Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
بيان تفضيل ليالى رمضان وعشر ذى الحجة وغيرها وصوم المحرم
( باب ما جاء فى صوم المحرم
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحمبرى عن ٦
أبى هريرة قال: قال رسول اللّه مثل: ((أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان
شهر الله المحرم)).
قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن :
حدثنا على بن حجر قال نا على بن مسهر عن عبد الرحمن بن اسحاق عن
والمثبت مقدم على النافى، فيبقى انقطاع فى موضع واحد، قاله العينى فى "العمدة".
قال العلماء: الأفضل فى الليالى ليالى رمضان ، وفى الأيام عشرة ذى الحجة،
وفى أيام السنة يوم عرفة ، وفى أيام الأسبوع يوم جمعة ، كما لخص فيه ألقول
ابن القيم فى أوائل " الهدى" بعد تفصيل. وعند ابن ماجه فى ( باب فضل
الجمعة) (ص ٧٧) من طريق أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال النبى معَه :
(إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى
ویوم الفطر الخ )) ، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل ، وقد روى ابن حبان فى
("صحيحه" من حديث أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَّله: ((لا تطلع الشمس
على يوم أفضل من يوم الجمعة)) وفيه أيضاً حديث أوس بن تميم : ((خير يوم
طلعت عليه الشمس يوم الجمعة))، قال فى "الهدى" بعد نقل هذا الحديث: وقد
ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة محتجاً بهذا الحديث ،
وحكى القاضى أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر الخ .
-: باب ما جاء فى صوم المحرم :-
الظاهر أنه أريد شهر المحرم نفسه كله أو أكثره أو الصوم فيه . والحديث
٤٢٢
معارف السنن
ج -٥
النعمان بن سعد عن على قال: سأله رجل فقال : ((أى شهر تأمرنى أن أصوم بعد
شهر رمضان؟ فقال له : ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلا سمعته يسأل
رسول اللّه عَ لّ وأنا قاعد عنذه فقال: يا رسول اللّه أى شهر تأمرنى أن أصوم
بعد شهر رمضان ؟ قال: إن كنت صائماً بعد شهر رمضان فصم المحرم ، فإنه
شهر الله، فيه يوم تاب الله فيه على قوم ، ويتوب فيه على قوم آخرين )).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .
( باب ما جاء فى صوم يوم الجمعة )
حدثنا القاسم بن دينار نا عبيد الله بن موسى وطلق بن غنام عن شبيان عن
رواه مسلم فى "صحيحه"، وترجم عليه النووى بقوله: (باب فضل صوم
المحرم)، وفيه زيادة ولفظه: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ،
وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وتعرض النووى إلى وجه صيامه
حَّله فى شعبان دون المحرم مع فضل المحرم فقال: لعله إنما علم فضله فى آخر
حياته ، أو لعله كان يعرض فيه الأعذار من سفر أو مرض وغيرهما .
قوله : فيه يوم الخ . يريد يوم عاشوراء، فقد تاب على بنى اسرائيل
ونجاهم من عدوهم وأغرق عدوهم فرعون وجنوده .
قوله : حسن غريب . حسنه الترمذى مع أن فيه عبد الرحمن بن اسحاق
الواسطى وهو ضعيف كما فى "التهذيب" و"التقريب"، فلعل تحسين الترمذى
نظراً إلى شواهده، وفقل المنذرى تحسينه وأقره كما قيل والله أعلم .
-: باب ما جاء فى صوم يوم الجمعة :-
الصوم يوم الجمعة خلافية فى الأئمة ، والأقوال فيه خمسة : قول أبى حنيفة،
٤٢٣
الأقوال فى أفراد صوم الجمعة
عاصم عن زر عن عبد اللّه قال: ((كان رسول اللّه فَالج بصوم من غرة كل
شهر ثلاثة أيام ، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة )) .
وفى الباب عن ابن عمر وأبى هريرة . قال أبوعيسى: حديث عبد الله
حديث حسن غريب، وقد استحب قوم من أهل العلم صيام يوم الجمعة ، وإنما
يكره أن يصوم يوم الجمعة ، لا يصوم قبله ولا بعده . قال : وروى شعبة عن
عاصم هذا الحديث ولم يرفعه
ومشهور قول مالك إباحته مطلقاً من غير كراهة ، ومشهور قول الشافعى وأحمد
كراهة إفراده ، وصححه القاضى أبوبكر من المالكية ، وإليه ذهب أبو يوسف
من أصحاب الإمام ، وعن الشافعى قول مثل قول أبى حنيفة ، هذا ملخص ما فى
"العمدة" (٥ - ٣٣٣)، وراجعها لمزيد البيان، وقال فى "الدر المختار"
فى أوائل كتاب الصوم : والمندوب كأيام البيض من كل شهر ويوم الجمعة
ولو منفرداً الخ . قال الشارح: صرّح به فى " النهر"، وكذا فى " البحر" ،
فقال : إن صومه بانفراد مستحب عند العامة ، كالإثنين والخميس ، وكره
الكل بعضهم الخ . قال الراقم : قال الإمام محمد فى " كتاب الحجة" کما کتب
إلىّ الشيخ مولانا المفتى مهدى حسن - طال بقاؤه - : قال أبو حنيفة : لا أرى
بصيام يوم الجمعة بأساً ، فإن تحراه رجل وصامه تطوعاً منفرداً فلا بأس به .
