Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ مذاهب الائمة فى مسألة ترك الواجب جاء إلى النبي ◌َّجُ فسلم عليه فرد عليه فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل حتى من واجبات الصلاة عمداً فعليه إعادة الصلاة ما دام يمكن فعلها ، وهو إعادتها فى الوقت ، هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد ، لكن مالكاً وأحمد يقولان : قد يجب فيها ما يسقط بالسهو ، ويكون سجود السهو عوضاً عنه ، وسجود السهو واجب عندهما ، وأما الشافعى فيقول : كل ما وجب بطلت الصلاة بتركه عمداً أو سهواً ، وسجود السهو عنده ليس بواجب ؛ فإن ١٠ صححت الصلاة مع السهو عنه لم يكن واجباً ولا مبطلاً. والأكثرون يوجبون سجود السهو كمالك وأبى حنيفة وأحمد، ويقولون قد أمر به النبي ◌َّ الجٍ، والأمر يقتضى الإيجاب .... ثم قال : فإن قيل ففى حديث المسئ صلاته الذى رواه أهل السنن من حديث رفاعة بن رافع أنه جعل ما تركه من ذلك يؤاخذ بتركه فقط، ويحسب له ما فعل، ولا يكون كمن لم يصل. قيل: وكذلك نقول من فعلها وترك بعض واجباتها لم يكن بمنزلة من لم يأت بشئى ، بل يثاب على ما فعل، ويعاقب على ما ترك، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك . وترك الواجب سبب للعقاب فإن كان يعاقب على ترك البعض لزمه أن يفعلها فإن له جبرانا أو أمكن فعله وحده وإلا فعله مع غيره ، فإنه لا يمكن فعله منفرداً. . ثم قال (٣ - ٥١ ): ومع هذا فقد يمكن إذا فعل ذلك مع اعترافه بأنه مذنب ، لا على طريق الإستهانة والاستهزاء والاستخفاف، بل على طريق الكسل أن يثاب على ما فعله كمن ترك واجبات الحج المحبورة بدم، لکن لا یکون ثوابه كما إذا .... وعلى هذا فنقول : إذا فعل ذلك مع غيره على الوجه المأمور به ، . نقص شئى من واجباته فقد ذهب ذلك الكمال والتمام ، ويجوز نفى الإسم إذا أريد به نفى ذلك الكمال، وعليه أن يأتى بذلك الجزاء إن كان ترك واجباً فعله، وأما إذا ترك واجباً منه أو فعلاً محرماً فإنه أو كان ذنباً استغفر منه . . يستحق العقاب على ذلك ، ويستحق الثواب على ما فعل .. . وكذلك جاءت ١٤٢ معارف السنن ج - أ فعل ذلك ثلاث مرات. فقال له الرجل: والذى بعثك بالحق ما أحسن غير هذا السنة فى سائر الأعمال كالصلاة وغيرها ، أنه يثاب على ما فعل منها ، ويعاقب على الباقى .... وعلى ذلك دل حديث المسيئى الذى فى السنن أنه إذا نقص شيئاً أثيب على ما فعله آهـ. وقال (٣ - ٥٣ ): وأحمد مع مالك يوجبان فيها ما يسقط بالسهو ويجبر بالسجود. ثم ذلك الواجب إذا تركه عمداً أمره أحمد فى ظاهر مذهبه بالإعادة ، كما لو ترك فرضاً. وأما مالك ففى مذهبه قولان فيمن ترك ما يجب السجود لتركه سهواً كترك التشهد الأول وترك تكبيرتين فصاعداً أو قراءة السورة والجهر والمخافة فى موضعهما . وقد اتفق الجميع على أن واجبات الحج منها ما يجبر الحج مع تركه ، ومنها ما يفوت الحج مع تركه فلا يجبر کالوقوف بعر فة ، فكذلك الصلاة آمـ . وراجع ما ذکرنا فى ( باب لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب ). وقد جاء بين يدى القارى فى هذه الملتقطات ما ذكره الشيخ رحمه الله، واتضح أن مذهب مالك وأحمد فى إثبات مرتبة بين السنة والواجب الذى يفوت الشئى بقواته هو مذهب أبى حنيفة مالاً وإجمالاً ، وإن كان هناك فرق فى المذاهب فى عدة أشياء فى إلحاقها بهذا الواجب أو بذلك الواجب ، وذلك أمر آخر من مدارك الاجتهاد الخلافية . وبالجملة فقد ظهر تفرد الشافعى فى إنكار هذه المرتبة ، واتفاق الجمهرة من الأئمة على إثباتها حقيقةً ، وإنما العزة للتكاثر على أن مثل أبى حنيفة فى غنى عن الشركاء فى دقة مداركه مثل هذه ، وقد أجاد السمؤل فى قوله : شباب تساموا للعلی و کھول وما قل من كانت بقاياه مثلنا ويعجبنى قول الشيخ محمد زاهد الكوثرى فى ضمن كلمة له بصدد تقريظ " المجموع الفقهى" للإمام زيد الشهيد وشرحه " الروض النضير" للقاضى شرف الدين الحسين بن أحمد السياغى الصنعانى ما لفظه: وتكون قوة الحجة فى جانب الجمهور فى مسائل الانفراد كما هو الحال فيما ينفرد به كل من فقهاء الأمصار عما / ١٤٣ بيان الفرق بين " واجب الشئ" " والشفى الواجب" فعلمنى؟ فقال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم عليه الجمهور إلا فيما دق مدركه ، فيكون المصيب هو الأغوص فى المعانى وإن انفرد آمـ قال الراقم : وكان حقاً على القوم أن يشكروا الإمام فقيه الملة أبا حنيفة فى الكشف عن مثل هذه الحقائق، وتنقيح ما يصح الصلاة بفواته وما يبطل وما يكره، وبيان ماله دخل فى الحقيقة، وما هو خارج عنها، وما بينه القوم بعده، فإنما هم عيال عليه ، واستضاءوا فيه بضيائه ، لا أن يغضوا من فضله وينكروا نعمته ، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. قال الشيخ: ثم إن الخلاف هذا فى إثبات واجب الشئ لا الشئى الواجب، وواجب الشئى لا يتحقق إلا فى الصلاة والحج، وأما الشئ الواجب فلا يختص بها. أقول: لعل هذا العنوان من الفرق بين الشئ الواجب ، وواجب الشئى اصطلاح للشيخ رحمه الله خاصة ، فأراد بالأول عبادة مركبة من أركان وواجبات وغيرها ، كصلاة الوتر وصلاة العيدين ، وبالثانى جزء بسيطاً فى ضمن عبادة مركبة منه ، ومما عداه كواجبات الصلاة من قراءة الفاتحة وضم السورة وتعديل الأركان مما يجبر بسجود السهو، وكواجبات الحج من الإحرام عن الميقات ، ومد الوقوف على العرفات إلى الغروب ، والوقوف بالمزدلفة ، والسعى بين الصفا والمروة ، وما إلى ذلك من واجبات تنجبر بالدم . فائدة: كل ما ثبت أصله بالقاطع فلابد لإثبات أركانه وشروطه من القاطع ، فلانتبت هی بالظن ، وما ثبت أصله بالظنی فجاز إثبات ركنه أوشرطه بالظنى كذلك ، كصلاة الاستسقاء وغيرها، كذا أفاده الشيخ. أقول : وذكر أصل المسألة كذلك ابن الحمام فى " الفتح" (١ - ٢٠٦) من صفة الصلاة. قوله : ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن . قال الشيخ: إعلم أن أمر الشارع لابد أن يحمل على ما هو مرضى عنده بشموله للفرائض والواجبات والسنن ، ١٠ معادين السيد :- ٩ ١٤٤ معارف السنن ج - ٣ اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسمد حتى تطمئن وأيضاً لا فرق بين الفرض والواجب عملاً عندنا . بريد الشيخ رحمه الله أن حمل الحنفية قوله حَّكلّ هذا على مجرد القراءة من غير تعيين للفاتحة غير مرضى . فإنه يشمل إذن أمر الشارع على كراهة ، فإن الفاتحة لا شك فى وجوبها عند الحنفية أيضاً ، وإن كان دون الفرض ، علا أن الواجب والفرض لا يختلفان عملاً؛ وإن اختلفا علماً ، فينبغى أن يحمل قوله على أعلى ما يمكن أن يحمل كيلا يلزم ارتكاب الكراهة التحريمية فيه . وهذا لطيف جداً ، وقد تقدم نبذ من البحث فيما تقدم فى ( باب ما جاء لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) فليراجعه، ويأتى بقية التفصيل فى ( باب القراءة خلف الإمام) إن شاء الله تعالى. وحمل الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٢٠٢) فى ( باب وجوب القراءة ) قال ذلك احتمالاً فى طريق الجمع بين ألفاظ حديث المسيئی صلاته، وقد فسر "ما تيسر" فى جواب آخر قبله بالفاتحة ، واستدل له بحديث رفاعة عند أبى داؤد: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ . أقول : هذا تمحل منه لاثبات ركنية الفاتحة واستحباب ما بعده من ضم السورة ، كما أوضحه هناك ، وقد فرغنا من بيان ما فيه من التكلف وتحقيق مغزى كلام الشارح فيما سبق. وأما قوله فعَّ الية: ((وإلا فأحمد اللّه وكبره وهلله)) فى حديث رفاعة فهو فى حق العاجز ، وكذلك المسألة عندنا وعند الشافعية وعند الكل، كما أشار إلى أصل المسألة كذلك الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٢٠٢) وذكره النووى فى "شرح المهذب" (٣ - ٢٧٦ )، ولعل هذا العجز وهذا العذر فى جواز الذكر بدل قراءة القرآن لمن أسلم من ساعته أو أسلم ولم يمض عليه زمان يتمكن من حفظ ما يجب عليه، وقد قال فى " البحر الرائق ": اعلم أن حفظ قدر ما تجوز الصلاة به من القرآن فرض عين على المسلمين لقوله : ((فاقرءوا ما تيسر من القرآن)»، وحفظ جميع القرآن فرض كفاية ، وحفظ ١٤٥ بيان اختلاف ألفاظ حديث مسيئى الصلاة ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، وافعل ذلك فى صلاتك كلها . فاتحة الكتاب وسورة واجبة على كل مسلم اهـ. قال الراقم : وعلى قواعد الشافعية حفظ الفاتحة يكون فرضاً والسورة مندوباً . وبالجملة الصلاة فريضة وكذلك فرائضها وفرض تعلمها ، وراجع تفصيل مذهب الشافعية من " شرح المهذب" (٣ - ٣٧٤ ). قوله : حتى تطمئن جالساً، وقع الاختصار فى هذه الرواية حيث لم يذكر فيها السجدة الثانية، ووقع تاماً عند البخارى فى (باب أمر النبي وقال الذى لا يتم ركوعه بالإعادة ) من طريق مسدد عن يحيى بن سعيد فزاد: ((ثم اسمد حتى تطمئن ساجداً)) ، ثم إنه وقع اختلاف فى الروايات عند البخارى بعد ذكر السجود الثانى ، فوقع فى رواية ابن نمير عنده فى ( الاستيذان ) : ((( ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) وفيه دليل لإثبات جلسة الإستراحة، ووقع فى رواية أبى أسامة عنده تعليقاً فى (الإستيذان) وموصولاً فى (الأيمان والنذور) بدله: ((حتى تستوى قائماً)) وهو حجة لنفيها. وذكر الحافظ فى " الفتح " (٢ - ٢٣١): إن البخارى أشار إلى أن هذه اللفظة أى فى رواية ابن نمير وهم آهـ. وذكر فى "الفتح" (١١ - ٣١): فذكر رواية أبى أسامة مشيراً إلى ترجيحها آهـ. وراجع "الفتح" للتفصيل. قوله : وافعل ذلك فى صلاتك كلها . اختار الحافظ البدر العينى والشيخ ابن الهمام وجوب الفاتحة فى الأخريين، وهى رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة، ذكرها فى "الفتح" و"البحر" و"الكبيرى" و"العناية" وغيرها . قال فى "الدر المختار": وصحح العينى وجوبها، وقال ابن الهمام فى " الفتح" (١ - ٣٢٣): فالأحوط رواية الحسن . والمشهور فى المذهب ( م - ١٩ ) ١٤٦٠ ك معارف السين ج - ٣ سنة القراءة فيما بعد الأوليين، ذكره فى "البحر" عن " المحيط" أنه ظاهر الرواية ولفظه، وفى "المحيط": ظاهر الرواية أن القراءة سنة فى الأخر بين آهـ، ولكن ذكر صاحب " البحر" قبله: وظاهر الرواية: أنه يخير بين القراءة والتسبيح ثلاثاً كما فى " البدائع" و"الذخيرة"، والسكوت قدر تسبيحة كما فى "النهاية"، أو ثلاثاً كما ذكره الشارح، وصحح التخيير فى "الذخيرة" وفى " فتاوى قاضيخان"، وعليه الإعتماد الخ، وهو الذى ذكره صاحب " الهداية". واستدلا بحديث الباب وفيه أمر الشارع صريحاً ، وبالأخص فى لفظ رواية أحمد فى "مسنده»: ((وافعل ذلك فى كل ركعة)) (٤ - ٣٤٠) فى حديث رفاعة الطويل بلفظ: ((ثم اصنع ذلك فى كل ركعة)) ، وفى لفظ لأحمد وابن حبان: ((ثم افعل ذلك فى كل ركعة)). حكاه فى" الفتح" (٢ - ٢٠١)، وعزاه بهذا اللفظ فى "الفتح" (٢ - ٢٣١) "لمسند ابن راهويه" وعزاه النووى فى "شرح المهذب" إلى "سنن البيهقى" بهذا اللفظ. وبالجملة رواه أحمد وإسحاق وابن حبان والبيهقى. وكذلك الزيلعى فى "التخريج" (٢ - ١٤٧) استدل للشافعى - القائل بالوجوب فى كل ركعة - بحديث المسيئ صلاته ، وكذا بلفظ حديث رفاعة عند أحمد . وخالف المحقق ابن أمير الحاج شيخه ابن الهام . قال ابن عابدين فى " رد المحتار" من صفة الصلاة : لكن الأصح عدمه - أى عدم الوجود - لتعارض الأخبار كما فى "المجتبى"، واعتمده فى "الحلية"، وقال أيضاً: ورجح ذلك فى " الحلية" بما لا مزيد عليه آهـ. وصاحب "الحلية" هو: ابن أمير الحاج. واستدل بما ثبت من أثر على وأثر ابن مسعود فى ترك القراءة ، وأثر على أخرجه العين فى "العمدة" (٣ - ٦٢) بسند حسن، وذكر: وقال ابن المنذر : روينا عن على أنه قال: اقرأ فى الأوليين وسبح فى الأخريين ، ولم يسنده، وكذا فى (٣ - ١٠٥). وأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبى شيبة فى " مصنفه". قال ١٤٧ بيان اختلاف المذاهب فى القراءة فى الركعات الزبلغى فى "التخريج" (٢ - ١٤٨): روى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن شريك عن أبى اسحاق السبيعى عن على وابن مسعود قالا: اقرأ فى الأوليين وسبح فى الأخريين، وفيه انقطاع اهـ. وأخرجه كذلك فى "العمدة" (٣ - ٦٢ ) . وذكر البدر العينى فيه آثاراً أخرجه فليراجعها من شاء. والمتبادر منهما الترك وإن كان للتأويل فيها مجال والمذاهب فى القراءة خمسة : فعندنا هى فرض فى الركعتين ، وقال الشافعى: فى الركعات كلها. وقال مالك: فى ثلاث ركعات. وقال الحسن البصرى: فى ركعة واحدة، وقال أبو بكر ابن الأصم: سنة كسائر الأذكار قال فى " العناية" (١ - ٣٢٢) على هامش " فتح القدير ": مسألة القراءة فى الفرض الرباعية مخمسة، ثم ذكرها ، وبلفظه ذكرت ههنا ، وكانت عبارة " العرف الشذى" قاصرة قتصرفت فيها. وقال فى "المغنى" ( ١ - ٥٢٨)؛ ويجب قراءة الفاتحة فى كل ركعة فى الصحيح من المذهب ، وهذا مذهب مالك والأوزاعى والشافعى ، وعن أحمد : أنها لا تجب إلا فى الركعتين من الصلاة، ونحوه عن النخعى والثورى وأبى حنيفة لما روى عن على ..... وعن الحسن أنه إن قرأ فى ركعة واحدة أجزاه .. لقول الله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن)، وعن مالك أنه إن قرأ فى ثلاث أجزأها ، لأنها معظم الصلاة الح . فتلخص أن عند الشافعى رواية واحدة وكذا عند أبى حنيفة ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، وعن مالك رواية كالشافعى ورواية الوجوب فى الثلاث . وراجع " المغنى" و"نصب الرأية" لتفصيل الأدلة. ثم إن القراءة أى قراءة الفاتحة فى الأخريين أفضل عند الحنفية كافة، وإن كان التخيير فى ظاهر الرواية، كما حققه فى "البحر" (١ - ٣٢٦) من صفة الصلاة . قال الراقم : وهو الأولى للعمل خروجاً عن الخلاف . ١٤٨ معارف السنن ج - ٣ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة. ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبى هريرة . ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح . وسعيد المقبرى قد سمع من أبى هريرة . وروى عن أبيه عن أبى هريرة . وأبوسعيد المقبرى اسمه : كيسان ، وسعيد المقبرى يكنى أبا سعد . حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: نايحيى بن سعيد القطان ناعبد الحميد بن جعفرنا محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدى قال سمعته قوله : وروى ابن نمير الح . حاصله أن الترمذى رجح رواية يحيى فى زيادة "عن أبيه"، فيكون من قبيل المزيد فى متصل الأسانيد. وقال الدار قطنى : خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم فى هذا الإسناد ، فإنهم لم يقولوا : " عن أبيه"، ويحبى حافظ ، قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين . وقال البزار : لم يتابع يحيى عليه. قال الحافظ فى " الفتح " بعد نقله : قلت : لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فالزيادة من الحافظ ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة ، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس ، وقد ثبت سماعه من أبى هريرة ، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين آ هـ . وكذلك البدر العينى فى "العمدة" ( ٣ - ٧١ ) حكى كلام الدار قطنى فى تصحيح الروايتين ، فتلخص أن الترمذى رجح رواية يحيى ، والبزار رجح رواية غيره ، والدارقطنى صحح الروايتين من غير ترجيح ، وتبعه البدر والشهاب والله أعلم بالصواب . قوله : عن أبى حميد الخ . حديث أبى حميد هذا اشتمل أحكاماً كثيرة من أحكام الصلاة وفاقية وخلافية ، فمن الخلافية : رفع اليدين عند الركوع ، وهى فى السنن، وسكت عنها رواية " صحيح البخارى". ومنها المغايرة بين ١٤٩ بحث الافتراش والتورك فى العقدة وهو فى عشرة من أصحاب النبي صَل ◌ّ أحدهم أبو قتادة بن ربعى يقول: الجلوس فى القعدة الأولى وبين الجلوس فى الأخرى ، وهى عند الكل ، وأخرجه البخارى فى "صحيحه" فى ( سنة الجلوس )، وقد بسط الطحاوى الكلام فى طرقه سنداً ومتناً ، وفبه على ما فى بعض أسانيده ومتونه من المغامز ما يأتى ملخصه بتوفيق الله تعالى . وبالجملة فالحديث حجة الشافعية فى الخلافيتين ، وقد أخرجه البخارى من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء ( ١ - ١١٤) فى ( باب سنة الجلوس ) وليس فى سنده عبد الحميد بن جعفر ، وليس فى متنه ذكر أبى قتادة ولا ذكر عشرة من الصحابة ، ولا ذكر رفع اليدين عند الركوع وبعده وبعد الركعتين ، "شرح معاني الآثار" (١- وفيه وصف بالقول فقط، وعلله الطحاوى فى ١٥٣ و١٥٤) (باب صفة الجلوس فى الصلاة كيف هو؟) بأن رواية محمد ابن عمرو عن أبى حميد منقطعة، وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد ابن عمرو بن عطاء ، فأدخل بينه وبين الصحابة عباس بن سهل ، وأيضاً فى بعض طرقه ذكر أبى قتادة فى الصحابة المذكورين . وأبو قتادة قديم الموت، يصغر سن محمد بن عمرو عن إدراكه، وقتل هو مع على، وصلى عليه على، وقد وافق ابن القطان الطحاوى كما ذكره الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٢٥٣)، وانتصر الشيخ الحافظ تقى الدين للطحاوى كما يقوله الزيلعى فى "نصب الرأية" غير أنه سقطت عبارته من نسخة " التخريج " المطبوعة. حيث قال فى "نصب الرأية" (١ - ٤٢٤): قلت قد تقدم فى حديث رفع اليدين تضعيف الطحاوى لحديث أبي حميد، وكلام البيهقى معه، وانتصار الشيخ تقي الدين للطحاوى مستوفى ، ولله الحمد انتهى . ولكنه ليس فى النسخة المطبوعة ذاك انتصار الشيخ تقي الدين . فعلم أن فى العبارة سقطة ، ومن العجيب أن هذا اللفظ للزيلعى ذكره ابن الهام فى "الفتح" (١ - ٢٢٢) فى نفى التورك ، ولم يذكر هو ١٥٠ معارف السنن ج - ٣ « أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه حَ ل﴾ ، قالوا: ما كنت أقدمنا له صحبة ٤٠ فى " فتحه " لا كلام الطحاوى ولا انتصار ابن دقيق العيد. بل ولا حديث أبي حميد فتنبه. وتعقب الحافظ ابن حجر فى ""فتح" (٢ - ٢٥٣) كلام الطحاوى بأن أبا قتادة اختلف فى موته ، فقيل مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمد بن عمرو له ممكن . وكذا أجاب عن الأول بأنه لا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة . إما لزيادة فى الحديث وإما ليثبت فيه، وقد صرح محمد ابن عمرو بسماعه فتكون رواية عيسى عنه من المزيد فى متصل الأسانيد اهـ. وأجاب عنه العينى فى "العمدة" (٣ - ١٧٠): أخذ كلامه عن كلام البيهقى فى المعرفة ، وجوابه أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع، وقد نفى الشعبى سماعه، وهو إمام هذا الفن، ونفيه نفى وإثباته اثبات الخ . قال الشيخ : الحافظ نفسه صرح فى "التلخيص" من الجنائز: بأن الراجح أنه مات فى خلافة على، وصحح رواية البيهقى بأن علياً صلى على أبى قتادة فكبر عليه سبعاً . ولفظ الشيخ فى " نيل الفرقدين" (ص - ٤١ ). وقد رجع إليه الحافظ فى " التلخيص" بعدما ناضل عنه فى " الفتح " و" التهذيب" من محمد بن عمرو بن عطاء ، وهكذا يتفق الأمر فى التشمير لما لا يمشى آهـ. وذكر الهيثم بن عدى أن أباقتادة قتل مع على ، وصلى عليه على ، وقال ابن عبد البر: وهو الصحيح كما فى "الجوهر النقي" و "العمدة"، وحكاه فى "نيل الفرقدين" (ص - ٣٦). وبالجملة فالمعتمد الراجح أنه توفى سنة ٣٨ - ٨ فى خلافة على، ومحمد بن عمرو توفى بعد سنة ١٢٠ - هـ، وعمره ثمانون سنة وشئى، فإدراكه إياه وبالأخص بهذا التفصيل: كيف يستقيم؟ وأجاب الحافظ أيضاً ما حاصله أنه يحتمل أن الذى ذكر أباقتادة فيهم وهم فى تسميته ، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث ١٥١ تحقيق طرق حديث أبى حميد ولا أكثرنا له إتياناً ؟ قال: بلى، قالوا : فأعرض ؟ فقال : كان رسول الذى رواه غلطاً، لأن غيره قد وافقه اهـ. ومثل هذا التمحل لا يكفى فى مقام الاحتجاج ، وقد عارض الطحاوى متنه وسنده بما هو أقوى منه دليلاً ، راجع "الطحاوى " والجوهر النقي " .. واعلم: أن أبا حميد روى صفة الصلاةُ هذه مرة بالقول فى عهد على: وحضر فيها أبو قتادة ، ورواه عنه عباس بن سهل لا محمد بن عمرو بن عطاء، ومرة بالفعل بعدها ، ورواها محمد بن عمرو عنه، ويتأول فى . قوله : سمعت أى سمعت حكايته بالواسطة كما يقال فى اللغة الأردوية الهندية : * مین فی فلای کی سنى " . والشيخ رحمه اللّه أفرد بالبحث حديث أبي حميد فى " نيل الفرقدين" ( من ص - ٣٧ إلى ٤٣ ) وأنخص هنا كلامه ببعض زيادة بترتيب من عندى تيسيراً للفهم وتسهيلاً للضبط وبالله التوفيق. قال رحمه الله: لا يستقيم أن يقول محمد بن عمرو بن عطاء سمعت أباحميد .... وفيهم أبو قتادة لأن المعتمد الصحيح أن أباقتادة مات فى عشرة . فى خلافة على وصلى عليه على. ورجع إليه الحافظ فى "التلخيص" بعدماناضل عنه فى "الفتح" و"التهذيب"، وتوفى محمد بن عمرو بن عطاء سنة ١٢٠ - هـ، وعمره نحو ثمانين، فمن المحال أن يدركه بهذه الكيفية، فلا بد رواية محمد ابن عمرو هذه بهذه الألفاظ أن تكون منقطعة ، وما يقوله الحافظ فى ؛؛ التلخيص:" أن محمد بن عمرو فى طريق العطاف التى فيها يروى العباس عن أبى حميد هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثى فغير صحيح، حيث صرح العطاف عند الطحاوى بأنه محمد بن عمروبن عطاء ، وكذا عند أبى داؤد والطحاوى والبيهقى من طريق عيسى بن عبد الله أنه محمد بن عمرو بن عطاء، فانفق عطاف بن خالد وعيسى بن عبد الله بإدخال الواسطة بين محمد بن معمرو ١٥٢ عارف السنن ج - ٣ اللّه عَ﴾ٍ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه، ابن عطاء وأبى حميد ، ويروى من العطاف هنا سعيد بن أبي مريم قديماً ، وحديث عطاف القديم عنده صحيح ، فهذا يدل على أن قائل "سمعت " أو "شهدت" ونحوهما من الألفاظ هو: أبو العباس، لا محمد بن عمرو . ويؤيد كون الجديث من رواية عباس بن سهل عن أبى حيد أن فليحاً وعيسى ابن عبد الله كلاهما يروى عند أبى داؤد والطحاوى عن العباس عن أبى حميد ، ويستأنس له بما فى "صحيح البخارى" فى ( باب خرص التمر) (ص - ٢٠٠) من رواية عباس الساعدى عن أبي حميد الساعدى ، وفى كتاب الطلاق (باب من طلق وهل بواجه الرجل امرأته بالطلاق ) رواية عباس بن سهل عن أبيه، وفى (باب المدينة طابة ) ( ص - ٢٥٢) رواية عباس بن سهل عن أبي حميد ، وبه يعلم جادة العباس فى روايته . ثم إذا أخذنا بالاعتبار فى طرق الحديث ومتونه علمنا أن رواية محمد بن عمرو بن عطاء عن أبى حميد خالية فى طرق محجاح عند البخارى وغيره من ذكر أبى قتادة ، وكذا من لفظ "سمعت" أو " شهدت أبا حميد" فمجرد لقاء محمد بن عمر ولأبى حميد لا يكفى لذلك ، فكل ما ذكروه من ألفاظ السماع أو الشهود أو الحضور والوجدان فى رواية محمد بن عمرو عن أبي حميد نجده كذلك فى رواية العباس بن سهل عن أبى حميد عند الطحاوى وغيره ، وهذا يدلنا ثانياً على سقوط العباس بعد محمد بن عمرو من الرواة . وبالجملة لا يكاد يصح لفظ "سمعت" فى طريق عبد الحميد عن محمد بن عمرو عن أبى حميد بالمعنى المتبادر الظاهر فيحتمل أن يكون تلفيقاً أو يتأول فيه بأنى سمعت واقعته كما فى شعر كتاب سيبويه : فقلت لصيدح انتجعی بلالاً سمعت الناس ينتجعون غيئاً وعلى كل حال يكون شهدت أوسمعت مقولة عباس لا محمد بن عمرو كما ١٥٣ بقية تحقيق حديث أبى حميد فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى بحاذى بها منكبيه ثم قال : الله اكبر ، هو عند الطحاوى من محمد عن رجل وهو العباس أنه وجد عشرة من أصحاب النبي وديلا؟ جلوساً ولم يذكر طريق عطاف غيره فيحكم له ولابد. أو أن يقال : إن قتادة كان معهم حين وصف أبو حيد فعلاً وأدركه عباس ثم وصف أبو حميد بعد موت أبى فتادة قولاً فسمعه محمد بن عمرو، وكان فى كل وقت نفر من الصحابة عشرة عشرة ، وفيه أيضاً بعد ، وفى غاية الاستبعاد أن يكون أبو قتادة عند كلا الوصفين القولى والفعلى كما يلزم من "الفتح"، ولمثل هذا رجع عنه فى "التلخيص" وخص الطحاوى طريق عطاف بالإيراد. عيسى عن محمد بن عمرو لم يذكر فيها شهدت ونحوه ، وطريق عطاف هى التى ثم مع طريق عبد الحميد ابن جعفر ، ولذا ذكر البخارى فى صحيحه" طريق محمد بن حلحلة عن محمد ابن عمرو . وترك طريق عبد الحميد حيث زعم طريقه ابن حلحلة خالية من العلة ليس فيها ذكر شهوده أبا حميد فى عشرة، وفيه وصف قولى قد سمعه . ثم ظاهر كلام الطحاوى أنه وصف بالقول من طريق عطاف بن خالد ، وظاهر ما فى " الفتح" أنه بالفعل، فيلزمه أن يكون أبو قنادة عند الوصفين فى عشرة عشرة ، وهذه احتمالات لا تنجع ولا تنجح . ويرويه ابن اسحاق عند البخارى فى "جزئه" عن العباس بن سهل الساعدى أيضاً، وليس فيه ذكر عشرة ، نعم ذكر أبا قتادة وأبا أسيد وأبا حميد ، وليس فيه ذكر رح اليدين كما أنه ليس مذكره عند البخارى فى طريق محمد بن عمرو وإن كان ذكره أبوداؤد وغيره من طريقه ، ولا حجة فى الذكر عند هذه الاختلاف ، فربما يجرى الناس فى مثله قياساً، فيذكره الراوى ويزيده ، وإن لم يكن فى أصل الرواية كما أنه ربما لا يعتنى الساكت فيسكت وإن كان فى الأصل . وبالجملة فقد اختلف فيه على محمد بن عمرو ، وخف أمر التورك فى الجلوس ( ٢ - ٢٠ ) ١٥٤ معاز السنن ج - ٣ الأخير أيضاً ، فإنه ليس عند آخرين عن عباس ، بل يذكر خلافه فليح عنه عند أبى داؤد وغيره ، وسنما إذا أخذنا الافتراش بمعنى اتخاذ الفراش لا بمعنى الثنى فقط. فالحاصل : أن الشاهد للواقعة والوصف الفعلى إنما هو عباس كما ذكره عيسى بن عبد الله ووافقه محمد بن اسحاق، وهو الرجل المبهم عند عطاف، فإذن هؤلاء الثلاثة اتفقوا على ذلك، ومحمد بن عمرو لم يحضر الواقعة ، ولذا عبر بالوصف الفولى فقط إذا لم يذكر العباس ، وإذا ذكره وذكر الوصف بالقول عنه فهو استنباط من الفعل وإفراغ له فى صيغة القول ، لأن أبا حميد لما أرى بالفعل صفة صلانه جّ ل انتهى الأمر إلى أنه فِّالج كان يفعل كذا وكذا. فانتقاد الطحاوى إنما يتعين وروده على طريق عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو ، وعبد الحميد قالوا: ربما وهم، وقال يحيى بن سعيد - إمام الجرح والتعديل -: هو معطون فى حديثه بخلاف طريق ابن حلحلة عن محمد بن عمرو عند البخارى حيث لا يرد عليه ذلك ، فإنه وصف بالقول سمعه محمد بن عمرو من أبى حميد وليس فيه تلفيق مما سمعه منه . ومما سمعه من عباس وتفرد عبدالحميد أيضاً بذكر العشرة ، فوافقنا الحافظ ابن حجر فى أنه سمع وصفاً قولياً من أبى حميد. وخالفناه فى توجيهه طريقة عبد الحميد، وإنما هو وهم وتلفيق . وخالفناه أيضاً من أجرى انتقاد الطحاوى فى طريق البخارى أيضاً ، فاحفظ كى بحفظ لكل كلام مقامه ، وليس ما قلنا بأدون مما أبداه الحافظ من الاحتمالات ، ولعل من استقرى الطرق اعتباراً ومارس الموضوع مراساً وكان من أهل هذا الشأن مال إلى ما قلنا والله ولى الأمور . ثم ما ذكره من عشرة من الاصحاب فلا يخلص لهم ذلك بعد التحقيق والبحث ، فقد وقع عند الطحاوى من الجزء الثانى من طريق الوليد بن شجاع الكوفى عن أبيه فساق الحديث وفيه: ((وكان فى مجلس أبوه وكان من أصحاب رسول اللّه عَ لل وفى المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد والأنصار رضى الله ١٥٥ تحقيق العشرة فى حديث أبى حميد عنهم الخ، فوقع كذلك بالعطف فى قوله: والأنصار، ومثله فى "المعتصر" بالعطف، لا كما وقع فى الجزء الأول من طريق على بن أشكاب عن شجاع ابن الوليد بلفظ: " من الأنصار" وساقه أبو داؤه واختصره، ووقع عند البيهقى فى "سننه" (٢ - ١١٨) (باب القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين) من طريق عيسى بن عبد الله عن عباس بن سهل: ((أنه حضر أبا حميد وأبا أسيد ورجالاً منهم فى الصلاة اهـ)) فإذا اعتبرنا سائر الألفاظ الواردة فى طرق الحديث كلها علمنا أن قوله فى بعض طرق الحديث فى عشرة من أصحاب النبي حَ لّ سقط منه كلمة " والأنصار" المعطوف على قوله " من الأصحاب" إما اختصاراً أو سهواً، فالعشرة من الأصحاب وغير الأصحاب من الأنصار مجموعاً لا أن العشرة من الأصحاب فقط ، ومما يؤيد العطف ويرجحه أنه يروى العباس بن سهل الساعدى الأنصارى ولم يذكر فيه أباه سهل بن سعد و عم أبيه أبا حميد كما فى " التهذيب"، أو عمه كما فى " الإصابة" (٤ - ٤٦)، فلا حاجة إلى أن يعتنى الإبن بذكر نسب أبيه وهم أبيه فيعرفه بأنها من الأنصار ، ومحمد بن عطاء الراوى عن العباس مدنى أعرف بحالهم ، فلا يحتاج هو أيضاً لأن يصف له شيخه العباس بذاك، فإذن يكون هؤلاء الأنصار المذكورون فى قوله " والأنصار" من غير الأصحاب فإن كونهم من الأنصار غير خاف على مثل محمد بن عمرو بن عطاء أو عباس ، وأيضاً روايته بالعطف من طريق الوليد . ابن شجاع الكوفى عن أبيه ، والإبن أعرف بحديث أبيه من غيره فآل البحث إلى أن العشرة بعضهم من الأصحاب وهم الذين ذكروا فى الحديث : أبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، والخمسة الباقون من الأنصار فقط ، لا من الأصحاب ، فإذن يسقط خمسة من العشرة أو أربعة إن عددنا أبا قتادة فيهم . .. وبالجملة لا تبقى حجتهم فى ادعاء كونهم