Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
بيان ما يمكن أن يستنبط من حديث عبادة وما لا يستنبط
وهؤلاء حصروه فى القدر المستحب عندهم وهو السورة ، وحملوا الواجب على
ظهر المستحب .
الخامس : إن الشارع استفهم عن أصل القراءة ثم أباح الفاتحة من بعد ،
وهؤلاء جعلوا الفاتحة من قبل .
السادس : إن الشارع جعل قوله : " فإنه لا صلاة الخ" من قبل كأنه
مفروغ عنه سابقاً ومعهود قبله ، وهؤلاء جعلوه من بعد .
السابع : إن الشارع سلك العموم فى قوله : "فإنه لا صلاة الخ" لكل من
يصلى أى بوصف به من غير تحليل ، وهؤلاء قصروه على المقتدى لأجل قولهم
باقتصار المقتدى على الفاتحة فقط ، والحال أنه إنما يوصف به بتحليل منطقى
وبقطع النظر عن الربط مع الإمام .
الثامن : إن الشارع استدل بحال المصلى فى نفسه على حاله مع الإمام ،
وهؤلاء جعلوه فى الموضعين مع غيره .
التاسع : إن الشارع بنى كلامه على الفرق فى السياق فلم يقل : فإنه لا بد
منها ، ولا : فإنه لا بد فعلها ، والنقل من الخطاب فى الاستدلال إلى الغيبة .
وهؤلاء ألغوا كل ذلك .
العاشر: إن الشارع استدل بحال على حال ، وهؤلاء جعلوه عين ما قبله .
الحادى عشر: إن الشارع استدل بحال كل من يصلى ، وهؤلاء قصروه
على حال الاقتداء .
الثانى عشر : إن الشارع استدل بحال كل صلاة صلاة ، وهؤلاء جعلوه
بحال كل شخص شخص فيها .
فهذه أمور يصل إلى مغزاها كل من عنى بمثلها وعاناها وكان معتنى
بالعثور على غرض الشارع ومرماه من غير أن يقصر نظره على معتقده قبل
كل شئى والله ولى التوفيق والإعانة .
٢٢٢
معارف السنن
ج - ٣
قد انتهت ما أردته من نقل كلام الشيخ فى كتابه "فصل الخطاب" من
مواضع بتلخيص فى مواضع وإيضاح فى مواضع ، وكما هو بنصه فى مواضع
واختصار فى مواضع . وسنأتى بنتف فى مواضع أخر من متعلقات هذه
المسألة . والغرض من نقل هذه الجواهر هو الحرص بابراز علومه وأفكاره الدقيقة
الأولى العلم سافرة المحيا متهللة الجبين وبالله التوفيق والإعانة .
-: تلخيص تصحيح زيادة"فصاعداً" على أصولهم من جهة مصطلح الحديث (١) :-
قد ذكر من قبل أن حديث عبادة قد صح فيه زيادة قوله : "فصاعداً"
فإذن لا يستقيم أن يكون الحديث فى حق المقتدى ؛ فإن المتمسكين بحديث عبادة
من الشافعية لا يقولون بوجوب ما زاد على الفاتحة على المقتدى ، فأجابوا بأن
عامة الثقات لم يتابعوا معمراً على ذلك ، كما يقوله البخارى فى "جزء القراءة"
وهذه الإجابة لا اصابة فيه من وجهين :
أما أولاً : فإن معمراً ثقة، وزيادة الثقاة مقبولة عندهم على ما نقرر
فى محله ، فلو لم يتابعه أحد لكان حجة فى صحتها رواية معمر إياها ، وقد تقدم
أن معمراً فى غاية الجلالة فى الزهرى ، وأنه أوثق الناس فيه كما يقوله أحمد
وابن معين ، فإذا لم يكن رواية مثله عن الزهرى حجة فمن ذا الذي يكون حجة
وإن من ذكر حجة على من لم يذكر . وإن الناظر ليضطر أن يقول فى مثله أن
ما ذكره البخارى والبيهقى وغيرهما فى تعليله لا يمكن أن يصح على أصولهم ،
وإنما ذلك أثر معتقد ذهنى ومنزع مذهبى جاء من قبل فقههم لا حديثهم .
وأما ثانياً : فإن معمراً لم يتفرد به ، بل تابعه على ذلك سفيان بن عيينة
(١) كتبت هذا الحديث بضوء ما أفاده الشيخ فى "فصل الخطاب"، وما أفاده
الحافظ علاء الدين الماردينى والبدر العينى وغيرهم من الأعلام مع إضافات
وإفاضات .
٢٢٣
بيان متابعة معمر فى زيادة قوله فصاعداً
عند أبى داؤد ، والأوزاعى وشعيب بن أبى حمزة عند البيهقى فى "كتاب القراءة"
من طريق أحمد بن هارون المستملى ، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات كما فى
"لسان الميزان"، وتابعه عبد الرحمن بن اسحاق عند البخارى فى "جزئه". وهو
المدنى من رجال مسلم ، لا أبوشيبة الواسطى الضعيف ، واستشهد به البخارى
وقال : مقارب الحديث ، كما حكاه الزيلعى .
يقول الراقم : والذى يروى عن الزهرى هو المدنى لا الواسطى . وقد ذكر
فى "التهذيب" الزهرى فى شيوخ المدنى دون الواسطى. وعد فى " التقريب "
المدنى من السادسة والواسطى من السابعة، وفى "كنز العمال" (٨ - ٢٢٩ )
يقول فى الواسطى: وليس هو بعباد الذى روى عن الزهرى ذاك صالح الحديث
اهـ. فتبين من هذا كله أن الراوى هنا هو المدنى، وأنها إثنان . ومن أجل
ذلك إن البخارى لم يطعن فيه فى "جزئه"، ولو كان هو الواسطى كان يغمز.
ألبتة، وإنما اختار وجهة أخرى فى تعليله فقال : ويقال: إن عبد الرح بن
اسحاق تابع معمراً ، وإن عبد الرحمن ربما روى عن الزهرى ، ثم أدخل بينه
وبين الزهرى غيره ، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لااهـ .