وقال أهل المدينة مثل ذلك اهـ. وقد ذكر صاحب " الدر المختار" فى الجمعة:
" ويكره إفراده بالصوم"، وهذا مذهب أبى يوسف رحمه اللّه دون الإمام،
كما فى "العمدة" و "شرح الدر المختار" فى الصوم.
قال الشيخ : إن كان منشأ لفساد الاعتقاد فلا يصوم وإلا فيستحب أن
يصوم، وهكذا يجمع بين الروايات الفقهية والحديثية . وراجع روايات الحديث
وبأقوال الفقهاء من "العمدة" (٥ - ٣٣٢ و٣٣٣)، وذكروا فى النهى عن
٤٢٤
معارف السنن
ج -٥.
( باب ما جاء فى كراهية صوم يوم الجمعة وحده )
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال :
قال رسول اللّه مَلي: ((لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم
بعده )) .
وفى الباب عن على وجابر وجنادة الأزدی وجويرية وأنس وعبد الله بن
عمرو . قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . والعمل على
هذا عند أهل العلم : يكرهون أن يختص يوم الجمعة بصيام لا يصوم قبله
ولا بعده . وبه يقول أحمد واسماق .
إفراده بالصوم وجوهاً ستة ، حكاه العينى ، ومنها خوف اعتقاد وجوبه ، قال:
واعترض عليه بصوم الإثنين والخميس . قال الشيخ : وفى كتاب الكراهية من
"شرح الوقاية": ومقتدى دعى إلى وليمة فوجد ثمة لعباً أو غناءً لا يقدر
على منعه يخرج ألبتة، وغيره إن قعد وأكل جاز ، ولا يحضر إن علم من قبل .
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ابتليت بهذا مرةً فصبرت ، وذا قبل أن يقتدى به
آهـ. أقول: والمسألة فى " الكنز" وشرحه، وغرض الشيخ رحمه اللّه بنقل
الحكاية : التنظير بفساد اعتقاد العوام حيث أن الإمام كان غير مقتدى لم يكن
فيه منشأ لفساد عقيدتهم بالحل فصبر، ولم يكن ليصبر لو كان سبباً لفتنة العوام .
-: باب ما جاء فى كراهية صوم يوم الجمعة :-
جعل الترمذى مفاد البابين واحداً بالجمع بين الحديثين فافهم ، وتقدم
ما يتعلق به آنفاً .
٤٢٥
حديث صوم يوم السبت والبحث فيه
( باب ما جاء فى صوم يوم السبت )
حدثنا حميد بن مسعدة نا سفيان بن حبيب عن ثور بن يزيد عن خالد بن
معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته: أن رسول اللّهِ حَ لهم قال: (( لا تصوموا
يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة
فليمضغه )) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن ، ومعنى الكراهية فى هذا أن يختص
الرجل يوم السبت بصيام ، لأن اليهود يعظمون يوم السبت .
-: باب ما جاء فى صوم يوم السبت :-
حديث ابن بسر هذا حسنه الترمذى وصححه الحاكم، وقال النووى :
صحه الأئمة كما حكاه القارى فى "المرقاة"، وقال أبوداود فى " سننه": هذا
الحديث منسوخ ، ثم حكى عن مالك أنه قال : هذا كذب، وذكر النسائى
أنه مضطرب ، فمن ذهب إلى تحسين الحديث أو تصحيحه فقالوا : النهى وارد
على إفراده بالصوم كما فى الجمعة ، والمقصود مخالفة اليهود والنهى للتنزيه عند
الجمهور . وقوله : ما افترض فى الاستثناء يعم الفرض والنذر والقضاء والكفارة
وما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء ، قاله الطيبى ، وحكاه القارى . قال
الزرقانى : والنهى للتنزيه ، وعليه الشافعية وبعض الحنفية . ويعارضه حديث
عائشة عند الترمذى فى الباب اللاحق ، وهو حديث أخرجه النسائي وابن حبان
والبيهقى ، وإذا كان محمل الأول الإفراد فلا معارضة ، ووجه قول مالك فى
الحديث الأول يكاد يكون فقهياً صرفاً لا حديثياً ، حيث لا يظهر علة لكذبه
إستاداً ومتناً إلا المعارضة ، وكذا لا يتبين وجه نسخه كما فى " التلخيص".
قوله : إلا لحاء الخ. مبالغة فى الإفطار بكل ما أمكن، واللحاء بالمد والكسر:
٤٢٦
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى صوم يوم الاثنين والخميس )
حدثنا أبوحفص عمرو بن علی الفلاس نا عبد الله بن داود عن ثور بن یزید
عن خالد بن معدان عن ربيعة الجرشى عن عائشة قالت: ((كان النبي حَله
يتحرى صوم الإثنين والخميس )) .
وفى الباب عن حفصة وأبي قتادة وأسامة بن زيد . قال أبو عيسى: حديث
عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه .
حدثنا محمود بن غيلان نا أبو أحمد ومعاوية بن هشام قالا نا سفيان عن
القشر ، قال الشاعر :
. يعيش المرأ ما استحى بخير * ويبقى العود ما بقى الحاء
وليراجع لبعض التفصيل "التلخيص" وشرح المواهب " الزرقانى
(٨ - ١٣٢ ) .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى " .
- : باب ما جاء فى صوم يوم الإثنين والخميس :-
لم تكن له حاج عادة خاصة فى الصيام على منهاج واحد، وروى النسائى
فى "سننه" فيه عدة روايات فى سننه، وأما وجه تخصيصه عَّله يوم الإثنين
والخميس فلرفع الأعمال فيها إلى الله تعالى، وأيضاً أن الإثنين فيه ولد عَل} ،
وفيه توفى ، وفيه دخل المدينة - أى قباء - ، وروى مسلم من حديث أبى قتادة
وفيه: ((وسئل عن صوم الإثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو
أنزل عليه فيه)). قال الطيبي: أى فيه وجود نبيكم ونزول كتابكم وثبوت نبوته،
فأى يوم أفضل وأولى للصائم منه ؟! فاقتصر على العلة أى سلوا عن فضيلته لأنه
٤٢٧
أحاديث رفع الأعمال يوم الإثنين والخميس
منصور عن خيثمة عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَ ل بصوم من الشهر السبت
والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس».
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وروى عبد الرحمن بن مهدى هذا
الحديث عن سفيان ولم يرفعه .
حدثنا محمد بن يحيى نا أبو عاصم عن محمد بن رفاعة عن سهيل بن أبى صالح
عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللّه بَّامٍ قال: ((تعرض الأعمال يوم الإثنين
والخميس، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم)).
قال أبوعيسى : حديث أبى هريرة فى هذا الباب حديث حسن غريب .
لا مقال فى صيامه ، فهو من أسلوب الحكيم ، حكاه الزرقانى ، وتعقبه بأن
الجواب على وفق السؤال ، إذ لا يليق سؤال الصحابى عن جوازصيامه الخ .
ثم إن الأحاديث فى رفع الأعمال مختلفة ، ففيها ما بدل على رفعها كل
يوم ؛ وفيها ما يدل على رفعها كل يوم الإثنين والخميس ، وفيها الرفع ليلة
البراءة ، وفيها الرفع فى أيام أخر . ففى الرفع كل يوم حديث أبى موسى
الأشعرى عند "مسلم" وفيه: « یرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل
اللیل ، ، وفى الرفع يوم الإثنين والخميس حديث أبى هريرة الآنى عند الترمذى،
وهو حديث رواه مسلم بألفاظ مختلفة فى كتاب البر، وفى الرفع ليلة البراءة
لم أجد حديثاً صريحاً إلا حديث عائشة عند أبي يعلى فى "الدر المنثور" و"الفتح":
(((إنه يكتب فيه كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتينى أجلي وأنا صائم)).
وتقدم حديث أسامة فى رفع الأعمال فى شعبان من رواية النسائى وغيره . قال
( م - ١٤ )
٤٢٨
معارف السنن
ج -٥
(باب ما جاء فى صوم الأربعاء والخميس)
حدثنا الحسين بن محمد الحريرى ومحمد بن مدويه قالا نا عبيد الله بن
موسى نا هارون بن سلمان عن عبيد الله بن مسلم القرشى عن أبيه قال: ((سألت
- أو سئل - النبى عَ لّ عن صيام الدهر؟ فقال: إن لأهلك عليك حقاً، ثم قال:
الشيخ : ولعل ذلك الاختلاف من اختلاف أنواع الأعمال كما يكون فى عرض
الدفاتر والدواوين . أقول : وقريب منه ما تأول به صاحب " المواهب"
بالعرض العام والعرض الخاص ، وفرق بعضهم بين الرفع وبين العرض ،
وبعضهم بالإجمال والتفصيل ، واختاره الحافظ ابن حجر كما حكاه القارى والله
أعلم بالصواب .
-: باب ما جاء فى صوم الأربعاء والخميس :-
قد صرح فى كتبنا باستحباب صوم يوم الإثنين والخميس الحديث الوارد
فيه ، كما فى " البحر"، ومقتضى كلامهم أن يكون صوم الأربعاء أيضاً مندوباً
حيث قال فى "البحر" فى المندوب: والمندوب صوم ثلاثة أيام من كل شهر ،
ويندب فيها كونها الأيام البيض ، وكل صوم ثبت بالسنة طلبه والوعد عليه
کصوم داود عليه السلام ا مـ. وبالجملة حاصل كلامهم إذا ورد فيه حديث
ولم يكن فيه تشبه بندب ألبتة والله أعلم .
والأربعاء بالمد وكسر الباء ، الباء هو الأشهر فيه ، وحكاه فى " اللسان "
مثلثة الباء ، وهو يذكر ويؤنث ويفرد ويجمع ، راجع " اللسان" من مادة
"ربع"، وهو غير منصرف مع دخول لفظ "كل " عليه ، لكونه ممدوداً ،
وغير المنصرف ينصرف بإضافة كل إليه ما لم يكن ممدوداً .
