Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تحقيق وجوب القيام للقادر خلف القاعد بعدر
عطاء الذى استشكله فى " الفتح" فواقعة جحش شقه الأيمن راجع " كنز
العمال " (٤ - ٢٥٨) مع ما عنه فى ( ٤ - ٢٥٦) متأملا انتهى ، فجزمت
بأنى أصبت المرمى وأدركت غرضه ، وأشار بقوله متأملا إلى دقته ، ولا
ريب أنه دقيق . وقال فى موضع آخر بعد الإشارة إلى حديث عطاء : ويخرج
وجه آخر وهو : الجلوس عند قيام الإمام إذا كان له وتر والمقتدى شفع
وبالعكس ، وهذا بعد الدخول فى الصلاة بخلاف ما عن معاذ فى " الفتح "
(٣ - ٦٠) (بشير إلى حديث سنة معاذ عند أبى داؤد) فاعلم ذلك فإنه أداء
ما سبق به قبل الإمام وهذا ترك الجلوس فى الوتر فقط وترك القيام على الشفع
للمقتدی کما عند أبى داؤد عن بعضهم سجود السهو فى مثل ذلك ، وفى حديث
معاذ أداء الركعات قبله ، وراجع " البداية" (١ - ١٤٧) انتهى كلامه.
فالشيخ ريضع إشكالاً آخر أيضاً ببيان الفرق بين سنة معاذ واستنان عبد الله فى
المسبوق فذقه. وبالجملة فقوله حضّ الجميل: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى
قائماً فصلوا قياماً الخ)) بلائم موضوع المسبوق أتم ملائمة، فالشيخ رحمه الله استثار بحثاً
آخر فى لفت الأنظار إلى موضوع آخر وعلاقة تلك الروايات بها والله أعلم.
قال الشيخ : وأما رجحان الحافظ ابن حجر إلى استحباب القعود عند
قعود الإمام فله وجه آخر عندى ، وهو أن النظر الغائر إلى نصوص الحديث
بدل على جواز القيام لهم، وتأكد القعود فإنه ◌َّجال قال فى المرة الثانية فى وقعة
السقوط: ((ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم)، كما هو عند "أبى داؤد"
(١ - ٨٩) (باب الإمام يصلى من قعود). وذلك ما راج عند الفرس من
قيام الرعية أمام رئيسهم وأميرهم . ثم إن نصوص الأحاديث لا تدل على
الفرق بين الفريضة والنافلة ، وليس المناط على كونه فرضاً أو نفلاً، فاستفاد
إذن أولوية القعود وجواز القيام مطلقاً، وإذن الجمع هكذايكون أولى من ادعاء النسخ
بأن قصة المرض تكون ناسفة لقصة السقوط ، فلعل هذا ما اعترض فى الباب

٤٢٢
معارف السنن
ج - ٣
ثم قال الشيخ : فإذا كان هناك أن القعود أوكد فحسب لا أنه واجب ويستفاد
هذا القدر، فإذن الأحوط هو مذهب الجمهور ، فإن ترك المندوب أهون من ترك
الواجب ، والقيام واجب عندهم على القادر، فخذ هذا القدر . قال: والبحث
أوسع من هذا . قال الراقم وبالله التوفيق: إن القيام ركن من الصلاة مقطوع
به، وقوله سبحانه وتعالى: (وقوموا لله قانتين) الأمر للإفتراض وليس
القيام فى الخارج بفرض أصلاً، فأحمعوا على أنه داخل الصلاة فكان فرضاً بالإجماع
المقطوع المستند إلى النص المقطوع ، ثم استمر هذا الإجماع للمنفرد والإمام فى
الفرائض عند القدرة على القيام، واختلفوا فى قيام المقتدى عند قعود الإمام لعذر فى
الفرائض لواقعة جزئية تضمنت تشريعاً قولياً فى ذلك، فاستثنى من محل الإجماع .
ولكن مع هذا التشريع القولى نرى أبابكر وسائر الصحابة قياماً خلفه فى آخر عهده
عَّ حين استكمل بناء التشريع واستوفى نظام التعليم واستقرت الأمور فى
مجاريها فانقضت الصلاة وهم قيام، فهؤلاء لم يمتثلوا ذلك التشريع القولى الوارد
فى قصة خاصة وهو بِّله لم يؤمنى إليهم بالقعود كما أومنى سابقاً وأقرهم على
حالتهم فى صلاتهم وبعد صلاتهم ، فكل ذلك دليل على أن المعهود من أمر
الشرع هو القيام عند القدرة وعدم سقوطه عنهم بعذر الإمام، فلو كان: (( من صلى
قاعداً فصلوا قعوداً)) على العموم فى كل حال كيف لم يعملوا به وكان لم يسبق
فيه تفصيل من العذر الطارئ والبادئ ، وإنما الفرق هذا إبداء نكتة بعد ما أخل
العموم فى التشريع القولى ، وعلى كل حال لا بد أن يخصص العموم ، فالإمام
أحمد ومن وافقه أيضاً لابد لهم دون تخصيص ؛ وكانت هناك أمور اجتمعت
جعلها الإمام أحمد كلها مناطاً للحكم، فيقول العراقى فى "شرح التقريب" (٢ -
٣٤١) بعد نقل تفصيل مذهب أحمد: وقد ظهر بذلك أن أحمد إنما يقول بجلوس
المأمومين خلف الإمام القاعد بشروط : أحدها : أن يكون ابتداء الصلاة بهم
جالساً . والثانى : أن يكون إماماً راتباً. والثالث: أن يكون مرضه مرجو

