Indexed OCR Text

Pages 121-140

أحاديث فى أجر أربع بعد العشاء والمذاهب فى نوافل الليل والنهار ١٢١
المروزى و" معجم الطبرانى" .
٣ -: عن كعب الأحبار موقوفاً: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى
العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن يعلم ما يقترئ
فيهن فإن له - أو قال : كن له بمنزلة ليلة القدر)). ذكره العراقى فى "شرح
التقريب" (٣ - ٣٢) وعزاه الزيلعى فى " نصب الرأية" إلى " النسائى" و
" الدار قطنى" .
٤ -: فى حديث البراء بن عازب مرفوعاً كما تقدم: ((ومن صلاهن
بعد العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر)). عزاه فى "نصب الرأية" و"المنتقى "
إلى "سنن سعيد بن منصور"، والهيثمى (٢ - ٢٢١) إلى "أوسط الطبرانى"
قال : وفيه ناهض بن سالم الباهلى وغيره ، ولم أجد من ذكرهم .
٥ -: عن أنس قال: قال رسول اللّه حَ ل): (( أربع قبل الظهر كعدلهن
بعد العشاء، وأربع بعد العشاء كعدلهن ليلة القدر)). ذكره "الهيثمى" (٢-
٢٣٠ ). قال رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه: يحيى بن عقبة بن أبى العيزار
وهو ضعيف جداً اه، وفيه آثار عند ابن نصر فى "قيام الليل" عن الأسود ومجاهد
وعلقمة وغيرهم . هذا ما تيسر وبالله التوفيق .
قال الشيخ : وقد كنت أود أن لو أقف على رواية عن أبى حنيفة مثل
قول الصاحبين ولو شاذة ، ولو وجدتها لرجحتها .
قال الراقم : وفى " شرح المهذب" (٤ - ٥٦): وقال الأوزاعى و
أبو حنيفة : صلاة الليل مثنى وصلاة النهار إن شاء أربعاً وإن شاء ركعتين اهـ.
فلعل هذه رواية عن أبى حنيفة وإن لم تذكر فى كتبنا ، ولعل النووى حكاه عن
ابن المنذر. كما يدل عليه سياق كلامه، وعلم ابن المنذر فى الخلاف مما لا ينكر
( م - ١٦ )

١٢٢
معارف السنن
ج - ٤
فالحمد لله قد ظفرت بما تمناه الشيخ رحمه الله تعالى .
قال الشيخ: إن الراجح من جهة الحديث هو مذهب الصاحبين، فإن عمله
مَا الـ
ثبت كذلك مثنى مثنى بالليل ، وكذا ثبت الأربع من عمله بالنهار كما تقدم
وسيم
فى سنة الظهر ، وكذا من عمل ابن مسعود وابن عمر عند الطحاوى فى "شرح
الآثار" (١ - ١٩٨) ( باب التطوع بالليل والنهار كيف هو؟ ) فقد أخرج
من طريق فهد عن أبى نعيم عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر :
(((أنه كان يصلى بالليل ركعتين وبالنهار أربعاً)). وكذا أخرج من طريق
عبيدة عن إبراهيم قال : ((كان عبد الله يصلى أربع ركعات قبل الظهر وأربع
ركعات بعد الجمعة وأربع ركعات بعد الفطر والأضحى ليس فيهن تسليم فاصل)) .
وأجاب الشيخ ابن الهمام فى "الفتح" من النوافل (١ - ٣٢١ و٣٢٢) عن
حديث الباب بوجهين :
أحدهما : أن مقتضى لفظ الحديث من حصر المبتدأ فى الخبر غير مراد
بالاتفاق للاتفاق على جواز الأربع ، وعلى كراهة الواحدة والثلاث فى غير
الوتر، فإذن الحصر إما فى حق الفضيلة أو فى حق الإباحة ، فيحتاج إلى مرجع،
وفعله عٍَُّّ على كلا النحوين، ولما رأينا أن الأربع أكثر مشقة، وثبت أنه قال
وَظَلّ: ((إنما أجرك على قدر نصبك))، فعلمنا أن الحصر للإباحة أى مثنى لا
واحدة أو ثلاثاً .
والثانى : أن لفظ " مثنى" معدول عن العدد المكرر: إثنان إثنان، وقد
تكرر، فمقتضى كلامه حَ﴿٣ إذن أن اثنين اثنين صلاة، ثم اثنين اثنين صلاة،
فكان فى حكم قوله: الأربع صلاة الأربع صلاة ، نعم لو قال : مثنى من
غير تكرار لكان مفاده اثنان صلاة ثم اثنان صلاة، وسبب العدول عن أربع أربع
إفادة كون الأربع مفصولة بالتشهد دون التسليم ، ويؤيده حديث الفضل بن
عباس عند الترمذى والنسائى مرفوعاً : ((الصلاة مثنى مثنى تشهد فى كل

