Indexed OCR Text
Pages 101-120
بيان الكيفية المستحبة فى الإشارة وكلام الإمام السرهندى فيها ورده ١٠١
ابن عمر إلا من هذا الوجه . والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي
عَّظلّ والتابعين: يختارون الإشارة فى التشهد ، وهو قول أصحابنا .
من فعله بَ لّ ما يكاد بتواتر معنىّ. وقال: لا نعلم صاحب ".الكيدائية"
من هو ؟ .
ثم إن صاحب "الدر المختار" ذكر فى كيفية الإشارة: المفتى به عندنا
أنه يشير باسطاً أصابعه كلها ، وعزاه إلى " الشرنبلالية " عن " البرهان" .
ورده ابن عابدين فى "رد المحتار"، وصرح بأن الإشارة بدون عقد بالبسط،
لم أر أحداً قال به سوى الشارح تبعاً للشرقبلالى عن " البرهان" للعلامة إبراهيم
الطرابلسى صاحب "الإسعاف" من القرن العاشر، وإذا عارض كلامه كلام
جمهور الشارحين من المتقدمين والمتأخرين فالعمل على ما عليه الجمهور آه ملخصاً.
وألف ابن عابدين فيه رسالة مستقلة كما سبق ذكرها ، وهى مطبوعة ضمن
رسائله الثلاثين المطبوعة فى مجلدين ، وذكر فيها أنه بعد الفراغ منها وقف على
رسالة القارى " تزيين العبارة " فأعجبته فضمنها خاتمة رسالته
قال الشيخ: والشيخ السرهندى مجدد الألف الثانى أنكر الإشارة لاضطراب
الروايات فى كيفيتها ، وتعجب من ابن الهام بأنه كيف قال بأن عدم الإشارة
خلاف الرواية والدراية ، وهو نفسه أسقط العمل بحديث القلتين لاضطرابه.
قال الراقم: ذكره الشيخ الإمام الربانى فى " مكتوباته" ، وذكرت بعض
تلخيصه على قدر ما أشار إليه شيخنا على حسب ما كنت أحفظ ، وليس كتابه
* المكتوبات " الآن عندى ، ولا ريب أن الشيخ الربانى قد أتى فى مكتوبه ذلك
ما يمكن من قوة الاستدلال بمتانة بالغة وذوق فقهى محالص ، وآثر فى الإنكار
منهجاً علمياً فقهياً بأمتن تعبير ، وهو غاية ما يمكن فى الإنكار . لكن الحق
أن الحق ليس معه فى هذه المسألة مع جلالة قدره وكبر شأنه فى العلوم والمعارف،
وعلو كعبه فى الحقائق والمكاشفات الصحيحة على ما يوافق الشرع. علا أن الإمام
١٠٢
معارف السين
ج - ٣
الربانى نفسه من أكبر ممن قام لنشر السنة فى ربوع الجهل والبدعات ، ودعا
الناس إلى اتباع السنة ، وهجر ما عليه عامة الصوفية من البدع والرسوم المحدثة
فهو ينكر بأعلى نداء على كثير من المنكرات الرائجة بين صوفية عصره: بأنه لا يحتج
بأقوال أبى الحسين النورى والبسطامى وفلان وفلان فى مثل هذا ، وإنما يحتج بمثل
أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد ، فلكل فن رجال ، فعلى ضوء وصيته لنا
نقول : إن مثل هذا من الإمام الربانى ليس مما يجب تقليده على أتباعه ، بل هو
نظره الفقهى، ولم يكن هو معصوماً، وأمامنا من جلالة من كلام الأثمة من يجب
المصير إليه ، وليس الاضطراب فى الكيفية مما يطرح العمل من أصله ، فكم
وكم من سنن الصلاة وواجباتها الروايات فيها مضطربة ، كرفع اليدين عند
التحريمة ، أى فى كيفية الرفع ، ووضع اليدين على فوق السرة وتحتها ،
وروايات الجلوس من الافتراش والتورك وغيرها مما هو كثير جداً ، فكما
لا نترك تلك لأجل الاضطراب فى الروايات فليكنّ أحاديث الإشارة من هذا
القبيل . وغاية ما يلزم من مثل هذا الاختلاف التوسع فى العمل والتخيير فى
الكل ، فالقدر المشترك هو ثبوت الاشارة بالسبابة فى جميع الروايات . وأما
الاضطراب فى أحاديث القتلين فليس من هذا القبيل ، بل هناك اضطراب فى
المتن ، وإضطراب فى الاسناد، واضطراب فى المعنى ، ولم يتصور هناك جمع
ولا ترجيح، وعارضه من الروايات ما هو أقوى سنداً ومتناً كما تقدم تحقيق ذلك
فافترقا. ثم لو كان مثل هذه المسائل مما يجب تقليده فيها على الناس لكان أنجاله
الكرام وخلفاؤه العظام أولى به من غيرهم ، مع أن الشيخ محمد صادق أو محمد
سعيد من أبنائه ألف " رسالة" فى أن الإشارة سنة، ولم يوافق أباه الإمام ،
وهذا العارف المحقق الشيخ السيد آدم البنورى مع أنه أكبر خلفائه لم يوافقه عليه
بل لما مثل عنها - ولم يكن عالماً رسمياً بل كانت علومه ومعارفه مواهب إلهية
الدنية- فتوجه إلى روح سيدنا صفوة البرية محمد عَّ له فألهم علمها وقال: "سنة
١٠٣
تحقيق أن لا إضطراب فى أحاديث الإشارة
مطلوبة تجلب الحضور إلى القلب"، كما ذكره الشيخ محمد أمين البدخشى فى .