٤٢٣
تحقيق وجوب القيام القادر خلف القاعد
الزوال، فلا يصح إطلاق القول عنه بجلوس المأمومين خلف الإمام القاعد اهـ .
ومثله فى " المغنى" لابن قدامة، فاتضح أنه لم يمكنه القول بذلك حتى أخذ
سائر ما دار هناك، ومثل ذلك من تنقيح المناط أو تخريجه، وتحقيقه يكاد يكون
بعيداً جداً فى مسلك الإجتهاد ، وأنت تعلم أنه إذا كان مدار الحكم على قوله :
(وإنما جعل الإمام ليؤتم به)) وصدره فَلَّ تمهيداً وإيماءً إلى مناط الأمر،
ثم يفرع عليه ((فإذا صلى قائماً الخ)) فكيف يستساغ أمثال هذه الفروق فى مسلك
الإجتهاد ؟ فإذا كان أمر المتابعة مقصوداً فكيف يدور فى الباب العذر الطارئ
والبادئ؟ والمرض الذى يرجى زواله أو لا يرجى، والإمام الراقب أو غيره .
وبالجملة إذا كان لهم ذلك فلغيرهم أن يقولوا بتخصيصه بأن ذلك كان فى نافلة
القوم ، فكانت المشاكلة أوفق نظراً إلى موضوع الإقتداء ، لا أنه واجب ،
فإن كان هناك وجوب فليكن فى النفل الذى بابه واسع ، ويتحمل فيه ما
لا يتحمل فى المكتوبة، بل قد تحمل خلاف ذلك مرة أيضاً فى النافلة، فلم يؤمروا
بالإعادة ولا بالتنبيه أول مرة . ولهم أن يخصصوا بأن ذلك كان من خصائصه
عَلّ ، وذلك أيضاً فى مرتبة الندب دون الوجوب ، ويقول عروة: وبلغنى
أنه لا ينبغى لأحد غير النبى ◌َّجُ - أى أن يؤم قاعداً لغيرهم - كما فى
"الكنز" (٤ - ٢٥٨) عن عبد الرزاق ، وعروة عروة من كبار التابعين ،
ومن الفقهاء السبعة ، فبلاغه يكون بلاغاً ، ويؤيد ذلك أنه وقع فى حديث جابر
عند أحمد فى "مسنده" (٣ - ٣٩٥): ((وإذا صليت قائماً فصلوا قياماً الخ))
فليس فيه: ((إذا صلى قائماً)) فهو أقرب إلى التخصيص به فَ ل خاصة، وكان
فى القعود له عَّم أجر القائم، ويحتمل أن يكون أجر القاعد خلفه أجر القائم
أيضاً ، وكذلك لهم أن يقولوا بالنسخ ، وذلك هو الجادة الواضحة، بل نقول
كأن الصحابة علموا بالنسخ قبل هذه الواقعة فى مرض موته عَّ الج حيث لم يهموا
بالقعود ولا مالوا إليه ، بل بقوا قياماً على حالهم غير عاملين بالسنة القولية التى

٤٢٤
معارف السنن
ج - ٣
مضت لهم فى وقعة السقوط ، فكيف يترك إذن القواعد الشرعية المنصوصة
الثابتة بالنص القاطع من قوله تعالى: ( وقوموا لله قانتين ) وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((فإن لم تستطع فقاعداً)) فى حديث عمران بن حصين عند الستة،
وما هو فى حديث جابر وابن عمر وغيرهما ، ومن الإجماع الحاصل قبل وقعة
السقوط . كل ذلك بأخبار آحاد تحتمل محامل من الخصوصية أو النسخ أو
كونها نافلة . فالحاصل أن الحمل بالنسخ بعد العلم بالتاريخ من تأخير الناسخ
أوفق بالقواعد الشرعية الأساسية من الجمل على الجمع الذى لا يستند إلى وجه
معقول قوى بعد ، ولله الأمر من قبل ومن بعد. هذا ويقول الإمام مالك
رحمه الله: لو كان هذا الحديث معمولاً به لعملت به الأئمة: أبوبكر وعمر وعثمان
بعد رسول اللّه عَ لٍ أن يصلى الإمام قاعداً ومن خلفه قعوداً كما فى " تاريخ
الخطيب" (٢ - ٢٤٧)، حكاه صديقنا المحقق الشيخ محمد عبد الرشيد النعمانى
فى كتابه على " سنن ابن ماجه" وهذه زيادتى على الأصل بعد عشرين سنة
أو أكثر. ويقول أبو الفتح الحافظ ابن سيد الناس اليعمرى فى " شرح
الترمذى ": ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الإستدلال لما يبقى
فيه من الإجمالي اهـ. ثم إن المستحب عندنا وعند الشافعى وأحمد كلهم الاقتداء
بالصحيح القادر على القيام خروجاً من الخلاف .
وأختم هذا البحث بكلام دقيق أصولى لشيخنا رحمه الله فى مذكرة تعليقاته
المخطوطة على " الآثار" فقال: اعلم أن المسوق له فى حديث الجلوس طلب
القوم عند جلوس الإمام حيث جاز الجلوس للقوم وطلب إمام قائم عندما قاموا،
وتفصيل جواز الجلوس خارج عن الغرض ؛ لأن الغرض القيام عند القيام
والجلوس عند الجلوس ، وأمامتى يجب القيام ؟ ومنى يجوز الجلوس ؟ فمن
أراد تفصيله فليراجع إلى خارج كما قال السندى بمثل ذلك فى حديث تنصيف ..
الأجر فى " حاشبة النسائى»، وابن تيمية فى " فتاواه" (١ - ١٠٢) و

٤٢٥
بقية بحث صلاة القائم خلف القاعد
(٢ - ٣٦٩) والحاصل: أن فيه طلب المشاكلة ومسألة الاقتمام لا مسألة
وجوب القيام ، وجواز الجلوس وبين المسألتين اجتماع وافتراق ، ففى الحديث
طلب الجلوس عند صحته ، وأما متى يصح ومتى لافلا ، وبالجملة هو من تعدد
الأصول واقتسام الأصول ومقاسهمتها التى فيها تصادق فى الجملة فتوهم تعارضها،
ونظير تعدد الأصول فى المرفوع فى "الفتح" (٨ - ١٢١).
قال الراقم : يريد به ما ذكره الخطابى من تقابل العام والخاص وإن العام
يكون منزلاً على الخاص ، لأن الشارع حرم الكلام فى الصلاة على العموم
ثم استثنى منه إجابة دعاء النبى معَ الج ..... ثم قال الحافظ: وفيه بحث
لاحتمال أن تكون إجابة واجبة مطلقاً سواء كان المخاطب مصلياً أو غير مصل،
أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لايخرج فليس من الحديث ما يستلزمه ،
فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة آه . قال: ونظيره فى
الموقوف ( ٤ - ٢١٠ ) [يريد به ما فى " الفتح" فى أثر عمر حين سئل عن نذر
الصوم يوم العيد؟ فقال: أمر اللّه بوفاء النذر وفهى التى تُّلُّ عن صوم هذا
اليوم. قال الحافظ : وأمره فى التورع عن بت الحكم ولاسيما عند تعارض الأدلة
مشهور إلى آخر ما حكى فيه الأقوال] وقال شيخنا أيضاً: وكان وَ له شرع
فى الصلاة فى بيته منفرداً فجاءوا او اقتدوا . وليس لهم علم بأنه يصلى فرضاً،
فالظاهر أنهم تنفلوا حينئذ واتجروا عليه بلا أذان لها . وقال فى موضع آخر :
وليس يبقى فى المبحث إلا معارضة الناطق المعلوم السبب بالساكت المجهول كما
ذكرنا فى استقبال القبلة عند إتيان الغائط . وقال أيضاً: واعلم أنه ليس فى
السياق تعليق الحكم بعذر الإمام أيضاً ، وإن كان فى هذه الواقعة عذر فظاهره
أنهم يقعدون إذا صلى قاعداً ولو بغير عذر، وحديث: ((صل قائماً فإن لم تستطع
فقاعداً)) لا يفصل بين الفريضة والنافلة. ورواية مالك فى النافلة ورواية أحمد فى
( م - ٥٤ )

