Indexed OCR Text

Pages 41-60

بيان الكيفية فى صلاة الخوف عند الحنفية
الصفة المذكورة فى " المبسوط" و"البدائع" و"الهداية" وسائر الكتب
المتداولة متوناً وشروحاً : أن يجعل الإمام القوم طائفتين: طائفة بإزاء العدو ،
وطائفة يصلى بهم ركعة أو ركعتين على اختلاف الأحوال والصلوات ، فتنصرف
هذه إلى وجه العدو . ثم تأتى أخرى فيصلى بهم البقية ، فإذا فرغ الإمام رجعوا
إلى مكان الحراسة وجاءت الأولى وقضت بقية صلاتهم مثل اللاحق ، ثم جاءت
أخراهم وأدت البقية كلسبوق . ولم أقف فى شروح كتب الفقه صراحةً على
صفة أخرى ، نعم ذكر العينى فى "البناية" استدلال السروجى لمذهب أبى حنيفة
بحديث ابن عمر ، ثم فسره بحديث ابن مسعود وحمله عليه ، وذكر أيضاً فى
"العمدة" أن حديث ابن عمر احتج به أبو حنيفة، وذكر أنه ذهب إليه الأوزاعى
وأشهب، وكذا غير أهل المذهب يذكرونه فى أدلة أبى حنيفة ، كلين رشد وابن
قدامة والنووى وغيرهم ، وحديث ابن عمر عندهم محمول فى قضاء الطائفتين
الركعة الثانية على حديث ابن مسعود عند أبى داؤد . فإذن يمكن أن نجعله قولاً"
فى المذهب وصفة مستقلة. ثم رأيت ذكر هذه الصفة فى " الإختيار شرح
المختار" صراحةً، وحديث ابن عمر، قوَّى الاحتجاج به أبو عمر ابن عبد البر ،
كما فى "قواعد ابن رشد" بأنه ورد بنقل الأئمة من أهل المدينة، وهم الحجة
فى النقل، وبأنه أشبه بالأصول فى سنة القضاء ، واختاره البخارى فلم يخرج
فى بابه غيره ، وإنما أخرج حديث فى المغازى فى سياق آخر ، وهو أوضح
دليل على ذلك على ما عرف من دأبه ، واحتج للصفة المشهورة عندنا - كما قال
الشيخ- بأثر ابن عباس، وأخرجه أبو يوسف فى " الآثار" كما أخرجه محمد من
طريق أبى حنيفة عن الحارث ، وهو أبوهند الحارث بن عبد الرحمن الكوفى من
رجال البخارى فى "التاريخ"، ومن رجال " النسائى» فى جزء على ، وهو
( م - ٦)

٤٢
معارف السنن
ج - ٥
من شيوخ الإمام أبى حذيفة كما فى كنى " التهذيب"، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقد خفى على المباركفورى فى "تحفته" مع تصحيف "ابن عبد الرحمن"
عنده "بعن عبد الرحمن"، فأظلم عليه الإسناد والاستناد، وفيه أثر ابراهيم النخعى،
رواه أبو حنيفة عن حماد عنه ، فأثر ابن عباس وأثر عبد الرحمن وأثر إبراهيم كل
ذلك مما لا مجال فيه الرأى ، فكان كالمرفوع ، وهو أوفق بالمعهود فى الشرع
بأن لا يركع ولا يسجد المؤتم قبل إمامه ، وأن لا ينقلب موضوع الإمامة بأن
ينتظر الإمام المأموم كما يقوله ابن الحمام: "وإنما جعل الإمام ليؤتم به"، فهو
متبوع لا تابع
قم ههنا بحث وتحقيق، وهو: أن حديث ابن عمر المخرج فى السنة وغيرهم
احتج به الإمام محمد فى "مؤطئه" لمذهبه ، وتبعه مشائخنا كالسرخسى والسروجى
والكاسانى والمرغينانى والعينى وغيرهم . واحتجوا كذلك بحديث ابن مسعود ،
وبينهما فرق ، وهو أن حديث ابن مسعود الخ ح عند أبىداؤد وعبد الرزاق
والطحاوى والدارقطنى والبيهقى فى غير " الكبرى" نص فى فراغ الثانية قبل
الأولى ، وحديث ابن عمر ليس بنص فيه بل يحتمل هذا كما يحتمل غيره على
السواء ، وهذا هو الفرق لا ما ذكره القرطبى شارح " مسلم"، على ما حكاه
الزيلعى فى " نصب الرأية" والعينى فى " البناية" بأن فى حديث ابن عمر قضاء
الطائفتين فى حالة واحدة ، ويبقى الإمام كالحارس وحده ، وفى حديث ابن
مسعود كان متفرقاً على صيغة صلاتهم . وجعل الحافظ فى " الفتح" حديث ابن
عمر مجمولاً على حديث ابن مسعود، وجعل حديث ابن مسعود مفسراً له لكيلا
يبفى بيد الحنفية مسكة، وقد صرح بعدم ذكر صفة الحنفية بما نصه: "ولم نقف
على شئ من الطرق بهذه الكيفية" .
قال الراقم - وبالله التوفيق - : فيه نظر من وجوه :

