Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
نبذة من مناقب فقيه الملة أبى حنيفة
كبار المحدثين الفقهاء عليه ، وما ذكره الخطيب البغدادى فى " تاريخه " فى
الجزء الثالث عشر من ضد ذلك ، فقد أصبح ذلك وصمة عار لكتابه أبد الدهر
وقد وافاه الكيل الملك الأيوبى الملك المعظم عيسى بن أبى بكر فى" السهم المصيب
فى كبد الخطيب" وابن الجوزى فى " السهم المصيب فى نحر الخطيب"، وسبط
ابن الجوزى فى "الإنتصار لإمام أئمة الأمصار" فى مجلدين، وهو صاحب
التفسير فى تسعة وعشرين مجلداً ، وصاحب " مرآة الزمان" فى أربعين مجلداً،
وكان ممن وضع له القبول فى الأرض بحضر وعظه الأمراء والعلماء ويحضر مثل
الموفق ابن قدامة فى وعظه. والموفق هو الذى يقول فيه ابن تيمية: ما دخل الشام
بعد الأوزاعى مثله . ورد كذلك الحافظ أبو المؤبد الخوارزمى فى مقدمة " جامع
المسافيد" رداً جيداً. وآخر من قام للرد عليه البحاثة الكبير الشيخ محمد زاهد
الكوثرى نزيل القاهرة فألف " تأنيب الخطيب على ما ساقه فى ترجمة أبى حنيفة
من الأكاذيب " فشفى وكفى ، وقد طبع بمصر حديثاً. وما ذكر الإمام الغزالى
فى " المنخول"، وشيخه إمام الحرمين فى " مغيث الخلق" فأجاب عنه غير
واحد من كبار العلماء ، وأحسن ما رأينا ما أجاب به الشيخ مسعود بن شيبة
ابن حسين السندى من أقران المحدث الصغانى فى مقدمة "كتاب التعليم" يبسط
شاف وتحقيقِ وافٍ فأجاد وأفاد ، وهى جزء مخطوط محفوظ عندنا فى" مكتبة
المجلس العلمى" . وكذا الشيخ محمد زاهد الكورى فى كتابه "إحقاق الحق بابطال
الباطل من مغيث الخلق " وطبع قبل عام بالقاهرة . وما رد به ابن أبى شيبة
فى " مصنفه" مائة مسألة وخمس وعشرين فى باب خاص له فيكفيه قبالة وجلالة
لا غضاضة فيه فإن المسائل المنقولة عن أبى حنيفة أقل ما قيل فيها أنها تبلغ ثلاثة
وثمانين ألفاً. وقد أبلغ أبو الفضل الكرمانى عصرى الجوينى إمام الحرمين إلى
خمسمائة ألف مسألة كما فى " إشارات المرام"، والشيخ محمود البابرتى صاحب
" العناية على الهداية" يقول: إن المسائل التى دونها أبو حنيفة ألف ألف ومائتا

٢٦٢
معارف السنن
ج - ٣
ألف وسبعون ألفاً ونيفاً - ١٢٧٠٠٠٠ - أنظر " تأنيب الخطيب" ( ص -
٨٩ ) فما مقدار مائة بجنب هذا القدر المدهش الغامر ، وقد قيل :
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه .
علا أن لأبى حنيفة فى ذلك الذى يزعمه مخالفاً له أدلة نهضة تجد شطرها
بل أكثرها فى " مصنف ابن أبي شيبة" نفسه، ومن ذا الذى ينكر دقة مدارك
الإمام وقوة مآخذه فى المعضلات وغوصه فى المشكلات ، والتفصيل مجال غير
هذا . ثم بعد مدة من كتابة هذه السطور جاءنا " النكت الطريفة فى التحدث عن
ردود ابن أبى شيبة على أبى حنيفة " للشيخ الكوثرى طال بقاؤه فتقل الأقوال
الثلاثة فى تعداد المسائل المنقولة عن الإمام ، وذكر نقد ابن أبى شيبة ثم قال :
إن أخذنا العدد الأقل تكون نسبة العدد المسائل المنتقدة إليه نسبة الواحد إلى
(٦٦٤) وهذا شئ لا يذكر فى مسائل مجتهد غير معصوم بخطنى ويصيب فضلا
عما إذا أخذنا العدد الأوسط أو الأكثر فإن النسبة فى الأوسط تكون نسبة الواحد
إلى (٤٠٠٠) وفى الأكثر تكون نسبة الواحد إلى (١٠١٦٠) وهكذا يتضاءل عدد
المسائل المفروض الغلط فيه بالنسبة إلى كثرة مسائله، ثم ذكر أن نصف تلك المسائل
الأحاديث فيها مختلفة والوجوه المرجحة متعارضة، والنصف الباقى خمس منها خالف
أخبار الآحاد فيه نص الكتاب، وخمس خالف الخبر المشهور، وخمس اختلف فيه
أفهام الفقهاء وتبينت فيه دقة فهم الإمام دون الآخرين ، وخمس غلط فيه ابن
أبى شيبة فى عزوه إلى الإمام ومذهبه على خلافه فبقى خمس وهو نحو اثنتى عشرة
مسألة تبين فيه خطأه على أكبر تنزل اه ملخصاً، فنسبة هذه الأخطاء إلى كثرة مسائله
نسبة القطرة إلى البحر. وبالجملة فمن عرف أباحنيفة فقيه الأمة وفقيه الملة حق معرفته
لم يكن فى حاجة إلى ما ذكروه، ومن لم يعرفه فلينظر الكتب المفردة فى مآثره
ومفاخره حتى ينبلج الصبح للناظرين، فدونك "الإنتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء"
لحافظ المغرب عصرى الخطيب حافظ المشرق أبى عمر ابن عبد البر الأندلسى