٤٢٦
معارف السنن
ج - ٣
ثم انصرف فقال: إنما الإمام - أو قال: إنما جعل الإمام - ليؤتم به،
الفريضة كما فى " شرح الموطأ" فلم يبق فى وجوب القيام فى الفريضة وجواز
القعود فى النافلة إلا الإجماع وهو فى "الفتح" (٢ - ٤٨١) عن ابن رشيد .
وقال أيضاً : واعلم أن المتبادر من حديث جابر عند أبى داؤد فى
الواقعتين ومن واقعة مرض الموت جواز القيام ، وآكدية القعود لا إيجابه إذ ليس
فى الحديث التعليل يكونها نافلة أو مكتوبة ، وإذن فالأحوط هو مذهب الجمهور
لا مذهب أحمد ، إذ احتمال النسخ قائم وإلا لم يتركوا آكدية القعود فى صلاة مرض
الموت ، والأحاديث لا تنزل عن جواز القيام، راجع "الصراط المستقيم" (ص -
٣٢) انتهى كلامه ملتقطاً مما يتعلق بالموضوع
قال الراقم : بقى أن علة منع القيام عند قعود الإمام هو التشبه بفعل
ملوك الأعاجم وهو المذكور فى نص الحديث ، فكيف ارتفعت هذه العلة فى
صلاة مرض الموت ؟ فجوابه على ما أفاده الإمام الشاء ولى الله الدهاوى فى
" حجة الله البالغة" (٢ - ٢٧) فى مبحث الجماعة: والسر فى هذ النسخ أن
جلوس الإمام وقيام القوم يشبه فعل الأعاجم فى إفراط تعظيم ملوكهم كما صرح
به فى بعض روايات الحديث، فلما استقرت الأصول الإسلامية وظهرت المخالفة
مع الأعاجم فى كثير من الشرائع رجح قياس آخر ؛ وهو أن القيام ركن الصلاة
فلا يترك من غير عذر ولا عذر المقتدى اهـ . هذا ما تيسرلى فى هذا البحث
والله سبحانه ولى الهداية والإصابة
قال الراقم عفا الله عنه : قد عرضت هذا البحث كله من أول الباب
إلى آخره فى أوائل سنه ١٣٦٣هـ فى الجامعة الإسلامية بدابيل على شيخنا العثمانى
صاحب ""فتح الملهم" فاستحسنه جداً ، وذكرشيئاً كان يدل على أن ما كتب
فى "فتح الملهم" غير مرضى عنده فى تحقيقه الآن، وأشار إلى أنى أحب تغييره.
وبالجملة الجادة الواضحة فى المسألة ما ذهب إليه جمهرة فقهاء الأمة والله أعلم .

٤٢٧
بحث متابعة الإمام بالمقارنة أو المعاقبة
فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده،
قوله : وإذا ركع فاركعوا ، اختلف أبو حنيفة وصاحباه أبويوسف ومحمد
فى المتابعة، فقال أبو حنيفة بمقارنة المقتدى الإمام فى الأفعال ، وقال صاحباه
بالمعاقبة ، وتقدم تفصيل هذه المسألة فى ( باب ما جاء فى كراهية أن يبادر
الإمام فى الركوع والسجود ) فلا نعيده . قال الشيخ : وينبغى العمل اليوم
بما قال صاحباه . واختلف أهل اللغة أن الفاء الداخلة على الجزاء هل تفيد
التعقيد، أم لا؟ ولو أفادته لكان المستفاد من الحديث مذهبها وإلا فلا . أنظر
لتحقيقه "شرح الرضى" على " الكافية" من بيان كلم المجازاة من بحث الفعل
وحروف الشروط من بحث الحرف ، وكذا "المغنى" و "كليات أبى البقاء"
كليهما من "الفاء"، وذكر الرضى أن الفاء الداخلة على الجزاء معناها التعقيب بلا
فصل، وكذا ذكر أن الجزاء إذا كان جملة طلبية كالأمر والنهى تكون للمقارنة،
والظاهر أن التعقيب أو المقارنة فى الفاء الجزائية خارج عن معنى الفاء ، وإنما
هى لنفس الترتب ، وقد تقدم منى أنه ليس مدار الإختلاف على كلمة الفاء بل
هناك كلمات أخرى فى الروايات لها مدخل فى هذا الخلاف وراجعه .
قوله : وإذا قال سمع الله الخ . قال أبويوسف ومحمد صاحبا الإمام : إن
الإمام يجمع بين التحميد والتسميع ، وإليه ذهب الشافعى ، وقال أبو حنيفة :
يأتى الإمام بالتسميع فقط ، وفى رواية عنه كالصاحبين ، واختارها الطحاوى
ومحمد بن الفضل الكمارى والنسفى والجلوانى (١) كما فى " عقود الجواهر "
(١) والشمس الحلوانى تلميذ أبى على النسفى، وهو تلميذ أبى بكر محمد بن الفضل
الكمارى ، وهو تلميذ عبد الله السبذمونى صاحب " كشف الأسرار"، وهو
تلميذ أبي حفص الصغير ، وهو تلميذ أبيه أنى حفص الكبير ، وهو تلميذ الإمام
محمد بن الحسن الشيبانى. والكمارى - بضم الكاف وتخفيف الميم - نسبة إلى
قرية ببخارى ، وتراجمهم مبسوطة فى " الجواهر" و "الفوائد".
-