٤٣
تحقيق حديث ابن عمر وابن مسعود على خلاف رأى الحافظ
أما أولاً: فإن حمل حديث ابن عمر على حديث ابن مسعود يكاد يكون
تحكماً حيث لم يقم عليه دليل ، والأحاديث فى وقائع مختلفة ، فلا يستقيم تفسير
حديث بحديث ما لم يتبين كونها فى واقعة واحدة ، والحافظ نفسه يقول فى
لفظ حديث ابن عمر: ((فقام كل واحد منهم فركع لنفسه))، وظاهره أنهم
أتموا لأنفسهم فى حالة واحدة ، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب ، وهو الراجح
من حيث المعنى ؛ وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام واحده
١هـ. فيقول الراقم: إنه كما يحتمل التعاقب يحتمل الترتيب أيضاً، وهو الراجح
من حيث التفقه ، فمن ذا الذى يحجر هذا الاحتمال السائغ ؟
وأما ثانياً: فهو أنه: إن كان هو يجعل حديث ابن مسعود مفسراً لحديث
ابن عمر فلنا أن نجعل أثر ابن عباس وفعل عبد الرحمن بن سمرة وأثر النخعى كل
ذلك مفسراً لحديث ابن عمر فى قضاء الطائفة الثانية الركعة الباقية بعد الأولى ،
وتعديل كل فريق على السوية فى الإياب والذهاب والحراسة واتباع الإمام وضعاً
وترتيباً ووظيفة .
وبالجملة الفرق بین سیاق حديث ابن عمر وبین سیاق حديث عبد الله بن
مسعود هو الطريقة المثلى ، فقول ابن الهمام فى "الفتح": إن كلاً من الحديثين
يدل على بعض المطلوب ، وهو مشى الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية فى
مكانها من خلف الإمام الخ ليس بجيد ، فإنه يصدق على حديث ابن مسعود
دون حديث ابن عمر ، فإن إتمام الثانية فى مكانها أول مرة إنما هو فى حديث
ابن مسعود لاحديث ابن عمر، نعم قوله بعض المطلوب صحيح، فإن إتمام المطلوب
رجوع الثانية مثل الأولى قبل الفراغ ، ولم يصب من نظر فى هذا التعبير .
وأما ثالثاً: فإن حديث ابن مسعود یرویه خصیف على وجهین. الأول: كما

٤٤
معارف السنن
ج - ٥
هو عند أبى داؤد والطحاوى والدارقطنى وغيرهم من إتمام الثانية قبل الأولى .
والثانى: ما نبه عليه الحافظ أبوبكر الرازى فى " أحكامه" ، وذکره مفصلً ،
وفيه إتمام الطائفتين على التعاقب والترتيب. وما ذكره السيوطى فى "الدر المنثور"
(٢ - ٢١٣) من لفظه عن ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وغيرهما يكاد يلائم ما
ذكره الجصاص ، وجملة من روى هذا الحديث هو أحمد فى " مسنده"،
وعبد الرزاق فى " مصنفه" ، وابن أبى شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبوداؤد ،
والطحاوى ، وابن جرير فى "تفسيره"، والدارقطنى فى "سننه"، والبيهقى.
ورواية عبد الرزاق فى " الكنز"، ورواية عبد بن حميد وابن أبي شيبة فى "الدر
المنثور"، ورواية البيهقى ذكره العينى فى "العمدة"؛ ومدار الكل على خصيف ،
والذين رووا عنه هو الثورى ، وشريك ، ومحمد بن فضيل ، وعبد الواحد بن
زباد . ورواية ابن فضیل عند أحمد وأبىدائد ، ورواية شريك عند أبىدائد
وابن جرير، ورواية الثورى عند الطحاوى، ورواية عبدالواحد عند ابن جرير.
وبالجملة الرازى الجصاص إمام ثقة حافظ متثبت فى النقل يذكر الوجهين،
غير أنه لم يذكر من ذلك الوجه عن خصيف كما ذكر الوجه الثانى عن ابن فضيل
عن خصيف ، ويؤيده أن الإمام الرازى فى تفسيره "الكبير" يذكر الصفة
المختارة عند الحنفية، ثم يقول: وهو قول ابن مسعود ومذهب أبى حنيفة اهـ .
وهو وإن كان غير حجة فى الحديث كالمحدثين فلابد أنه اطلع على مذهب ابن
مسعود أو روايته فى كتاب، والآلوسى فى تفسيره أيضاً بذكر حديث ابن مسعود
بالطريق الذى يوافق الصفة المشهورة عند الحنفية ، وهو متنبه متيقظ واسع
الاطلاع فى الحديث .
فالحاصل أن الجصاص رجح الوجه الموافق لأصل المذهب لموافقته الأصول،
فإن كان الحافظ ابن حجر أن يرجح وجهاً فلنا أن نرجح وجهاً آخر ، وحسن

٤٥
بحث الفرق بين سياقى حديث ابن عمر وابن مسعود
الظن بالحافظ أنه لم يقف على ذلك الوجه الآخر وإلا أشار إليه على الأقل ،
أو ضعفه إن كان هناك مجال للتضعيف . علا أن الحديث بكل وجه حجة عليهم
فإنهم لا يقولون به، فحق الترجيح الذين يقولون به ، ولابد ، ومن ههنا اتضح
أن ما يستدل به السرخسى والكاسانى والمرغينانى وغيرهم بحديث ابن مسعود ،
فإنما يستقيم ذلك بالنظر إلى هذا السياق الذى ذكره الجصاص دون السياق الذى
فى عامة الأصول . واتضح كذلك أن حديث ابن عمر بالإجمال وحديث عبد الله
ابن مسعود بالتفصيل كلاهما حجة الحنفية، وكل منهما إذن منئ بالصفة الواحدة،
فيلغو الفرق بين الحديثين باختلاف الصفتين ، فلامساغ إذن فى أصل المذهب
إلا لصفة واحدة ذكرها أصحاب المتون والشروح وإن كان الكل سائغاً توسعة ،
ولكون الخلاف خلاف إباحة واختيار ، فلعل من ذهب إلى أن حديث ابن عمر
مع إرجاعه إلى حديث ابن مسعود بالسياق المشهور حجة للحنفية غير صحيح ، بل
هى صفة أخرى ذهب إليها الأوزاعى وأشهب .
وملخص الفرق بين المذاهب الثلاثة ومذهب الإمام أبى حنيفة هو : إياب
الطائفة الأولى للحراسة قبل الفراغ عنده ، وبعده عندهم . وملخص الفرق بين
وجهى حديث ابن مسعود: إياب الثانية قبل الفراغ عند أبى حنيفة وأصحابه، وبعده
عند الأوزاعى وأشهب ، وهو اختيار ابن عبد البر ، فخذه محرراً ولا تنسنا
من دعائك .
ثم إن أثر ابراهيم النخعى رواه ابن جرير فى "تفسيره" عن سفيان عن
حماد عنه ، وكذا رواه عن سفيان عن المنصور عن عمر بن الخطاب . أنظر
" تفسير ابن جرير" (٥ - ١٦٣ الميرية). فكان ذلك مذهب الفاروق وأثره
الموقوف ، وهو فوق كل حجة أخرى ، وهو الفارق بين كل نزاع ، وإليه
ذهب سفيان الثورى فى أحد القولين . فتلخص أن ما ذهب إليه أبو حنيفة