قال الراقم : كل ذلك لا يضر فإنه يمكن أنه سمعه من الزهرى بواسطة
وبغير واسطة ، وغايته أن يكون من المزيد فى متصل الأسانيد . ثم إذا كان
الراوى ثقة ولم يعلم أنه من غير صحيح حديثه فالمتبادر أنه من صحيحه . علا أن
المتابعات قطعت كل حيلة وريبة . وبالجملة فهما إثنان لا كما يتوهم من كلام
الزيلعى فى "نصب الرأية" وحدتها ضمن كلامه على حديث ركعتى الفجر عند
أبى داؤد وغيره: "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل" وكذلك ابن الهام فى " فتح
القدير" ظنها واحداً تبعاً له. أنظر "نصب الرأية" (٢ - ١٦٠) و" الفتح"
لابن الهام (١ - ٣٤٤). والزيلعى تبع فى ذلك المنذري كما تبع الزيلعى
( م - ٢٩ ).
١۵
٢٢٤
معارف السنن
ج - ٣
ابن الهام ، ثم تسامح الزيلعى فى الاقتصار على مجرد نقله من غير أن ينقحه .
وكل منهما فى إدراك الفريضة. وكذلك تابعه صالح كما فى "العمدة" (٣ -
٦٩) وهو صالح بن كيسان من رجال الستة . فهؤلاء معمر ، وشعيب،
والأوزاعى ، وسفيان ، وعبد الرحمن بن اسحاق ، وصالح كلهم يروى هذه
الزيادة ، فلاريب أنها صحيحة بدون شذوذ وعلة ، وثبت ذلك عند مسلم والنسائى
وأبى داؤد وغيرهم ، ولها شواهد من حديث أبى هريرة وأبى سعيد ورفاعة
وجابر بن عبد الله، فحديث أبى هريرة أخرجه فى "سننه" قال قال رسول الله
حَُّله: ((أخرج فناد فى المدينة: أنه لا صلاة إلا بالقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما
زاد)). وفى لفظ آخر: ((أمرنى رسول اللّه ◌َ اهي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة
الكتاب فما زاد)) أخرجه فى ( باب من ترك القراءة فى صلاته ) ( ١ - ١١٨ )
وفيه جعفر بن ميمون تكلم فيه بعضهم ووثقه بعضهم ، فقال ابن معين مرة :
صالح الحديث ، وقال الدار قطنى : يعتبربه ، وقال ابن عدى : لم أر أحاديثه
منكرة ، وقال أبوحاتم : صالح ، وقال الحاكم : هو من ثقات البصريين ،
وذكره ابن حبان وابن شاهين فى الثقات . هذا ملخص ما ذكره فى "الميزان"
(١ - ١٩٤) و" التهذيب" ( ٢ - ١٠٩)، وأقل أحوال مثله أن يكون
حديثه حسناً ، علاأنه تابعه عبدالكريم بن رشيد عند البيهقى فى "كتاب القراءة"
(ص - ١٤ )، وهو من رجال النسائى، فبطل زعم تفرد جعفر، أفاده
شيخنا فى "فصل الخطاب"، والحديث أخرجه أحمد وابن الجارود والبخارى
فى "الجزء"، وأخرجه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي فى "تلخيصه". وفى
بعض الطرق " وما زاد" بالواؤ، كما هو عند البخارى فى "الجزء" وابن عدى
كما فى "الميزان" (١ - ١٩٤) ، فالفاء أشد اتصالاً بما قبلها وإن كان ربما
يختلف حكم ما بعدها ، والواو الجمع المطلق تدل على أن حكم ما بعدها كحكم
ما قبلها. ورواية أحمد ( ٢ - ٤٢٨) وابن الجارود ( ص - ٩٨) بالفاء
٢٢٥
بيان شواهد زيادة فصاعداً عن الأحاديث
مثل أبىدائد .
وحديث أبى سعيد فأخرجه أيضاً أبو داؤد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة
الکتاب وما تیسر» فى ( باب من ترك القراءة فی صلاته ) ور واه أحمد وابن
حبان فى "صحيحه" وأبو يعلى فى " مسنده" كما فى " نصب الرأية" (١ -
٣٦٤)، ولفظ ابن حبان: ((أمرنا رسول اللّهمَ﴾ الخ)) وعزاه فى "الفتح"
إلى أبى داؤد بلفظ ابن حبان. وقال فى "الفتح" (٢ - ٢٠٢): وسنده
قوى . وقال فى " التلخيص" (ص - ٨٧): إسناء صحيح، ومثله قال
الحافظ اليعمرى : اسناده صحيح ورجاله ثقات ، كما حكاه صاحب " النيل".
وحديث رفاعة فكذلك أخرجه أبوداؤد وفيه: «ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء
الله أن تقرأ)) فى ( باب صلاة من لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود) ورواه
أحمد بلفظ: ((ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت)) كما فى " نصب الرأية"
(١ - ٣٦٤)، ورواه ابن حبان بلفظ أحمد كما فى " الفتح" (٢ - ٢٣١)
وسنده صحيح إلا أن فيه بعض اختلاف كما تقدم بيانه فى حديث رفاعة فى
وصف الصلاة . وحديث جابر فأخرجه الطحاوى وفيه: ((قال: وكنا نتحدث
أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما فوق ذلك - أو قال -: فما أكثر من
ذلك)) فى " شرح معاني الآثار" (١ - ١٢٤) فى (باب القراءة فى الظهر
والعصر) ورواه البيهقى فى " كتاب القراءة" كما فى " فصل الخطاب" . ور وى
ابن ماجه أصل الحديث من غير هذه الزيادة ، وبلفظ الطحاوى رواه البخارى
فى "جزئه" إلا أنه ليس فيه: " فما فوق ذلك"، وكذا فى رواية ابن ماجه
والطحاوى اختلاف فى لفظ "خلف الإمام" فذكره ابن ماجه ولم يذكره الطحاوى
وكذا البخارى .
قال الراقم : وفى الباب حديث عمران بن حصين عند ابن عدى مرفوعاً :
(( لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعداً)). وفيه ربيع بن
٢٢٦
معارف السنن
ج - ٣
بدر، ضعفه البخارى وغيره، وحديث ابن عمر عنده كذلك: ((لا يجزئ
المکتوبة إلا بفاتحة الكتاب و ثلاث آیات فصاعداً )» . وفيه عمر بن زيد ، وهو
منكر الحديث ، وحديث أبى مسعود البدرى عند أبى نعيم: (( لا يجزئ صلاة
لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ معها)). أخرج هذه الثلاثة الزيلعى. وفى
الباب أحاديث أخر عن جابر عند الطبرانى وعائشة وغيرها فى " زوائد الهيثمى"
(٢ - ١١٥) و"الكنز" (٤ - ٩٦). وبالجملة فهذه الشواهد أكثرها
صالح للاحتجاج ، فضلاً عن الاستشهاد ، تؤيد مسلك الإمام أبى حنيفة فى حكم
ما عدا الفاتحة ، وتدل أنها ليست للمأموم
فالحاصل أن أسلوب هذه الأحاديث وأسلوب حديث فصاعداً واحد يدل
على وجوب ما بعد الفاتحة مع اختلاف فى بعضها فى التعبير والسياق واتحاد فى
ملحظها ومحط فائدتها ، وإذن أكيف يصح بأمثالها المقتدى التمسك والإحتجاج .