٤٢٩
أحاديث صوم يوم عرفة فى عرفات
صم رمضان والذى يليه وكل أربعاء وحخميس، فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت)).
وفى الباب عن عائشة. قال أبوعيسى : حديث مسلم القرشى حديث غريب
وروى بعض عن هارون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله عن أبيه .
( باب ما جاء فى فضل الصوم يوم عرفة )
حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبى قالانا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير
عن عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة: أن النبى معَّلَ قال: (( صيام يوم
عرفة إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى بعده والسنة التى قبله)).
وفى الباب عن أبىسعيد . قال أبوعيسى : حديث أبىقتادة حديث حسن ،
وقد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة إلا بعرفة .
( باب ما جاء فى كراهية صوم يوم عرفة بعرفة )
حدثنا أحمد بن منيع نا اسماعيل بن علية نا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس:
والمسألة هذه معنونة بقول ابن الحاجب: وما فيه علمية مؤثرة إذا نكر
صرف الخ . فالممدود والمقصور والجمع ليست العلمية فيها مؤثرة فى منع صرفها.
فلا ينصرف وإن دخل عليه كل، أى وذكر بدخوله، والغرض من إضافة كل
التنكير لا غير .
وقوله: "صمت الدهر" تنزيل له منزلة صوم الدهر، وسيجئ البحث
عنه قريباً بعد عشرة أبواب .
-: باب ما جاء فى فضل الصوم يوم عرفة :-
و
-: باب ما جاء فى كراهية صوم يوم عرفة بعرفة :-
أخرج فى الباب الأول حديث أبى قتادة ، وهو حديث طويل أخرجه
٤٣٠
معارف السنن
ج -٥
سعـ
99 أفطر بعرفة، وأرسلت إليه أم الفضل بلبن فشرب)).
((إن النبى
وفى الباب عن أبى هريرة وابن عمر وأم الفضل . قال أبوعيسى : حديث ابن
عباس حديث حسن صحيح. وقد روى عن ابن عمر قال: ((حججت مع النبي صَلَله
فلم يصمه - يعنى يوم عرفة -، ومع أبى بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه ومع
عثمان فلم يصمه)). والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: يستحبون الإفطار بعرفة
ليتقوى به الرجل على الدعاء ، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة .
حدثنا أحمد بن منيع وعلى بن حجر قالا نا سفيان بن عيينة واسماعيل بن
ابراهيم عن ابن أبى نجيح عن أبيه قال: ((سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة؟
قال: حججت مع النبى معََّلٍ فلم يصمه، ومع أبى بكر فلم يصمه، ومع عمر
فلم يصمه ، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه)) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن ، وأبو نجيح اسمه : يسار ، وقد سمع
من ابن عمر ، وقد روى هذا الحديث أيضاً عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجل
عن ابن عمر .
مسلم بطوله ، واختصره الترمذى . ومعنى "أحتسب": أرجو، غير أنه أبدله
بأحتسب، وعدى بـ "على" الذى للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب،
قاله الطيبى ، حكاه الزرقانى فى " شرح المواهب"، وتكفيره ذنوب متين أى
الماضية والقابلة، ومعنى التكفير فى القابلة الظاهر: أنها إذا وقعت تكفر أو: أنه
يحفظ منها ، وقيدوا الذنوب بالصغائر فيه وفى أمثاله، وإن الكبائر تغفر بالتوبة
أو بالرحمة الإلهية، وإذا لم تكن للصائم صغائر يرجى التخفيف من الكبائر ،
فإن لم يكن رفعت درجات ، قاله النووى .
والحديث حجة فى مندوبية صوم عرفة، وهو مندوب عندنا ولو لحاج
٤٣١
حديث الترغيب فى صوم عاشوراء
( باب ما جاء فى الحث على صوم يوم عاشوراء )
حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبی قالا نا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير
لا يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل بالدعوات ، فلو أضعفه كره، كما
فى "شرح الدر المختار" عن "المحيط"، وروى ذلك عن قتادة، ونقله البيهقى
عن الشافعى فى القديم ، واختاره الخطابى والمتولى من الشافعية . وقال الجمهور:
يستحب فطره للحاج ، واحتجوا بحديث ابن عباس فى الباب وغيره من
الأحاديث ، وعن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة : أنهم كانوا يصومونه ،
وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان، وروى عن يحى بن سعيد الأنصارى
أنه قال : يجب فطر يوم عرفة الحاج، كما فى "الفتح" و "العمدة".
قلبيه : هذان البابان لم يتعرض إليها فى " العرف الشذى".
-: باب ما جاء فى الحث على صوم يوم عاشوراء :-
أورد فيه حديث أبى قعادة، وهى قطعة من حديث أبي قتادة فى الباب الذى
قبله ، ودل الحديث على أن فضل صوم عرفة ضعف فضل صوم عاشوراء ،
وخاضوا فى وجهه بأن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام وعرفة إلى
إلى النبي ◌َّلهم، فكان يوم عرفة أفضل، كما فى " الفتح" ( ٤ - ٢١٦).