" نتائج الحرمين". فانظر! هذا ابنه وهذا خليفته لم يتابعا الشيخ قدس الله
أسرارهم ونفعنا بأنوارهم فى مثل ذلك . وبالجملة فالمسألة مثل هذه يرجع
فيها إلى الفقهاء المحدثين الذين هم أئمة هذا الشأن ، وبالله المستعان التوفيق
والتكلان .
قال الشيخ : ولا اضطراب فى الروايات ، فإن القصة رواها عدة من
الصحابة ، والغرض من الكل رفع المسبحة وضم سائر الأصابع .
قال الراقم : وبمثله جمع بينها ابن القيم فى " الهدى" حيث قال: وهذه
الروايات كلها واحدة، فإن من قال: ((أصابعه الثلاثة)) أراد به أن الوسطى
كانت مضمومة لم تكن منشورة کالسبابة، ومن قال: «قبض ثنتين من
أصابعه)) أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل البنصر والخنصر
متساويان فى القبض دون الوسطى الخ . قال الراقم : وقد أشار إليه النووى
"نقلاً عن بعضهم فى " شرح مسلم"، ولكن الظاهر إبقاء كل على ظاهره من
غير تأويل ، والقول بأداء أصل السنة بكل من الصفات ، كما يقول النووى
فى "شرح المهذب" (٣ - ٤٥٤): وكيف ما فعل من هذه الهيئات فقد
أتى بالسنة، وإنما الخلاف فى الأفضل اهـ. ويقول الرافعى فى " شرح الوجيز"
قال ابن الصباغ وغير : كيفما فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة لأن
الأخبار قد وردت بها جميعاً وكأنه ◌َّلهم كان يضع مرة هكذا وهكذا
آهـ . وقال صاحب "القاموس" فى "سفر السعادة": الأحاديث فيها كثيرة.
قال الشيخ : الأحاديث ثلاثة ، نعم طرقها كثيرة ، كذا فى "العرف الشذى"
وأما "سفر السعادة" فلم يكن عندى الآن، وقد أشار الترمذى إلى خمسة أحاديث
فيكون الجميع عنده ستة ، والذى وقفت عليه من الأحاديث أذكرها فيما يلى
ما عدا الأحاديث الثلاثة السابقة من حديث ابن عمر وحديث ابن الزبير
١٠٤
معارف السنن
ج - ٣
وحديث وائل .
١ - حديث أبى هريرة عند النسائى والترمذى والبيهقى فى كتاب" الدعوات
الكبير": (( !. رجلاً كان يدعو بإصبعه، فقال رسول اللّه فَ لج: أحد أحد))
النسائى فى ( باب النهى عن الإشارة باصبعين الخ) ( ص - ١٨٧ ) والترمذى
فى (الدعوات) (٢ - ٩٥) وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه
البيهقى فى "السنن" (٢ - ١٣١).
٢ - حديث سعد عند النسائى: ((مرعلى رسول اللّه عَلٍّ وأنا أدعو
بإصبعى فقال: أحد أحد، وأشار بالسبابة)) . وإسناده صحيح .
٣ - حديث نمير الخزاعى قال: «رأيت النبى حَرٍّ واضعاً يده اليمنى
على فخذه اليمنى فى الصلاة ، ويشير بإصبعه )) رواه النسائى وأبو داؤد وابن
ماجه واللفظ له ، كلهم من طريق عصام بن قدامة ، وإسناده صحيح .
٤ - حديث ابن عمر عند أحمد، وفيه: ((قال رسول اللّه ◌ِجَلٍ: لهى
أشد على الشيطان من الحديد)). قال الهيثمى فى " الزوائد" ( ٢ - ١٤٠ ):
رواه البزار وأحمد ، وفيه كثير بن زيد ، وثقه ابن حبان وضعفه غيره .