٢٦٣
بيان مزية أبى حنيفة على أقر انه
المالكى و "المناقب" للإمام الموفق بن أحمد المكى، والكردرى، و"الخيرات الحسان"
للشيخ ابن حجر المكى، و "تبييض الصحيفة" للشيخ الجلال السيوطى من المطبوعات،
وكتاب "أخبار أبى حنيفة وأصحابه" الحافظ أبى عبد اللّه الصيمرى، وكذا الحافظ
أبى القاسم بن أبى العوام السغدى من المخطوطات ، وما إلى ذلك من مخطوطات
ومطبوعات ما يطول الكلام بذكرها .
ويكفى لمزبة مذهبه وفضل شخصيته ما جمع اللّه له من أعوانه وأنصاره
صفوة أهل عصره من أصحابه الفقهاء المحدثين، وذلك ما يحدثنا الخطيب فى "تاريخه"
بسنده عن ابن كرامة قال: كنا عند وكيع يوماً فقال رجل : أخطأ أبو حنيفة .
فقال وكيع : كيف بقدر أبو حنيفة بخطئ ؟ ومعه مثل أبى يوسف وزفر فى
قياسهما، ومثل يحيى بن أبى زائدة، وحفص بن غياث، وحبان ومندل فى حفظهم.
الحديث ، والقاسم بن معن فى معرفته باللغة والعربية، وداؤد الطائى وفضيل
ابن عياض فى زهدهما وورعهما ، ومن كان هؤلاء جلساؤه لم يكد بخطئى، لأنه
إن أخطأ ردوه اهـ. وحكاه ابن شيبة السندى وزاد فى روايته : وحمزة الزيات
وعافية الأزدى فى القرآن الخ . وعند ابن أبى العوام بالأسانيد الصحيحة : كان.
أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب أربعين رجلا كبراء الكبراء اهـ. وعند ابن
أبى العوام والصيمرى والموفق المكى تفصيل أسماء طائفة من هؤلاء فى هذا الصدد،
منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وزفر بن الهذيل ، وداؤد الطائى ،
وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد السمتى ، ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة،
وعافية الأزدى ، وحفص بن غياث ، وحبان ، ومندل ، والقاسم بن معن ،
وفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح ، وحمزة الزيات ، ولذا يحدثنا الموفق
المكى بعد ذلك حقيقة تاريخية فيقول : وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم
يستبد فيه بنفسه دونهم ، اجتهاداً منه فى الدين ، ومبالغة فى النصيحة لله ولرسوله
( ٢ - ٣٤)

٢٦٤
معارف السنن
ج - ٣
وللمؤمنين، فكان يلقى المسائل مسألة مسألة ويسمع ما عندهم، ويقول ماعنده ،
ويناظرهم شهراً أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها ، ثم يثبتها أبو يوسف
فى الأصول حتى أثبت الأصول كلها ، وهذا يكون أولى وأصوب وإلى الحق
أقرب ، والقلوب إليه أسكن وبه أطيب ، من مذهب من انفرد فوضع مذهبه
بنفسه ويرجع فيه إلى رأيه انتهى كلامه بحروفه من (٢ - ١٣٣)، ولذا يقول
مسعود بن شيبة : فإذن أبو حنيفة لم يصنع شيئاً من المسائل ، ولم يفرع من
التفاريع إلا بعد البحث والسبر والنخل والتمييز، مع اتفاق أصحابه المذكورين السادة
المبرزين الذين كن كل منهم يقتدى به فى فنه ويقدم على غيره فى وقته ، محنج
بقولهم الكسائى والفراء ، ويتبجح بأقوالهم الأدباء والقراء كالأصمعى وأبى عبيد
وأبىزيد وغير هم الخ .
قال الراقم: فأبو حنيفة أول من وضع أساساً للمجمع الشوروى فى الأحكام
الشرعية الإجتهادية ، وأول واضع لدستور أساسى على أسس شرعية تسمح لكل
مجتهد باجتهاد وحرية مطلقة فى إظهار رأيه والبحث عنه والتمحيص بكل دقة
وإمعان والتفكير بكل أناءة وهدوء، والإذعان الحق بكل ديانة وإنصاف، فإن
اتفقوا على أمر فذاك وإلا كان كل موكولاً إلى رأيه فى سعة أمره راضياً
مرضياً من غير نكير أو استنكاف أو سخط أو عداوة وحسد شأن الأتقياء الأبرار
والعقلاء أولى الأبصار . وبالجملة فهو أول من قام للعمل بعد الصحابة رضوان
الله عليهم بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) وأول من عمل بعدهم بقوله {َ ا؟
حين سأله على رضى الله عنه: ((يارسول الله: إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان: أمر
ولا نهى فما تأمرنى؟ قال: شاوروا الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأى خاصة)).
رواه الطبرانى فى " معجمه الأوسط"، ورجاله موثقون من أهل الصحيح
كما فى " زوائد الهيشمى" (١ - ١٧٨) وأيضاً عن ابن عباس عن على:
(« يا رسول الله أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة

٢٦٥
ذكر فضل مذهب أبى حنيفة على المذاهب
منك ؟ قال : تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ، ولا نقضونه برأى
خاصة)) رواه الطبرانى فى " الكبير" وفيه عبد الله بن كيسان قاله الهيشمى ،
فلاحظ إلى هذا ثم انظر إلى ما يحدثنا الموفق المكى والخطيب البغدادى وغيرهما
من كيان ذلك المجمع الفقهى الذى كونه أبو حنيفة من صفوة أصحابه من أهل
القرآن ومن أهل الحديث وفقهاء عصر، وأهل اللغة وأولى ورع وزهد من
عباد زمانهم ، ويقول الأستاذ أبو القاسم القشرى فى رسالته فى أن سبب زهد
داؤد الطائى هو مجالسته مع أبى حنيفة . ثم وازن هذا بالمذاهب فى عصره فى
العراق والشام والأندلس ومصر والحجاز وفى الذين جاءوا من بعده أريد
بها : مذهب الثورى وابن أبى ليلى فى العراق ، ومذهب الحسن البصرى
بالبصرة ، ومذهب الأوزاعى فى الشام والأندلس ، ومذهب ليث بن سعد فى
مصر ، ومذب مالك فى الحجاز ، والذين جاءوا من بعدهم كالشافعى وأحمد
واسحاق وأبى ثور وابن جرير كلها مذاهب انفرادية وآراء شخصية ، أين ذلك
من مذهب اجتماعى على أساس متين يدقق البحث فى أحكام الشرع تدقيقاً ، ويبحث
عنها ليل نهار صباح مساء نحو ثلاثين عاماً ، ومن أجل هذا كان آخر المذاهب
انقراضاً كما يقوله الشعرانى فى " الميزان" وفى " كشف الغمة " كما كان أولها
وجوداً ، فإذا كان الاجتهاد فى دين الله بهذه المثابة فأجدربه أن يكون ذلك
صلته ، فمثل هذا يستحق أن يوضع له القبول فى الأرض ، وينفع به أمة
هوجاء ويصلح لكل مدنية وحضارة وينضج نضجاً تاماً كما يؤمى إليه ابن خلدون
الأشبيلى المالكى فى مقدمة تاريخه السائرة ، وهذا الذى يقدره من عنى بالبحث
عن الدستور الديموقراطى، والدستور الارستقراطى . فكان شطر الأمة كما يقوله
ابن الأثير الجزرى فى "جامع الأصول"، أو ثلثا الأمة كما يقوله على القارى (فى
" المرقاة" وفى رسالته المفردة فى ترجمته ) على مذهب أبى حنيفة يتعبدون الله،
أجل ! إذا لم يستحق هذه المزية القعساء هذا المذهب فمن ذا الذى يستحقه؟