والظاهر أن الفرق للفرق بين فضل اليومين ، وعدم التعليل فى مثله أولى وأسلم
والله أعلم.
ثم إن لفظ: "عاشوراء" بالمد على وزن "فاعولاء". قال أبو منصور
الجواليقى اللغوى: إنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء وساروراء ودالولاء
من الضاد والسار والدال ، وزاد ابن دحية خابوراء اسم موضع ، وحكى فيه
٣٨
٤٣٢
معارف السنن
ج -٥
عن عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة: أن النبي ◌َّ له قال: (( صيام يوم
عاشوراء إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله)).
وفى الباب عن على ومحمد بن صيفى وسلمة بن الأكوع وهند بن أسماء
القصر . وزعم ابن دريد فى "الجمهرة": أنه اسم إسلامى، وأنه لا يعرف
فى الجاهلية ، وتعقب بأن أهل الجاهلية كانوا يصومونه ، كما فى حديث عائشة ،
ولا يعرف عندهم إلا بهذا الإسم ، هذا ملخص ما فى " العمدة" و"الفتح".
ثم إنهم أجمعوا على استحباب صوم عاشوراء الآن ، وإنما الخلاف فى أنه
هل كان صومه قبل رمضان فرضاً - وبه قال أبو حنيفة - ؟ أو سنة وليس بفرض؟
- وإليه ذهب الشافعى فى أشهر الوجهين عند أصحابه - كما فى العمدة وغيرها،
وعاشوراء صفة الليل لا النهار . قال القرطبى: عاشوراء معدول عن عاشرة
للمبالغة والتعظيم ، وهو فى الأصل صفة الليلة العاشرة ، لأنه مأخوذ من العشر
الذى هو اسم للعقد ، واليوم مضاف إليها ، فإذا قيل : يوم عاشوراء فكأنه
قيل : يوم اليلة العاشرة ، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية ،
فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار علماً على اليوم العاشراه . وهذا هو
مقتضى الإشتقاق والتسمية ، وعليه الأكثر ، وقيل : هو اليوم التاسع ، فعلى
الأول فاليوم مضاف الليلة الماضية ، وعلى الثانى الآتية ، كما فى " الفتح".
والحاصل أن كون عاشوراء هو اليوم العاشر هو مذهب جمهور الصحابة والتابعين
ومن بعدهم، كما ذكره النووى وغيره، واليوم يكون تابعاً لليلة الماضية فى الأحكام
الشرعية إلا فى أيام الرمى والنحر فى المناسك فى اعتكاف "البحر" عن "المحيط" ،
والليالى كلها تابعة للأيام المستقبلة لا للأيام الماضية إلا فى الحج فإنها فى حكم الأيام
الماضية، فليلة عرفة تابعة ليوم التروية، وليلة النحر تابعة ليوم عرفة اهـ . ونسب.
٤٣٣
تحقيق أن عاشوراء هو العاشر من المحرم
وابن عباس والربيع بنت معوذ بن عفراء وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعى عن عمه
وعبد الله بن الزبير ((ذكروا عن النبى فَ (ج أنه حث على صيام يوم عاشوراء)).
إلى ابن عباس أنه اليوم التاسع ، ثم تأولوا فيما نسب إليه بأنه مأخوذ من أظاء
الإبل ، فإن العرب تسمى اليوم الخامس من أيام الورد: ربعاً، وكذا باقى الأيام
على هذه النسبة ، فيكون التاسع عاشراً اهـ. حكاه النووى فى "شرح مسلم
«
(١ - ٣٥٩) واستبعده. وأظماء الإبل: الغب والثنى والثلث والربع والخمس
وهكذا .
قال الشيخ: لا حاجة إلى هذه التأويلات فإن ابن عباس رضى الله عنهما
يريد أنه يضم التاسع مع العاشر فى الصيام لا أن التاسع عاشوراء ، وبمثله أجاب
النووى ، وإليه جنح الحافظ فى " الفتح" وجزم به البدر العينى فى " العمدة"،
واختاره القاضى عياض قبلهم احتمالاً ، وكذا ابن المنير. أنظر " العمدة"
(٥ - ٣٤٧) و "الفتح" (٤ - ٢١٢). قال الشيخ: وروى ذلك عنه
مرفوعاً وموقوفاً، أما المرفوع فهو ما رواه الطحاوى فى "شرح معاني الآثار"
(١ - ٣٣٨) من حديث ابن عباس فى صوم عاشوراء: ((صوموه وصوموا
قبله یو ماً أو بعده يوماً ، ولا تتشبهوا باليهود )» . أقول : ورواه أحمد فى
" مسنده " کما فى " الفتح" وسکت علیه ، قلت: ويؤيده حديث ابن عباس
عند مسلم أن النبي ◌ِّ قال: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع))، فمات
قبل ذلك . قال النووى: وهذا تصريح بأن الذى بصومه ليس هو التاسع، فتعين
كونه العاشر . قال الحافظ : ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل أنه لا يقتصر
عليه بل يضيفه إلى العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفةً اليهود والنصارى ، وهو
الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم، وذكر فى "التلخيص" (ص - ١٩٩):
:
أن فى صوم التاسع المعنيين منقولان عن ابن عباس الخ . يربد الإحتياط لثلا
٤٣٤
معارف السنن
ج -ه
قال أبو عيسى: لا نعلم فى شئ من الروايات أنه قال: ((صيام يوم عاشوراء
كفارة سنة)) إلا فى حديث أبى قتادة ، وبحديث أبي قتادة يقول أحمد واسحاق .