٥ - حديث عبد الرحمن بن أبزى عند الطبرانى فى" الكبير" قال:
(( كان النبي ◌َّ لّ يقول فى صلاته هكذا وأشار باصبعه السبابة)) قال فى "الز وائد":
لم يروه عنه غير منصور بن المعتمر ، كما قال ابن أبى حاتم عن أبيه اهـ .
قال الراقم : وهو من رجال الستة ، فعلى تفرده أيضاً عن حجة ، وله طريق
آخر أيضاً عن أبيه عند الطبرانى من طريق راشد كما فى " الزوائد".
٦ - حديث خفاف بن إيماء بن رحضة الغفارى عند أحمد والطبرانى
قال: ((كان رسول اللّه عَ لّ إذا جلس فى آخر صلاته يشير بإصبعه السبابة،
وكان المشركون يقولون يسحر بها، وكذبوا ولكنه التوحيد ، قال الهيشمى :
١٠٥
بقية أحاديث الإشارة وبيان وقت الإشارة
ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقى فى " السنن" (٢ - ١٣٣)، وفيه: وإنما
يريد النبى معَّ اللّ التوحيد.
٧ - حديث أسامة بن الحارث عند الطبرانى قال: ((رأيت النبى
واضعاً يده، أراه على فخذه يشير بإصبعه)، وفيه غيلان بن عبد الله عن أبيه ،
قال الهيشمى ، ولم أجد من ترجمه ولا أباه اهـ. فهذه سبعة وهى مع الثلاثة
المتقدمة " ذلك عشرة كاملة" وإذا ضممنا معها حديث أبى حميد المذكور فى
الباب الذى قبله يبلغ أحد عشر حديثاً والله أعلم. ثم فى " كنز العمال "
(٤ - ١٠٤). حديث قولى لابن عمر وعقبة بن عامر فى فضل الإشارة
فليراجعه ، ويأتى روايات فى صدد حكمة الإشارة وبالله التوفيق والإعانة .
وأما وقت الإشارة فقال الشافعية: يرفعها عند قوله : " أشهد" ويضع
عند الإثبات كذا فى "العرف الشذى". والذى فى "شرح المهذب" (٣ -
٤٥٤ ): أن يرفعها إذا بلغ الهمزة من قوله: "لا إله إلا الله". وفى "المر قاة"
عن "الطيبى": عند قوله: "إلا الله" ليطابق القول الفعل، ومثله الرفع عند
همزة " إلا الله" فى "شرح الوجيز". ولم يذكروا وقت الوضع والله أعلم.
ويضم الأصابع من ابتداء التشهد ، وكذلك عند أحمد ومالك ، ثم ندب التحريك
يميناً وشمالاً تحريكاً وسطاً عند مالك كما فى " أقرب المسالك" للدردير خلافاً
للأئمة الثلاثة .
وأما عندنا فيرفعها عند النفى ويضعها عند الإثبات ، قاله شمس الأئمة
الحلوانى، حكاه ابن الحمام فى "الفتح" (١ - ٢٢١) وزاد: ليكون الرفع
للنفى والوضع للاثبات اهـ. وقال على القارى فى " المرقاة" و"التزيين":
يرفعها عند "لا إله" ويضعها عند "إلا اللّه" لمناسبة الرفع للنفى، وملائمة الوضع
للإثبات ، ومطابقة القول والفعل حقيقة اهـ. وحكاه فى " رد المحتار" عن
( م - ١٤ )
١٠٦
معارف السنن
ج - ٣
"المحيط". قال الشيخ: ولم أجده من الأئمة، ولعل لعمل الفريقين يكون مسكة،
غير أنى لم أقف فيه على خبر مرفوع لأحد من الفريقين .