٢٦٦
معارف السنن
ج - ٣
ولسنا فى شك فى أن المذهب الحنفى لولم يتكون ولولم يظهر بهذه الصورة الجميلة
البديعة ما كان أن يتكون المذهب المالكى فى صورة "المدونة" ولاظهر مابعده من
المذاهب بتلك المظاهر الجميلة الرائعة أو ما كاد . وإلى هذا يرمى كلام الإمام الشافعى
الذى أصبح مضرب مثل فى الأمة : "الناس فى الفقه عيال على أبى حنيفة" كما
صح ذلك عنه من طريق حرملة والربيع وأبى عبيد بأسانيد صحيحة. ولسنا فى شك أن
الفقه هو روح الإجتهاد وروح المذاهب، وبه قوام الأمر ونظامه، فقوله تعالى:
((ليتفقهوا فى الدين)) وقوله حَاج: "من أراد الله به خيراً يفقهه فى الدين"
فى حديث معاوية عند الشيخين يكفى لأهمية الفقه ومزية التفقه إلى غير ذلك من
آيات وأحاديث ليست هى بعيدة عن متناول أيدى أهل العلم ، وهو الذى
يشير إليه كلام الأعمش لأبى حنيفة حين سئل الأعمش عن مسألة فاستعجمت
عليه ، وأجاب عنها أبو حنيفة مستنداً إلى حديث كان يرويه عن الأعمش فقال
الأعمش: " نحن الصيادلة وأنتم الأطباء " كما ساقه ابن عبد البر بسنده فى
"جامع بيان العلم". وروى عن الأعمش أنه قال لأبى حنيفة: حسبك ما حدثتك
فى مائة يوم حدثتنى فى ساعة ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر
الفقهاء ، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة ، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين
١هـ . وليس هذا موضع استيفاء البيان فيه وإن كنت فى ريب من استمداد
هذه المذاهب من مذهبه فاقرأ كتاب " بلوغ الأمانى من سيرة الإمام محمد بن
الحسن الشيبانى" للشيخ الكوثرى حتى ينجلى لك الحال . نعم وقع هناك كلام فى
الإمام من طائفة، إما لأجل الحسد أو المنافرة العصرية ، أو عدم علم على الواقع
فى أول الأمر ، أو اختلاف منزع ومسلك ، وقلما ينجو عن مثله أحد، ولكن
ماذا فعلت تلك الكلمات ؟ " أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث
فى الأرض" فاستقامت الأحوال، وأبدى الضريح عن الرغوة وآلت الحال إلى
ما شحنت به صحف العالم من ثناء أكابر المحدثين الفقهاء عليه مالا تجد نظيره

٢٦٧
بيان فضل أبى حنيفة فى الحديث
لغيره . ويقول ابن معين : ثقة ما سمعت أحداً يضعفه . ويقول: كان أبو حنيفة
ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظ ولا يحدث بما لا يحفظ . وأيضاً هو القائل
حين سئل عنه أثقة؟ فقال: نعم ثقة ثقة كان واللّه أورع من أن يكذب، وهو أجل
قدراً من ذلك ، وعنه لما سئل : هل حدث سفيان عن أبى حنيفة ؟ قال : نعم
كان أبو حنيفة ثقة صدوقاً فى الحديث والفقه مأموناً على دين الله. أنظر ذلك
فى "تاريخ الخطيب" (١٣ - ٤٢٠) فيما ذكر ضمن مثالبه . ويقول ابن
معين أيضاً : ويكتب إليه شعبة أن يحدث ويأمره به وشعبة شعبة . قال الراقم:
وغرضه فيما أرى أن يظهر لأصحاب التحديث فضله فى الحديث كيلا يغتر
المغترون بما عندهم من سرد الروايات ، ولكى يعلم الطاعنون قدره فى الحديث
الذين قصروا عن دقة مداركه فى الفقه ومعضلات المسائل ، فأراد شعبة أن
يحدث ويجعل حلقة للتحديث كما جعل للتفقيه ، وكذلك يوثقه على بن المدينى
شيخ البخارى الذى يقول البخارى فيه : ما استصغرت نفسى كما استصغرت
عند على بن المدينى . ولسنا بصدد استيفاء القول فى هذا الموضوع فإن النطاق
واسع جداً . وهذا الدار قطنى نفسه يعد الإمام محمد بن الحسن الشيبانى صاحب
أبى حنيفة من الحفاظ الثقات فى "غرائب مالك" کما ذكره الز یلعی فی بحث رفع
اليدين من "نصب الرأية" (١ - ٤٠٨)، ويعد أبايوسف القاضى الإمام صاحبه
أوثق من محمد بن الحسن ، كما يحكى الخطيب بسنده من طريق البرقانى عن
الدار قطنى فيقول: "هو أقوى من محمد بن الحسن"، فإذن يكون أبو يوسف
ثقة فوق ثقة كما يعبر به شيخنا الكوثرى، وهذا الإمام أبو يوسف يقول فى شيخه
أبى حنيفة وهو أعرف به : ما خالفت أباحنيفة فى شئى قط فتدبرته إلارأيت
مذهبه الذى ذهب إليه أنجى فى الآخرة ، وكنت ربما ملت إلى الحديث - أى
ظاهره - وكان هو أبصر بالحديث الصحيح منى . ويقول أيضاً : ما رأيت
أحداً أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التى فيه من الفقه من أبى حنيفة اهـ .