١٢٣
شرح قوله : صلاة الليل مثنى مثنى
ركعتين )) اهـ ملخصاً .
قال الشيخ : يخالفه ما قيل: أن "مثنى" معناه: اثنين، لا اثنين اثنين .
قال الراقم : لعل هذا قول من قال : إن مثنى منع صرفه للعدل والوصف ،
كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٩٨) وهو مذهب سيبويه كما ذكره
القارى . وأما على مذهب الزمخشرى فمنع صرفه لتكرار العدل فيه ، كما حكاه
الحافظ فى "الفتح"، ولفظ الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى: ( مثنى وثلاث
ورباع) فى الكشاف: وإنما منعت الصرف لما فيها من العدلين: عدها عن صيغها،
وعدلها عن تكررها الخ، فما ذكره ابن الهمام يوافق ما ذكره صاحب " الكشاف"
وما ذكره العراقى فى "شرح التقريب" (٣ - ٧٤ ) مثنى: أى اثنين اثنين
وهو ممنوع من الصرف للعدل والوصف اهـ. فهو امتزاج بين القولين فليتأمل .
قال الشيخ رحمه الله فى "كشف الستر": وذكر الزمخشرى أنه جرد عن التكرير
المعنوى فصار بمعنى اثنين مرة آهـ . فلعله قاله فى غير " الكشاف" اختياراً لما
قاله سيبويه والله أعلم.
قال الشيخ : وأيضاً يرد عليه ما صح عن ابن عمر نفسه راوى حديث
الباب من تفسيره ، ففى "صحيح مسلم" بإسناده: فقيل لابن عمر: ١٠
مثنى مثنى ؟ قال: أن تسلم فى كل ركعتين، (١ - ٢٥٧) ( باب صلاة
الليل ) من طريق عقبة بن حريث . وكذلك استدل به للتسليم على الركعتين
العراقى فى " شرح التقريب" والحافظ فى " الفتح"، وقال : راوى الحديث
أعلم بالمراد به ، قال : وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم ، لأنه لايقال فى
الرباعية مثلاً أنها مثنى اهـ .
قال الشيخ : وما استدل به من حديث الفضل بن عباس فيرد عليه رواية
أحمد فى " مسنده"، وهى تدل على التسليم ، وحديث الفضل بن عباس أخرجه
أحمد فى "مسنده» (١ - ٢١١) ولفظه: ((الصلاة مثنى مثنى تشهد فى كل

١٢٤
معارف السنن
ج - ٤
ركعتين وتضرع وتخشع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول: ترفعها إلى ربك مستقبلاً
ببطونهما وجهك تقول : يارب يارب ، فمن لم يفعل ذلك فقال فيه قولاً
شديداً)) اهـ. ورواه الترمذى واللفظ لأحمد، وليس فيه تصريح التسليم وإن كان
يستفاد منه ، نعم وقع تصريح ذلك فى حديث المطلب بن ربيعة عند أحمد فى
" مسنده": ((الصلاة مثنى مثنى وتشهد وتسليم فى كل ركعتين)) كما فى
" الفتح الربانى" (٤ - ٢٦٧) ولقائل أن يقول: أريد به انتسام الذى فى
التشهد والله أعلم .
قال الشيخ: ثم إن لى بحثاً فيما فسره ابن عمر لأنه ثبت عنه موقوفاً: ((صلاة
الليل والنهار مثنى مثنى))، أخرجه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١ -
١٥٨ ). وفيها حديث الأربع قبل الجمعة. ثم ثبت عمله بخلافه أى أربع
ركعات بتسليمة بالنهار، كما فى " شرح معانى الآثار": ((أنه كان يصلى قبل
الجمعة أربعاً لا يفصل بينهن بسلام)) الخ ، وسنده صحيح ، فإن فهداً شيخ
الطحاوى هو: فهد بن سليمان الكوفى ، وفى رجال الطحاوى عن "مغانى
الأخيار ": أنه كان ثقة ثبتاً، وعلى بن معبد من رجال "التهذيب" ، أخرج
له النسائى وأبو داؤد من الستة، ثم هو: على بن معبد بن شداد الرقى صاحب
محمد بن الحسن ، وهو راوى الجامعين عنه ، وهناك على بن معبد بن نوح
البغدادى آخر وهو أيضاً من رجال " التهذيب "، أخرج له النسائى وأبوداؤد .
والثانى يروى عن الأول وكلاهما ثقة أنظر " تهذيب التهذيب" (٧ - ٣٨٤
و ٣٨٥) و"جواهر المضيئة" (١ - ٣٧٩). وأما بقية الرواة فعبيد اللّه
وقع غير منسوب، وهو: عبيد الله بن عمرو الرقى ثقة فقيه ، وربما وهم كما
فى "كشف الأستار".
وأما زيد فوقع غير منسوب ، ولعله زيد العمى ابن الحوارى ، فإن
كان هو فهو من رجال الأربعة، ضعفه الجمهور ، وقال الحسن بن سفيان :

١٢٥
بيان أربع قبل الجمعة وحديث : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
ثقة كما فى "التهذيب"، وربما يظهر أنه ابن أبى أنيسة، وهو ثقة من رجال
الستة، فإذن الإسناد صحيح لا غائلة فيه، والرواة أجلاء ثقات. وأما جبلة بن سحيم
فثقة من رجال السنة .
فإن قيل هذا فى الأربع قبل الجمعة خاصة دون نوافل النهار عامة . قال
الشيخ: ثبت عن ابن عمر عند الطحاوى : « أنه كان يصلى بالليل ركعتين وبالنهار
أربعاً)). وسنده قوى، ورجاله رجال "الصحيحين"، ما عدا فهد شيخ الطحاوى،
وأخرجه ابن أبى شيبة كذلك بسند قوى . قلت : ذكره الحافظ فى " الفتح"
(٢ - ٣٩٨ ) أيضاً.
وروى عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً: (( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)).
وحديث ابن عمر ذلك رواه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان و
الطحاوى والبيهقى وغيرهم من طريق على بن عبد الله البارقي. قال العراقى فى
"شرح التقريب" (٣ - ٧٦): سكت عليه أبو داؤد، وقال الترمذى
اختلف أصحاب شعبة فيه . فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم وقال النسائى : هذا
الحديث عندى خطأ . وسئل البخارى عنه: أصحيح هو؟ فقال : نعم ، وقال
الشافعى : إنه خبر يثبت أهل الحديث مثله، حكاه البيهقى فى "المعرفة". وقال
فى الخلافيات : رواته كلهم ثقات ، وذكر ابن عبد البر عن ابن معين أنه
قال : من على الأسدى حتى أقبل منه هذا ! أدع يحيى بن سعيد الأنصارى عن
نافع عن ابن عمر: (،أنه كان يتطوع بالنهار أربعاً لا يفصل بينهن))، وآخذ بحديث
على الأزدى آه. وقال فى " فتح البارى": أكثر أئمة الحديث أعلوا هذه
الزيادة وهى قوله: ((والنهار الخ)). وقال ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٧٦٥):
وأما حديث البارقى فإنه تفرد بزيادة لفظة " النهار" من بين سائر الرواة ، وقد
رواه عن ابن عمر نحو من خمسة عشر نفساً، لم يقل ذلك أحد سواه ، وكان ابن
عمر يصلى أربعاً ، فيدل ذلك على ضعف روايته ، أو على أن المراد بذلك