ثم بعد الإشارة لا يبسط يده بل يبقيها على هيئتها ، كما حققه على القارى
فى بعض رسائله أى " التزيين"، وكذا ابن عابدين فى "رسالته"، واستدلاله
باستصحاب الحال حيث لم يثبت عنه عَّ لّ بعد الإشارة تغير هيئة اليد لا نفياً
ولا اثباتاً، فالعمل باستصحاب الحال إذن أولى. والشرفبلالى اختار البسط
بعد الإشارة، كما حكاه عنه الطحطاوى على " المراقى"، غير أنه لم يأت له
بدليل فقال : فلا يعقد قبل ولا بعد ، وعليه الفتوى اهـ . قال الشيخ: ويقول
الشيخ رشيد أحمد الكتكوهى المحدث : لا يضعها كل الوضع، ويشير إليه ما فى
بعض الروايات من إمالتها شيئاً ، وهو حديث نمير الخزاعى عند النسائى فى
(باب احناء السبابة فى الإشارة ) ( ١ - ١٨٧) وفيه: ((رافعاً إصبعه السبابة
قدأحناها شيئاً وهو يدعو)). وعند أبى داؤد فى الإشارة فى التشهد: ((قد حناها
شيئاً)، وكلام الطحاوى فى "شرح الآثار" فى (باب صفة الجلوس) ( ١ -
١٥٣ ) فى ضمن بحث التورك يدل على أن الرفع كان الدعاء ، والدعاء فى
آخر الصلاة ، ويستفاد منه استمرار الرفع إلى وقت الدعاء ، فقد أورد حديث
أبى وائل وفيه: ((ثم جعل يدعو بالأخرى، ثم قال وفى قول أبى وائل: "ثم
عقد أصابعه يدعو" دليل على أنه كان فى آخر الصلاة اهـ .
وقال الشيخ فى "تعليقات الآثار": ويسلم كلام الطحاوى فى استمرار
الرفع إلى الآخر لأنه يكون العمل إذ ذاك كذاك ، ويناقش معه فى الابتداء ،
لأن الدعاء ليس بمعنى "خواستن" وإنما هو بمعنى "خواندن". وراجع "الجوهر "
. (١ - ١٤٩) انتهى كلامه.
أقول : وكلام الماردينى فى " الجوهر النقي" ما نصه: وفى رواية له :
(( وأشار بالسبابة يدعو)» فكر الدعاء دليل على أن ذلك كان فى آخر الصلاة
١٠٧
بيان أن الإشارة للتوحيد أو الدعاء
١هـ. قال الشيخ رحمه الله: وما قاله: " إن الدعاء فى آخر الصلاة "
فيه نظر ؛ فإن الدعاء فى عرف الشرع أعم من المسألة أو ذكر الله ، فيصح
إطلاق الدعاء على التشهد أيضاً ، ولكن فى بعض الروايات عند ابن أبى شيبة
أن الرفع لم يكن من ابتداء التشهد. ولفظ الشيخ فى "تعليقات الآثار": وفى
بعض الآثار عند " ابن أبى شيبة" ( ص - ٥٣٤) فى آخر القعدة ، والدعاء
وهذا يدل على التأخير والله أعلم. وعبارة "الترمذى" فى (٢ - ١٩٥ و ١٩٨)
فى الدعاء عند الشهادة اهـ، وعند "البخارى" (ص - ٩٣٧) ثم يتخبر من
الثناء ، وراجع لفظ " النسائى" (١ - ١٧٣): ونصب إصبعه للدعاء، وما
فى "الجوهر" (١ - ١٥٧) و"الكنز" (٤ - ١١٨) انتهى كلامه،
وتخريجها يطول . والغرض اختلاف مواضع رفع السبابة ، غير أنى فى" الكنز"
فى (٤ - ١١٨) لم أجد شيئاً يلائم الموضوع والله أعلم. ثم إن الروايات تدل
على أن الرفع إشارة إلى التوحيد ، تقدم فيه حديث خفاف بن إيماء الغفارى
عند أحمد والطبرانى، وعند أحمد فى "مسنده" (١ - ٣٣٩) عن ابن عباس:
( ذاك الاخلاص)) أى الإشارة بالإصبع، وأخرجه "البيهقى" (٢ - ١٣٣)
وكذا عنده مرفوعاً عن ابن عباس: ((إن رسول اللّه عَ ل قال هكذا الإخلاص
يشير بإصبعه التى تلى الابهام ، وهذا الدعاء فرفع يدبه حذو منكبيه ، وهذا
الا بتهال فرفع يديه مداً)) وفى هذه الرواية فائدة جليلة من كيفية الدعوات
الثلاثة من دعاء التوحيد، ودعاء المسألة، ودعاء الابتهال . وعند البيهقى من
حديث ابن عمر مرفوعاً: ((تحريك الاصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان)). قال
البيهقى: تفرد به محمد بن عمر الواقدى وليس بالقوى ، قال: وروينا عن
مجاهد أنه قال : تحريك الرجل إصبعه فى الجلوس فى الصلاة مقمعة للشيطان
اهـ. فهذا ما وقفت عليه من الروايات الصريحة: وفى " صحيح البخارى" فى
(باب مرض النبى ◌ِّجال) فى حديث عائشة: ((رفع يده أو اصبعه ثم قال:
١٠٨
معارف السنن
ج - ٣
فى الرفيق الأعلى)، وفى "مسند أحمد" (٢ - ١٨٧): ((وأشار باصبعه
السبابة إلى السماء وهو يقول : أبشروا معشر المسلمين ، هذا ربكم عز وجل قد
فتح باباً الخ )) .