٠ ٤٦
معارف السنن
ج - ٥
وأصحابه هو مذهب الثورى - فى قول - وحماد بن أبى سليمان، وابراهيم
النخعى، وابن عمر ، وابن مسعود ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن سمرة
وابن عباس . والحجة فى ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود وأثر الفاروق
وأثر حبر الأمة ابن عباس وأثر عبد الرحمن بن سمرة وأثر ابراهيم النخعى، والله
ولى التوفيق والهداية . ثم إن منصوراً عن عمر وإن كان فيه إرسال ينبغى أن
يكون حجة حيث لم يعارضه شئ يخالف النقل عن عمر .
والصفة التى اختارها مالك والشافعى ما روى فى حديث سهل بن أبى خثمةٍ،
وفيها تفرغ الطائفة الأولى من صلاتهم قبل الإمام بعد ما صلى بهم ركعة ، ثم
تأتى الأخرى فتصلى بهم البقية ، غير أن المشهور من مذهب مالك كما فى "بداية
ابن رشد" و "مغنى ابن قدامة" و"مجموع النووى": أن الإمام يسلم بنفسه
ولا ينتظرهم ، وفى "أحكام الجصاص": أنه رجع عنه ، وكذا ابن عبد البر،
كما فى " شرح الزرقانى على المؤطأ". وأما مذهب الشافعى فعنده ينتظرهم
ويسلم بهم قولاً واحداً ، وإليه ذهب أحمد كما فى " المغنى"، وذكر فى
"المدونة " مذهب مالك كذلك. ومنشأ اختلافهم حديث سهل وقفاً ورفعاً فى
ذلك ، فالموقوف كما قاله مالك آخراً، والمرفوع كما قاله الشافعى وأحمد، والقول
الأول لمالك ، ورجح الشافعى المرفوع لكونه مرفوعاً مسنداً ، ومالك رجح
الموقوف لأنه أشبه بالأصول ، فإن الإمام متبوع لا تابع ، كما فى " قواعد ابن
رشد". وفى حديث سهل اضطراب آخر ستقف عليه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
والصفة المختارة وإن كان فيها ما ينافى موضوع الصلاة قليلاً غیر أنه لا ینافی کل
المنافاة موضوع الإمامة بفراغ الأولى قبل الإمام. ثم إن كل فريق من الحنفية والشافعية
يدعون أن القرآن يوافقنا ، والمفسرون من الفريقين بأولون الآية على ما يوافق
مذهبهم . أنظر " أحكام القرآن" لأبى بكر الرازى من تأويل الجنفية ، و"التفسير

٤٧
تحقيق أن التنزيل يحتمل كلتا الصفتين
الكبير" الرازى من تأويل الشافعية، ومن بعدهما من تفاسير الفريقين . وذكر
الشيخ السيد محمود الآلوسى فى تفسيره "روح المعانى" احتمال الآية كل من
الصفتين .
وملخصه: أن قوله: ((فإذا سجدوا فليكونوا من وراءكم)) يتبادر منه صفة
الحنفية، وقوله: ((لم يصلوا فليصلوا معك)) المتبادر منه قول الشافعية حيث
يؤمى إلى أن الطائفة أنموا صلاتهم بل ذكر احتمال صفة ثالثة من أن يصلى
الإمام بكل طائفة صلاة مستقلة . أنظر "الروح" (٥ - ١٣٦ طبع المنيرية) .
وقال الشيخ رحمه الله: واعلم أن قوله تعالى: ( فإذا سجدوا ) بعد قوله :
( فلتقم طائفة منهم معك ) أى للصلاة ، لا ينبغى أن يكون بمعنى: "فصلوا"،
لأنه إذا ذكر القيام لها فالمتبادر أنه أراد بالسجود هذا الجزء منها نسقاً ، وإنما
أراد تجزئة ، ولو قال : فإذا صلوا ، أو: فإذا قضوا ، لأوهم تكرار الصلاة
والإعادة ، ولو قال: فليسجدوا لأوهم الابتداء من هناك ، وإنه ابتداء لافراغ،
وأيضاً أدرج فى قوله: ( فيصلوا ) القيام والسجود المذكور سابقاً، وأيضاً قد
يفيد الإشارة إلى الإتمام لا الاقتصار على ركعة ، والسجود ههنا بعد القيام
لا كقوله: (اسجدو واركعوا) اهـ. وقال أيضاً: وقوله تعالى: ( فلتقم طائفة
منهم معك ) أى للصلاة . فإذا سجدوا على مختار الشافعية أنه عبر عن الصلاة
بالسجود وهو عرف القرآن يعبر عنها بالركوع والسجود والقيام والقعود فأحوال
الرجل ، فمتى أريد بالقيام القيام للصلاة نبه عليه بالسياق ، وعلى مختارنا فإذا
سجدوا اى انتهوا من الصلاة إلى السجدة نسقاً فى السياق تقسيماً للركعات بينهم،
ولو قال: ((صلوا))، لأوهم تكرار الصلاة، ولفات التجزئة المقصودة. ثم قال:
( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) لأنه لو قال: (فليسجدوا معك)
لأوهم أنها السجدة المذكورة من قبل، ولإختلَّ المراد ، وتبادر أنه لهم من