٤٢٨
معارف السنن
ج - ٣
فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا
قعوداً أجمعون)).
وفى الباب عن عائشة وأبى هريرة وجابر وابن عمر ومعاوية. قال
أبو عيسى: حديث أنس: ((إن النبي ◌َّ} خر عن فرس فجحش)) حديث
حسن صحيح. وقد ذهب بعض أصحاب النبي ◌ٍَّ إلى هذا الحديث منهم: جابر
(ص - ٤٧٠) طبع الآستانة سنة ١٣٠٩ هـ كما تقدم بيانه فى ( باب منه)
بعد (باب ما يقول الإمام إذا رفع رأسه من الركوع) ، وما ذهب إليه أبو حنيفة
ذهب إليه مالك وأحمد فى رواية. وهذا للإمام، وأما المؤتم فلا يقول إلا التمحيد
عند أئمتنا الثلاثة، وقال مالك والشافعى بالجمع له أيضاً . كما فى " العمدة "
(٢ - ٧٤٩) ، وحكى العراقى مذهب مالك کأبى حنيفة، ومثله مدهب أحمد،
أنظر " شرح التقريب" (٢ - ٣٣١)، وهو الذى حكاه ابن رشد عنه
وهو أعرف بمذهبه
ودليل الروايات المشهورة عنه ما اشتهر فى الأحاديث ، فقد روى من
حديث أنس عند الجماعة وأبى هريرة عند الجماعة إلا ابن ماجه، وحديث أبيموسى
عند مسلم وغيره، وأبى سعيد عند الحاكم كما فى "نصب الرأية" وكذلك من
أحاديث الباب . ودليل الرواية الشاذة ما رواء البخارى فى " مصبحه " ( باب
ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع ) ( ص - ١٠٩ ) عن
أبى هريرة قال: ((كان النبي ◌َّ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قال:
" اللهم ربنا ولك الحمد" الخ ).
بحث وتنبيه : أخرج البخارى فى " صحيحه" من حديث أنس فى (باب
الصلاة فى السطوح) ( ص - ٥٥) و ( باب إذا رأيتم الهلال فصوموا الخ )
مختصراً ( ص - ٢٥٦) وفى النكاح وغيره: ((إن رسول اللّه ◌َله سقط عن
فرسه فجحشت صاقه أو كتفه ، وآلى من نسائه شهراً ، فجلس فى مشربة له

٤٢٩
تحقيق تاريخ واقعة السقوط وواقعة الإيلاء
ابن عبد اللّه وأسيد بن حضير وأبو هريرة وغيرهم ، وبهذا الحديث يقول أحمد
واسحاق . قال بعض أهل العلم: إذا صلى الإمام جالساً لم يصل من خلفه إلا قياماً، "
فإن صلوا قعوداً لم يجزهم .
الخ)) وذكر الحافظ فى الجزء الثانى من "الفتح" (ص ـ ١٤٩ ) كما تقدم أن
واقعة السقوط فى السنة الخامسة من الهجرة، ثم ذکر فى الجزء الثامن ( ص -
٤٠٠) ما يلزم منه أن تكون فى سنة تسع من الهجرة ، فقد جنح الحافظ إلى
ذلك مشياً على ظاهر سياق حديث البخارى . حيث ذكر نزول آية التخيير فى
واقعة الإبلاء ، وذكر فى الجزء التاسع ( ٩ - ٢٤٩ ) أن آية التخيير نزلت
سنة تسع بعد فتح مكة. وذكر فى (٩ - ٢٦٤) فى صدد ذكر واقعة الإيلاء:
لكن اتفق أنه فى تلك الحالة انفكت رجله كما فى حديث أنس المتقدم فى أوائل
الصيام، وذكر فى ( ٩ - ٣٧٦) فى ضمن واقعة الإبلاء: ووقع فى حديث
أنس هذا فى أوائل الصلاة: زيادة قصة مشهورة سقوطه عَّظلم من الفرس
وصلاته بأصحابه جالساً اهـ.
قال الشيخ: والتحقيق عندى أن واقعة السقوط هى فى سنة خمس ، كما
أفاده ابن حبان ، وحكاه الحافظ فى "الفتح"، وأما قصة الإيلاء فإنما هى فى
سنة تسع ، وإنما جمع الراوى بينهما فى رواية البخارى لاشتراكهما فى أمر، وهو
إقامته فعَّالٍ فى كلتا الواقعتين فى المشربة، ولى فى هذا قرائن من روايات منها
ما ذكره السمهودى فى " الوفاء" ( ٢ - ١٣٧): ومثله فى "الفتح" (٩ -
٢٥٣) عن كتاب " أخبار المدينة" لمحمد بن الحسن المخزومى بسند له مرسل:
(( إنه ◌َبِّ كان يظل فى الإيلاء تحت شجرة ويبيت فى المشربة)) فإن كانت
الواقعتان فى زمان واحد فكيف يمكن أن يغدو عجّلاته إلى شجرة الأراك فيظل
نهاره ثم يروح إلى المشربة فيبيت فيها ولا يذهب إلى مسجده فيصلى فيه ،
وظاهر أن عدم ذهابه إلى المسجد لما لحقته النكبة فمنعته ذلك فليتنبه.

٤٣٠
معارف السنن
ج - ٣
وهو قول سفيان الثورى ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعى .
(باب منه)
حدثنا محمود بن غيلان نا لهبابة عن شعبة عن نعيم بن أبيهند عن أبى وائل
عن مسروق عن عائشة قالت: ((صلى رسول اللّه عَ لّ خلف أبى بكر فى مرضه
الذى مات فيه قاعداً )» .
ومن القرائن ما أشار إليه الشيخ فى تعليقاته على " الآثار" ما فى "مسند أحمد"
( ٦ - ١٤٨): عن عائشة زوج النبي عٍَّّ: ((صلى رسول اللّه عَلَ﴾ فى بيته
وهو شاك)) الحديث . وأخرجه البخارى فى ( باب إنما جعل الإمام ليؤتم به )
(ص - ٩٥) وإن المشربة غير البيت، وقد بوب البخارى ( باب حجرة النبى
حَ ل نساءه فى غير بيوتهن) وتعرض له فى "الوفاء" (١ - ٣٢٨) أيضاً
بأن المشربة غير بيوتهن. قال الراقم : ووقع بدل المشربة فى بعض طرق
الحديث العلية، وفى البعض الغرفة، ثم على هذا التوجيه بشكل ما أفاده من إقامته
حِّجاء فى الواقعتين جميعاً فى المشربة ، فإن البيت غير المشربة إلا أن يقال بتعدد
المشربة، وإن إحدی المشربتین کان فى بيت عائشة، وقد ورد فی طر یق أبى سفيان
عن جابر عند أبى داؤد: ((فوجدناه فى مشربة لعائشة)) فإذن تكون المشربة فى
بيت عائشة والله أعلم .
قوله : مالك بن أنس . هذه رواية شاذة عنه رواها الوليد بن مسلم عنه،
وأما الرواية المشهورة عنه فهى عدم جواز اقتداء القائم خلف القاعد على خلاف
مذهب الجمهور .
- : باب منه :-
اختلفت الروايات فى أن النبى عَ لّ هل كان إماماً فى هذه الصلاة أو
مأموماً ؟ فإن كان إماماً فيصح به استدلال الحنفية والشافعية لمذهبهم، وإن كان