١٢٦
معارف السنن
ج - ٤
فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ،
الفضيلة مع جواز غيره والله أعلم اهـ. وفى "العمدة" (٣ - ٤٠٣ ): وقال
الدار قطنى فى رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عمر مرفوعاً: ((صلاة
الليل والنهار مثنى مثنى)) غير محفوظ الخ. وليراجع للتفصيل " شرح التقريب"
و "العمدة" و"الفتح" و "الجوهر النقى" .
وبالجملة فقد أعلوه وصرحوا بأن زيادة: " النهار" وهم من الراوى.
قال الشيخ: وخالفهم البخارى، وقواه خارج "صحيحه". وفعل ابن عمر
مختلف فيه بالنهار ، فتارةً كان يسلم على الركعتين كما فى "السنن الكبرى "
للبيهفى، وتارة أربعاً. ويمكن أن يقال: أنه كان يتبع عمله ◌َُّلّ فيما ثبت عنه
مثنى مثنى أو أربعاً أربعاً . وما لم ترد فيه سنته الفعلية فكان يسلم على الركعتين،
عملاً بالحديث القولى . ويمكن أن يقال لدفع البحث والجمع بين حديثه وعمله أنه
أراد بالمثنى أن يكون فيه التشهد على كل ركعتين دون التسليم ، وما فى "صحيح
مسلم" عنه من تفسيره فلعله إرشاد إلى ما هو الأفضل . والله أعلم.
وبالجملة دارت المثنوية على القعدة عندنا وعلى التسليم عند الشافعى، ولأجل
ذلك قالت الشافعية بالتسليم على الركعتين فى الوتر أيضاً ، فالوتر عندهم الثلاث
بالتسليمتين ، فالواحدة فى قوله : "فأوتر بواحدة" معناها عندهم باللغة الهندية
الأردية : "اكيلا"، وعندنا: "ايك".
قوله : فأوتر بواحدة ، هذا اللفظ لا يدل على أن الوتر ركعة واحدة ،
وليس المراد الوتر لغة ، وإنما المراد الوتر المعهود فى الشريعة من صلاة مستقلة ،
فالوتر مفوض بيانه إلى الخارج ، فإذن معناه : اجعل صلاتك وتراً، أى وزراً
معهوداً فى الشرع. بركعة ، أى بضم ركعة .
وقد تقرر أن الأفعال الشرعية التى كانت متعدية فى اللغة بنفسها مثل

بيان معانى المسح والقراءة الشرعية - وحديث: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً ١٢٧
واجعل آخر صلاتك وتراً )).
القراءة والمسح والإيتار وغيرها لما نقلت إلى المعانى الشرعية صارت لازمة بعد
أن كانت متعدية، ثم استعملت هذه الأفعال فى المدلولات الشرعية متعدية
بالباء فى الشرع فى معان مخصوصة شرعية معهودة ، فلا تراد بها المفاهيم
اللغوية ، فالباء فى قوله تعالى : ( فامسحوا برؤسكم) باء التعدية ، بعد نقل
المسح إلى المعنى الشرعى ، وهو إمرار اليد المبتلة ، ولا يتوهم أن فى المعنى
الشرعى أيضاً تعدية، فإن نظيره ما قيل فى قوله تعالى : (هل يستوى الذين يعلمون
والذين لا يعلمون ) بأن معنى " لا يعلمون": ليس لهم علم ، فنزل المتعدى
منزلة اللازم ، وكما فرقوا بين " السميع" صيغة الصفة، وبين " السامع"
صيغة اسم الفاعل ، والأول كاللازم ، والثانى متعد . ويأتى تحقيق قوله :
"فأوتر بواحدة" فى أبواب الوتر قريباً إن شاء الله تعالى. وتقدم بعض التفصيل
فى هذا الصدد فى بحث القراءة خلف الإمام . والشيخ أفرده بالبحث فى "فصل
الخطاب" فى فصل مستقل ، وتصدى إليه ابن القيم فى "بدائع الفوائد"، وحكى
الشيخ كلامه هناك ، وحكيناه فلا نعيده .
وتنزيل المتعدى منزلة اللازم له نظائر عند أهل البیان، ليس هذا موضع بيانه .
قوله : واجعل آخر صلاتك وتراً . الأمر محمول عند الجمهور على الندب،
وفى كتب الفقه الحنفى: أن من كان يثق بالانتباه فليصل الوتر آخر الليل. والمسألة
هذه مذكورة فى المواقيت من كتبنا، ولفظ " الكنز": وندب .... والوتر إلى
آخر الليل لمن يثق بالإنتباه، ومثله مذهب الشافعية كما فى "شرح مسلم" للنووى ويستدل
له بحديث جابر عند "مسلم" (١ - ٢٥٨) فى صلاة الليل مرفوعاً، قال: قال
رسول اللّه بجَجاج: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليؤتر أوله . ومن طمع
أن يقوم آخره فليؤثر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل »
٩