بقوته، والخروج عن التشبه ، وفى سند الطحاوى محمد بن عبد الرحمن بن
أبى ليلى، قال فى "التقريب": صدوق سئ الحفظ. قلت: له شاهد من حديث
مسلم عن ابن عباس كما تقدم آنفاً . وأما الموقوف عنه: ((خالفوا اليهود وصوموا
يوم التاسع والعاشر )) فإسناده قوى حيث رواه من طريق ابن مرزوق عن
روح عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول الخ ، فإبن مرزوق هو
نصر أو ابراهيم، وكلاهما شيخ الطحاوى ثقة ، أنظر رجال الطحاوى . وروح
هو: ابن عبادة، فإنه الذى يروى عن ابن جريج ، فهو من رجال الستة
ورواه الشافعى كما في "التلخيص الحبير" والبيهقى فى "سننه"، ولم يقف عليه
صاحب "التحفة" وفى كتاب " شرح الآثار" للطحاوى أيضاً روايات عن ابن
عياس موهمة إلى ما ينسب إلى ابن عباس .
وحاصل الشريعة: أن الأفضل صوم عاشوراء وصوم يوم قبله وصوم يوم
بعده ، ثم الأدون منه : صوم عاشوراء وصوم يوم قبله أو صوم يوم بعده ،
ثم الأدون منه صوم عاشوراء منفرداً، والصور الثلاث كلها عبادات بعضها
فوق بعض . قالٍ صاحب " المواهب": فراتب صومه ثلاثة ، أدناها أن يصام
وحده ، وأكملها أن يصام يوماً قبله ويوماً بعده ، ويلى ذلك أن بصام التاسع
والعاشر؛ وعليه أكثر الأحاديث اهـ. ومثله فى "الفتح" (٤ - ٢١٣ )
و "الهدى" لإبن القيم. قال الشيخ: وأما ما ذكر فى " الدر المختار" من كراهة
صوم عاشوراء منفرداً فيتأول فيه بأنها عبادة مفضولة من القسمين ، ولا يمكن
أن يحكم بكراهته، فإنه ثمَّ لم صامه مدة عمره منفرداً، وتمنى لو عاش إلى قابل
صامه معه التاسع . أقول: ذكره فى أوائل كتاب الصوم ، فقال: والمكروه
٤٣٥
حديث ترك صوم يوم عاشوراء عند افتراض رمضان
(باب ما جاء فى الرخصة فى ترك صوم يوم عاشوراء )
حدثنا هارون بن اسحاق الهمدانى نا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة قالت: ((كان عاشوراء يوم تصومه قريش فى الجاهلية ، وكان
تحريماً كالعيدين كعاشوراء وحده وسبت وحده الخ. قال فى "العمدة" (٥ -
٣٤٦): وفى " المحيط": وكره إفراد يوم عاشوراء بالصوم لأجل التشبه باليهود.
وفى " البدائع": وكره بعضهم إفراده بالصوم ولم يكرهه عامتهم ؛ لأنه من الأيام
الفاضلة ١ مـ. قال الشيخ: وكذلك يأول فى كلام صاحب "ملتقى الأبحر" حيث
ذكر أن الترجيع مكروه فى الأذان .
أقول: وقول الملتقى حكاه "الدر المختار" أيضاً، ومثله فى "القهستانى"،
وقال فى "النهر": ويظهر أنه خلاف الأولى . حكاه ابن عابدين، وتقدم بيانه
فى محله شافياً فلا نعيده ، وكذا تقدم قول صاحب " البحر "، وقول صاحب
" النهر" يقاربه. وقد صرح صاحب " البحر" بأن الترجيع ليس بسنة
ولا مكروه ، وكذلك بأول فى قول النووى بأن نهى عمر وعثمان عن القران
والتمتع يحمل على الكراهة تنزيهاً، ويأتى البيان فيه فى محله إن شاء الله تعالى.
وبالجملة يتأول فى إطلاق القول بالكراهة بأنها عبادات مفضولة .