٤٨
معارف السنن
ج - ٥
هناك ، وإنهم يبتدؤون بها ، بخلاف فإذا سجدوا فإنه للفراغ ام كلام الشيخ .
وهو كلام متين بين بلاغة القرآن فى كل لفظة بأنها كانت أحق بها ، وكشف
بأن القرآن يلائم مذهب كل فريق من الحنفية والشافعية . فلعل التعبير بما يوافق
كلا النظر إلى الحقيقة والإيماء للتوسعة والتخيير دون التحجر والتضييق . هذا
والله ولى التوفيق .
وقال فى "مشكلاته" (ص - ١٢٢): وقوله تعالى: ( فليصلوا معك)
أى: كيفما تيسر ولو بغير إقامة الحقوق ، فإذا كان هذا هو المحط فلعله لا يدل
إذن على تمام صلاته . ثم قال : (فإذا اطمأنتم فأقيموا الصلاة ) أى بأداء حقوقها
حيث قد اطأنوا اهـ. والشيخ الآلوسى كان شافعياً ثم تحنَّف ، وينتهى إليه إسناد
شيخنا فى الحديث بواسطتين (١).
مسألة: صلاة الخوف تجوز عندنا عند حضور العدو وإن لم يتحقق.
الخوف، وعند الشافعية يشترط الخوف حقيقة. قال شيخ الإسلام خواهر زاده
فى "مبسوطه": المراد بالخوف حضرة العدو لا حقيقة الخوف ، لأن حضرة.
العدو أقيم مقام الخوف كما فى تعلق الرخص بنفس السفر اهـ . حكاه العينى فى
"البناية "، ومثله فى " البدائع" و "العناية" و "الفتح" وغيرها. واشتراط
الخوف حقيقة عند الشافعى مذكور فى "الأم" و "مختصر المزنى" و "شرح
المهذب ". ومثله عند الحنابلة كما فى "المغني" (٢ - ٢٧٠). وههنا فروع
(١) وتفصيله : إن للشيخ إجازة عن شيخه المحدث محمد اسحاق الكشميرى
المتوفى بالمدينة المنورة سنة ١٣٢٢ -هـ، عن الشيخ السيد نعمان، عن أبيه الشيخ
الآلوسى ، فالواسطتان : الشيخ اسحاق والشيخ نعمان ، وتصحَّف فى " العرف
الشذى" المطبوع بـ " واسطتين" إلى " بعد سنتين " فليتنبه .

٤٩
حديث سهل بن أبى حثمة واستدلال الأثمة به
فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم)).
وفى الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت وابن عباس وأبيهريرة وابن
مسعود وسهل بن أبى حثمة وأبى عياش الزرقى واسمه زيد بن صامت وأبى بكرة .
قال أبو عيسى: وقد ذهب مالك بن أنس فی صلاة الخوف إلی حدیث
ملايه
مهل بن أبىحثمة ، وهو قول الشافعی . وقال أحمد: قد روى عن النبى
لكل فريق يراجع لها كتب الفقه .
قوله : فقام هؤلاء الخ .
إن كان المشار إليهم الطائفة الأولى دل على الصفة التى ذكرها الحنفية فى
المتون ، وإن الطائفة الثانية كان المراد صفة الشروح وهو المتبادر ههنا لأنها
الأقرب فى الذكر ، ولأنه إذا فرغ الإمام صلوا كيف شاءوا من غير تقييد
اتباع الإمام ، فلماذا يؤخرون ؟
واعلم : أنه جاز المشى فى صلاة الخوف كما علمت مما تقدم، ولا تجوز
الصلاة ماشياً . راجع " العمدة" (٣ - ٣٤٩) للتفصيل. وجازت ماشياً عند
الشافعية . ثم إن حديث ابن عمر حديث الباب حجة لأبى حنيفة ، وهو أصح
ما فى الباب ، والبخاری فی "صحيحه " صدر به فى الخوف و نزل عليه الآية . قال
الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٥٧): وآثر تخريج حديث ابن عمر لقوة شبه
الكيفية التى ذكرها فيه بالآية اهـ .
قوله : وقد ذهب مالك بن أنس الخ. قد وضح الفرق بين مذهب مالك
والشافعى مما قدمت .
( ٢ - ٧)

٥٠
معارف السنن
ج - .
صلاة الخوف على أوجه، وما أعلم فى هذا الباب إلا حديثاً صحيحاً ، واختار
حديث سهل بن أبى حثمة، وهكذا قال اسحاق بن ابراهيم، قال: ثبتت الروابات
عن النبى {حَ لّ فى صلاة الخوف، وأرى أن كل ما روى عن النبى معَلّ فى
صلاة الخوف فهو جائزة ، وهذا على قدر الخوف .
قال اسحاق: ولسنا نختار حديث سهل بن أبى حثمة على غيره من الروايات
وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح . وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع عن
ابن عمر عن النبى معَالمع نحوه
حدثنا محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان نا يحيى بن سعيد الأنصارى
عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبى حثمة أنه قال
قوله : ما أعلم فى هذا الباب إلا حديثاً صحيحاً .
لا يريد أنه لم يصح فى هذا الباب إلا حديث واحد وإنما يريد الصفات
المروية كلها صحيحة ، وإنما اختار منها حديثاً واحداً ، وهو حديث سهل بن
أبى حثمة . ويدل عليه قول الترمذى : وهكذا قال اسحاق بن ابراهيم الخ ، ثم
إن بين ما قاله أحمد وما قاله اسحاق فرق ، وهو أن أحمد يختار ، واسماق بخير ،
كما أسلفت بيانه
قوله : عن سهل بن أبى حئمة الخ .
هذا الحديث دليل الشافعية . قال الشيخ: والحديث عندى مضطرب ،
فالذى أخرجه البخارى فى "المغازى" ومسلم وأبوداؤد والترمذى وابن ماجه
يغاير ما عند النسائى والطحاوى ، والحديث واحد سنداً ومتناً ، واتفقوا فى
رفعه ، وليس ذلك الاختلاف من قبيل اختلاف العموم والخصوص حتى يحمل

