصائصه فجِّالمِ ،
وعلى أن غيره منهى عنه إلا ما وقع فيه من الترخيص من الإذن فيه إلى السحر.
ثم الكراهة للتنزيه كما هو المتبادر ههنا ، وهو المصرح فى كتبنا وكتب

٤٩٨
معارف السنن
ج -٥
يطعمنى ويسقينى)). وفى الباب عن غلى وأبى هريرة وعائشة وابن عمر وجابر
وأبى سعيد وبشير بن الخصاصية .
المالكية . وبالجملة نهى عنه التى ګ الأمة وبین عذره فى الوصال بأن ربى يطعمنى
ويسقينى ، فكان هذا من خصائصه
وأما وصال الصوم إلى السحر فجائز للأمة بلا كراهة لحديث "الصحيحين"
كما سبق. قال ابن تيمية: وهو مستحب، وهو مذهب أحمد واسحاق وابن المنذر
وابن خزيمة وجماعة من المالكية ، كما فى "الفتح" و"العمدة"، ومن الشافعية
من قال : إن هذا ليس بوصال ولم يذكره الحنفية لا نفياً ولا إثباتاً .
قوله : يطعمنى ويسقينى الخ . كيفيته مفوضة إلى صاحب الشريعة فلانخوض
فيها كما قاله الشيخ. وخاضوا فى تأويله على وجوه ، فقال الجمهور: إنه يعان
على الصيام ويغنيه اللّه تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب، فكان
مجازاً عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، وقيل : هو على حقيقته وظاهره
كرامةٌ له فَلي، وتعقب بأنه لا يكون صياماً فضلاً عن أن يكون وصالاً.
وأجيب بأن المفطر الطعام المعتاد دون ما كان على سبيل خرق العادة للكرامة ،
وقيل : المراد الاشتغال عن الطعام والشراب بالتفكر فى عظمة الله سبحانه
والاستلذاذ بمحبته وقرة العين بمناجاته وقربه والتغذى بما يفيض اللّه سبحانه عليه
من غذاء القلوب ونعيم الأرواح وبهجة النفوس ، والجسم يستغنى بغذاء القلب
والروح عن كثير من الغذاء بالطعام والشراب على حد ما قال الشاعر :
لها أحاديث من ذكراك تشغلها . عن الشراب وتلهبها عن الزاد
وهذا القول الأخير اختاره الحافظ عز الدين بن عبد السلام والعلامة

٤٩٩
بحث صوم الوصال وبيان من واصل من الصحابة
قال أبو عيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند
بعض أهل العلم، كرهوا الوصال فى الصيام، وروى عن عبد الله بن الزبير: ((أنه
کان یواصل لأیام ولا يفطر »
شمس الدين الصائغ وغيرهما ، هذا ملخص ما فى " فتح الشهاب" و"عمدة
البدر" و"هدى ابن السيم" و "مغنى ابن قدامة" وغيرها واللّه هو الموفق،
والأول أقوى، والثانى أضعف، والثالث ألطف، هذا ما عندى والله أعلم.
قوله : وروى عن عبد الله بن الزبير الخ . روى عنه أنه كان يواصل إلى سبعة
أيام كثيرة ، وروى عن عمر أيضاً - كما قاله الشيخ - : أنه كان يواصل إلى يومين
وثلاثة، أما صيام عبد الله بن الزبير فروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عنه: ((أنه كان
يواصل خمسة عشر يوماً)، حكاه الحافظ فى "الفتح" (٤ - ١٧٧) وحكاه البدر العبنى
فى "العمدة" (٥ - ٢١٤) عن كتاب الأوائل للعسكرى ، وزاد: (( حتى
تيبس أمعاؤه ، فإذا كان يوم فطر أتى بسمن وصبر فيحساه حتى لا تنفتق
الأمعاء)). وذهب إليه من الصحابة أيضاً أخت أبى سعيد ، ومن التابعين
عبد الرحمن بن أبى نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير وابراهيم بن زيد التيمى
وأبو الجوزاء ، وروى عن بعض الصحابة من تركهم الأكل الأيام ذوات
العدد ، وروى الأعمش عن التيمى أنه قال : ربما لبثت ثلاثين يوماً ما أطعم
من غير صوم وما يمنعنى ذلك من حوانجى ، وقال الأعمش : كان ابراهيم
التيمى يمكث شهرين لا يأكل ولكنه يشرب شربة من نبيذ، هذا ملخص ما فى
"العمدة" و "الفتح"، ولم أجد عن عمر الفاروق صوم الوصال فيما عندى من
كتب الحديث والسيرة والتاريخ والله أعلم. ووصالها مع ثبوت النهى عنه عَّكَّ
فلعلها حملا النهى على الإرشاد دون التحريم ، أفاده الشيخ .
( ٢ - ٢٣ )

٥٠٠
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى الجنب بدركه الفجر
وهو بريد الصوم )
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن رسول اللّه مَّلي نهى عن الوصال،
واختلفوا فى تأويله ، فقيل : نهى عنه رفقاً بهم فمن قدر على الوصال فلاحرج
عليه لأنه لله عزوجل يدع طعامه وشرابه ، وكان عبد الله بن الزبير وجماعة
يواصلون الأيام الخ . حكاه فى "العمدة" (٥ - ٢١٤)، وفيها (٥ - ٢٩٧) :
واحتج من أباح الوصال بقول عائشة رضى الله عنها نهاهم عن الوصال رحمة لهم
اهـ. وهو فى الصحيح عنها قالت: (( نهى رسول اللّه عَّالج عن الوصال رحمة لهم
الخ)). قال الحافظ: ومن حجتهم ما سيأتى فى الباب الذى بعده أنه حَ لّ واصل
بأصحابه بعد النهى ، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله ، فعلم أنه أراد
بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة فى حديثها ، وهذا مثل
مانهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن
لم يشق عليه ، ونظير ذلك فى صيام الدهر الخ . وقال البخارى فى "صحيحه":
ونهى النبى عَلَّ عنه رحمة لهم وإبقاءً عليهم، وما يكره من التعمق اهـ،
فأشار إلى ثلاثة أحاديث : (١) حديث عائشة كما تقدم آنفاً. (٢) حديث
عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من الصحابة عند أبى داؤد وغيره وتقدم قريباً .
(٣) حديث أنس أخرجه البخارى فى كتاب التمنى، وفيه: ((لو مد بى الشهر لواصلت
وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم إنى لست مثلكم الخ)) ، ورواه مسلم أيضاً ،
وفى شرح هذا الحديث بعض فوائد ونفائس من شرح الألفاظ من شاء الاطلاع
عليها فليراجع "العمدة" و"الفتح" من أبواب الوصال من (باب البركة فى
السحور) ، وخوف الملال والتطويل يكبح قلمى عن مزيد البيان .
-: باب ما جاء فى الجنب يدركه الفجر :-