٢٦٨
معارف السنن
ج - ٣
كما فى "تاريخ الخطيب" والخطيب يفسر قوله: ما رأيت بما علمت فلاحظ
هذا التعميم. وأبو يوسف هذا هو الذى يقول فيه ابن عدى وابن معين وغيرهما:
ليس فى أصحاب الرأى أكثر حديثاً ولا أثبت رأياً منه : وفيه يقولون :
أحفظهم الحديث وأتبعهم للأثر ، كما فى " ميزان الذهبى" و " طبقاته".
فانظر كيف وثق الدار قطنى صاحبيه ثم يضعف شيخها ، فهل الدار قطنى أعرف
بحال شيخه الذى لبث معه فى البحث عن معضلات النوازل ومشكلات الآثار
والاستبصار بعلمه ورأيه ومعافى الأخبار سبع عشرة سنة لا يفارقه لا فى فطر
ولا فى أضحى كما ذكر الصيمرى فتدرب به وتخرج وجرب علمه : حديثه
وفقهه، فآل كشفه وبحثه إلى أن يقول: هو أبصر بالحديث الصحيح منى. أفهلا
يكون بشهادة مثل هذا الثقة الذى هو فوق ثقة أن يكون أبو حنيفة ثقة فوق
ثقتين، فأرجو القارى الكريم أن يحكم رأيه فى أبى حنيفة ، وفى مثل الدار قطنى الذى
أصبحت عصبيته لمذهبه كالشمس فى رابعة النهار ، وأختم هذا الموضوع
الواسع الأرجاء بكلمة للذهبى فى ابن معين فى " ميزانه" وتعجبنى فقال : ليس
كل كلام وقع فى حافظ كبير لوثه فيه بوجه ، ويحيى فقد قفز القنطرة بل قفز
من الجانب الشرقى إلى الجانب الغربى رحمه اللّه اهـ. فما ظنك إذن فى إمام كبير قفز
علمه وفضله المشارق والمغارب كلها من محدث عصبى كبير فى عصبيته يأتى
بنحو قرنين بعده ، ثم ذلك بجرح مبهم غير مفسر والله يقول الحق وهو
يهدى السبيل .
وأما الحسن بن عمارة فربما بزعم أنه ضعيف وقد صرحوا به أيضاً ،
ولكن من أمعن نظره فى البحث هان عليه خطبه وهو من رجال الترمذى وابن
ماجه والبخارى فى " تاريخه"، وهو الذى تولى غسل أبى حنيفة فيمن تولى كما
فى "تاريخ الخطيب" والمحدث الحافظ الرامهر مزى كلمة فى ابن عمارة فى كتابه
" المحدث الفاصل " تكشف خبية الأمر وترجع خلاصته إلى أن مدار تضعيفه

٢٦٩
إن المرسل المعتضد بفتاوى الصحابة حجة عند المحدثين
على كلام شعبة وكان هو سيتى الرأى فيه وهو مطعون بما هو بريى منه ،
والذى طعنوه به من روايته أحاديث وعمله بخلافها وفعل ذلك كثير منهم لأمور
هناك ، فليس هو بفريد فى مثله، والعلماء يفعلون ذلك لأدلة لاحت لهم. فيكون
الأمر كما قيل :
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها *
فإذن لا أقل من أن يصلح للمتابعة ، فاتفق أبو حنيفة والثورى وشريك
وابن عمارة كلهم عن موسى بن أبى عائشة باسناد الحديث إلى النبى عّ لِّ ما عدا
المسندين فى طرق أخرى تكاد تصلح للشهادة ، فبطل القول بالإرسال والوقف
كما بطل القول بالتفرد بالرفع والوصل . ثم إن الوصل والرفع من قبيل الزيادة
وزيادة الثقة مقبولة كما نقدم غيرمرة ، فكيف إذا زاد ثقات تضافروا على
إسناده. هذا والله ولى التوفيق وقد طالبى الكلام وخرج بى من القصد الذى
أنا بصدده فى هذا الشرح بيد أفى أرجو أن تكون فيه بصيرة ومقنع للناظرين .
والثانى : إنا لوتنزلنا عن كونه مسنداً وسلمنا أنه مرسل فنقول : إن
مثل هذا المرسل المعتضد بفتاوى الصحابة حجة عند المحدثين كافة . قال البيهقى
فى "المعرفة" وغيرها: أن الشافعى يقبل مراسيل كبار التابعين إذا اعتضد بمسند
آخر ، أو أرسل من وجه آخر ، أو عضده قول صحابى ، أو فتوى عوام من
أهل العلم، حكاه الحافظ علاء الدين الماردينى فى ( باب فرض الغسل وفى الوضوء
من القهقهة ) وغير ذلك . علا أن الاحتجاج بالمرسل كان سنة متوارثة جرت
عليه الأمة فى القرون الفاضلة حتى قال ابن جرير : رد المرسل مطلقاً بدعة
حدثت فى رأس المائتين ، كما ذكره الباجى فى "أصوله"، وابن عبد البر
فى " التمهيد" وابن رجب فى " شرح علل الترمذى" حكاه الكوثرى فى
"تأنيب الخطيب" (ص - ١٥٢). وقدقال أبو داؤد السجزى فى رسالته إلى
أهل مكة : وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثورى

٢٧٠
معارف السنن
ج - ٣
ومالك بن أنس ، والأوزاعى حتى جاء الشافعى فتكلم فيه اهـ . وانظر تفصيل
هذا البحث فى " تعليقات الكوثرى على شروط الأئمة الخمسة " الحازمى فقد
استوفاه تحقيقاً ، ونبذ منه فى مقدمة " نصب الرأية" له، وشئى منه
فى " التأنيب" له أيضاً . وف غت عنه فى مقدمة " معارف السنن". علا
أن هذا مرسل صحابى لا تابعى وقبوله كلمة إجماع من الأمة ومحل اتفاق بين
الأئمة كما نبه عليه الحافظ ابن قيمية وقد أسلفناه وياتى أبسط منه، ثم إنه وافقهم
بعض فتاواهم لفظه .
فمنها فتوى ابن عمر عند مالك فى "مؤطئه" قال: ((إذا صلى أحدكم
خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ (هـ)) وهو من طريق
نافع عن ابن عمر أصح الأسانيد عند البخارى .
ومنها فتوى زيد بن ثابت عند مسلم فى سجدة التلاوة من"صحيحه" أخرج من
طريق عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: (( لا
قراءة مع الإمام فى شئ ا هـ)).
ومنها فتوى جابر بن عبد الله كما هو عند الترمذى فى " سننه" فى آخر
هذا الباب من طريق مالك عن وهب بن كيسان عن جابر الخ . ثم فى الباب آثار
أخر للصحابة والتابعين تقدم بعضها فى الباب السابق ، وراجع لبعضها تعليق
"آثار السنن" للنيموى - من الجزء الأول- و" إعلاء السنن" للشيخ ظفر أحمد
التهانوى - من الجزء الرابع مع تعليقاته - فقد شفى وكفى .
قال شيخنا فى " فصل الخطاب": وفتوى بعض الصحابة بهذا اللفظ ظاهر
فى أنه متلقى عندهم من السنة اهـ .
والثالث: أنه إذا كان مرسلا فمرسله هو عبد الله بن شداد وهو صمائى
صغير له رؤية وإن لم يكن له سماع ، واعترف به الحافظ فى " الفتح" وثبت
ذلك عن أحمد . قال فى "فصل الخطاب" (ص - ٩٧ ): وقد ذكروه فى