٤٣١
بحث صلانه فٍَّ خلف أبى بكر كانت قائماً أو قاعداً
قال أبو عيسى : حديث عائشة حديث حسن صحيح غريب . وقد روى
عن عائشة عن النبى معَّكُلّ أنه قال: ((إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً)).
وروى عنها: ((إن النبى معَّ} خرج فى مرضه وأبوبكر يصلى بالناس
فصلى إلى جنب أبى بكر والناس يأتمون بأبى بكر، وأبو بكر بأتم بالنبى وض ؟)).
وروى عنها: ((إن النبي ◌ُّ له صلى خلف أبى بكر قاعداً)).
وروى عن أنس بن مالك: ((إن النبي ◌َّ صلى خلف أبى بكر وهو قاعد)).
مأموماً فلا تقوم به الحجة على الحنابلة ، قال الراقم : والحنابلة لزمهم القول
بأنه كان إماماً حيث حملوه بأنه غير ناسخ، وإن القعود طرء فى وسط الصلاة،
فيصح احتجاجهم على الحنابلة، ولذا نزعت الحنابلة إلى منزع آخر فى الجواب
وإلا فكان يكفى أن يقولوا أنه كان مأموماً لا إماماً ، ويقول الحافظ فى " الفتح"
(٢ - ١٣٠): ولكن تظافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبى
عَلي كان هو الإمام فى تلك الصلاة اهـ. ولكن أكثر المحدثين إلى تعدد
الواقعتين بأنه كان إماماً فى حادثة ومأموماً خلف أبى بكر فى أخرى ، وهو
الصواب كما تقدم تفصيل البحث فيه فى ( باب القراءة بالمرسلات فى صلاة
المغرب ) وحكى البدر العينى وغيره القول بالتعدد عن ابن الملقن وابن ناصر
وغيرهما فلانعيده. قال العراقى فى " شرح التقريب" (٢ - ٢٣٦): فقد
كان مرضه عليه الصلاة والسلام اثنى عشر يوماً فيه ستون صلاة أو نحوها . وقد
أشار إلى ذلك الشافعى بقوله: ((لو صلى رسول اللّه عَ﴾ خلف أبى بكر مرة
لم يمنع ذلك أن يكون صلى خلفه أبو بكر أخرى آهـ)، وذكر ابن سعد فى
"طبقاته" (ج ـ ٣ ق - ١ ص - ١٢٨): ((اشتكى رسول اللّه عّ لّ ثلاثة
عشر يوماً ، فكان إذا وجد خفة صلى، وإذا ثقل صلى أبو بكر)). وقال
الشيخ المحدث مولانا رشيد أحمد الكنكوهى: بأنه مجدّ الّ اقتدى أولاً ثم لما تأخر
أبوبكر فتقدم رسول اللّه عَّخلّ فصار إماماً، فذكر بعضهم أول حاله وبعضهم
٢٨

٤٣٢
معارف السنن
ج - ٣
حدثنا بذلك عبد الله بن أبي زياد ناشهابة بن سوارنا محمد بن طلحة عن
حميد عن ثابت عن أنس قال: ((صلى رسول اللّه حَالٍ فى مرضه خلف أبى بكر
قاعداً فى الثوب متوشحاً به » .
آخر حاله ، فذكر كل ما لم يذكره الآخر ، فجعل مولانا الكنكوهى الواقعتين
واحدة، أفاده شيخنا رحمه اللّه، وكذلك حكاه الشيخ مولانا محمد بحبى فى
" الكوكب الدرى" غير أن ههنا أوضح مما هناك ، ثم إن الشافعى سبق إليه
وقال: وكان أبو بكر فيها أولاً إماماً ثم صار مأموماً الخ. كما فى " الفتح"
( ٢ - ١٤٥ ) .
ثم إنه ورد فى حديث ابن عباس عند ابن ماجه أنه قال ابن عباس: ((وأخذ
رسول اللّه فَ ◌ٍّ من القراءة من حيث كان بلغ أبوبكر)). قال وكيع: وكذا
السنة اهـ رواه ابن ماجه (باب صلاة رسول اللّه ◌َا﴾ فى مرضه) (ص -
٨٨) من طريق وكيع عن إسرائيل. قال الراقم: وإسناده صحيح إن كان على
ابن محمد شيخ ابن ماجه فيه هو أبو الحسن الطنافسى ، وإن كان على بن محمد
القرشى الكوفى فإسناده حسن ، ذكره ابن حبان فى الثقات كما فى "التهذيب"
وكلاهما يروى عن وكيع كما يروى عنهما جميعاً ابن ماجه ، ثم رأيت فى "الفتح"
أن الحافظ تعرض له فى سياق آخر ، وقال : إسناده حسن . أنظر" الفتح"
(١ - ١٤٥). وكذلك أخرجه أحمد عن ابن عباس فى " مسنده" (١ -
٢٣١ و ٣٥٥ و٣٥٦) الأول من طريق يحيى بن زكريا عن أبيه ، وفيه :
(((واستفتح من الآية التى انتهى إليها أبوبكر)). والثانى من طريق وكيع عن
اسرائيل بلفظ ابن ماجه سواء . والثالث مثل حديث ابن ماجه سنداً ومتناً .
سمعة شيخنا رحمه الله يقول : والحديث أخرجه من المحدثين ما يزيد عددهم
على عشرة. قال الراقم: منها "سنن البيهقى الكبرى" (٣ - ٨١) وفيه :
فاستفتح النبى عَلّ من حيث انتهى أبوبكر من القرآن)). ومنها " سين
لا
١