-: كلمة فى زيادة قوله : "فصاعداً" والبحث عنها :-
قال الشيخ رحمه الله : لما استدل الحنفية بوجوب السورة وما يقوم مقامها
بالحديث المذكور فأجاب عنه الشافعية بالإختلاف فى حكم ما قبل "فصاعداً" وما
بعده ، فزعموا أن حكم ما قبله فقط الوجوب دون حكم ما بعده ، وإنما حكمه
التخيير دون الوجوب ، وهذا غير جيد لغة ، فإن قواعد اللغة دلت على استواء
حكها وجوباً وندباً وإباحةً، وربما يختلف حكمها فى "الفاء" لخصائص جزئية
خارجة، ولا يختلف حكمها فى مثله فى "الواو" أصلاً، ولما استدل الحنفية بأنه
دل من جهة ثبوت هذه الزيادة بأنه فى غير المقتدى أجابوا عنه بالتوزيع فى
نظمه بأن ما قبله للجميع ، وما بعده للإمام والمنفرد . وهذا أيضاً غير جيد فإنه
يوجب فكاً فى نظمه وركة فى نسقه ، وليس فى الحديث سياقه ونصه أى إيماء
إلى التوزيع بأحوال المصلين ، فحمل الحديث على ما يستحقه أساليب الفصاحة
٢٢٧
تحقيق مفاد قوله فصاعداً من جهة العربية
أولى . ثم إن قوله: "فصاعداً" إن كان تعلقه بالفعل المثبت الواقع فى حيز
النفى فالكل تحت النفى ولا مخلص لهم بالقول بالتفريق بين حكم ما قبله وما بعده
وإن كان تعلقه بالنفى فكذلك كلاهما تحت النفى ، ولا بن حاجب فى أماليه كلام
طويل فى أن المتعلقات فى الكلام المنفى بماذا يتعلق بالنفى أو الفعل المنفى
وكلا الاستعمالين فى القرآن العزيز ، وكلام ابن حاجب فى أماليه ذكره
ابن السبكى فى " عروس الأفراح" (١ - ٦٠) مع زيادات وأمثلة وذكر فى
أمثلة التعلق بالنفى قوله : (وما قتلوه يقيناً) ومن أمثلة التعلق بالفعل المنفى قوله:
( وما فعلته عن أمرى ، ولا يسئلون الناس الجافاً ). وذكر أنه الأصل
وهو الكثير .
-: كلمة فى تحقيق قوله : "فصاعداً" على قواعد العربية :-
ثم إن الشيخ رحمه اللّه فى "فصل الخطاب" من (ص - ٤ إلى ١٦ و٥٦
٥٧ ) قد تكلم على قوله : "فصاعداً" من جهة العربية كلاماً دقيقاً ، وأفاض
فی نواحیه ، وأجاب عما استدل به البخارى فى "جز ئه" محتجاً بكلام سيبويه ،
ولكن الكلام كله كان دقيقاً غامضاً على أسلوب كتاباته الخاصة ، والموضوع
ذلك كان أدق البحوث القيمة فى كتابه ، ولدقته وانشعاب أنواعه أصبح روضاً
أنفاً، لم يرتع فى حماه أحد، وطالما بقيت الأنظار حائرة فى حله وتحليله ،
وأدركت أن كل من تعرض لهذا الموضوع ، ولنقل كلامه لم يدرك مغزى
كلامه رحمه الله فأخل فى النقل ولم يستوف أغراضه وأنواعه وأصنافه ، أو أراد.
تلخيصه وتنقيحه فلم يفهمه فجاء وحرف مراده وأخطأ فى بيان المراد ، كل
ذلك لدقة مرماه ومغزاه حتى فات الانتفاع ببقية أبحاث الرسالة لوقوع هذا
البحث فى أوائلها فظنوا أن الرسالة كلها هكذا الغاز وإيجاز والبحث هذا كان
فى غاية من الأهمية لأن ما استدل به للحنفية بقواعد أهل الأر من إثبات زيادة
٢٢٨
معارف السنن
ج - ٣
الثقات وضم المتابعات وكون الحديث بعد ذلك حجة للإمام أبى حنيفة قد رده
الإمام البخارى فى " جزئه " ملتجئاً بكلام سيبويه فى كتابه ومن العجيب أنه
قد مضت قرون على جزء البخارى وقد ضعف استدلال الحنفية بعبارة من
كتاب سيبويه والجنفية لم يزالوا يحتجون به ولا يلتفتون إلى كلام البخارى ولا إلى
کلام سيبويه ، فشيخنا رحمه الله أول من تنبه له وقام للجواب عنه بما يكفى ويشفى
وكان كما قيل :
لذى اربة فى القول جداً ولا هزلاً
شفی و کفی ما فى الصدور ولم يدع
فحاولت - بعد ما أطلت فيه تفكيرى ، وفهمته بثلج صدر وشفاء
قلب - أن أزف نتفاً من عرائسه بتلخيص وإيضاح فأقول وبالله سبحانه
التوفيق والمعونة .