١٢٨
معارف السن
ج - ٤
وفى الباب عن عمرو بن عبسة . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث
حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم: أن صلاة الليل مثنى مثنى وهو
قول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق
( باب ما جاء فى فضل صلاة أثليل)
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن
أبى هريرة قال: قال رسول اللّه فَل: ((أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر
الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)).
اهـ. وكان بعض السلف يؤترون أول الليل، منهم أبوبكر وعثمان وأبو هريرة
ورافع بن خديج رضى الله عنهم ، وبعضهم آخر الليل ، منهم عمر بن الخطاب
وعلى بن أبى طالب وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وغيرهم من
التابعين، وعند ابن خزيمة من حديث أبي قتادةُ أن النبى حَ ا﴾ قال لأبى بكر:
((متى توتر؟ قال: قبل أن أنام ، وقال لعمر : متى توتر ؟ فقال : أنام ثم
أوتر، فقال لأبى بكر: أخذت بالحزم -أو قال -: بالتوثقة. وقال لعمر: أخذت
بالقوة)). كذا فى "العمدة" (٣ - ٤١١) والحديث أخرجه أبوداؤد فى
"سننه" والطبرانى والحاكم وغيرهم .
-: باب ما جاء فى فضل صلاة الليل :-
قوله : شهر الله المحرم. أى صيام شهر الله المحرم. ثم إما أن يراد
صيام جميع الشهر أو بعضه ، أو صيام عاشوراء خاصة : والغرض أن الصيام فيه
أفضل من الصيام فى غيره ما عدا شهر رمضان ، والإِضافة إلى اللّه للتعظيم كما
فى بيت اللّه وبلد اللّه، وقوله: ((وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)).
استدل به من الشافعية من قال: أن صلاة الليل أفضل من الرواتب وبقية النوافل

١٢٩
بيان الأقوال فى تفضيل الرواتب بعد الفريضة
وفى الباب عن جابر وبلال وأبى أمامة . قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة
حديث حسن ، وأبو بشر إسمه : جعفر بن إياس ، وهو جعفر بن أبى وحشية .
بالليل )
( باب ما جاء فى وصف صلاة النبى
حدثنا : اسحاق بن موسى الأنصارى نا معن نا مالك عن سعيد بن أبى سعيد
کأبى اسماق المروزى ومن وافقه، وفى قول للشافعية: أن الوتر أفضل بعد الفريضة،
وفى قول: راتبة الفجر، وفى قول: راتبة الظهر، كما فصله النووى فى "المجموع".
قال الراقم : والظاهر أن هذه الأفضلية بالنسبة إلى عامة النوافل النهارية
والليلية ، ما عدا الرواتب والوتر ، وأما الوتر فهى تبع للعشاء ، وأما الرواتب
فهى تابعة للفرائض . ولاريب أن صلاة الليل غير واجبة ولا سنة مؤكدة عند
الجمهور . نعم عند من قال بوجوبها لأهل القرآن أو للكل ولو حلبة شاة ،
فالحديث عنده بظاهره . ثم الأحاديث فى فضل قيام الليل غير قليلة تجد معظمها
فى الصحاح ، وتجد مجموعها فى "قيام الليل" المروزى، و"كنز العمال" للمتّى،
وفى " ترغيب المنذرى"، و"كشف الغمة" للشعرانى، وطائفة منها فى "رياض
الصالحين" النووى، و"زوائد الهيثمى"، وقوله: "حسن"، حسنه الترمذى مع
أنه صحيح ورجاله رجال الصحيح . وأخرج لجميعهم الشيخان غير حميد بن
عبد الرحمن الحميرى ، فإنه لم يخرج له البخارى ، وأخرج له مسلم هذا الحديث
فقط . وبالجملة الحديث صحيح أخرجه مسلم فى " صحيحه" وأبو داود والنسائى
وابن ماجه وابن خزيمة ، فلا يظهر وجه الاكتفاء بالتحسين فقط والله أعلم.
-: باب ما جاء فى وصف صلاة التى عَ ل بالليل :-
ذكر الترمذى ثلاثة أبواب فى وصف قيام الليل وعدد ركعاته ، وترجم
( ٢ - ١٧ )