٤٣٣
شذرة من بحث عدم وجوب الفاتحة خلف الإمام
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . وهكذا رواه يحيى بن أيوب
عن حميد عن أنس ، وقد رواه غير واحد عن حميد عن أنس ، ولم يذكروا فيه
عن ثابت ، ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح .
الدار قطنى" (ص - ١٥٣) وفيه: ((فقرأ من المكان الذى انتهى أبوبكر من
السورة)). وذكره فى "العمدة" ; ٢ - ٧١٥) غير معزو إلى الدار قطنى.
وكذا ذكره فى "الفتح" (٢ - ١٣٢). ثم هو عند الدار قطنى من حديث
ابن عباس عن العباس، ومنها ما فى " شرح معاني الآثار" للطحاوى (١ -
٢٣٦) ( باب صلاة الصحيح خلف المريض ) تعليقاً عن ابن عباس . ومنها
ما فى "مشكل الآثار" ثم فى "المعتصر" (ص - ٤٩) ولفظها: ((فاستم
رسول اللّهِ عَّ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة الخ)). وبالجملة فحديث
ابن عباس فى قراءة رسول اللّه وَّخالٍ من موضع انتهى إليه أبوبكر من القرآن
حديث صحيح ، أخرجه أحمد فى «مسنده" فى مواضع بأسانيد صحيحة ، وأخرجه
ابن ماجه فى " سننه"، والطحاوى فى " معانى الآثار" و"مشكل الآثار"،
ثم الدار قطنى ، ثم البيهقى ، فهذه سبعة ، وقد عزاه الشيخ فيما ألقاه فى درس
" صحيح البخارى" كما فى " فيض البارى" إلى أحمد وابن ماجه والطحاوى
والدار قطنى وابن الجارود وأبي يعلى والطبرى والبزار وابن سعد . والكتب
التى أخذته عنها كثيرة منها : " العمدة" و" الفتح" و" البداية والنهاية"
من الجزء الخامس و"المرقاة" و"المعتصر" وما سوى ذلك من كتب السير.
وفى بعض الروايات ما يدل على أنه كان أبو بكر فرغ من قراءة الفاتحة
وأخذ رسول اللّه ◌َله من قراءة السورة. وبالجملة فالحديث حجة للحنفية فى
عدم افتراض قراءة الفاتحة خلف الإمام ، قال الشيخ : وقد أوضحت ذلك فى
رسالتى "خاتمة الكتاب فى فاتحة الكتاب" ( ص - ٦ وص - ٧) ولا يصح
( م - ٥٥ )

٤٣٤
معارف السنن
ج - ٣
( باب ما جاء فى الامام بنهض فى الركعتين ناسياً )
حدثنا أحمد بن منيع فا هشيم نا ابن أبى ليلى عن الشعبى قال: ((صى بنا
المغيرة بن شعبة فنهض فى الركعتين فسبح به القوم وسبح بهم ، فلما قضى صلاته
سلم ثم سجد مسجدقى السهو وهو جالس ثم حدثهم أن رسول اللّه عَلّ فعل بهم
.
مثل الذى فعل ))
مثل هذه الصلاة على مذهب الشافعى حيث فائه بحّله قراءة الفاتحة ، وأول من
استدل به الإمام الطحاوى رحمه الله فى "مشكل الآثار" (٢ - ٢٨) (باب
بيان مشكل ما روى فى الصلاة سماها خداجاً ما هى ؟ ) فقال بعد تخريج
الحديث: وكان فى ذلك دليل على أن ترك قراءة فاتحة الكتاب أو بعضها لا تفسد
به الصلاة آهـ. وهو استدلال فى غاية القوة واللطافة، وتصدى بعض الشافعية
ولعله البيهقى فيما أتذكر لجوابه فحمله على الخصوصية . ومن الغريب أن المالكية
لما حملوه عليها لأجل عدم جواز اقتداء القائم على القاعد فقال الشافعية : الأصل
عدم التخصيص ، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال ، أنظر "شرح التقريب" (٢
- ٣٣٩) والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
-: باب ما جاء فى الإمام ينهض فى الركعتين ناسياً :-
فى كتب فقهائنا : إن من قام إلى الثالثة ولم يتشهد فإن كان إلى القعود
أقرب يجلس ولا سهو عليه وإلا قام وسجد للسهو . ولفظ "كنز الدقائق":
وإن مها عن القعود الأول وهو إليه أقرب عاد وإلا لا ويسجد للسهو اهـ ،
وفسروا قرب القعود برفع الإليتين من الأرض وركبتاه على الأرض ، أو ما
لم ينتصب النصف الأسفل كما فى "البحر الرائق" من سجود السهو، وحكى عن
" الكافى" تصحيح الثنى ، وكذا قال ابن الهمام فى " الفتح" أنه الأصح . وفى
ظاهر الرواية: إذا لم يستم قائماً يعود ، وإذا استم قائماً لا يعود ، كما حكاه

٤٣٥
بحث عدم رجوع الإمام إلى القعود إذا قام
وفى الباب عن عقبة بن عامر وسعد وعبد الله بن بحينة . قال أبوعيسى :
حديث المغيرة بن شعبة قد روى من غير وجه عن المغيرة بن شعبة . وقد تكلم
فى " البحر" عن "المبسوط" بأنه ظاهر الرواية. وفى " فتح القدير": قيل:
وهو الأصح اهـ
قال الشيخ : ولظاهر الرواية حديث ولكنه ضعيف. أقول: لعله
يشير إلى حديث قيس بن حازم عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول اللّه عَاجٍ:
((إذا قام الإمام فى الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوى قائماً فليجلس فإن استوى
قائماً فلا يجلس ويسجد سجدقى السهو )) رواه أبو داؤد وابن ماجه ، واللفظ
لأبىدائد ، وفيه جابر الجعنى كما أشار إليه الترمذى ، وأيضاً روى قيس بن
حازم قال: ((صلى بنا سعد بن أبى وقاص فنهض فى الركعتين فسبحنا له فاستم
قائماً، قال: فضى فى قيامه حتى فرغ، قال: أكنتم ترون أن أجلس ؟ إنما
صنعت كما رأيت رسول اللّه فَّ ةٍ بصنع))، قال أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد:
لم نسمع أحداً يرفع هذا الحديث غير أبى معاوية . رواه أبو يعلى والبزار ،
ورجاله رجال الصحيح، كذا فى " مجمع الزوائد" (٢ - ١٥١)، ولعل
إليه أشار الترمذى فى الباب .
تنبيه : اختلف الفقهاء فيما عاد بعد ما استم قائماً هل تفسد صلاته أم لا ؟
فالمشهور أنه تفسد ، وقيل : لا تفسد ، وكذلك اختلف التصحيح ، ورجح
صاحب " البحر" الثانى، ومال إليه ابن الهام، وراجع "البحر" للتفصيل.
ثم هذا كله فى الفرضى الرباعى ، وأما فى النفل الرباعى فيعود على كل حال
والتفصيل فى كتب الفروع .
ثم إن مسألة الباب وفاقية فى المذاهب الأربعة ، فمن قال بفرضية القعدة
الأولى كالحنابلة يجبرها عندهم السهو، ومن قال بسنيتها كالشافعية قالوا بوجوب
السهو عند الترك، وعلى وفق حديث المغيرة عمل المذاهب .