زعم بعضهم أن قوله : " فصاعداً" فى الحديث المذكور لا يدل على
وجوب السورة أصلاً ، فإنه الإيجاب ما قبله وللتخيير فيما بعده . فتكون الفاتحة
فقط واجبة دون ما عداها . وزعموا أن شاكلة اللغة فيه كما فى قوله : "تقطع
اليد فى ربع دينار فصاعداً" فلاحاجة إلى أن يتحقق ما بعده بل يكفى الحكم السابق
ما قبله ، فكذلك ههنا يكفى للصحة الفاتحة فقط ولا يفتقر فى صحتها إلى ما بعدها
فإذن لا يكون ما عداها واجباً ، فصار مناط الحكم هو ما قبله سواء تحقق ما
بعده أو لم يتحقق . وهذا إيضاح ما يقوله البخارى فى "جزئه" وهذا غير جيد
بل غير صحيح ؛ فإن هذا اللفظ فى اللغة لانسحاب حكم ما قبله على ما بعده ،
إن وجوباً فوجوباً ، وإن غيره فغيره ، فلابد إذن أن ينسحب الحكم المصدر
إيجاباً كان أو استحباباً أو إباحة وتخييراً بحسب اقتضاء المقام على كلا الجزئين
من غير تفريق بينها . ولما كان حكم ما قبله ههنا الوجوب وقد سلموه فليكن
حكم ما بعده كذلك الوجوب ألبتة ، نعم ربما يدل على الاقتصار على ما قبله
من غير أن ينسجب على ما بعده ، لا أنه ينسحب علبه ثم يختلف حكمه عما قبله
٢٢٩
بقية تحقيق قوله : فصاعداً
وذلك فى الصلاة نفسها مثلاً، فإن الحكم ذلك من الانسحاب قد اقتصر على
الركعتين الأوليين منها ولم يمتد إلى ما بعدهما، فيتوزع حكمه على أبعاض الصلاة
فكأن الحكم يكفى فى الجملة لا فى كل ركعة وركعة منها ، وقد تقرر بأدلة ثابتة
عند الحنفية بأنه لا وجوب فيما بعد الأوليين للفاتحة ، فلا يكون ذلك الوجوب
فيما زاد أيضاً ، فإن حكمها حكمه فحيث لا وجوب فيما قبله لا وجوب فيما بعده.
قال الطيبي: إذا لم نقل بوجوب الزائد لا يستقيم أن نقول بوجوب الفاتحة أيضاً
من هذا الحديث اهـ. أنظر فهذا الطبى مع كونه شافعياً اعترف بما هو الحق
لغة وعربية وجلالة قدره فى أسرار العربية فيها لا تنكر .
وأما قوله فَُّلّ: ((تقطع اليد فى ربع دينار فصاعداً)) فمعناه تقطع فى
هذا وفى هذا فلا ينقطع القطع بالربع فقط بل ينسحب على ما بعد الربع كما
أنه ينسحب على الربع والكل سبب للقطع برأسه لا أنها تقطع فى ربعه فقط أو فيه
مع شتى بجعل الربع أصلاً مؤثراً ومناطاً الحكم بل كما أن الربع مؤثر كذلك
الثلث والنصف على السواء من غير ما فرق ، لا لأجل أن الثلث مؤثر مثلً
بواسطة أن الربع فيه وسيتضح ذلك عن قريب إن شاء الله .
وزعم بعضهم أن الأمر فيه على التوزيع والتقسيم بحسب أحوال المصلين
وأشخاصهم من الإمام والمنفرد والمأموم، فقراءة الفاتحة فصاعداً للإمام والمنفرد
والفاتحة فقط للمأموم . وهذا أيضاً غير صحيح ، فإن الحديث ليس فيه أية
إشارة إلى التوزيع على الأشخاص بل هو نص فى حال "صلاة" ثم يتحقق من خارج
هل هى صلاة المأموم أو الإمام ، لا أنه ورد فيه حكمها معاً ، فإن مثل هذا
لا يراد منه لالغة ولا عرفاً .
وزعم بعضهم أنه بجواز الاقتصار على ما قبله دائماً . وقال بعضهم: أنه
الجمع دائماً . وكلا الرأيين بمعزل عن الصواب كأخويها ؛ بل يأتى حيناً لهذا
وخيناً لذاك بحسب القرائن من مواد الأمثلة . نعم متى كان لجمع ففى حكم ما قبله
٢٣٠
معارف السنن
ج - ٣
من غير تفريق بين حكم القبل والبعد، ولذا قلنا: حيث شرعت السورة كالأوليين
تكون واجبه وحيث لم فلا تجب .
وتحقيق ذلك. أن "صاعداً" فى قوله: " فصاعداً" منصوب على الحال
حذف عامله تخفيفاً لكثرة استعماله، ومثله قولهم: فنازلاً، فسافلاً ، فزائداً ،
وما إلى ذلك ما فى معناها، وبدخل عليه من حروف العطف "الفاء" و"ثم" لإفادتها
الترتيب ، ثم الفاء أكثر استعمالاً لاتصالها بما قبلها ، ولم تصح دخول الواو
فى مثله، فإن الغرض فى المذكور التوزيع والترتيب من قدة إلى كثرة أو بالعكس،
وهى لا تدل على ذلك فإنها تأتى لمطلق الجمع من غير ترتيب ، ولذا أنكر
سيبويه فى كتابه دخولها فى مثله . فإذا وقع فى التركيب بلفظ: " فصاعداً"
ففاده اجمالاً أن الحكم لم ينته بالمذكور قبله ، بل يرتقى ويزيد ويصعد إلى أن
ينضم ما بعده إلى ما قبله . وأما مفاده تفصيلاً فتختلف ملاحظه فى مواقعه
وموارد استعماله من الاثبات، والنفى، والخير، والإنشاء ، ثم فى الخبر من
الماضى والمستقبل ، وكونه واقعاً فى المقادير أو غيرها ، وكونه شيئاً واحداً
أو أشياء متعددة. ثم المتعدد هى متحدة أم متغايرة . وهل هو فى الأثمان أو غيرها
ما يطول الكلام بذكر أمثلته جداً . فنذكر عدة من أمثلة متفرقة كى تنجلى فى
مراثيها صورته الصادقة ، فمن أمثلته فى الماضى المثبت من قسم الخبر فى الثمن
وفى الأشياء المتعددة المتجانسة : " بعته بدرهم فصاعداً"، أو "ثم زائداً"،
أى ذهب الثمن صاعداً وزائداً ، وحذف ههنا ذو الحال أيضاً كما حذف عامله
فذهب عامل ، والثمن ذو الحال ، وصاعداً حال . فيقال هذا إذا كان هناك
أشياء متجانسة بيع بعضها بدرهم والبواقى بأكثر، ومن هذا القبيل مثال سيبويه
فى كتابه: أخذته بدرهم فصاعداً أو فزائداً ، فالغرض فيها أن هذا البيع وهذا
الشراء كانا بأثمان مختلفة ، فأخبر أولاً بأدنى الأثمان ثم جعل بعضها يتلو بعضاً
فى الزيادة والصعود ، ولم ينته ذلك بالدرهم المذكور ، بل صار بعضها مثلاً
٢٣١
تحقيق كلمة " فصاعداً"
بدرهم وقيراط وبعضها بدرهم ودائق، ومن هذا القبيل: قرأت كل يوم جزأ
من القرآن فصاعداً ، أى ذهبت القراءة صاعدة فى كل يوم ، ففى كل مثال من
هذه الأمثلة المذكورة جاء الحال للتوزيع على أنواع وليس فيه تخيير . ثم إنما
جاء هذا التوزيع والتقسيم من تلقاء المادة وخصوصية المقام كما عرفت، فكانت
واقعة البيع والشراء وعمل القراءة فى الإزدياد ، فإذا كان هناك شئى واحد لا
يتصور فيه التوزيع ، فالاستدلال بالأمثلة المذكورة على التوزيع دائماً ظاهر البطلان.