-: باب ما جاء فى الرخصة فى ترك صوم يوم عاشوراء :-
قال الإمام الطحاوى فى " شرح معاني الآثار" فى ( باب صوم عاشوراء):
إن صوم عاشوراء كان فرضاً فى بدء الإسلام ثم نسخت فرضيته وبقى استحبابه ،
٤٣٦
معارف السنن
ج -۵
رسول اللّه عَ ل يصومه، فلم قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما افترض
رمضان. كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن
شاء تركه))
وفى الباب على ابن مسعود وقيس بن سعد وجابر بن سمرة وابن عمر
ومعاوية . قال أبوعيسى: والعمل على هذا عند أهل العلم على حديث عائشة ،
وهو حديث صحيح، لا يرون صيام يوم عاشوراء واجباً إلا من رغب فى صيامه،
لما ذكر فيه من الفضل
واحتج فى ذلك بروايات . قال الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٤ - ٢١٤):
ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه ، ثم تأكيد
الأمر بذلك ، ثم زيادة التاكيد بالنداء العالم، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ،
ثم زيادته بالأمر: الأمهات أن لا يرضعن الأطفال . ويقول ابن مسعود: الثابت
فى مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم أنه ما ترك استحبابه بل هو
باق ، فدل على أن المتروك وجوبه آهـ. وانظر " شرح المواهب" لتفصيله
(٨ - ١٢٠). وقد أخرج البدر العينى عشرين حديثاً يدل على كونه فرضاً،
راجع " العمدة" (٥ - ٣٤٩ و٣٥٠). وقد ذهب بعض الشافعية أيضاً إلى
وجوبه کما ذکره النووی فی " شرح مسلم" (١ - ٣٥٨)، ویفید ذلك فی
مسألة التبيت كما تقدم قريباً أن ثمرة الخلاف تظهر فى مسألة النبييت ، أى
اشتراط فية الصوم الواجب من الليل ، فأبوحنيفة لا يشترطها ويقول : كان
الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، وأصحاب الشافعى
يقولون: كان مستحباً، ولذا صح نية من النهار .
٤٣٧
حديث صوم عاشوراء وهو اليوم العاشر
( باب ما جاء فى عاشوراء أى يوم هو؟)
حدثنا هناد وأبوكريب قالا نا وكيع عن حاجب بن عمر عن الحكم بن
الأعرج قال : انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فى زمزم فقلت: أخبر نى
عن يوم عاشوراء أى يوم أصومه؟ فقال: ((إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ثم
أصبح من يوم التاسع صائماً ، قال : قلت : أهكذا كان يصومه محمد
؟
ـعلايت
قال: نعم)).
حدثنا قتيبة نا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال
(((أمر رسول الله مح الجل بصوم عاشوراء يوم العاشر))
-: باب ما جاء فى عاشوراء أى يوم هو؟ :-
حديث الباب أصبح منشأ لوهم الناس فيما نسبوه إلى ابن عباس .
قوله: نعم. معناه أنه عَ ل تمناه وأراده من قابل لا أنه صامه حقيقة.
قال الشيخ: اعلم أن فى حديث الباب إشكالاً أورده بعض رجال العصر من
أهل " گلرگه" من مضافات حيدرآباد من جنوب الهند ، وملخص ما قاله :
أن عاشوراء كان اليهود يصومونه حيث نجا فيه موسى عليه الصلاة والسلام
وبنواسرائيل من فرعون وجنوده، فكان فضله نظراً إلى شريعة موسى عليه السلام
وكان اليهود يحسبون بالشهور الشمسية ، فكيف انتقل عاشوراؤهم إلى عاشر
المحرم بالشهور القمرية؟ وأيضاً كان قدومه عجّ ل المدينة فى الربيع الأول، فكيف
وجدهم صاموا عاشوراء عند مقدمه؟ قال الشيخ : والجواب عن ذلك : أن
اليهود كانوا يحسبون بالشهور الشمسية والقمرية جميعاً ، فكان بعضهم جعلوا
عاشوراء عاشر تشرين الأول بالشهور الشمسية ، فلعله صادف قدومه فى الربيع
٤٣٨
معارف السنن
ج -٥
قال أبو عيسى : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح . وقد اختلف أهل
العلم فى يوم عاشوراء، فقال بعضهم: يوم التاسع، وقال بعضهم يوم العاشر.
الأول يوم عاشورائهم فى تشرين الأول، ثم أمر محّ له بصيامه فى عاشر المحرم
فى السنة المقبلة عملاً بأصل وضعه وحقيقته دون ما أحدثوا فى تاريخه من التغيير
بتحويل القمرى إلى الشمسى .
أقول : وقد تصدى إلى أصل الأشكال وجوابه ابن القيم فى " الهدى"،
والحافظ فى "الفتح" (٤ - ٢١٤)، والبدر العينى فى "العمدة" (٥ - ٣٥٢)
قريباً مما أفاده الشيخ ههنا من التحقيق فراجعها ، وراجع ما تقدم فى صلاة
الكسوف مما يتعلق بهذا الصدد، خصوصاً ما تقدم من تفصيل الكبيسة من "دائرة
البستانى" وغيرها فلا نعيده. قال الشيخ: ويدل عليه حديث فى "معجم الطبرانى"
أنه ليس يوم عاشوراء باليوم الذى يقوله الناس ، إنما كان تستر فيه الكعبة وكان
يدور فى السنة و كانوا يأتون فلاناً اليهودی لیحسب لهم، فلما مات أتوا زيد بن
ثابت فسألوه. قال الراقم: أخرجه الحافظ فى "الفتح" (٤ - ٢١٥ ) قال :
وسنده حسن. قال: وقال شيخنا الهيثمى فى "زوائد المسانيد": لا أدرى ما معنى
هذا ؟ قلت: ظفرت بمعناه فى كتاب "الآثار القديمة" لأبى ريحان البيرونى ،
فذكر ما حاصله : إن جهلة اليهود يعتمدون فى صيامهم وأعيادهم حساب
النجوم ، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية ... فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف
الحساب ليعتمدوا عليه فى ذلك اهـ. فتلخص فى الأبواب أن عاشوراء عاشر
المحرم، وهو مذهب جمهرة الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وما نسب إلى ابن
عباس من القول بالتاسع فمنشؤه روايته عند مسلم والترمذى، وهذا ليس بصحيح.