٢٧١
تصحیح حديث جابر
كتب الصحابة " كالإصابة" وغيرها. وفى "الفتح" (٤ - ٣٥٦) قوله
عبد الله بن شداد أى ابن الهاد الليثى وهو من صغار الصحابة اهـ . وفيه (٣-
٧) لكن إسناد ذلك قوى أخرجه اسمعيل القاضى فى " أحكامه " والطبرى فى
"تفسيره" وأبو داؤد فى "إعلام النبوة" له كلهم من طريق عبد الله بن شداد
ابن الهاد وهو من صغار الصحابة رؤيةً ومن كبار التابعين علماً ، وشيوخه
الذين ذكروا فى ترجمته هم الصحابة ، وهذا كاف لمن وفق العمل الخ . وفى
" الفتح" ( ٨ - ٢٤٢): عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين ١ هـ ، (أى
علماً وقلقياً ). وفى " الفتح" ( ٩ - ٤٠٦): عبد الله بن شداد هو ابن خالة
ابن عباس اهـ . ومراسيل الصحابة مقبولة عندهم بالإجماع .
وبالجملة صح الحديث إن كان مسنداً فهو الحجة وإن كان مرسلة فهو
كذلك حجة مقبولة ، وقد عضده آثار الصحابة ، فانقطع كل علة كانوا
يذكرونها . فما يقوله الحافظ فى "الفتح" و "التلخيص" من ضعفه بجميع
طرقه زنه أمام هذه البينات الواضحات ولم تسمح نفسه بأن نصرح بتصبحح
إرساله ، وبأنه مرسل صحابى ، وكيف ! وإذن كان يلزم القول به على مذهبه
أيضاً فتنبه والله سبحانه ولى التوفيق والهداية . ثم إن الحديث هذا أخرجه الحاكم
من طريق أبى حنيفة أيضاً مسنداً كما ذكره ابن الهمام فى "الفتح". قال الشيخ:
ولم أجده فى النسخة المطبوعة، وذكر فيه قصة أن رسول اللّه حَ لّ صلى ورجل
خلفه يقرأ فجعل رجل من أصحاب النبي عَلّ ينهاه عن القراءة فى الصلاة فلما
انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أننهائى عن القراءة خلف رسول اللّه ◌َاجٍ؟
فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبي عَلّ فَقال عَلّ: ((من صلى خلف إمام فإن قراءة
الإمام له قراءة)) قال : وفى رواية لأبى حنيفة أن ذلك كان فى الظهر أو العصر،
فإذن الحديث: كان نصاً فى ترك القراءة فى السرية كما هونص فى الترك فى
(م - ٣٥)

٢٧٢
معارف السنن
ج - ٣
الجهرية ، وقد استدل به ابن الهمام فى " الفتح" (١ - ٢٣٩) بعد ذكره.
أقول : ودل الحديث بهذه القصة على مسألة أخرى أيضاً وهى أنه دليل
على النهى عن القراءة مطلقاً لا كما يتبادر من ظاهر اللفظ أنه دليل على الكفاية دون
المنع فيفيد على الأقل كراهة تحريم القراءة للمأموم فى السرية أيضاً ، وهو الذى
يرمى إليه كلام ابن الهمام فى " الفتح" كيف ولو كانت قراءتها مندوبة أو
مباحة لما كان معنى لتأييد من ينهى عن القراءة فإن رسول اللّه عَ لّ ساقه تأييداً
لمن كان ينهى الآخر عن القراءة، ولم يقرر الآخر على القراءة . وبالجملة فنى
الحديث بهذه القصة دليل للمشهور من المذهب من كراهة القراءة للمأموم فى
السرية أيضاً والله أعلم .
قال الشيخ : ولنا حديثان آخران فى ترك القراءة فى السرية ، وفيا
ذكرنا كفاية كذلك فى " العرف الشذى" ولم يذكرهما وكذا لم يذكرهما فى
" فصل الخطاب " فى هذا الصدد ، ولعله بريد بهما حديث عمران بن حصين:
(( إن رسول اللّه عََّجٍ صلى الظهر فجعل رجل بقرأ خلفه " بسيح اسم ربك
الأعلى " فلما انصرف قال: أبكم قرأ - أو أيكم القارى - ؟ قال رجل: أنا،
فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها)) رواه مسلم فى " صحيحه"، والحمل
بالجهر بعيد فإن ذلك كانت فى صلاة سرية ، وإذا لم يجهر فيها الإمام فكيف
يجهر المأموم ، والمخالجة تحصل بالسر أيضاً إذا كان المأموم قريباً من الإمام
وبالأخص إذا كان للقارى همهمة، علا أنه يمكن أن يكون هذا التأثير فى القراءة
سراً من قبيل قوله : " إنما يلبس علينا هؤلاء" عند عدم إحسانهم الطهور ،
وكرفع معرفة ليلة القدر لتلاحى الناس . أشار إليه شيخنا فى بعض كتاباته ،
فيكون أثراً معنوياً لفعله ذلك ثم رأيت فى "فتح الملهم" تعرض إليه شيخنا العثمانى
أيضاً وأوضحه فليراجع .
وأما الحديث الآخر وهو الثالث فى الباب فلعله يريد به حديث ابن مسعود