ومن أمثلته بصيغة الأمر من قسم الإنشاء كما يقال فى شتى واحد : بعه بدرهم
فصاعداً ، فالغرض أن المأمور به أقله وهو الدرهم ، فلا یکون أنزل منه وفيما
بعده من التخيير ، وقس على ذلك من أمثلة المقادير فى الأمر : تصدق بديقار
فصاعداً ، واشتره بدينار فسافلاً . فربما يختلف فيها حكم ما قبله وما بعده
بالايجاب والتخيير . ومن أمثلة غير المقادير ما فى حديث عند أحمد فى "مسنده":
((أمر رسول اللّه عَ ل﴾ أن نستشرف العين والأذن فصاعداً)) أى لم ينته
الاستشراف بها فقط بل ذهب صاعداً إلى سائر الأعضاء ، فالحكم فيه واحد
فما قبله ومابعده، ليس فيه تغییر ولا توزيع . ومثله فی حدیث عند الترمذى فى
"جامعه": قال مجاهد: الصيام ثلاثة أيام ، والطعام لستة مساكين ، والفسك
شاة فصاعداً، فهذا من المقادير أيضاً . غير أن فيما بعده التخيير . ومثله ما عن
ابن عباس فى "الدر المنثور" فى تفسير قوله تعالى: (فما استيسر من الهدى) :
شاة فما فوقها .
وبالجملة فقد يقتصر الحكم على ما قبله ، وقد يمتد إلى ما بعده ، ونظير.
ما اشتمل حكم ما قبله على ما بعده قوله تعالى : ( بعوضة فما فوقها ) وقوله
حَالِ: ((أشد الناس بلاء" الأنبياء، الأمثل فالأمثل))، وكقوله مَاجٍ:
( ما من مسلم يصيبه أذى: شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيآته الخ)) وقوله:
(م - ٣٠)
٢٣٢
معارف السنن
ج - ٣
فإذا كانت مائتى درهم ففيها خمسة دراهم فمازاد فعلى حساب ذلك . وما إلى
ذلك من أمثلة ، وهذا كله من تفاصيل اختلاف مواقعه وموارد استعماله توزيعاً
أو تخييراً واقتصاراً على ما قبله أو امتداداً إلى ما بعده وجوباً أو استحباباً فيختلف
الحكم فيه من تلقاء خصوصية المواد لا أن فيه حكماً عاماً يحوى جميع الأمثلة، فقياس
شئ على شئى مع الغفلة عن هذه الملاحظ والفروق الجزئية وخصوصيات المواد
إلغاء لقواعد العربية وإلغاء لأغراض البلغاء . ثم جميع ما ذكر كان يتعلق
بالإثبات لا بالنفى ، وبينهما أيضاً فرق كما نحن بصدد إيضاحه ، فقوله فيالي:
(((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً)) وقع فيه "فصاعداً" فى خبر لا فى
إنشاء، وفى نفى لا فى إثبات، وفى شئ واحد لا فى أشياء، فلا محالة يختلف حكمه
تفصيلاً ما سبق من الأمثلة . نعم يشترك معها جميعاً فى المعنى الاجمالى ، ومع بعضها
من بعض الجهات. فالصلاة حقيقة واحدة تحتوى الفاتحة وما فوقها من القراءة،
وإذا دققنا فيها النظر وجدنا أن " صاعداً" حال على شاكلة أخواتها، والجال
يكون قيداً لعامل صاحبها وتقدير العبارة : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن
حال كون القراءة صاعدة لا تنتهى بأم القرآن ، ومن القواعد المقررة أنه :
إذا ورد شئى من تعلقات الفعل النفظية أو المعنوية بعد النفى فالأصل تعلقه بالفعل
المنفى لا بالنفى إلا أن يقوم دليل على تعلقه بالنفى كما حققه ابن السبكى فى
"عروس الأفراح"، فعلى هذا إن قوله: " فصاعداً" متعلق بمدخول النفى
أى الفعل المنفى فدخل الكل تحت النفى: الفعل المنفى ومتعلقه فيكون انتفاء الصلاة
بانتفائهما معاً لا بانتفاء أحدهما، وبعبارة أخرى : إن القراءة كانت مقيدة بقوله
"صاعداً"، فإن الحال قيد لعامل ذى الحال على مصطلحهم، والكلام المقيد إذا
دخل عليه النفى، فإما أن ينفى القيد أو ينفى القيد والمقيد جميعاً، لاقائل هنا بالأول
بأن ينفى القيد فقط ، حيث يكون مفاده أن الصلاة تنتفى بانتفاء مازاد على
الصلاة، وإن وجدت الفاتحة وذاك باطل بالاجماع المركب فإن عندهم لا وجوب
٢٣٣
بیان أن قوله فصاعداً متعلق بمدخول انتفى
لمافوق الفاتحة. وعندنا وجوب ولكنه بالمعنى المصطلح فلا ينتفى الشئى بانتفائه
على الرغم من نقصانه فبقى أن ينفى المقيد والقيد جميعاً ، فيكون انتفاء الصلاة
بانتفائها جميعاً لا بانتفاء الفاتحة فقط كما زعموا . وإن شئت فقل ملخصاً: إن تعلق
القيد بالنفى أو بالمنفى ، والأول وإن كان خلاف الأصل ونادر الاستعمال لكنه
غير صحيح هنا قطعاً إذ لا قائل بين الفريقين بفرضية ما فوق الفاتحة بعد قراءة الفاتحة،
فلا يتصور ذلك، فتعين الثانى أى إذا انتفى المقيد فمع قيده، فعلى هذا التحقيق كيف يثبت
أن الصلاة تنتفى بانتفاء الفاتحة لا بانتفاء ما فوقها ، فقياسه على قوله : تقطع اليد
فى ربع دينار فصاعداً من الجهات كلها غير صحيح ، فإن ذلك فى صورة
الإثبات ، فإن كان هناك توزيع بحسب الأحوال فتقطع حيناً فى ربع كما تقطع
حيناً فى ما فوقه، لا يستقيم هذا التوزيع فى صورة الانتفاء، علا أنه لوأخذنا فيه
توزيعاً بحسب الركعات لكان له وجه ؛ فلوقلنا بوجوب الفاتحة مع ما فوقها فى
الأوليين وبالفاتحة فى الأخريين لصح كل ذلك ، ولكنفى لتصحيح النقى انتفائها
معاً فى الأوليين لا فى كل ركعة ركعة ، حيث تحقق الانتفاء بكلا الجزئين فى
الجملة، علا أن استثناء ما بعد الأوليين من حكم الأوليين إنما وقع بدلائل قامت
عليه من خارج كما هو متقرر فى محله ، ومنها حديث أبى قتادة فى الصحيح .