بیان و جوه ترجيح حديث ابن عمر على حديث سهل بن أبى حثمة ٥١
فى صلاة الخوف، قال: ((يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه،
وطائفة من قبل العدو ، وجوههم إلى العدو ، فيركع بهم ركعة ، ويركعون
لأنفسهم ركعة ، ويسجدون لأنفسهم سجدتين فى مكانهم ، ثم يذهبون إلى مقام
أولئك، ويجئ أولئك ، فيركع بهم ركعةً ويسجد بهم سجدتين، فهى له ثنتان
ولهم واحدة ، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين )).
العام على الخاص ، ولم يتوجه أحد من المحدثين إلى دفعه، وكل منهم أخرجه من
طريق شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات ، فلفظ
البخارى ومسلم وأبى داؤد والترمذى مرفوعاً ما يوافق صفة المالكية والشافعية ،
ولفظ النسائى والطحاوى من طريق القطان عن شعبة يوافق صفة الحنفية حيث قال
فيه: ((إن رسول اللّه عَل له صلى بهم صلاة الخوف فصف صفاً خلفه وصفاً
مصافوا العدو فصلى بهم ركعة ، ثم ذهب هؤلاء وجاء هؤلاء فصلى بهم ركعة،
ثم قاموا فقضوا))، وهذا لفظ النسائى فى "سننه" (١ - ٢٢٨). والطحاوى
أول من نبه عليه أن مثله لا يقوم به حجة. أنظر تفصيله فى "شرح معالى الآثار"
له (١ - ١٨٥ و ١٨٣). فإذن ساغ لنا أن نقول: إن حديث ابن عمر
خال عن أىّ اضطراب ، وحديث سهل اختلف رفعاً ووقفاً ، وفيه اضطراب
من ثلاثة وجوه فى بيان الصفة والكيفية واضطراب فى تسليم الإمام بهم وتسليمه
بنفسه ، وعلى الوجهين روى قولان عن مالك ، وفيه وجه يوافق صفة الحنفية ،
وذلك الوجه أشبه بالأصول ، فالأخذ به أولى ، وروابة القطان عن شعبة عند
النسائى والطحاوی بمثله رواية القطان عن سفيان الثوری عند البيهقى فى "الکبری"
(٣ - ٢٥٤)، فتابع شعبة فيه سفيان ، فإذن روايتهما أولى بالأخذ من
رواية غيرهما .
قوله : وروی عن غير واحد . روى عن ابن عباس وحذيفة وزيد ابن ..

٥٢
معارف السنن
ج - ٥
، قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث؟ فحدثى عن
شعبة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبى حثمة
عن النبى وُّ له: بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصارى، وقال لى: أكتبه إلى
جنبه ، ولست أحفظ الحديث ، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصارى .
قال أبوعيسى: وهذا حديث حسن صحيح ، لم يرفعه يحيى بن سعيد
الأنصارى عن القاسم بن محمد ، وهكذا رواه أصحاب يحيى بن سعيد الأنصارى
موقوفاً ، ورفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد .
وروى مالك بن أنس عن زيد بن رومان عن صالح بن خوات عن من
صلى مع النبى معَّ له صلاة الخوف: فذكره نحوه .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح. وبه يقول مالك والشافعى وأحمد
ثابت وجابر عند النسائى وأبى هريرة عند أحمد والنسائى والترمذى فى التفسير ،
وكذا عند ابن أبى شيبة، وعندهم ما عدا الترمذى بزيادة " مع رسول الله صل}"
كما تقدم ، فلا حجة فيه للقائلين بركعة فى الخوف ، علا أنه لو كان الفرض
ركعة فرسول اللّه فَ له كيف صلى ركعتين؟ وصرَّح فى حديث جابر عند
الشيخين وأبى بكرة عند أبى داؤد أربع ركعات له فَّله وركعتان لهم رضى الله
عنهم والله أعلم .
قوله : وقال لى الخ .
فاعل "قال" الضمير الراجع إلى القطان، وقائل "قال" ابن بشار السائل.
قوله : أكتبه إلى جنبه .
مقولة القطان المسئول عنه