٢٧٣
أدلة ترك القراءة فى السرية
قال: ((كانوا يقرءون خلف الفبى معَّ له فقال: خلطتم على القرآن)) رواه أحمد وأبو يعلى
والبزار، وقال الهيثمى فى " الزوند (٢ - ١١٠ )؛ ورجال أحمد رجال
الصحيح، وفى ٣الجوهر النقي" معزواً إلى البزار بإسناده: وهذا سند جيد اهـ .
وتأويله بالجهر أو بما فوق الفاتحة لا دليل عليه فى الحديث ، ثم هو بعمومه
دليل فى الترك فى الجهرية والسرية جميعاً ، وإليهما يشير الترمذى فى الباب .
ويتلخص فى تنقيح الغرض سابقاً ولا حقاً أمور :
الأول: إن قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن الخ ) نزلت بمكة فى
الصلاة ، فكان نصاً فى ترك قراءة المأموم فى الجهرية .
الثانى: إن قوله ◌َ لَّ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) قاله بالمدينة
وهو فى حق الإمام والمنفرد كما ذكره الترمذى عن أحمد وأبو داؤد عن سفيان
ولا علاقة له بالمأموم ، وكان هو منهياً عنه قبل ذلك .
الثالث : إنه قرأ رجل خلفه فى الصبح من غير تشريع له سابقاً وعسى
أنه قرأ استنباطاً منه من الحديث المذكور فأباح له الفاتحة نظراً إلى حرصه
وتحمل ذلك فى الفاتحة فحسب نظراً إلى أهميتها وما إلى ذلك ، ودل على
مرجوحية هذه الإباحة قوله فى بعض الروايات: ((إن كنتم لابد فاعلين فليقرأ
أحدكم فاتحة الكتاب فى نفسه ))، وهو مفاد حديث محمد بن اسحاق أيضاً فقد
استشهد لقراءة الفاتحة بما سبق من حكمها فى الصلاة نفسها نظراً للمنفرد والإمام،
ولم يكن سوق الكلام لإباحة الفاتحة للمقتدى ولا بيان حاله وحكمه فإن ذلك
كان أمراً مفروغاً عنه عند نزول الآية . فكان المذكور فى حديث ابن اسماق
استشهاداً من أجل ذلك لا تعليلاً واستدلالاً .
الرابع : أنه لما كان أباح الفاتحة وأصبح سبباً للمنازعة مع الإمام وناسب
الحجر عنها سداً للباب فوقعت الإشارة إلى المنع عنها ، فانتهى الجمهور عنها
فيما جهر فيه مِ له، وعليه حديث ابن أكيمة الليّى عن أبى هريرة.

٢٧٤
معارف السنن
٤ - ٣
الخامس : أنه لما كان أصل المنازعة يتحقق فى القراءة سراً أيضاً وأصبح
للمنازعة فى السرية فأرشد إلى أن قراءة الإمام قراءة للمأموم ، وذلك كان فى
السرية كما أن حديث ابن أكيمة فى الجهرية ، وإلى هذا المنهاج فى البحث يرمى
كلام الشيخ الكنكوهى ، فهكذا وقع التدريب والتمرين وانتهى الأمر إلى ما
أراده بالتدريج والإمهال ، ويمكن أن يدعى أحد فى مثل حديث محمد بن
اسحاق أنه لا إباحة فى قراءتها المقتدى فإن جواز قراءتها وإباحتها إنما هو
للمجموع أى لا يخلو صلانكم عنها ، فلابد أن تقرأ فى الصلاة، ولما كانت
صلاة المأموم والإمام واحدة كانت قراءة الإمام له قراءة تبعاً . فالمأموم أيضاً
قارئ تبعاً وحكماً ، فليس الغرض الإباحة للجميع من الإمام والمأموم بل هو
للمجموع منهم ، فإذا حصلت من واحد حقيقةً حصلت من الكل حكماً ،
فيكون قوله: فإنه لا صلاة الخ أى لا صلاة لمن لم يقرأ حقيقة أو حكماً فالمقتدى
هو القاری حکماً فإذن يكون تعليلاً لا استشهاداً ، ومع هذا لا يكون دليلاً
لقراءة الماموم حقيقةً ، وله نظائر منها كما يقال لقوم جرى فيهم تثويب
للصلوات على غير سنة: " لا تفعلوا إلا بالأذان" فليس الغرض أن يؤذن كل
واحد. وكما يقال " قتله بنو فلان" فالغرض أنه قتله بعضهم ، أو وقع فيهم
القتل لا أن كل واحد باشر قتله ، ومنه قوله تعالى: ( وإذ قتلتم نفساً فأدارأتم
فيها ) غير أن مثل هذا البحث إنما هو لإفحام الخصم لا إظهاراً للواقع
والشيخ رحمه الله فى " فصل الخطاب" (ص - ٦٧) وما بعدها اختار منهاجاً
آخر أيضاً قريباً من هذا، وملخصه أنه يحتمل أن يكون فى حديث محمد بن اسماق
وجوب الفاتحة فى الصلاة قصداً مع الإباحه للمقتدى تبعاً وليس الغرض تعميم الفاعل
بل تعيين المفعول به وهما أمران ، فالغرض قراءة الفاتحة على شاكلة فرض الكفاية
لا عمل كل واحد لزوماً على شاكلة فرض العين فالتبس على الناظرين تعيين المفعول
به بتعميم الفاعل لزوماً، وإنما كان فى حد الرخصة، ونظير ذلك قوله تعالى: (قل فأتوا

٢٧٥
بيان آثار ابن مسعود فى ترك القراءة مطلقاً
وفى الباب عن ابن مسعود وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله . قال
أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وابن أكيمة الليثى اسمه عمارة ويقال عمرو بن
أكيمة . وروى بعض أصحاب الزهرى هذا الحديث وذكروا هذا الحرف قال
قال الزهرى: فانتهى الناس من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول اللّه عَ لجاره ..
بالتوراة) وقوله: (فأتوا بسورة من مثله) وقوله: فى الحديث: ((إنهم لن يقرأوا
كتابك إذا لم يكن مختوماً)، وقوله: ((ألستم تقرءون)، أى فى كتابكم يا أخت
هارون . فالحاصل أن لهم أن يكتفوا بالإمام فلا يقرءوا ، ولهم أن يأخذوا
بعدم التعفيف على من قرأ، فالإيجاب على واحد وهو الإمام ، والإباحة لمن
عداه، ومن محاسن هذا الجواب أن قوله: ((فإنه لا صلاة الخ )) يكون دليلاً
لكل من المستثنى منه والمستثنى فى قوله: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن آه))
والفرق بين هذا وذاك أن فى هذا تبقى الإباحة للمقتدى ، وفى ذاك لا تبقى ،
وبالجملة فهذان وجهان آخران فى الجواب ، وقد تقدم فيما سبق ثلاثة وجوه
غيرها ، فالكل خمسة ، وراجع " فصل الخطاب" (ص - ٦٥) وما بعدها
و (ص - ٧٥ ) وما بعدها وبالله التوفيق.
قوله: وفى الباب عن ابن مسعود الخ. أما حديث ابن مسعود المرفوع فقد تقدم تخريجه
قريباً من "مسند أحمد" وغيره. ثبت عنه رضى الله عنه القراءة وتركها فى السرية، أما
الترك فما أخرجه الطحاوى عنه: (( ليت الذى يقرأ خلف الإمام ملی فوه تراباً ، ور وى
عنه آثار أخرى فى الترك بطرق شتى عند محمد بن الحسن والطبرانى بأسانيد صحيحة ثابتة،
وأما القراءة فما أخرجه البخارى فى "جزئه" باسناده عن أبى مريم قال: «سمعت ابن
مسعود يقرأ خلف الإمام (هـ)، ولكن الأول أثبت وأشهر ، وهو الذى عليه
تعامل أصحابه الكوفيون كالأسود وعلقمة وغيرهما ، فأصحابه أعلم بهديه من غيرهم
هلا أن ذلك فى واقعة جزئية لا عموم لها وتحتمل محامل ، وانظر تفصيل آثاره
المروية عنه فى الترك فى " إعلاء السنن".