١٣٠
معارف السنن
ج - ٤
المقبرى عن أبى سلمة أنه أخبره أنه سأل عائشة : كيف كانت صلاة رسول الله
عَ ظِلٍّ فى رمضان؟ فقالت: ((ما كان رسول اللّهَ حَ لٍ يزيد فى رمضان ولا فى
غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعاً ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ،
ثم يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى ثلاثاً ، فقالت عائشة :
فقلت يا رسول الله : أتنام قبل أن تؤثر؟ فقال: يا عائشة إن عينى تنامان
ولا ينام قلبى )).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا: اسحاق بن موسى الأنصارى نا معن بن عيسى نا مالك عن ابن
شهاب عن عروة عن عائشة: ((إن رسول اللّه حَ الٍ كان يصلى من الليل إحدى
عشرة ركعة ، يؤثر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن )).
ثنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب نحوه .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
(باب منه)
حدثنا : أبو كريب نا وكيع عن شعبة عن أبى جمرة عن ابن عباس قال :
الأول وترك الأخيرين ، أورد فى الأول حديث عائشة ، واتفق عليه الشيخان .
وفى الثانى حديث ابن عباس ، كذلك اتفقا عليه ، وفى الثالث حديث عائشة ،
انفرد به مسلم ، وكذا فيه حديث عائشة فى قضاء صلاة الليل بالنهار بين الفجر
والظهر ، وانفرد به أيضاً مسلم، والشيخ تكلم على الكل إجمالاً ، وكذلك نقتفى
أثره من غير أن نتصدى لكلمة كلمة فى باب باب . وتأتى مسألة الوتر قريباً
فى أبواب الوتر بكل تفصيل وتحقيق ، والكلمات لا يحتاج إلى شرحها ، فلهذا
نقتنع بشرح الأبواب الثلاثة إجمالاً اقتفاء بأثر الشيخ رحمه الله .
-: باب منه ، وباب منه :-
صلاة النبي عَلَّ بالمل إحدى عشرة ركعة فى أصح ما ثبت، وثلاث

١٣١
باللیل علی وجوه
بيان أن صلاته
كان رسول اللّه حَ لّ يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة)».
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
(باب منه)
حدثنا : هنادنا أبو الأحوص عن الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن
عائشة قالت: ((كان النبي عّ لّ يصلى من الليل تسع ركعات)).
عشر ركعة فى رواية صحيحة . وقال المحدثون فيها : إن الركعتين منها ركعتا
الفجر أو الركعتين الخفيفتين قبل صلاة الليل أوبعدها ، وقيل : هما صلاة تحية
الوضوء ، وقيل : ركعتا النفل جالساً بعد الوتر . كذا قاله الشيخ .
الأول والثانى والخامس ذكرها فى " العمدة" و"الفتح" وغيرهما ، ولم
أر الثالث والرابع ، والأقوى الأول ، وقد صرح بذلك فى رواية عائشة عند
مسلم نفسها . ثم الثانى وقد ذكروا فى وجه : ضم الركعتين بعد العشاء إليها ،
وقد أوصل ابن حزم الظاهرى فى "المحلى" صلاة الليل إلى ثلاثة عشر وجهاً ، و
ذكرها وجعل الأفضل منها ثنى عشرة ركعة من صلاة الليل وركعة للوتر ،
وفى بعضها نظر لا يتم له الاحتجاج. قال القرطبى : أشكلت روايات عائشة على
كثير من أهل العلم ، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الإضطراب ، وهذا إنما يتم
لو كان الراوى فيها واحداً ، أو أخبرت عن وقت واحد ، والصواب أن كل
شئى ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط
وبيان الجواز والله أعلم. وقال عياض : يحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة،
منهن الوتر فى الأغلب ، وباقى رواياتها إخبار منها ما كان يقع نادراً فى بعض
الأوقات بحسب اتساع الوقت وضيقه بطول قراءة ، أو نوم ، أو بعذر مرض،
أو غيره ، أو عند كبر السن ، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين فى أول القيام ،

١٣٢
معارف السنن
ج - ٤
وفى الباب عن أبى هريرة وزيد بن خالد والفضل بن عباس . قال
أبوعيسى : حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه . ورواه سفيان
الثورى عن الأعمش نحو هذا .
حدثنا: بذلك محمود بن غيلان نا يحيى بن آده عن ميان عن الأعمش. قال
وتارة لا تعدها . وقال ابن عبد البر: وأهل العلم يقودون أن الإضطراب عنها
فى الحج والرضاع وصلاة النبى ◌َّ بالليل وقصر صلاة المسافر، ولم يأت ذلك
إلا منها ، لأن الرواة عنها حفاظ، وكأنها أخبرت بذلك فى أوقات متعددة
وأحوال مختلفة اهـ. هذا ما فى "العمدة" ( ٣ - ٦٠٨ و٦٠٩) وغيرها.
قال الراقم: هذا كله بيان فعله حَل ◌ٍّ، ودأبه تارة كذا وتارة كذا ، وكل
ذلك فى روايات عائشة فى " الصحاح"، وهى أعلم الناس بها وأحق بها ، غير
أن قوله بحَّ كما فى حديث ابن عمر: فى " الصحاح": ((صلاة الليل مثنى مثنى
فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة )) يدل على أن الصلاة خير موضوع لا حجر
فيها ، فليصل ما شاء مثنى مثنى من غير حصر بحسب ما تيسر له من العدد وما
أوفق له من حظ العبادة ، إلا أن يخشى الصبح فليؤتر ، فإن عند ذلك يضيق
الوقت ، فليأت بخاتمتها وهى الوتر ، ويؤيده ما روى ابن حبان وابن المنذر
والحاكم من طريق عراك عن أبى هريرة مرفوعاً: ((أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع
أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك)) أخرجه الحافظ فى "التلخيص" (ص -
١١٦)، ولذا قد ذهب الأكثرية مع رعاية طول القراءة وحسن أدائها إلى أن
يخشى الصبح فليختمها بالوتر ، وفى ذلك جمع بين قوله وفعله معاً . وأما باب
الجواز فواسع جداً ، والموضوع خير كله ، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل .
قال القاضى عياض : ولا خلاف أنه ليس فى ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص
منه، وإن صلاة الليل من الطاعات التى كلما زاد فيها زاد الأجر اه . حكاه