٥٣
تحقيق جواز الركعة فى الخوف فى السفر
واسماق. وروى عن غير واحد: ((أن النبى حَ لّ صلى بإحدى الطائفتين ركعة"
ركعةً، فكانت للنبى حَ الٍ ركعتان، ولهم ركعة ركعة)).
قوله : ولهم ركعة ركعة
ذهب اسحاق بن راهويه وبعض السلف منهم ابن عباس، إلى : أن صلاة
الخوف فى السفر ركعة واحدة فقط ، وحجتهم هذه الرواية وأمثالها ، وليس
هذا مذهب أحد من الأربعة . وتأولوا : أن المراد به ركعة مع الإمام وليس
فيه نفى الثانية ، وركعة أخرى يأتى بها منفرداً ، كذا قاله النووى ، وكما تقدم
أول الباب بعض التفصيل. وفى "الفتح" (٢ - ٣٦١). وقال الجمهور قصر
الخوف قصر الهيأة لا قصر عدد ، وتأولوا على أن المراد به ركعة مع الإمام الخ ،
وراجعه للتفصيل. ومذهب اسحاق إحدى الروايتين عن الثورى . قلت - وبالله
التوفيق - : إن تأويل الجمهور يؤيد رواية أبى هريرة عند أحمد والنسائى فى
"سننه" (١ - ٢٣٠)، وفيه: تكون لهم مع النبى عّ لّ ركعة ركعة والنبى
حَّلٍ ركعتان، فصرّح فى هذه الرواية أن الركعة الواحدة هى مع الامام، وهى
التى ذكرت ، وفى الواقع صلاتهم ركعتان ، وذلك فى رواية أخرى لأبى هريرة
عند النسائى: ((فكان لرسول اللّه ◌َل﴾ ركعتان ولكل رجل ركعتان اهـ)). والجمع
أولى، إلا أن يتبين كونها فى واقعتين والله أعلم. وفى رواية للنسائى عن
ابن عباس: ((ولم يقضوا))، رواه (١ - ٢٢٨) فى "كتاب صلاة الخوف"
من طريق أبى بكر بن الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، والحديث
أصله عند البخارى ومسلم من غير هذه الزيادة . قال الحافظ : وفى الباب عن
حذيفة وعن زيد بن ثابت عند أبى داؤد والنسائى وابن حبان ، وعن جابر عند
النسائى اهـ. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٦١): وهو كالصريح فى الإقتصار
على ركعة ركعة ، وكأن الحافظ عجز عن جوابه .

٥٤
معارف السنن
ج - ٥
قال الشيخ : وشرح الحديث عندى : أن المذكور فى الحديث صفة
صلاة الشافعية . وكأن المراد : أنهم صلوا ركعتين فى ركعة للإمام ، وكانت
الركعتان لهم فى ضمن ركعة ، فكأنها كانت ركعة ، وعلى مثل هذا يحمل ما
فى رواية فى البخارى معلقاً فى المغازى ، ورواه مسلم موصولاً فى الخوف
من حديث جابر ، وفى "شرح معانى الآثار" للطحاوى (١ - ١٨٦)، ورواه
أبو داؤد أيضاً تعليقاً: ((فكانت لرسول اللّه عَ لي أربع ركعات والقوم ركعتان))
وعند أبى داؤد والطحاوى مثله من حديث أبى بكرة. يريد - والله أعلم - أن
رسول اللّه حجاج مكث فى صلاته قدر أربع ركعات ، فإن كل فريق صلوا
ركعتين على التعاقب، وربما يخال أن هذه تأويلات لا مساغ لها أمام الصرائح،
وبالأخص إذا ساعدتها مذاهب من السلف .
قال الراقم: وإنما نلجئ إلى هذه التأويلات أمام الأدلة القطعية التى قامت.
على خلافها ، فإن تعداد الركعات فى الصلاة حضراً وسفراً ثبت تحديدها و کميتها
بالأخبار المتواترة التى أفادت علماً ضرورياً فى ثبوتها ودلالتهامعاً مع إجماع
وتوارث وتعامل، فكيف يقاوم مثلها أخبار آحاد تحتمل محامل وهى ظنيَّة الثبوت
قبل أن تكون ظنية الدلالة ؟ وأما ما ذهب إليه السلف فلعل عندهم من اليقين.
فى ثبوتها ما ليس عندنا ، علا أن نقل مذاهبهم أيضاً ليست بالطرق اليقينية التى.
تفيد علماً قطعياً ، فكيف يسوغ لنا أن نترك قطعيات شرعية أمام هذه الروايات؟
و الله سبحانه أعلم.
ثم إن الشافعية حملوه على ظاهره بأنه محّ له صلى مرتين بكل فريق، واحتجوا
به فى صحة اقتداء المفترض بالمتنفل. قال الشافعى فى "الأم" (١ - ١٩٢ ):
وهذا فى معنى صلاة معاذ مع النبى معَِّلّ العتمة، ثم صلاها بقومه اهـ. ولم يجب
عنه من الجنفية إلا الإمام أبو جعفر الطحاوى فقال ما ملخصه : إن أربع ركعات

٥٥
سجود القرآن والمذاهب فى حكمه
(باب ما جاء فى سجود القرآن)
حدثنا سفيان بن وكيع نا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن
النبى عَُّّهُ لكون الصلاة لم تكن فى سفر يقصر فيه الصلاة، وهم قضوا ركعتين
بعد ذلك ، ولا يلزم من عدم ذكر القضاء عدم القضاء فى الواقع ؛ أو أن ذلك
حين كانت الفريضة تصلى مرتين ثم نسخ ذلك الحكم اهـ. وعند الشيخ يحمل
على صفة الشافعية بالتأويل المذكور و وقع تعبير الراوى موهماً خلاف المراد
والله أعلم .
-: باب ما جاء فى سجود القرآن :-
فى الباب عدة خلافيات فى سبب السجدة ، وحكمها ، وعددها ، وصفتها ،
ووقتها ، ومحالها من الآيات ، وغير ذلك. والشيخ تعرض فى إملائه على
"جامع الترمذى" إلى أشهرها، وذلك اختلافهم فى حكمها وفى عددها ، فنقتصر
عليها ، وليراجع للبقية " عمدة القارى"، وكتب الفروع، و"بداية المجتهد".
فأما الإختلاف فى حكمها ، فأبو حنيفة ذهب إلى وجوب سجدة التلاوة ،
والشافعى إلى سنيتها . واختلف فيه الصحابة ، والوجوب بالمعنى المصطلح عند
الحنفية مذهب أبى حنيفة وأصحابه ، وهو المتبادر من آثار عثمان وابن عمر ونافع
وسعيد بن جبير وابراهيم النخعى والحسن وحماد بن أبي سليمان والحكم عند ابن
أبى شيبة، كما أخرجها البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٥٠٥)، وفى
"المبسوط" لمحمد: أنها سنة مؤكدة. قال البدر العينى فى " البناية": قلت:
هذا مذهبنا على ما اختاره البعض فى حد الواجب اهـ. وعند الشافعى وأحمد
ومالك - فى أحد قوليه ـ والأوزاعى واسحاق والليث : سنة ؛ وهو اختيار