٢٧٦
معارف السفن
ج - ٣
وحديث عمران بن حصين أخرجه مسلم وغيره قال : «صلى بنا رسول
اللّه ◌َُّلي صلاة الظهر أو العصر فقال: أيكم قرأ خلفى "بسبح اسم ربك الأعلى"؟
فقال رجل : أنا ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها ،
وكذا أخرجه أبوداؤد وغيره واللفظ لمسلم فى بعض طرقه ، وتقدم لفظه الآخر
قريباً ، وهو كذلك لفظ مسلم .
قال الشيخ : قرأ هو هذه السورة فقط لا أنه قرأ الفاتحة ، ثم قرأها حيث
لا دليل عليه .
و حديث جابر صیأتی فی "الجامع " نفسه قريباً وهو موقوف وقد روى مرفوعاً
عند الطحاوى فى " شرح الآثار" (١ - ١٢٨) من طريق يحيى بن سلام عن
مالك ويحيى بن سلام ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال أبو حاتم : صدوق .
وقال أبو زرعة : لا بأس به وربما وهم ، أنظر ترجمته فى "رجال الطحاوى"
وفى "لسان الميزان"، و"ميزان الإعتدال". وفيه بحرين نصر وهو أبو عبد الله
المصرى ثقة كما فى " رجال الطحاوى". وبالجملة حديثه حسن إن شاء الله.
والظاهر أن الترمذى يشير بحديث جابر إلى حديث: ((من كان له إمام فقرءاة الإمام
له قراءة)) وقد عرفت حاله آنفاً فصح مرسلة ومسنداً بطرق شتى وعضده فتيا
الصحابة وآثارهم بل وافقه ألفاظهم ما هو دليل على أنه متلقى من السنة المرفوعة
على أن كل موقوف دليل مستقل فإن مثله فى حكم المرفوع . وتقدم بيانه بما
کفی وشفى .
ولنا فى نفى القراءة ما أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن موسى بن عقبة
وهو من صغار التابعين - إمام فى المغازى - ((أن رسول اللّه عَ لٍّ وأبابكر وعمر
وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإمام ، أخرجه البدر العينى فى "العمدة"
(٣ - ٦٧) وفيه انقطاع. وانظر "إعلاء السنن" لتقويته وفى "فصل الخطاب*
نقلاً عن "الكنز" (٤ - ١٣٢): ((أقيموا الصفوف وحاذوا بالمناكب وأنصتوا.

٢٧/٧
تحقيق قوله : وليس فى هذا الحديث ما يدخل الخ
وليس فى هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام لأن
أبا هريرة هو الذى روى عن النبى معَّ هذا الحديث.
وروى أبوهريرة عن النبى معَّه أنه قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها
بأم القرآن فهى خداج غير تمام .
فإن أجر المنصت الذى لا يسمع كأجر المنصت الذى يسمع)، وعن عثمان بن عفان
موقوفاً وراجع " فصل الخطاب" ( ص ٣٦ و ٣٧ و٣٨) لعدة مراسيل أخرى ،
وحديث مرفوع من حديث أبى هريرة. ثم قال الشيخ : وقد ذكرنا الفرق بين
المرسل المتلقى من التوارث ، وبين المرسل المجرد عنه ، وهو الوجه فى كونه حجة
عند اعتضاده بفتاوى الصحابة ولكن قد يكون الأمر كما قال ابن معين : إنما
يطعن فى حديث بسرة من لا يذهب إليه اهـ . ذكره فى "التلخيص". اهـ .
قوله : وليس فى هذا الحديث ما يدخل على من رأى الخ . "بدخل" هنا
من الدخل لامن الدخول. والدخل محركة الغش والفساد ، كما فسر فى "القاموس"
وغيره بالفساد والمكر والخديعة والعيب ، ومنه قوله تعالى : ( ولا تتخذوا
أيمانكم دخلاً بينكم) أى دغلا وخديعة. ويريد الترمذى بقوله هذا : أن هذا
الحديث لا يرد على القائلين بالقراءة خلف الإمام فإن أبا هريرة راويه ممن
يرى القراءة خلفه ويروى حديثاً بدل عليه أى فلابد أن يتأول فيه أى بالقراءة
جهراً أو بما فوق الفاتحة، مهذا الذى انتهوا عنه . قلت : قد علمت قيمة هذه
التأويلات ، وبأنى تحقيق مذهبه وقوله هذا .
قوله : فهى خداج غير تمام . يقال : خدجت الناقة خداجاً فهى خدوج
إذا ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام وإن كان تام الخلق ، فهذا فى المجرد ،
ويقال: أخدجت الناقة فهى محمدج ومخدجة جاءت بولدها ناقص الخلق وقد تم
وقت حملها. فهذا فى المزيد ، ومنه " الخديجة " من أسماء نساء العرب.
وبعضهم لا يفرقون بين استعماله مجرداً ومزيداً ، والقولان ذكرهما صاحب