١٣٣
بیان أکثر صلاته بالليل وأقل ما ثبت
أبوعيسى: وأكثر ما روى عن النبى محّ له فى صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة
مع الوتر . وأقل ما وصف من صلاته من الليل تسع ركعات .
حدثنا: بة نا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام
عن عائشة قالت: ((كان النبى ◌َّ إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك النوم
النووى فى " شرح مسلم".
وفى رواية: ((إن صلاته بالليل خمس عشرة ركعة))، كما قال النووى فى "شرح
مسلم": ((فأكثره خمس عشرة بركعتى الفجر)) اهـ. وفى أخرى: ((سبع عشرة)) ، تردد
فيهما المحدثون، روى ابن المبارك من حديث طاؤس مرسلاً: ((كان يصلى فـ
سبع عشرة ركعة من الليل اهـ)) أخرجه العراقى فى " تخريج أحاديث الإحياء" ،
وفى "التلخيص" (ص ـ ١١٦) وفى حواشى المنذرى": قيل: أكثر ما
روى فى صلاة الليل سبع عشرة ، وهى عدد ركعات اليوم والليلة آهـ .
قوله : وأقل ما وصف الخ . قال الشيخ : وأقل ما ثبت سبع ركعات ،
كما فى حديث عائشة عند أبى داؤد فى "سننه" ( ١ - ١٩٣) (باب فى
صلاة الليل ) ورواه أحمد كما فى "الفتح"، وفيه حديث أبى أمامة عند أحمد
والطبرانى، كما فى "التلخيص الحبير" (ص ـ ١١٦) قالت: ((كان يؤثر
بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشر وثلاث ، ولم يكن يؤثر
بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة )) .
قال الحافظ ابن حجر فى " الفتح" (٣ - ١٧): وهذا أصح ما
وقفت عليه من ذلك . وقال : وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك
والله أعلم اهـ.

١٣٤
معارف السنن
ـء
ج - ٤
أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنى عشرة ركعة)).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا : عباس - هو ابن عبد العظيم العنبرى - فا عتاب بن المثنى عن بهز
ابن حكيم قال : كان زرارة بن أو فى قاضى البصرة فكان يؤم بنى قشبر فقراً
يوماً فى صلاة الصبح: (فإذا نقر فى الناقور فذلك يومئذ يوم عسير) خر ميتاً ،
وکنت فی من احتمله إلى داره )) .
قال أبو عيسى: وسعد بن هشام هو ابن عامر الأنصارى، وهشام بن عامر
هو من أصحاب النبي
٠
قوله : صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة . تمسك به البعض على أنّ الإيتار
كان بواحدة، فإنه عمله معَّ لهم فى صلاة الليل لم يكن أكثر من ثلاث عشرة
ركعة . فلما قضى ثنتى عشرة علم أن صلاته بالليل كانت ثنتى عشرة والوتر
ركعة . ولقائل أن يقول : ثبت عنه خمس عشر ركعة بالليل أيضاً، فإذن لا
حجة له فى ذلك . قال الشيخ : ويمكن أن هذه الركعات صلاته بالنهار غير
صلاته بالليل ، لا أن ذلك قضاء صلاة الليل ، ويكاد يؤيده رواية أخرجها أحمد
فى "مسنده" من حديث على قال: ((كان النبي صَ لّ يصلى من التطوع ثمانى
ركعات وبالنهار ثنتي عشرة ركعة )، والله أعلم. رواه (١ - ١٤٨ ) من طريق
أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على الخ . وقد ذكرته بلفظه فى "المسند"،
وهو من زيادات عبد الله .

١٣٥
حديث النزول وما فى شرحه من الأبحاث
( باب فى نزول الرب تبارك وتعالى الى السماء
الدنيا كل ليلة )
حدثنا : قتيبة نا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانى عن سهيل بن أبى صالح
-: باب ما جاء فى نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء
الدنيا كل ليلة :- (١)
قال الشيخ : اعلم أن نزول الرب تبارك وتعالى مسألة اعتقادية لا فقهية ،
(١) تصدى الشيخ رحمه الله تعالى فى شرح حديث الباب استطراداً إلى مسائل
كثيرة كلامية وفلسفية ومنطقية ، فتعرض إلى مسألة: عينية الصفات ،
وإلى مسألة: الصفات السبعة، وصفة التكوين ، وتقدم العلة التامة على
المعلول تقدماً زمانياً ، وإلى مسألة العلم، وإلى مسألة كون الأفعال هل هى
معللة بالحكمة، وإلى مسألة تكفير المتأول فى ضروريات الدين، ومسألة التجلى
وربط الحادث بالقديم، ومسألة كلام النفسى واللفظى، ومسألة المقطعات
القرآنية ، وما إلى ذلك من مسائل ، ولكن كل ذلك بإجمال فى بعضها
وإشارة فى بعضها ، وهذه المسائل كلها مباحث فى غاية من الأهمية
فى مواضعها ، كما أنها مشكلة فى كشف حقيقتها ، فسايرت معه
رحمه اللّه فيها، ولكن اقتنعت بتوضيحها إجمالاً من غير إشباع الكلام
واستيفاء البحث ، إلا ماله صلة قريبة بالموضوع ، كمسألة المتشابهات
وصفة النزول والاستواء ، فقد استوفيت غرر النقول فيها بعباراتها
كما إنى اكتفيت فى المسائل الغير المتعلقة بذكر مصادرها ومراجعها
المهمة ، يجد المراجع فيها شفاء غلته . وبالله التوفيق والثقة والتكلان