_: فائدة فى أقسام الدماء :ـ
قال صاحب " البحر" فى الوتر : الدعاء أربعة أقسام ، دعاء رغبة ،
ودهاء رهبة ، ودعاء تضرع ، ودعاء خفية . ففى دعاء الرغبة يجعل بطون
كفيه نحو السماء ، وفى دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من
الشى ، وفى دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى
ويشير بالسبابة، وعاء الخفية: ما يفعله المرأ فى نفسه اهـ. بلفظه حكاه ( ٢ -
٤٣) عن " النهاية" معزياً إلى محمد بن الحنفية، وكذا فى "شرح المنية" عن
"المبسوط" كما فى " ردالمحتار" من صفة الصلاة. وقال البدر العينى فى "العمدة"
(٣ - ٣٢١) وقال جماعة من العلماء: السنة فى دعاء رفع البلاء أن يرفع يديه
ويجعل ظهرهما إلى السماء ، وفى دعاء سؤال شى وتحصيله يجعل بطونها إلى
السماء ... وعن أبى يوسف: إن شاء رفع يديه فى الدعاء - أى الاستسقاء -
وإن شاء أشار بإصبعه، وفى "المحيط" ((باصبعه السبابة))، وفى " التجريد "
« من يده اليمنى)) اهـ .
قال الراقم : الأولى أن يُراعى فى الأقسام ما دلت الأحاديث صراحة ،
وقد تقدم الأقسام الثلاثة فى حديث ابن عباس عند البيهقى وحديث: ((فاستلو
اللّه ببطون أكفكم)) فى السنن صريح فى أدب دعاء المسألة، وإذا ضممنا إليها
دعاء الرهبة ودعاء الخفية فتصير الأقسام خمسة . والكلام فيها فى تفصيل كل
ناحية منها واسع جداً يحتاج إلى تأليف مستقل ، فالدعاء آداب ، ولها شروط
ولها أحوال ، ولها أوقات ، ولها أقسام ، وغير ذلك مما يتعلق به قرآناً وحديثاً
١٠٩
كيفية دعاء الرهبة ووجه الإشارة باليمنى والتسليم فى الصلاة
( باب ماجاء فى التسليم فى الصلاة )
حدثنا بندارنا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان عن أبى اسحاق عن أبى الأحوص
وفقهاً ، وأدعو الله سبحانه أن يوفقنى لتأليف فيه كما أرتضيه وهو المستعان
وعليه التكلان .
تنبيه : وقع فى " الدر المختار" فى تفسير دعاء الرهبة منقولاً عن "البحر":
((أن يجعل كفيه لوجهه الخ)) فسقط لفظ " ظهر" المضاف إلى " كفيه" فانعکس
الأمر ، فبه عليه ابن عابدين أيضاً ، ونظير هذه السقطة ما فى بعض كتب
الفقه فى آداب الاستنجاء إذا أراد دخول الخلاء: ((ويدخل مكشوف الرأس ))
فسقطت كلمة "لا" أى: ولا يدخل مكشوف الرأس ، وقد أشرت إليه فى
آداب الخلاء فى رباب ما يقول إذا دخل الخلاء ) .
زائدة : تقدم حكم الإشارة بالسبابة بأنها إشارة إلى التوحيد ، وذكر
القارى لتخصيص السبابة من اليمنى أيضاً حكمة فقال : ثم خصت المسبحة لأنها
لها اتصال بنياط القلب، فكان سبباً لحضوره ، واليمنى من اليمن بمعنى
البركة ، فأشير بقبض اليمين إلى التفاؤل بحصول الخيرات للمصلى ، وإنه يحفظها
عن الضياع واطلاع الأغيار اهـ .