وبالجملة لو أخذنا بالتوزيع فإنما هو فى الركعات ولا معنى لتوزعها على المصلين
والأشخاص ، حيث إنه نص فى الصلاة خاصة لا إيماء فيه إلى مصلٍ ومصلٍ
بحيث ينقسم عليهم . وأمثال هذه التأويلات ليست إلا أثر معتقد ذهنى قبل كل
شى ، وأيضاً يمكن أن نأخذ فيه بالتوزيع فى قدر الزيادة من السورة باختيار
المصلى أى قدر شاء، فتارة يكثر وقارة يقل، وقارة هذا وقارة ذاك، فيحصل
التوزيع فيه من هذه الجهة أيضاً إن كان لابد من القول بالتوزيع . وبالجملة
يستقيم التوزيع كما ذكرنا لا على ما ذكروا ، ثم إذا دخل عليه النفى انسحب
على الكل وآل إلى الخلو عن القراءة رأساً . نعم هذه الصلاة التى تنتفى بانتفائها
٢٣٤
معارف السنن
ج - ٣
معاً ليست هى صلاة المقتدى بل هى صلاة الإمام والمنفرد، وجاء هذا التخصيص
من حاق الحديث لا أن الحديث بعضه لجميع المصلين أى قبل فصاعداً وهو مع
بعض آخر أى فصاعداً لبعض المصلين؛ وليس هذا إلا فك لنظم الحديث وتنزيل
له عن سياقه البليغ . ثم ما توهموه من التخيير على حد قولهم: " بعه بدرهم
فصاعداً " أو " تصدق بدينار فزائداً" فيما ظاهره التخيير فيما بعد " صاعداً"
فلا وجه لإصابته ههنا ، فإن ذلك أمر وإنشاء فقياس الخبر على صيغة الإنشاء
والأمر غير مستقيم بل أقرب هو إلى " بعته بدرهم فصاعداً" منه إلى قولهم
· " بعه بدرهم فصاعداً" حيث اشتركا فى الخبرية ، فكما لا تخيير فى صورة
. الماضى فكذلك لا تخيير هناك، وقد صرحوا بأن كلمة " أو " لا يكون للتخيير
فى الخبر ، فكيف يكون كلمة الفاء للتخيير ، أو كونها للدلالة على الاتصال
والترتيب مما لا يخفى. وتحليل الحديث إلى صورة الأمر بأن يقال : مرجعه إلى
. قوله: صلوا بالفاتحة فصاعداً تحليل فلسفى لتصحيح رأيه المنعقد قبل هذا، فالبحث
فيما لم يقع والإعراض عما وقع غير جدير بأهل الإنصاف . ثم الاقتصار فى
قولهم: "فصاعداً" فى البعض على ما قبله ليس هذا من جهة صاعداً أو الفاء
بل دلالتها من جهة اللغة هو الامتداد دون الاقتصار كما ظهر من قبل ،
بل إنما ذلك ربما يأتى من تلقاء خصوصية المادة إذا لم يقع ما بعده، وإنما الخبر
على ما وقع فى الماضى وعلى ما سيقع فى المستقبل ، فالقول بالاقتصار دائماً غير
صواب كما أن القول بالجمع دائماً غير صواب . وإنما ذلك مفوض إلى الوقائع
من خارج لا دليل عليه من حاق الكلام ونص اللفظ . فالحاصل: أن من ذهب ..
إلى التوزيع فى ذى الأجزاء أو فى الأشياء المتجانسة ، أو ذهب إلى التخيير فيما
بعد ، أو ذهب إلى الاقتصار على ما قبل ، كل ذلك منشأه أمثلة جزئية خاصة ،
رآى بعض إلى هذا وبعض إلى ذاك، ورآى إفادة ذلك الجزئى حكماً فقاس عليه
جزئياً آخر فكان حكماً خاصاً أفادته صور الجزئية الخاصة فجعله حكماً عاماً مطرداً ..
٢٣٥
نكتة لطيفةٌ أخرى
حدقنا هناد نا عبدة بن سليمان عن محمد بن اسحاق عن مكحول عن محمود
فى سائر المواد والموارد، فالخطأ حدث من هذه الجهة وهم يراعون فى الأمثلة
خصوصيات المواد، وبالأخص سيبويه فى كتابه يكثر رعاية أمثلته وخصوصها،
فيظنه الناظر مطرداً ولا يكون إلا كلاماً فى خصوص المقام . ومن وقف على
حقيقة الأمر وفى كل كلام حقه وكل مقام خصوصيته فالقدر المشترك فى موارد
الاستعمال ما ذكرنا. وإنما الفروق تلك جاءت من خصائص الموارد ، فمن قاس
شيئاً على شئى مع تغايرهما فى أمور جوهرية فإنما هو قصر نظر ورأى ، فقياس
خبر على إنشاء وقياس ففى على إثبات فى مثله غير مستقيم ألبتة، فظهر من ذلك
أن قوله : "فصاعداً" فى حديث عبادة مثل " فمازاد" فى حديث أبى هريرة ،
ومثل " وما تيسر" فى حديث أبى سعيد ، ومثل : " فما فوق ذلك" فى حديث
جابر سواء بسواء ، فشاكلته شاكلتها وحكمه حكمها والموضوع هو هو من غير
ما فرق . فترى من أجل هذا الإفريقى فى "اللسان" يفسر قوله: "فصاعداً".
بقوله : فما فوق ذلك ، ثم يمثله بقوله : كقولهم : اشتريته بدرهم فصاعداً
اهـ . ومثله فى " النهاية"، وكذا فى " القاموس" وغيرها من المعاجم اللغوية،
فإذن التأولات والتعللات أمام هذه الصرائح والأعيان المكشوفة بمعزل عن
الاستقامة والصواب .