١٣٦
معارف السنن
ج - ٤
عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللّه عَ لٍّ قال:
يكفى فيها الاعتقاد الإجمالى دون التفصيلى ، وإنما يفوض التفصيل فى مثلها إلى
الله سبحانه، كما هو مصرح فى كتاب " الفقه الأكبر" تأليف أبى مطيع الحكم
ابن عبد الله البلخى تلميذ الإمام أبى حنيفة ، وأبو مطيع البلخى هذا وإن تكلموا
فيه غير أنه صدوق عندى ، وكان ابن المبارك يعظمه ويجله لدينه وعلمه كما فى
" الميزان" (١ - ٢٦٩)، وذكر الذهبى نفسه : وكان بصيراً بالرأى
علامة كبير الشأن ولكنه واه فى ضبط الأر آهـ. وذكره القرشى فى "جواهر
المضيئة": بأنه راوى كتاب " الفقه الأكبر" عن الإمام أبى حنيفة، فلعل
أبا حنيفة أملاه عليه ، وهو قيده ودونه ، فالنسبة إلى الإمام أيضاً صحيحة ،
ويقول الشيخ الكوثرى فى " تعليقاته على كتاب أبى المظفر الإسفرائينى" فى
" الملل والنحل" (ص - ١١٣): إن " للفقه الأكبر" نسختين: إحداهما
رواية حماد بن أبى حنيفة ، وهى التى شرحها على القارى . والأخرى : رواية
أبى مطيع البلخى ، وهى معروفة " بالفقه الأبسط " . وذكر الشيخ الكوثرى
فى تعليقاته على " اللمعة" (ص ـ ٤٨) للأستاذ العلامة راغب باشا أنه يقال
للأبسط " الفقه الأكبر" أيضاً، وذكر ابن حبان وابن عدى والعقيلى من
كلمات قاسية فى جرحه ، فلا يكاد يتأثر منها من كان بصيراً على صنيعهم مع
الحنفية . وراجع " تقدمة نصب الرأية" للشيخ الكوثرى من كلمة فى الجرح
والتعديل . ومسألة حديث الباب من المتشابهات ، فالمنقول عن جمهور السلف
والأئمة الأربعة فى النزول والمحجيئء والاستواء ، وثبوت الوجه واليد واليمين
وغيرها هو الإيمان بها ، كما ورد على طريق الإجمال منزهاً الله تعالى عن
التشبيه والتكييف من غير تعطيل ومن غير تأويل ، كما ذكره البدر والشهاب،
ففى " الفتح" (٣ - ٢٥): وقد اختلف فى معنى النزول على أقوال:

١٣٧
بيان المذاهب فى المتشابهات
فمنهم: من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم .
ومنهم : من أنكر صحة الأحاديث الواردة فى ذلك جملة ، وهم الخوارج
والمعتزلة ، وهو مكابرة
. .
.
ومنهم : من أجراه على ما ورد مؤمناً به على طريق الإجمال منزهاً الله
تعالى عن الكيفية والتشبيه ، وهم جمهور السلف ، ونقله البيهقى وغيره من الأئمة
الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعى والليث وغيرهم .
ومنهم : من أوله على وجه يليق مستعمل فى كلام العرب .
ومنهم : من أفرط فى التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف .
ومنهم : من فصل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً فى كلام العرب
وبين ما يكون بعيداً مهجوراً ، فأول فى بعض وفوض فى بعض ، وهو منقول
عن مالك ، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد . قال البيهقى : وأسلمها
الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد ، إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار
إليه اهـ. وفى "العمدة" (٣ - ٦٢٣): لاشك أن النزول انتقال الجسم
من فوق إلى تحت، واللّه منزه عن ذلك ، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات .
فالعلماء فيه على قسمين :
الأول: المفوضة ، يؤمنون بها ، ويفوضون تأويلها إلى الله عزوجل مع
الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان .
والثانى: المأولة، يأولونها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى
"ينزل الله": ينزل أمره، أو ملائكته، وبأنه استعارة، ومعناه التلطف بالداعين
والإجابة لهم ، ونحو ذلك. وقال الخطابى: هذا الحديث من أحاديث الصفات .
( م - ١٨ )

١٣٨
معارف السنن
ج - ٤
مذهب السلف فيه: الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، ونفى الكيفية عنه ليس
كمثله شئ وهو السميع البصير . وقال القاضى البيضاوى : لما ثبت بالقواطع
العقلية أنه منزه من الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من
موضع إلى ما هو أخفض منه . فالمراد نور رحمته .. . أى ينتقل من مقتضى
صفات الجلال التى تقتضى الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والإنتقام من العصاة
إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو آهـ. وعزا النووى فى ' شرح
مسلم " المذهب الأول إلى جمهور السلف وبعض المتكلمين . والثانى إلى أكثر
المتكلمين وجماعات من السلف. قال : وهو محكى هنا عن مالك والأوزاعى .
وفى "الفتح": وقد حكى أبوبكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله
على حذف المفعول ، أى ينزل ملكاً ، ويقويه ما رواه النسائى من طريق الأغر
عن أبى هريرة وأبى سعيد بلفظ: (( إن الله يمهل حتى يمضى شطر الليل، ثم
يأمر منادياً يقول : هل من داع فيستجاب له؟)) الحديث ، وفى حديث عثمان
ابن أبى العاص: ((ينادى منادٍ: هل من داع يستجاب له )) الحديث
قال القرطبى : وبهذا يرتفع الإشكال ، ولا يعكر عليه ما فى رواية رفاعة
الجهنى: ((ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول: لا يسأل عن عبادى غيرى)) لأنه
ليس فى ذلك ما يدفع التأويل المذكور اهـ. وفى "العمدة" (٣ - ٦٢٢) بعد
رواية الحديث من طريق الأغر ، وصححه عبد الحق آهـ .
قال شيخنا الكوثرى فى "تكملة الرد على نونية ابن القيم" (ص - ١٣١
و١٣٢ ): فأحاديث النزول مثلاً إبعادها عن معان توجب التشبيه والنقلة
موضع اتفاق بين أهل الحق سلفاً وخلفاً ، وحملها على المجاز فى الطرف أو على
الإسناد المجازى استعمال عربى صحيح وموافق التنزيه ، وقد يترجح عند بعضهم
الأول وعند بعضهم الثانى ، ولكن الذى صح عنده رواية الإنزال . أو اطلع