- : باب ما جاء فى التسليم فى الصلاة : -
فى التسليم عدة مسائل خلافية ، مسألتان منها فى غاية من الأهمية. الأولى
عدد التسليم ، والثانية حكمه. وشيخنا رحمه اللّه تعرض فى أماليه " العرف
الشذى " إنيها، فتبعاً للشيخ أذكرهما، وليراجع مبوطات كتب الفقه من
المذاهب لتفصيل البقية والله الموفق . فذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد : إلى
التسليمتين لكل مصل ، وروى ذلك عن أبى بكر وعلى وعمار وابن مسعود
١١٠
معارف السنن
ج - ٣
عن عبد اللّه عن النبى عَلّ: ((أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: " السلام
علیکم ورحمة الله،السلام عليكم ورحمة الله" )). وفى الباب عن سعد بن أبى وقاص،
رضى الله عنهم ، وبه قال نافع بن الحارث وعلقمة وأبو عبد الرحمن السلمى
وعطاء والشعبى والثورى واسحاق وابن المنذر كما فى "المغني" (١ - ٥٩٢)،
وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، حكاه الترمذى
والفاضى أبو الطيب وآخرون عن أكثر العلماء، كما فى " شرح المهذب" (٣ -
٤٨١)، ومثل ما ذكراه فى " العمدة" (٣ - ٢٩١)، وذهب مالك إلى
تسليمة واحدة للإمام تلقاء وجهه ، وثلاث تسليمات للمأموم قلقاء الوجه جواباً
للإمام وبيميناً وشمالاً، ومن الصحابة ان عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة،
ومن التابعين الحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وقال عمار بن أبى عمار:
كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين ، ومسجد المهاجرين يسلمون فيه
تسليمة ، قاله النووى وابن قدامة ، وإليه ذهب الأوزاعى والشافعى فى القديم
يفصل: إن اتسع المسجد وكثر الناس يسلم تسليمتين ، وإن صغر وقل الناس
قسليمة واحدة، كما فى " المهذهب"، ومذهب مالك يحكيه الحافظ أبو عمر ابن
عبد البر عن الخلفاء الأربعة، كما حكاه "الزرقانى" ( ٧ - ٣٣٦) فى " شرح
المواهب". وحديث الباب دليل الجمهور. قال البدر العينى فى " العمدة "
(٣ - ١٩١) وأخرج الطحاوى حديث التسليمتين عن ثلاثة عشر من الصحابة
فذكرهم ثم زاد عليه سبعة آخرين وقال : فهؤلاء عشرون صحابياً رووا عن
رسول اللّه ◌ُعَ لّ.(" إن المصلى يسلم فى آخر صلاته تسليمتين تسليمة عن يمينه
وتسليمة عن يساره آهـ)). واستدل لمالك بحديث عائشة فى الباب الذى بعده .
وتكلم الترمذى والطحاوى فى سنده، وتأول فيه بعض المتأولين بأن البداءة كان
به من تلقاء الوجه ممتداً به إلى اليمين ، ومثله ذكره فى " الكوكب الدرى" ،
ولا أدرى لمن هو ؟ ولعله يريد أن المقصود بيان كيفية السلام هكذا . لا بيان
١١١
بيان اختلاف الأئمة فى عدد التسليم
وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء ، وعمار ، ووائل بن حجر، وعدى بن
عميرة ، وجابر بن عبد الله .
العدد ، والكيفية هذه من ابتدائه تلقاء الوجه وانتهائه فى جانب اليمين ، ذكره
فى "المجموع" و "المغنى"، وهو المعمول به عندنا. ثم رأيت التأويل المذكور
فى "المغنى" (١ - ٥٩٦) عن ابن عقيل فقال: "بسلم تلقاء وجهه" معناه: ابتداء
"السلام ورحمة الله" يكون فى حال التفانه اهـ. وفيه أن لفظ: "واحدة" ينافى
الكيفية، بل هو نص فى العدد والله أعلم. وأجاب عنه فى "المغني" (١ - ٥٣٢):
بأنه سأل الأثرم أحمد عن هذ الحديث فقال: كان يقول هشام: كان يسلم تسليمة
يسمعنا . قيل له: إنهم مختلفون فيه عن هشام بعضهم يقول: تسليماً وبعضهم يقول
تسليمة ، قال: هذا أجود، فقد بين أحمد أن معنى الحديث يرجع إلى أنه يسمعهم
التسليمة الواحدة . ومن روى تسليماً فلا محجة لهم فيه فإنه يقع على الواحد
. . ويجوز أن النبى محّه فعل الأمرين ليبين الجائز والمسنون
والثنتين .