نعم ههنا نكتة لطيفة أخرى وهى: أنه حَّ له لما سلك سبيل الأمر بالقراءة
والأمر لطلب التحصيل ذكر الفاتحة والسورة بالعطف وهو اللائق بالأمر، وهو
سياق حديث أبى سعيد ورفاعة ، ولما ذكر انتفاء الصلاة بانتفاء القراءة ذكر أولاً أقل
ما يجزئ منها ثم صعد إلى ما فوقه وهو المناسب لبيان حكم الانتفاء لتعم الفائدة، وهذا
لا يحصل إلا بالفاء دون الواو ، وهو سياق حديث عبادة وأبى هريرة وجابر
وثلاثتها بسياق النفى ، ثم إذا ساق الأمر وهو إيجاد وتحصيل عين بعض تعيين .
وإذا ساق النفى وهو عدم أرسل الكلام وأبهم وهو الأسلوب المناسب .
٢٣٦
معارف السنن
ج - ٣
ابن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: ((صلى رسول اللّه عَّجُلّ الصبح فثقلت
عليه القراءة ، فلما انصرف قال: إنى أراكم تقرؤن وراء إمامكم ؟ قال : قلنا
ودونك الآن لباب ما لخصناه وروحه فيما يلى :
الأول : إن كلمة "فصاعداً" وقعت حالاً مثل قولهم: فنازلاً" فزائداً
وغيرهما ، ومعناها إجمالاً: أن الحكم السابق لم ينته بالمذكور أولاً بل يجرى
فما بعده .
الثانى : إن حكم ما بعدها ينسحب على حكم ما قبلها من جهة اللغة والعربية
إن وجوباً فوجوباً وإن ندباً فندباً بحسب اقتضاه المقام والدليل .
الثالث : إنه ربما يختلف حكمها فيما قبلها وما بعدها من تلقاء مواد خاصة
فلا يكون حكمها سواء فى جميع المواد والأمثلة ، فيختلف فى الخبر والإنشاء .
وفى الإثبات والنهى . وفى الماضى والمستقبل . وفى الكميات وغيرها ، وفى
الأثمان وغيرها ، وفى شئ واحد ، وفى أشياء متعددة ، ثم فى المتعددة هل هى
فى متحدة الجنس أو متغايرة الجنس ، كل ذلك الاختلاف من قرائن خارجية
ومواد خاصة .
الرابع : أن تنظر فى الأمثلة الآتية لكى يتضح لك الاختلاف ، فمثل :
أخذته بدرهم فصاعداً فى "كتاب سيبويه" فى أشياء متعددة متجانسة أن الأخذ
وقع بأثمان مختلفة ، فأدناها درهم وزاد فى بعض آخر ولم ينته بالدرهم ، ومثله
فى قوله : قرأت كل يوم جزأ من القرآن فصاعداً، فجاء فيه التوزيع من
خصوصية المقام ، وتقول فى الأمر : بعه بدرهم فصاعداً ، أن الدرهم هو
أقل ما يبيعه به، وجاء فيه التخيير من القرينة الخارجية وقوله جَ لّم فى الأضحية:
((أن نستشرف العين والأذن فصاعداً)) فظاهر أن الحكم بالإستشراف لم ينته فيها
فقط بل جرى إلى بقية الأعضاء ، فليس فيه تخيير ولا توزيع بل انسحب حكم
ما قبله على ما بعده، وقوله معَالمع: ((نقطع اليد فى ربع دينار فصاعداً وكلام
٢٣٧
سيبويه براعى فى الأمثلة خصوصية المقام
يا رسول الله إى والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنه لا صلاة لمن
لم يقرأ بها ».
سيبويه فى "كتابه": إن ما بعده للتخيير أو للتوزيع فإنما هو من قبيل : بعه
بدرهم فصاعداً ، جاء من تلقاء المقام ، وسيبويه براعى فى الأمثلة خصوصية
المقام ، ولا يكون حكماً مطرداً، كيف وقد رأيت أنه لا يستقيم ذلك فى كثير من
الأحاديث بیقین
الخامس: إن قوله {فَ لَهُ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)
لا يكون من قبيل ((تقطع اليد فى ربع دينار فصاعداً)) فهو خبر لا إنشاء ونفى لا إثبات،
وفى شى واحد وهو القراءة لا أشياء متعددة. فالصلاة تحتوى على فاتحة وما عداها
وهو قوله : أمرنا أن نقرأ الفاتحة وما تيسر . ووقع صاعداً حالاً والحال قيد
لعامل صاحبها والنفى إذا دخل على الكلام المقيد فإما أن ينفى القيد أو القيد والمقيد
جميعاً، لا قائل هنا بالأول فتعين الثانى، فيكون نفى الصلاة بانتفائهما معاً لا بالفاتحة
فقط ، فلم يكن فى النفى حكمه فى الإثبات فافترقا .
السادس : إن كل من قال هناك بالتخيير أو بالتوزيع أو بالجمع دائماً
مطرداً خطأ، التبس عليه الأمر من جهة بعض الأمثلة ، ولم ينتبه إلى أنهم يراعون
فى المقام خصوصيات الأمثلة ، وإن كان هناك توزيع أوتخيير ، فيكون باعتبار
المصلين لا باعتبار نفس الصلاة . هذا واحفظه ولا تنسنا من دعائك .
· هذا ملخص كلام الشيخ إمام العصر رحمه الله فى "فصل الخطاب" بإيضاح
وزيادة منى، وقد نشطت فى البسط والإيضاح إلى حد بعيد رجاء أن يقرب الكلام
إلى متناول الأفهام ، ولم أغادر من مقاصده إلا ما لم أرداعية إلى ذكره من بعض
الأمثلة والنظائر والشواهد، وأرجو الله سبحانه أن أكون موفقاً فى تحرير
٢٣٨
معارف السنين
ج - ٣
قال : وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة وأنس وأبى قتادة وعبد الله
ابن عمرو .
مقصده وتلخيص لفظه وتقريب غرضه إلى الفهم ، واللّه سبحانه هو الموفق
والمعين (١) .