١٣٩
تحقيق مذهب أهل السنة فى المتشابهات
على صحة حديث أبى هريرة فى "سنن النسائي": ((إن الله عز وجل يمهل حتى
يمضى شطر الليل ثم يأمر منادياً .... )) يجزم بإرادة الإسناد المجازى فى باقى
الروايات ، فيخرج حديث النزول فى نظره من عداد المتشابه ويدخل فى
عداد المحكم، حيث رده إليه . قال الإمام المجتهد ابن دقيق العيد: إن كان التأويل
من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف ، أو من المجاز البعيد الشاذ
فالحق تركه ، وإن استوى الأمران فالإختلاف فى جوازه وعدم جوازه مسألة
فقهية اجتهادية ، والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة إلى الفريقين اهـ .
قال الكوثرى طال بقاؤه : وهذا كلام نفيس جداً ينبئى عن علم جم و
صراحة فى بيان الحق وتوسط حكيم الخ . وقال قبله بقليل : بل الصحابة"
كلهم أجمعوا على تنزيه اللّه سبحانه عن مشابهة المخلوقات فى ذاته وصفاته وأفعاله .
ومن ضرورة ذلك : صرف الألفاظ المستعملة فى الخلق عن معانيها المتعارفة
بينهم إلى معان تتسامى عنها نسبة تلك الألفاظ إلى اللّه سبحانه على مقتضى قوله
تعالى: ( ليس كمثله شئ ) وهو تأويل إجمالى ، وأما تعيين تلك المعانى المتسامية
تفصيلاً بقرائن قائمة، فما يختلف مبلغ انتباه أهل العلم إليه على اختلاف ما آتاهم
اللّه من الفهم آهـ. وقال فى " تعليقاته على كتاب الأسماء والصفات " للبيهفى
(ص - ٤٥٠) على أن شطر الليل وثلثه مما يختلف باختلاف المطالع والمغارب
كما يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه ، فثبت أن ذلك فتح باب القبول لأهل
كل أفق .
وأما من جعل ذلك نقلة فقد جسم وخالف البرهان العقلى، والدليل الشرعى
وضرورة الحسى آهـ .
قال الأستاذ الشيخ سلامة القضاعى فى " فرقان القرآن بين صفات الخالق
وصفات الأكوان" (ص - ٨٠ و٨١): إذا سمعت فى عبارات بعض السلف:
"إنما نؤمن بأن له وجهاً لا كالوجوه ويداً لا كالأيدى" فلا تظن أنهم أرادوا أن

١٤٠
معارف السنن
ج - ٤
ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض ، فجزء منها يد وجزء منها وجه ، غير
أنه لا يشابه الأيدى والوجوه التى الخلق ، حاشاهم من ذلك ، وما هذا إلا التشبيه
بعينه ، وإنما أرادوا بذلك أن لفظ الوجه واليد قد استعمل فى معنى من المعانى
وصفة من الصفات التى تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة ، غير أنهم
يتورعون عن تغيين تلك الصفة تهيباً من التهجم على ذلك المقام الأقدس ، و
انتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة ، فغرروا بها العوام ، إلى آخر ما قال .
وللإمام حجة الإسلام الغزالى كلام متين جداً فى رسالته اللطيفة فى
"قانون التأويل" فى تحقيق التأويل الجائز والواجب والمنكر ، وتصدى إليه
أيضاً فى " فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة". ومن شعره فى ذلك
الصدد :
لا ولا تدرى صفات ركبت فيك حارت فى خفاياها العقول
أين منك الروح فى جوهرها هل تراها فترى كيف تجول
غلب النوم فقل لى يا جهول
أين منك العقل والفهم إذا
بين جنبيك كذا فيها ضلول
فإذا كانت طواياك التى
لا تقل كيف استوى كيف النزول
كيف تدرى من على العرش استوى
فهو لا أين ولا كيف له وهو فى كل النواحى لا يزول
جل ذاتاً وصفات وسما وتعالى ربنا عما نقول
والكتاب الحافل فى هذه المسائل على مسلك السلف هو كتاب "الأسماء
والصفات " للبيهقى، ونجد فى " تكملة الرد على النونية" و" دفع الشبه" لابن
الجوزى و"دفع الشبه" لتقى الحصنى و" الفصل فى الملل والنحل. لا بن حزم
كلاماً شافياً فى دفع مزاعم الحشوية والمشبهة ، وكلام ابن القيم فى تأليفه
كـ "إجتماع الجيوش الإسلامية" و"الصواعق المرسلة" و"القصيدة النونية".