فإنه مؤول بصومه مع العاشر ، لا أنه عاشوراء جمعاً بين كل ما روى عن حبر
الأمة وبحرها موقوفاً ومرفوعاً. واشتقاق العاشوراء من العشر، وعليه أئمة اللغة ،
٤٣٩
تحقيق أن عاشوراء هو عاشر المحرم لا غير
وروى عن ابن عباس أنه قال: ((صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود)».
وبهذا الحديث يقول الشافعى وأحمد واسماق .
وتأويل التاسع بعاشوراء حملاً على أظاء الإبل بعيد غاية البعد، وقدومه عَّ الّ
وَسَاء
المدينة كان فى الربيع الأول ثانى عشر منه أو ثمانية ، وأمره بالصيام لم يكن
متصلاً بيوم قدومه بل فى العام القابل فى المحرم ، فيكون فى الكلام حذف
وتقدير ، ويحتمل أن يكون متصلاً لتبديلهم الشهور الهلالية بالشمسية ، فكان
الحسابان رائجين عندهم ، بل منهم تعلم العرب عمل الكبيسة ، فلعل اتفق تاريخ
القدوم بتاريخ عاشر المحرم بالحساب الشمسى، وهو عاشر تشرين الأول لا عاشر
المحرم فى الواقع . ثم إن عمل النسيئ عندهم بناءً على عمل الكبيسة بحساب
منضبط على ما أشار إليه المفسرون والمؤرخون .
وبالجملة اتفق الأمة سلفاً وخلفاً على صيام عاشوراء عاشر المحرم ، وأنه
مستحب، والأولى ضم يوم قبله ويوم بعده ، وعلى الأقل ضم يوم قبله أو بعده
خروجاً من تشبه اليهود ، ومن أراد استيفاء أطراف البحث فليرجع إلى "هدى
ابن القيم" و "عمدة العينى" و "فتح الحافظ" و" شرح الزرقانى على المواهب"،
وفيما لخصناه كفاية، والله ولى التوفيق والهداية .
قال الشيخ : ويدل على أن الحسابين كانا فى العرب أيضاً قوله تعالى :
( إنما التسيّى زيادة فى الكفر) على ما ذكر الزمخشرى فى تفسيره من الكبيسة
وتحويل الحساب القمرى إلى الشمسى ، والسنة القمرية ثلاث مائة وأربعة
وخمسون يوماً، والشمسية ثلاث مائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم ، وفى
ثلاث سنين تزيد الشمسية على القمرية بشهر، فما نقل عن العرب قولهم: "نجعل
الصفر محرماً " بناءً على أن بالكبيسة تصير القمرية ثلاثة عشر شهراً بعد ثلاث
٤٤٠
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى صيام العشر )
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة
قالت: ((ما رأيت النبيِ حَّ ﴾ صائماً فى العشر قط)).
قال أبوعيسى: هكذا روى غير واحد عن الأعمش عن ابراهيم عن
الأسود عن عائشة . وروى الثورى وغيره هذا الحديث عن منصور عن ابراهيم:
سنوات ، وكانوا لا يقاتلون فى المحرم لكونه من الأشهر الحرم فيؤخرونه إلى
صفر، وهذا هو النسينى عندهم لا أنهم يجعلون المحرم صفراً من غير قاعدة
خاصة ، والله أعلم .
-: باب ما جاء فى صيام العشر :-
أراد بالعشر عشر ذى الحجة ، وسبق ما يتعلق بفضلها ، وإن الأيام
تدخل فى الليالى . ثم المراد بها : الأيام التسعة من أول ذى الحجة ، لأن العاشر
العيد وصومه حرام ، قاله الزرقانى وغيره . والحديث أخرجه مسلم وأبو داود
من طريق الأعمش موصولاً مسنداً .
قوله : ما رأيت الخ . قالوا فى تأويله أن عائشة رضى الله عنها نفت رؤيتها
ولم ترَه ◌َ لل صائماً فيها لكون صيامه مح له﴾ فى نوبة غيرها من أمهات المؤمنين،
هكذا جعله فى "المواهب" جوابين مستقلين، ورجح الأول. أنظر " شرح
المواهب" (٨ - ١٢٨ و١٢٩). وبالجملة هذا التأويل لابد منه وإلا فقد
صح صومه حّ فيها، كما فى حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض
أزواج النبي ◌ٍَّ قالت: ((كان رسول اللّه عَ ظلا يصوم تسع ذى الحجة ويوم
عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس والإثنين من