تنبيه : قد عقد الشيخ فصلاً مستقلاً فى كتابه " فصل الخطاب " فى أن
الحديث أى قوله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) من غير رعاية الزيادة
فيه أى فصاعداً وما شاكله يدل أيضاً على أن معها غيرها. وذلك للفرق بين
قولهم: "قرأها" و"قرأبها"، وقد لخصت عرضه فى (باب ما جاء أنه لا صلاة
إلا بفاتحة الكتاب ) فيما تقدم فلا داعية إلى الإعادة فليراجع إليه .
فتلخص: أن الزيادة ثابتة رواية، وإن حكمها حكم ما قبلها لغة وعربية .
وعلى فرض تسليم عدمها لا حجة لهم أيضاً ، فإن الحديث من غير هذه الزيادة
صراحة دل عليها إشارة وذلك أيضاً لغة وعربية ، فالحديث من غير هذه الزيادة
الصريحة أيضاً لا يمكن أن يكون فى المقتدى بل هوفى الصلاة نفسها ، نعم يصح
كونه فى المقتدى إن قلنا أن تلك الزيادة إما أن تتحقق فيها حقيقةً كالإمام
والمنفرد أو حكماً وهو المقتدى ، وذلك منزع آخر من منازع البحث ، وتصدى
إليه الشيخ أيضاً فى " فصل الخطاب" فليراجع . فالحاصل أن كل صورة من
الصور حجة الحنفية فيها قائمة وبالله التوفيق .
قوله : وفى الباب عن أبى هريرة الخ . حديث أبى هريرة هو الذى يأتى
(١) قد عرضت هذا البحث كله على شيخنا العثمانى صاحب " فتح الملهم"
قراءة عليه فاستحسنه أى استحسان ، وأعجب به اعجابا وقدره تقديراً ودعالى
بالبركة وقال : لا يمكن إفصاح هذا البحث الغامض الدقيق بأحسن من هذا فقد.
ذللت كل صعوبة فيه فجزاك الله خيراً .
٢٣٩
بيان مذهب أبى هريرة وعائشة فى مسألة القراءة
قال أبو عيسى : حديث عبادة حديث حسن .
فى الباب اللاحق ، ورواه مسلم ولكن لا دليل فيه على كونه فى الجهرية .
فيحتمل أن يكون فى السرية. وعليها حمله مالك فى "مؤطئه" ( ص - ٢٨ )
وذلك لأنه أخرجه فى ( باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة )
ويؤيده ما يأتى من أن مذهبه ترك القراءة فى الجهرية . ثم مع هذا استدل
للقراءة فى السرية استنباطاً من حديث عام فى فضل الفاتحة . فلم يكن عنده نص
صريح فيما يريده وإلا لاحتج به وهو الراوى لحديث: ((إذا قرأ فانصتوا)) ولحديث النهى
من القراءة فى الجهرية، فالحمل على الجهرية - والحال هذه- بعيد جداً والله أعلم.
وحديث عائشة أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما قالت: سمعت رسول اللّه عَل ◌َّ يقول:
((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج)). وفى " الكنز" (٤ - ٩٦)
عن عائشة: ((كل صلاةً لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فهى خداج)) (عد) .
وبالجملة فحديث عائشة إنما هو فى حكم الفاتحة فى الصلاة ليس فيه كونها
خلف الإمام .
ثم إن مذهب أبى هريرة وعائشة: ترك القراءة فى الجهرية. فعند البيهقى
فى " سنته" وفى كتاب القراءة من طريق عاصم عن ذكوان عن عائشة وعن
أبى هريرة أنها كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر. قاله فى " فصل
الخطاب" رص - ٣٦). وقال الشيخ: وقد وقع غلطاً فى نسخ "جزء القراءة"
فتقله كذلك بعضهم كصاحب التعليق على "سنن الدار قطنى" اهـ. وحديث
أنس اختلف فى رفعه أى الاتصال والإرسال ، وصح الدار قطنى فى " كتاب
العلل" إرساله، وفيه: ((فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسه
- وفى لفظ -: ليقرأ الخ)) كما تقدم لفظ الحديث كاملا، والبيهقى فى
(م - ٣١ )
٢٤٠
معارف المسنن
ج - ٣
وروى هذا الحديث الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت
عن النبى جّ ال قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
"سفنه" يجعل اسناده جيداً، وناقشه الماردينى فى " الجوهر»، ويعلم منه أن
متنه أيضاً مضطرب، والبيهقى أيضاً يصحح الإرسال فى "سننه" (٢ - ١٦٦)
ونقدم بعض البحث فيه فى سياق آخر ، ولا حجة لهم فيه أيضاً فإنه يحتمل أن
يكون فى السرية بل هو الظاهر المتبادر وخلافه بعيد. قال الشيخ فى التعليقات
- المخطوطة - على "الآثار": ومعنى فى "نفسه" أى إذا كان يقرأ لنفسه،
وهذا حيث لاجهر ، فكل يجوز أن يقرأ لنفسه ، ولما كان السؤال عن أصل
القراءة لا عن الجهر فإنهم لم يكونوا يجهرون قبل أيضاً ينبغى أن يحمل قوله "فى
. وكأن حقيقة القراءة فى النفس أن
نفسه" على السرية لا على الإسرار.
لا يراعى إلا حال نفسه ويقرأ على وجهه ، وعلامته الإسرار أو الانفراد حيث
لا إسماع ولا استماع. ثم إن مذهب أنس عدم قراءة الفاتحة خلف الإمام ، فإنه
كان يسبح خلفه كما فى "جزء البخارى"، وعند ابن أبى شيبة عن وكيع عن
مسعر عن ثعلبة عن أنس أنه قال فى القراءة مخلف الإمام التسبيح وثعلبة أبو بحر
من رجال "المنفعة"، ولعله كان يسبح فى السرية. كما فى " فصل الخطاب"
(ص - ٧١). وذلك كما حمل مالك فقط أبى هريرة " فى نفسك"
على السرية
قال الشيخ رحمه الله: ثم إنى أقول: إن الإسرار فى الصلوات السرية
النهارية وكذا الجهر فى الصلوات الجهرية الليلية أمر متفق بين الأمة ، فقولهم
بقراءة الفاقعة سراً فى الصاوات الجهرية يحتاج إلى دليل فى خلية من القوة ،
وقال فى "فصل الخطاب" (ص ٧١): ولا يخشى أن الجهر فى وقت والسر
فى وقته معهود فى الشريعة، وأ الأمر بالسير فى وقت ابخهر فإثباته ينبغى أن
يكون بأصلى مستقلى. وأما إثبا الأصل والفرع كليها بهذا فقد يمنع، ولنا