آهـ. فتلخص أجوبة ثلاثة: إسماع الواحدة لا الاقتصار على الواحدة ، أو
الرواية بلفظ " تسليماً" مصدر للتأكيد دون الوحدة أو بيان الجواز. والله
أعلم . قال الشيخ رحمه الله: واستدل لمالك بحديثين صحيحين ، أحدهما عند أبى
داؤد فى "سننه" فى صلاة الليل ( ١ - ١٩١ ) من حديث عائشة وفيه :
((ثم يقوم فيصلى ركعة يوتربها ثم يسلم تسليمة يرفع بها صوته حتى يوقظنا اهـ))
وفيه ما ذكره أحمد كما مر آنفاً ، وصنيع أبى داؤد فى " سننه" فى ألفاظ هذه
الروايات يدور على هذا النظر ، فينبه على اختلاف الرواة فى لفظ التسليم
والتسليمة ، وفى زيادة "حتى يسمعنا" عند بعضهم، وعدمها عند بعض، فكأن
أبا داؤد اقتفى أثر شيخه غير أنه لم يرجح فاعلمه، والحديث ذلك أخرجه مسلم
فى "صحيحه" فى صلاة الليل بلفظ: ((ثم يسلم تسليماً يسمعنا))؛ ولاحجة فيه
أيضاً. وأخرجه "أحمد" (٦ - ٢٣٦) بلفظ: ((ثم يسلم تسليمة واحدة))،
١١٢
معارف السنن
ج - ٣
قال أبوعيسى : حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند
ومن العجيب أن الحافظ فى " التلخيص" يخرج ذلك الحديث بلفظ: ((تسليمة
واحدة)) من ذلك الطريق نفسها ، وعناه إلى " صحيح ابن حبان" و " مسند
السراج " ولم يغره إلى أبى داؤد ولا إلى مسلم ولا إلى أحمد . ثم ذكر أنه على
شرط مسلم ، ولم يستدركه الحاكم. قلت : وهو فى " صحيح مسلم " غير أنه
بلفظ: ((تسليماً)) فكيف يستدركه الحاكم والحديث هو هو ! والله أعلم . والثانى
عند النسائى فى "سننه" فى (باب الوقت الذى يجمع فيه المسافر بين المغرب
والعشاء ) (١ - ٩٩) من حديث ابن عمر الطويل وفيه: ((ثم أقام مكانه فصلى
العشاء الآخرة ثم سلم واحدة تلقاء وجهه ثم قال: قال رسول اللّه فَجَّةٍ: إذا
حضر أحدكم أمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة ١ هـ)) والرواية هذه صريحة فى
التسليمة الواحدة، بالأخص على ما يذكرونه مذهباً لابن عمر من الصحابة . قال
الشيخ : وحديث آخر عندى لمالك أخذته من " تاريخ ابن معين " غير أنى
لم أقف على سنده .
قال الراقم : بالأسف لم يذكره الشيخ ولم أقف عليه ، وأصرح
شئى وأقواه لمالك فى "الزوائد" (٢ - ١٤٥ و ١٤٦ ) عن أنس.
ابن مالك قال: ((كان النبي ◌ََّلُ وأبو بكر وعمر رضى الله عنهما يفتتحون القراءة
بالحمد لله رب العالمين، ويسلمون تسليمة واحدة)». قلت: فى الصحيح بعضه
رواه البزار والطبرانى فى" الكبير " و "الأوسط" بالتسليمة الواحدة فقط،
ورجاله رجال الصحيح اهـ. وفى " كنى الدولابى" (٢ - ٤١) باسناده عن عطاء:
(((إن أبا هريرة كان يسلم واحدة ينفخ فيها وجهه ١ هـ)) وكان الشيخ أشار إليه
فى تعليقاته على "آثار السنن»: وحديث أنس المذكور أخرجه البيهقى أيضاً
مقتصراً على الجزء الأخير . وهذه الروايات تفيدنا فى الاقتصار على التسليمة
الواحدة فى سجدة السهو للإمام ، فلا عبرة لما يعترض إذن بأنه لا دليل عليه .
١١٣
بيان اختلاف المذاهب فى حكم التسليم
أكثر أهل العلم من أصحاب النبى عَلّ ومن بعدهم. وهو قول سفيان الثورى
وابن المبارك وأحمد واسحاق .