٥٦
معارف السنن
ج - ٥
سعيد بن أبى هلال عن عمر الدمشقى عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال: ((سجدت
الطحاوى فى " شرح معانى الآثار"، وهو قول عمر وسلمان وابن عباس وعمران
ابن حصين كما فى "العمدة"؛ وفضيلة عند مالك فى قول حكاه العينى عن
" التوضيح". واحتج الشافعى بحديث زيد بن ثابت المرفوع وبأثر عمر بن
الخطاب الموقوف . أما حديث زيد فرواه " البخارى" و" مسلم" و" الترمذى"
بعد أبواب أربعة، قال: ((قرأت على النبى عَ لّ " والنجم." فلم يسجد فيها»
وأما أثر الفاروق فرواه عبد الرزاق ومالك والبخارى ، ويأتى عند الترمذى
معلقاً فى (باب من لم يسجد فيه - أى النجم - ): ((إن اللّه لم يكتب علينا
السجود إلا أن نشاء)»، ولم يجب عنه الحنفية جواباً شافياً ، وسيأتى الكلام فيه .
ولنا أدلة على الوجوب ، فمنها : إن أكثر آيات السجود على صيغة الأمر
ويحمل على الوجوب . قال ابن رشد فى "البداية": وأما أبو حنيفة قتمسك فى
ذلك بأن الأصل هو حمل الأوامر على الوجوب أو الأخبار التى تنزل منزلة
الأوامر، ثم ذكر اعتراض أبى المعالى عليه ، وانتصر لأبى حنيفة فى دفعه فراجعه .
والجمل على الندب بعيد ، وعلى مذهب الشيخ أبى منصور الماتريدى وإن كان
الأمر مشتركاً بين الوجوب والندب ، إلا أن الحمل على الندب وتعيينه للندب
دون الوجوب ههنا يحتاج إلى دليل ظاهر قوى ، كما فى قوله : ( فانتشروا فى
الأرض) ومذهبه أنه موضوع القدر المشترك بين الوجوب والندب ، كما فى
" التحرير" وشرحه، وانظره فى (١ - ٣٠٤) للتفصيل. والقول بالوجوب
نقله عن الشافعى ، بل هو مذهبه ، قيل : وهو الذى أملاه الأشعرى على أصحاب
الإسفرائينى . وقد رجح ابن القيم فى كتاب الصلاة وجوبه . أنظر كتاب الصلاة
(ص - ١٨٩)، قال: ولذلك أثنى اللّه سبحانه على الذين يخرون سجَّداً عند

٥٧
بحث سجدة التلاوة فى ضمن الركوع وأداؤها خارج الصلاة
مع رسول الله في إحدى عشرة سجدة، منها التى فى "النجم")).
سماع كلامه ، وذم الذى لايقع ساجد عنه ، ولذلك كان قول من أوجبه قويّاً.
آهـ. وذكر الشيخ فى تعليقاته المخطوطة على "الآثار" (٢ - ٦٠): وأحمد
فى رواية يوجيها داخل الصلاة لا خارجها ، والحنفية على أنها داخل الصلاة على
الفور وخارجها على التراخى آهـ . وقال أيضاً : والخلاف فى وجوب سجدة
التلاوة نشأ من عدم اشتراط القيام لها وعدم اشتراط الفور ، والاجتزاء بالركوع
ولو خارج الصلاة على غير الظاهر عندنا ، وكون الشيطان له النار بتركها باعتبار
الجنس على هذا كسجدة السهو ترغبماً له . والاكتفاء بالتكبير والإيماء عند بعض
السلف ، ولعل الإيماء هو الركوع .
. وهو الوجه فى الاختلاف فى سجدة
"ص" اهـ .
ومنها ما أخرجه مسلم فى " صحيحه" من حديث أبى هريرة مرفوعاً: ((إذا
قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان بيكى يقول : يا ويله ! أمر ابن آدم
بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود وأبيت فلی النار )) . رواه فی کتاب
الايمان فى ( باب اطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة) (١ - ٦١). وفى
رواية له: ((فعصيت فلى النار)) اهـ. وأول من رأيت استدل به شمس الأئمة
السرخسى فى "المبسوط" (٢ - ٤) وقال: والأصل أن الحكيم منى حكى
عن غير الحكيم ولم يعقبه بالنكير فذلك دليل على أنه صواب ، ففيه دليل على
أن ابن آدم مأمور بالسجود والأمر للوجوب آهـ. وثبت مثل حديث أبى هريرة
عن أنس عند البزار مرفوعاً ، وعن ابن مسعود عند الطبرانى موقوفاً ، وكلاهما فى
"زوائد الهيثمى" (٢ - ٢٨٤). فجعل السجدة مدار دخول الجنة كما جعل
تركها سبب النار. واعترضه النووى وقال : إن تسمية هذا أمراً إنما هى من كلام
(٢ - ٨)