ج - ٣
معارف السنن
بعض أهل العلم فى ابن أبى ليلى من قبل حفظه . قال أحمد : لا يحتج بحديث ابن
أبى ليلى. وقال محمد بن اسماعيل: ابن أبى ليلى وهو صدوق ولا أروى عنه
لأنه لا يدرى صحيح حديثه من سقيمه ، وكل من كان مثل هذا فلا أروى عنه
شيئاً . وقد روى هذا الحديث من غيروجه عن المغيرة بن شعبة .. وروى سفيان
عن جابر عن المغيرة بن شبيل عن قيس بن أبى حازم عن المغيرة بن شعبة .
وجابر الجعفى قد ضعفه بعض أهل العلم ، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن
مهدى وغيرهما ، والعمل على هذا عند أهل العلم على أن الرجل إذا قام فى
الركعتين مضى فى صلاته وسجد سجدتين، منهم من رأى قبل التسليم، ومنهم من
رأى بعد التسليم ، ومن رأى قبل التسليم فحديثه أصح لما روى الزهرى ويحيى
ابن سعيد الأنصارى عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن مجمينة
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا يزيد بن هارون عن المسعودى عن زياد
ابن علاقة قال: ((صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح
به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا ، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدنى السهو
وسلم فقال: هكذا صنع رسول اللّه صَامٍ ))
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقد روى هذا الحديث من
غير وجه عن المغيرة بن شعبة عن النبى اقَد .
وقال الحنابلة بفرضية القعدة الأولى ، ومع هذا تنجبر لو تركت بسجدة
السهو، وهذه هى مرتبة الواجب عند الحنفية، ولم يبق إذن إلا فرق الإصطلاح،
وتقدم تفصيل إثبات مرتبة الواجب فوق السنة ودون الفرض عند الجنفية ولزوم
مائر المذاهب القول بها بمع الإنكاره ظاهراً فى (باب ما جاء فى وصف الصلاة)
قوله : ابن أبى ليلى. هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ضعيف كما قال
الترمذى ، لا بدرى صحيحه من سقيمه، وأما أبوه عبد الرحمن فثقة ، وهو
تابعينى . ويطلق على عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وعلى ابنيه محمد وعيسى وابن

٤٣٧
بحث مقدار المكث بعد التشهد ولزوم سجدة السهو به
( باب ما جاء فى مقدار القعود فى الركعتين الأوليين )
حدثنا محمود بن غيلان نا أبو داؤد هو الطيالسى نا شعبة فا سعد بن ابراهيم
قال سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه قال: ((كان رسول
ابنه عبد الله بن عيسى. أما عبد الرحمن فهو ثقة من رواة الجماعة، وأما
محمد فهو من رواة الأربعة. قال فى "التقريب": صدوق سيئى الحفظ
جداً. وأما عيسى فليس له رواية فى الستة، ولذا يراد بابن عبد الرحمن بن
أبى ليلى محمد لا عيسى، وأما عبدالله بن عيسى فهو من رواة الجماعة . قال فى
"التقريب": ثقة فيه تشيع .
تنبيه : مسألة : إن سجدة السهو قبل السلام أو بعده بأتى فى بابه بعدثلاثة
عشر باباً إن شاء الله تعالى .
-: باب ما جاء فى مقدار القعود فى الركعتين الأوليين :-
المراد بالركعتين الأوليين الأولى والثانية كما فهمه التر مذى، فكان معنى فى
الركعتين أى بعدهما . وقال الحافظ التوربشى فى "شرح المصابيح" كما حكاه
القارى فى "شرح المشكاة" ( ١ - ٥٦٠) أريد الركعة الأولى والثالثة، فيكون
فى الحديث دليل على نفى جلسة الإستراحة، وإليه جنح القارئ، وحكاه صاحب
" مجمع البحار" فى مادة ( رض ف) وضعفه. وفى وجوب سجدة السهو
عند الزيادة على التشهد عندنا أقوال: الأول : قول القاضى خان: أنه لا يجب مالم
يقل: " وعلى آل محمد"، وفى "شرح المنية الصغير" أنه قول الأكثر وهو
الأصح . الثانى : لا يجب ما لم يبلغ إلى قوله: "حميد مجيد" كما فى "التاقار
خانية" عن الحاوى ، حكاهما ابن عابدين فى "رد المحتار" وحكى فى " المنية"
الأول أولاً . الثالث: يلزم بلفظ: " اللهم". الرابع: بلفظ: " اللهم
صل على محمد"، واختاره الزيلعى فى " شرح الكنز". قال : الأصح وجوبه
"بأاللهم صل على محمد"، واختاره فى " البحر" تبعاً "الخلاصة"، و"الحانية"