كلهم من الأصحاب أمام هذه ١٥٦ معارف السنن ج - ٣ وركع ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع ، ووضع يديه على ركبتيه ثم قال : "سمع الله لمن حمده"، ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم فى موضعه معتدلاً ، ثم هوى إلى الأرض ساجداً، ثم قال : الله أكبر، ثم جافى عضديه المرجحات والمؤيدات لخلافه ، هذا والله ولى الأمور . قوله : فلم يصوب . من التصويب وهو : الخفض ، كما فى حديث آخر (( صوب اللّه رأسه فى النار))، وصوب يده أى خفضه. قوله : ولم يقنع. الإقناع: الرفع ، كما قال تعالى: (مقنعى رؤسهم) أى رافعى رؤسهم ، فعدم التصويب والإقناع هو الاعتدال ، وقد تقدم فى معناه حديث وابصة عند "ابن ماجه": ((رأيت رسول اللّه ◌َ الم يصلى فكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر)). وكذا حديث على فيه من "الكنز" تقدم كل ذلك فى ( باب وضع اليدين على الركبتين عند الركوع). قوله : هوى إلى الأرض ساجداً . من هوى يهوى هوياً ، إذا سقط ، وبابه ضرب ، ومنه قوله تعانى حكاية عن دعاء الخليل : ( رب اجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ). قال الشيخ : عند الزيدية يرفع اليدين عند الهوى إلى السجود ، ولم أقف على تحقيق مذهب الزيدية ، ثم هو يحتمل أنه أراد أن محل الرفع بعد الركوع هو عند الهوى إلى السجود عندهم وهو الظاهر ، أو أنه رفع آخر بعد ما رفع اليدين بعد الرفع من الركوع . وفى " العمدة" ( ٣ - ٧ ) عن "قواعد ابن رشد" عن بعضهم وجوب الرفع أيضاً عند السجود اهـ والله أعلم . وعند الشافعية : يرفع عند الرفع من الركوع أو عند الاعتدال ، ولعل المختار عندهم الأول أى يبتدأ رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع . أنظر " فتح البارى" (٢ - ١٨٣ ) . قوله : ثم جافى ، المجافاة المباعدة، وقد تقدم تفصيل هذه الكامة مع ١٥٧ بيان الهيأة المسونة فى السجدة عن إبطيه وفتخ أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم فى موضع معتدلاً ، ثم هوى ساجداً ثم قال : الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم فى موضعه ثم نهض ثم صنع فى الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من سجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه بيان مواردها فى الروايات فى هذا الموضوع قوله : فتخ ، أصل الفتخ اللين ، ومنه قيل للعقاب : فتخاء ، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها وغمزتها ، وهذا لا يكون إلا من اللبن ، والمعنى : نصبها وغمز موضع المفاصل منها وثناها ولينها. كما فى "النهاية" و"لسان العرب"، غير أن فى " النهاية" ذكر فى معناه وثناها إلى باطن الرجل ، وكذا حكاه فى "اللسان" عن يحيى بن سعيد - القطان - وحكى فى "اللسان" عن أبى منصور: يثنيها إلى ظاهر القدم لا إلى باطنها اهـ . قال الراقم : وهذا هو الموافق للهيئة المسنونة فى السجدة ، فإن الأصابع توجه إلى القبلة، وتوجيهها إليها لا يكون إلا بانعطافها إلى ظاهر القدم لا إلى باطنها ، وإن كان حقيقة غمز المفاصل فى عطفها إلى باطن الراحة فى أصابع اليد وباطن الرجل فى القدم ، ولعل ابن سعيد أراد أصل فتخ الأصابع لا ما هو المراد هنا والله أعلم . قوله : ثم ثنى رجله وقعد ، فيه دليل لإثبات جلسة الاستراحة ، ولنا حديث خلاد بن رافع القولى ، وظاهره نفيها ، وتقدم تفصيل الأدلة والمذاهب فى ( باب كيف النهوض من السجود ) قبل هذا الباب بثلاثة عشرباباً فليراجع . قوله : إذا قام من سجدتين كبر ورفع بديه الخ . المراد بالسجدتين الركعتان كما قاله الترمذى ، وعليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء ، وحملها الخطابى فى "معالم السنن" على الظاهر كما ذكر ذلك فى حديث على عند أحمد ١٥٨ معارف السين ج - ٣ كما صنع حين افتتح الصلاة ، ثم صنع كذلك حتى كانت الركعة التى ننقضى فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ثم سلم)) . وأبى داؤد والترمذى ، ووقع مصرحاً فى بعض طرقه : " من الركعتين" بدل " من السجدتين"، وكذلك وقع مصرحاً فى بعض طرق حديث أبى حميد عند أبى داؤد: "ثم إذا قام من الركعتين" بدل " من السجدتين". ولذانبه البدر العینی وابن رسلان على أن منشأ الاشتباه عليه عدم وقوفه على سائر طرق الحديث . ثم استشكل الخطابى ظاهرهما فقال: فلست أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه ، فإن صح الحديث فالقول به واجب. حكاه فى "العمدة" (٣ - ١٣). وبالجملة فحديث ابن عمر فى بعض طرقه فى الصحيح ، وحديث على وحديث أنى عيد كلاهما فى السنن ، وقع فيها جميعاً: الرفع بعد الركعتين، وهذا مما يلزم به الحنفية الشافعية بأنه لابد أن يقولوا به أيضاً. وقد تقدم البحث فيه مسترفى فى محله قوله : أخر رجله اليسرى ، أى أخرجها إلى اليمين . قوله : وقعد على شقه متوركاً . استدل به الشافعى للتورك فى القعدة الأخيرة، وقد تقدم تفصيل المذاهب فى ( باب كيف الجلوس للتشهد ) وملخصه سنية الافتراش عند أبى حنيفة مطلقاً ، وسنية التورك عند مالك مطلقاً ، وسنية الافتراش فى الأولى والتورك فى الثانية أو التى بعدها سلام عند الشافعى ، ورواية عن أحمد ، والافتراش فى الأولى فى الرباعية أو الأخيرة فى الثنائية عند أحمد، والإختلاف فى الأولوية، والكل جائز عند الكل . ويمكن لأحد أن يقول: لا حجة لأحد فى لفظ التورك ، فإن التورك يصدق لغة على الافتراش عند الحنفية كما فى "القاموس" وغيره من معاجم اللغة . قال فى "القاموس": وتورك فلان الصبى جعله على وركه معتمداً عليه ، وفى الصلاة وضع الورك ١٥٩ تحقيق التورك والافتراش فى القعود على الرجل اليمنى ، أو وضع إليتيه ، أو احداهما على الأرض ، وهذا منهى عنه آهـ. ومثله فى " مختار الصحاح"، وفى "اللسان" عن " الصحاح " (١٢ - ٤٠٢) وقد جاء التورك فى الصلاة وخارجها على معان متعددة، منها ما هو مكروه ، ومنها ماهو مسنون ، وغير ذلك ، كما هو مصرح فى "الصحاح" و "مختار الصحاح" و "اللسان" و "النهاية" و " القاموس" وغيرها . ولكن الحق أن اختلاف تعبير الراوى فى القعدتين بدل على التورك المصطلح عندهم فى الصلاة، وبالأخص على التفسير من الراوى على وفق مذهبهم فى كثير من الروايات ، فلا حجة فى الإجمال بعد التفسير . ولناحديث صحيح عند "مسلم" فى (باب ما يجمع صفة الصلاة) (١ - (١٩٥) من أبي الجوزاء عن عائشة . وفيه : (( وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى)، فلم يذكر فيه الفرق بين القعدتين، واعترف النووى فى " شرحه " : بأن فيه حجة لأبى حنيفة رضى الله عنه ومن وافقه أن الجلوس فى الصلاة يكون مفرشاً الخ . ثم أجاب عنه بجمله على التشهد الأولی جمعاً بينه وبين حديث أبىحميد فى الصحيح، وكذلك البيهقى أوله فى " سننه" (٢ - ١٢٩ )؛ ورده علاء الدين الماردينى فى " الجوهر النقى" فقال: وإطلاقه بدل على أن ذلك كان فى التشهدين ، بل هو فى قوة قولها: وكان يفعل ذلك فى التشهدين ، إذ قولها أولا : (((وكان يقول فى كل ركعتين التحية)) يدل على هذا التقدير اهـ. واستدل الطحاوى وغيره الحنفية بحديث وائل الحضرمى ، وهو عند الترمذى والطحاوى قال: ((قدمت المدينة قلت لأنظرن صلاة رسول اللّهحَ ل ـ وفى رواية : لأحفظن صلاة رسول اللّه فَله ، قال: فلما جلس بعنى للتشهد افترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ونصب رجله اليمنى)). وقال الترمذى حديث حسن صحيح . فاطلاقه مع هذه العناية البالغة والحفظ البليغ يدل على أنه لميكن بين القعدتين فرق، واستدل الطحاوى ثم الماردينى بأنه كان هذا الجلوس فى القعدة ١ ١٦٠ معارف السنن ج - ٣ قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . قال : ومعنى قوله: " إذا التى بعدها سلام فإنه ذكر فيه: ((ثم جعل يدعو))، والدعاء فى التشهد لا يكون إلا فى آخر للصلاة ، وحمله البيهقى على الدعاء للإشارة بالمسبحة ، ورده فى " الجوهر التقى " بأنه خلاف الظاهر والله أعلم . ثم إنه يمكن لهم أن يتأولوا فى حديث عائشة بأن الافتراش أيضاً يصدق على التورك ، فإن فيه نصب اليمنى وافتراش اليسرى والجلوس على الورك ، غير أن ظاهره للحنفية كما أن ظاهر حديث أبى حميد لهم. وبالجملة إن الافتراش يصدق على التورك وبالعكس لغة ، والفارق هو الجلوس على الأرض معتمداً على الورك عندهم ، والجلوس معتمداً على الرجل اليسرى عندنا . ومن أدلتنا ما رواه النسائي عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فى (باب الإستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود) (١ - ١٧٣ ) قال: من " سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى، فإن قيل لاحجة فيه إذ يمكن أن يكون الجلوس بهذه الصفة فى القعدة الأولى وكلامنا فى الجلوس فى الثانية، ولم يصرح فيه بذلك ، نقول: أثر ابن عمر هذا أخرجه مالك فى " مؤطئه" من طريقين ( ص - ٣٠) العمل فى الجلوس فى الصلاة: الأولى أخرجه عن عبد الله بن دينار ((أنه سمع عبد الله بن عمر وصلى إلى حنبه رجل فلما جلس فى أربع وثنى رجليه فلما انصرف عبد اللّه عاب ذلك عليه فقال الرجل: فإنك تفل ذلك؟، فقال عبد اللّه بن عمر: إنى أشتكى)). والثانية: ما أخرجه عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبر: ((أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع فى الصلاة إذا جلس قال: ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهانى عبد الله بن عمر وقال : إنها سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثنى وجلك اليسرى، فقلت له : فإنك تفعل ذلك، فقال: إن رجلى لا تحملانى)، ومن طريق مالك هذه أخرجه البخارى فى " صحيحه