٥٨
معارف السنن
ج - .
وفى الباب عن على ، وابن عباس ، وأبى هريرة ، وابن مسعود ، وزيد
الشيطان فلا حجة فيها ، وهذا أحد الوجوه الثلاثة التى ذكرها ، ويقول النووى
بأنه قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهى باطلة اهـ.
قال الشيخ: إنه مَلِ حكاه فلم ينكر ففيه الحجة.
قال الراقم : وما قاله النووى فعجيب ، فهل بشابه هذه الحكاية بغيرها من
حكاية الباطل ؟ وهل هذا المحكى باطل ، وهو موجب النص الصريح فى التريل؟
فرحم الله من أنصف. قال ابن الهام فى "الفتح" (١ - ٣٨٢): إن آى
السجدة ثلاثة أقسام ، قسم فيه الأمر الصريح ، وقسم تضمن حكاية استنكاف
الكفرة حيث أمروا به ، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود ، وكل من
الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب إلا أن بدل دليل فى معين على عدم
لزومه اهـ. وقال: لكن دلالتها فيه ظنية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض اهـ.
ومما اختلفوا فيه هو عدد السجود فى آيات السجدة . فقال أبو حنيفة
بأنها أربع عشرة آية بعدّ سجدة " ص" وأولى "الحج" . وقال الشافعى مثله
إلا أنه عدَّ فى " الحج" سجدتين ولم يقل بسجدة "ص" . وقال أحمد : بأنها
خمس عشرة ، وقال مالك : إحدى عشرة ، وليست فى "المفصل" عنده سجدة.
فاتفق الأئمة الأربعة منها على عشرة ، واختلفوا فى البقية ، والأقوال الخلافية
بلغت إلى اثنى عشر قولاً ، ذكرها البدر العينى فى " العمدة" ( ٣ - ٥٠٦)،
ومعظمها فى " الفتح" (٢ - ٤٥٥). وأشهر القولين عن أحمد أنها أربع عشرة
بحذف "ص"، وهو المذكور فى " متن الخرقى"، ومذهب أبى حنيفة فى
أولى "الحج " هو مذهب مالك والنخعى والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن
زيد، كما لى "المغني" (١ - ٦٥٣).

٥٩
بيان السجدة فى " النجم " وأدلتها
ابن ثابت، وعمرو بن العاص . قال أبو عيسى : حديث أبىالدرداء حديث غريب
لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبى هلال عن عمر الدمشفى .
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا عبد الله بن صالح نا الليث بن سعد عن
خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن عمر ، وهو ابن حيان الدمشقى قال :
سمعت مخبراً يخبرنى عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال: ((محمدت مع رسول
اللّه عَلّ إحدى عشرة سجدة منها التى فى "النجم")). وهذا أصح من حديث
سنميان بن وكيع عن عبد الله بن وهب .
قوله : غريب الخ . الحديث غريب بتفرد سعيد بن أبى هلال عن عمر
الدمشقى ، وضعيف بجهالة الدمشقى ، وقد وهاه أبو داؤد فى " سننه " أيضاً،
ومضطرب بإثبات الواسطة بين الدمشقى وأم الدرداء وتركها ، ثم جهالة الواسطة
فوق ذلك. وروى خمس عشرة سجدة فى حديث عمرو بن العاص عند أنی داؤد ،
وابن ماجه ، والدار قطنى والحاكم، والبيهقى . وهو أكثر ما ذكر فى الرواية ؛
حسنه المنذرى والنووى ، كما فى "التلخيص"؛ وضعفه عبد الحق وابن القطان .
وأما سجدة " النجم " ففيها أحاديث ستقف على بعضها قريباً .
مسألة: سجدة التلاوة الصلانية يجزؤ عنها ركوع الصلاة بشرط النية وبشرط
أن لا يفصل بالقراءة قدر ثلاث آيات ، ولم يشترط نية القوم فى المختار ، ولكن
اشتراط الفصل بثلاث مختلف فيه ، واستظهر ابن الهمام الزيادة على الثلاث .
أنظر " الفتح" (١ - ٣٨٦ و ٣٨٨). ومسألة نية القوم أيضاً خلافية ، ولم
يتبين لى المختار .. أنظر "البحر" و "الدر المختار" وشرحه "رد المحتار".
تنبيه : تقسم سجدات التلاوة بعضها إلى الوجوب ، وبعضها إلى

٦٠
معارف السنن
ج - ٥
( باب فى خروج النساء الى المساجد )
حدثنا نصر بن على نا عيسى بن يونس عن الأعمش عن مجاهد قال : كنا
عند ابن عمر فقال: قال رسول اللّه فَالجِ: ((ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد،
الفرضية ، وبعضها إلى السنية ، كما يكتب فى بعض هوامش المصحف المطبوعة
خطأ ، أفاده الشيخ رحمه الله .
-: باب فى خروج النساء إلى المساجد :-
تقدم سابقاً فى ( باب خروج النساء إلى العيدير)) أن أصل مذهب الحنفية
فيه هو التوسع ، ثم العلماء أرباب الفتيا أفتوا بعدم خروج النساء إلى المساجد .
وفى مذهب الحنفية توسع ، ربما يكون أكثر من مذاهب الأئمة الثلاثة ، وفى
أصل المذاهب الأربعة كلها نحو توسع فى المسألة لا كما يزعمه بعض من يدعى
العمل بالحديث .
قوله : إنذنوا للنساء الخ .
ليس الحديث هذا نصاً فى ترغيبهن إلى الخروج ، بل ورد الترغيب بعدم
خروجهن فى حديث، وذكر فيه: ((أن صلاتها فى مخدعها أفضل من صلاتها فى
بيتها)) ، الحديث ثبت من رواية عبد الله بن مسعود عند "أبى داؤد" (١ - ٨٤)
من (باب التشديد فى ذلك) ، وثبت من رواية أم حميد عند "أحمد"، وأم سلمة
عند " أحمد" و "أبي يعلى" و "الطبرانى"، رواية آخر عن ابن مسعود عند
"الطبرانى" بألفاظ مختلفة. أنظر "زوائد الهيثمى" (٢ - ٣٣ و ٣٤ و٣٥)
ولفظ أم سلمة عن رسول حَ لّ﴾: ((خير مساجد النساء قعر بيوتهن)).
ثم إن لفظ "الإذن" فى الحديث يدل على أنه لا ينبغى أن يخرجن إلا بالإذن