٤٣٨
معارف السنن
ج - ٣
اللّهِ مَّالّ إذا جلس فى الركعتين الأوليين كأنه على الرضف. قال شعبة: ثم حرك
سعد شفتيه بشتى ، فأقول : حتى يقوم ؟ فيقول : حتى يقوم )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه .
والعمل على هذا عند أهل العلم: يختارون أن لا يطيل الرجل القعود فى الركعتين
الأوليين ، ولا يزيد على التشهد شيئاً فى الركعتين الأوليين . وقالوا : إن زاد
على التشهد فعليه مجدنا السهو ، هكذا روى عن الشعبى وغيره
قال الخير الرملى: فقد اختلف التصحيح كما ترى ، وينبغى ترجيح ما قاله
القاضى الإمام اهـ . حكاه ابن عابدين. قال الشيخ: ينبغى أن يكون المدار فى
التأخير على رأى المبتلى به فيسجد للسهو فى مكث ظنه طويلة. أقول : وفى
" شرح المفية الكبير": وكان الشيخ ظهير الدين المرغيضانى يقول: لا يجب
سجود السهو بقوله: "اللهم صلى على محمد" ونحوه، إنما المعتبر مقدار ما يؤدى
فيه ركن الخ. وقال فى بحث التشهد: والصحيح أن قدر زيادة الحرف ونحوه
غير معتبر فى جنس ما يجب به سجود السهو. وإنما المعتبر ما يؤدى فيه ركن كما فى الجهر
فيما يخافت وعكسه . وكما فى التفكير حال الشك ونحوه على ما عرف فى (باب السهو )
وقوله : "اللهم صل على محمد" يشغل من الزمان ما يمكن أن يؤدى فيه ركن
بخلاف ما دونه آهـ . وفى " المدونة" قال ابن وهب: بلغنى عن أبى بكر الصديق
أنه كان إذا سلم لكأنه على الرضف حتى يقوم ، وإن عمر بن الخطاب قال :
جلوسه بعد السلام بدعة اه .
قوله : كأنه على الرضف ، الرضف الحجارة المحماة على النار ، واحدتها
رضفة كما فى " النهاية" ( ٢ - ٩٠). قال الشيخ: لم أدر داعية مبالغة
الراوى فى حديث الباب مع استقراء طرق الحديث وألفاظه فالله أعلم بالصواب.
قوله : إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ، قال الراقم : سماع أبى عبيدة
من أبيه أمر مختلف فيه ، وليس عدم السماح أمر متفق بينهم بل ربما يرجع

٤٣٩
بحث الإشارة باليد فى الصلاة
( باب ما جاء فى الاشارة فى الصلاة )
حدثنا قتيبة نا الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن نابل
صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب قال: ((مررت برسول اللّه حَ لّه وهو
يصلى فسلمت عليه فرد إلى إشارة وقال: لا أعلم إلا أنه قال إشارة بإصبعه)).
وفى الباب عن بلال وأبىهريرة وأنس وعائشة.
٠
سماعه منه بما ذكر فى "المعجم الأوسط" للطبرانى من حديث زياد بن سعد عن
أبى الزبير قال حدثنى يونس بن عتاب الكوفى سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر
أنه سمع أباه يقول: ((كنت مع النبى ح 9$ فى سفر)) الحديث، وبما أخرج
الحاكم فى "مستدركه" حديث أبى اسماق عن أبى عبيدة عن أبيه فى ذكر يوسف
عليه السلام وصحح اسناده ، أنظر "العمدة" (١ - ٧٣٤ ٧٣٥).
-: باب ما جاء فى الإشارة فى الصلاة :-
رد السلام باللفظ لا يجوز ، وهى مسألة وفاقية فى الأربعة ، نعم ذهب
ابن المسيب والحسن وقتادة إلى أنه لا بأس به، واختلف الأربعة فى الإشارة باليد
لرد السلام، فذهب مالك والشافعى وأحمد إلى جوازها من غير كراهة ، بل
صرح الشافعية باستحبابها ، وعند أبى حنيفة تجوز مع الكراهة، هذا ملخص ما
فى " المغنى" وشرح المهذب" و " فتح القدير". واستدل الجمهور بحديث
الباب ، ويأتى دليل الإمام أبى حنيفة .
رد السلام بالإشارة بالهد ونحوها مكروه، ولا تفسد به الصلاة، والمصافحة
مفسدة . قال شارح "الكنز" الفخر الزيلعى: بالإشارة مكروه وبالمصافحة مفسد،
حكاه ابن الحمام. قال ابن الهمام فى "الفتح" (١ - ٢٩٢) فى المكروهات عن "الغاية"
عن الحلوانى وعن "المحيط" ولفظه: ولنا أن لا نقول به، فإن ما فى " الغاية" عن
الحلوانى وصاحب "المحيط": لا بأس أن يتكلم مع المصلى ويجيب هو برأسه. يفيد عدم

٤٤٠
معارف السفن
ج - ٣
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع نا هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال:
((قلت لبلال: كيف كان النبى حدّ ◌َلا يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو
«.
فى الصلاة ؟ قال": كان يشير بيده).
الكراهة آم. والمفهوم من كلام الإمام أبى جعفر الطحاوى فى "شرح معاني الآثار"
(١ - ٢٦٣ و ٢٦٤) (جاب الإشارة" فى الصلاة) أنه عَّامٍ كان يرد أولاً"
بالإشارة ثم نسخ ذلك أيضاً بنسج الكلام فى الصلاة، أى لما نسخ الكلام
انسحب ذلك على الإشارة فنسخت أيضاً، وظاهر أن الكلام والإشارة كل منها
كان جائزاً ، فلا يبعد أن تنسخ الإشارة كما نسخ الكلام ، واستدل على عدم
الإشارة بحديث ابن مسعود عند قدومه من الحبشة وتسليمه وعدم الرد عليه
بأنه لوكان رد عليه بالإشارة لما أصابه ما أخبر أنه أصابه مما قدم وحدث ، ثم
استدل بحديث جابر يشبه حديث ابن مسعود، ثم أيده بأثر جابر فى ذلك وقال:
فالإيماء باليد فى حديث جابر إنما هو النهى عن السلام لا لرد السلام . ولنا ما
أخرجه أبو داؤد فى " سننه" (١ - ١٣٦) من حديث أبى هريرة ، وسنده
ضعيف ، فإنه فى ( باب الإشارة فى الصلاة ) من طريق محمد بن اسحاق عن
يعقوب بن عتبة، وفيه: (من أشار فى صلاته إشارة تفهم عنه فلبعدلها يعنى الصلاة)).
قال أبو داؤد : هذا الحديث وهم اهـ. والحديث أخرجه الدار قطنى والبيهقى،
ولم يصحح الزيادة فيه أبوزرعة كما فى "العلل" ( ص - ٧٥، قال: وليس
فى شئ من الأحاديث هذا الكلام ، وليس عندى بذاك الصحيح ، وإنما رواه
ابن اسحاق . قال أبو زرعة : واحتمل أن يكون أراد إشارته فى غير جنس
الصلاة اهـ . قال الراقم: والحديث لوصح لكان حجة على جميع الأئمة الأربعة
حيث اتفقوا على عدم فساد الصلاة بالإشارة باليد ، نعم الخلاف فى الكراهة
وعدمها والراجح فيما أرى أن المراد فى الحديث الإشارة فى غير حاجة شرعية،
وهذا قريب مما قاله أبوزرعة احتمالاً، فالفساد فى مثله عندنا ظاهر والله أعلم .