٢٧٨
معارف السنن
ج - ٣
" اللسان" (٣ - ٧٢ و ٧٣) إلا أنه جعل من التفعيل مثل المجرد وزاد
قولاً ثالثاً وهو عكس الأول .
فيكون الحديث دل على أن الصلاة بغير الفاتحة تكون ناقصة لا أنها باطلة
لا عبرة لها أصلاً وهو الذى يقوله الخلفية من عدم بطلان الصلاة بعدمها ولا يرد
ههنا دخول المكروه تحريماً فى أمر الشارع عليه السلام كما كان يرد فى قوله
تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) وقوله فَ الجُ: ((ثم اقرأ بما تيسر معك
من القرآن)) نفى شئ بانتفاء شئ آخر ، كما تقدم هذا اللفظ عند الترمذى
فى حديث المسئ صلاته، وأوضحنا ذلك فى كتاب الطهارة فى حديث: ((مفتاح
الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، والشيخ تعرض إليه فى " فصل
الخطاب " أيضاً فليراجع هذا وذاك فقد حقق ما هو الصواب والحق .
ومثل حديث تمام الصلاة بعد التشهد بسند فيه ضعف كما تقدم فى حديث
"مفتاح الصلاة" تخريجه وتحقيقه وقفاً ورفعاً.
قال الشيخ : ولذا أشكل على الشيخ عبد الحق الدهلوى أن حديث تمام
الصلاة بعد التشهد بدل على ركنية التسليم ، ولكنه يلزم الكراهة تحريماً فى قول
الشارع وكيف بلاثم هذا .
أقول: لعله ذكره فى "اللمعات" أو "أشعة اللمعات" أو غيره من تأليفه،
ولم أوغل فى البحث لعدم وجود كتبه عندى . والفقهاء من علمائنا صرحوا
بأن من أحدث بعد التشهد قبل السلام فيجب عليه أن يتوضأ ويتم صلاته ويسلم،
وقد بحثنا عن هذه المسألة فيما تقدم غير مرة وبينا هناك أن الخلاف فى مثل هذه
الأمور خلاف ذهنى لاثمرة له فى الخارج إلا قليلا جداً فإن الوجوب فى التسليم
وتعديل الأركان وما أشبه ذلك من الواجبات مسلم عندنا ، والمصلى بترك مثل
هذا عاص ، والإعادة عليه واجبة ، وكذلك نقحنا فيما سبق فى الطهارة وغيرها
مسألة " فرضية الخروج بصنع المصلى" وقد تعرض فى " البحر الرائق" إليها

٢٧٩
بيان قوله : أقرأ بها فى نفسك
فقال له حامل الحديث: إنى أكون أحياناً وراء الإمام ؟ قال: اقرأ بها فى نفسك))
فى مواضع فاستوفى البحث من نواحيه ، وكذلك ابن عابدين فى " ردالمحتار"
فليراجعهما من أراد وقوفاً على التفصيل والتحقيق والله ولى التوفيق .
قوله: اقرأبها فى نفسك الخ . هذا نحمله على الصلاة السرية لا على الجهرية
لما تقدم من "كتاب القراءة" للبيهقى أن مذهب عائشة وأبى هريرة: عدم القراءة
فى الجهرية ، وقد تقدم تفصيل كل ذلك ، والتوفيق بين ما صح عنه من
الروايتين أولى بل ألزم من إسقاط أحدهما من غير بيئة وبرهان بل إن رواية
" الموطأ" عنه صريحة فى عدم وجوب الفاتحة على المؤتم على أنه لم يستدل فى
هذا السياق بمثل حديث عبادة وهو عنده بمعناه عند أى داؤد وغيره كما سلف،
فكيف يستقيم - لو كان هو قائلاً فى الجهرية ويكون حديث لا صلاة الخ عاماً
للكل - : أن يستند إلى أمر غير صريح فى المقصود ويذر ما كان نصاً فى الباب
كحديث: ((لا صلاة الخ)) إن كان نصاً كما يزعمونه ، وهل يقاوم مثل هذه
الاستدلالات الخفية الإجتهادية ما ثبت عنه من الصرائح القوية كحديث :
((وإذا قرأ فانصتوا)). وكحديث: (فانتهى الناس عن القراءة الخ)) على أن مذهب
الشافعى والخصوم : العبرة لما روى لا لمارآى ، فالحال أن مثل هذه التمحلات
والتأولات أمام الصرائح والحقائق الملموسة والآثار المكشوفة لا نسمن
ولاتغنى من جوع . فرحم الله من أذعن للحق الصراح وأذرى الهباء أدراج
الرياح. وفى "الموطأ" لمالك (ص - ٤) فى - من أدرك من الصلاة - من
أبى هريرة: ((من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فائه قراءة
أم القرآن فقد فاته خير كثير)». فدل أثره ذلك على أن مدرك الركوع مدرك
للركعة وإن لم يقرأ الفاتحة وإن فاته خير كثير . فأين وجوب الفاتحة ؟ ! ولا
يبعد أن يكون الفوات هو هذا الخير الكثير فى الجهرية إن قلنا به فيها من فوات
( م - ٦؟)

٢٨٠
معارف السنن
ج -..
تأمين المؤتم وهو مغفرة لما تقدم من ذنبه إذا وافق تأمين الملائكة، ورأيت إشارة
إليه فى " فصل الخطاب" أيضاً. وعلى السرية حمله مالك فى " مؤطئه " كما
تقدم بيانه .
قال الشيخ : وما يقول البخارى فى "جزء القراءة" أن إدراك الركعة
بإدراك الركوع عند من لم ير القراءة خلف الإمام ، فأما من رأى القراءة
كأبى هريرة فقال : لا يجزيه حتى يدرك الإمام قائماً انتهى ملخصاً ، فمعارض
بما رواه مالك فى "مؤطئه" عنه، علا أنه ظهرلى أن مراده بذلك أن يدرك
الإمام قائماً قبل الإنحناء ، لا أنه لأجل وجوب الفاتحة .
قال الراقم: ولو كان مراده ماأراد البخارى منه لكان حق التعبير أن يقول
لا يجز به حتى بقرأ الفاتحة ، لا أن يقول : حتى يدرك الإمام . وبالجملة فكلامه
صريح فى أن مناط إدراك الركعة على إدراك الإم حالة قيامه لا على إدراك الفاتحة
مع أن هذا أيضاً خلاف مذهب جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم
من أئمة الدين. قال الشيخ: ثم رأيت ذلك من مذهبه صراحة كما فى "بداية المجتهد"
لابن رشد (١ - ١٤٦) من الباب الثانى فى القضاء حيث يقول: والقول الثانى
أنه إذا ركع الإمام فقد فانته الركعة وأنه لا يدركها ما لم يدركه قائماً، وهو
منسوب إلى أبى هريرة انتهى كلامه . ومثله فى "العمدة" (٢ - ٥٥٩) قال:
وروى معناه عن أشهب . وحكاه فى " إمام الكلام" من ابن عبد البر كما ذكره
شيخنا فى " تعليقات الآثار" . ثم ما ذكره البحارى ليس هو مذهب جمهور
السلف ولا مذاهب الأئمة الأربعة، وإنما اختاره بعد البخارى صاحب ابن خزيمة
أبوبكر الصبغى ، وقواه الشيخ تقي الدين السبكى ، وإليه كان يذهب الشوكانى .
ثم رجع عنه فى "الفتح الربانى" ونسب إلى ابن خزيمة ذلك أيضاً. وتردد
فيه الحافظ فى " التلخيص" وقال: إن ما فى " صحيحه" مغاير لمانقلوه . قال
شيخنا رحمه الله: كان هو مذهب أبى بكر الصبغى تلميذه فنسب إلى شيخه خطأ".