قال الراقم : لاشك أن ما ذكرهنا فى الباب ما يستدل به لمالك مع حديث
عائشة عند الترمذى وحديث سهل بن سعد وحديث سلمة كلاهما عند ابن ماجه
يكفى أقل منه ، وهذه الثلاثة أفرادها وإن كانت ضعيفة ولكن اعتصدت بالاجتماع
وبالأدلة المذكورة ، على أنه لا قائل بفرضية التسليمة الثانية كما سياتى، غير أن
المشهور المتواتر المنقول من مذاهب أكثر الصحابة والتابعين وأكثر الأئمة المتبوعين:
هو التسليمتان ، وقد تواترت أحاديثها إسناداً كما تواترت عملًا، والزيادة
من الثقات مقبولة ، ونظير إحلال الحج بالأمرين شاهد فى الباب، فكل هذا
يرجح جانب الجمهور والله أعلم . ثم المشهور فى مذهب إمامنا أبى حنيفة وجوب
التسليمتان وفى رواية شاذة وجوب الأولى وسفية الثانية . قال ابن الهمام فى "الفتح":
ثم قيل الثانية سنة، والأصح أنها واجبة كالأولى آهـ. ولعل المختار هى الشاذة . لم
أقف على مأخذه من كلام المشائخ ، ولعله اختيار له رحمه الله والله أعلم . نعم عن
أبى حنيفة رواية سنية السلام مطلقاً كما فى " العمدة " ، فعن أبى حنيفة أنه واجب ،
وعنه أنه سنة اهـ. وصح فى "البحر " عن " المحيط" وغيره الوجوب . وقد تقدم
فى الطهارة أن الثلاثة ذهبوا إلى فرضية التكبير والتسليم . والإمام إلى وجوبها أى
فوق السنة ودون الفرض، وممن ذهب إلى عدم فرضية التكبير عطاء بن أبى رباح
وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعى وقتادة وابن جرير الطبرى ، وهو مذهب
الثورى والأوزاعى وكفى بهم قدوة ، وقد سبقت أدلتهم فى الطهارة فليراجع
من هناك وبالله التوفيق . ثم إن الواجب عند أحمد التسليمة الواحدة ، والثانية
سنة، كما فى "المغنى" (١ - ٥٩٤) وهو مذهب الشافعى كما فى "شرح المهذب".
وقال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على
( م - ١٥ )
١١٤
معارف السنن
ج - ٣
( باب منه أيضاً )
حدثنا محمد بن يحيى النيسابورى نا عمرو بن أبى سلمة عن زهير بن محمد عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((إن رسول اللّه ◌َاجٍ كان يسلم فى الصلاة
تسليمة واحدة تلقاء وجهه ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً)).
قال : وفى الباب عن سهل بن سعد. قال أبوعيسى : وحديث عائشة
لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه . قال محمد بن اسماعيل: زهير بن محمد
. أهل الشام يروون عنه مناكير ، ورواية أهل العراق أشبه . قال محمد: وقال أحمد
ابن حنبل : كان زهير بن محمد الذى كان وقع عندهم ليس هو هذا الذى
يروى عنه بالعراق ، كأنه رجل آخر ، قلبوا اسمه ، وقد قال به بعض أهل
العلم فى التسليم فى الصلاة. وأصح الروايات عن النبى حَ﴾ تسليمتان ، وعليه
أكثر أهل العلم من أصحاب النبي مَلٍ والتابعين ومن بعدهم. ورأى قوم من
أصحاب النبي عَ لّ والتابعين وغيرهم تسليمة واحدة فى المكتوبة. قال الشافعى:
إن شاء سلم تسليمة واحدة وإن شاء سلم تسليمتين .
تسليمة واحدة جائزة ، كما فى " المغنى" وبالجملة فمن ذهب إلى التسليمتين
اختلفوا فى حكمها أيضاً ، وقال ابن حزم : الأولى فرض ، والثانية سنة
حسنة لا بأثم تاركها ، حكاه فى "العمدة" (٣ - ١٩١)
-: باب منه أيضاً :-
أخرج فيه حديث عائشة فى التسليمة الواحدة ، كما هو مذهب مالك من
طريق زهير بن محمد ، وحقق الترمذى ضعفه، ورواه الحاكم فى "المستدرك"
وقال: على شرط الشيخين ، ورده النووى فى "الخلاصة" وقال: هو حديث
ضعيف ، ولا يقبل تصحيح الحاكم له آهـ. وقال صاحب "التنقيح": وزهبر
ابن محمد وإن كان من رجال " الصحيحين" لكن له مناكير وهذا الحديث
٠
١١٥
التسليمة الواحدة والحديث فيه وأن الوقف على السلام سنة
( باب ما جاء أن حذف السلام سنة )
حدثنا على بن حجرنا عبد الله بن المبارك والهقل بن زياد عن الأوزاعى عن
قرة بن عبد الرحمن عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال : ((حذف
السلام سنة )) .
منها ، وقال أبو حاتم :! هو حديث منكر، وكذلك ضعفه الطحاوى فى "شرح
الآثار» وابن عبد البر فى " التمهيد"، هذا ملخص ما ذكره الزيلعى فى
" نصب الرأية" (١ - ٤٣٣). وقد علمت مما تقدم فى الباب الذى قبله من
نوع قوة فيه ، ولا يبعد أن يكون حكمهم هذا على تضعيفه من جهة فقهية
لا حديثية، وبما ظنوه معارضاً لأخبار صحيحة ، والبيهقى فى " سننه " بوب عليه
جواز الاقتصار على تسليمة واحدة ، ولم يجرحه إلا بتفرد زهير بن محمد قال :
وروى من وجه آخر موقوفاً وسكت عن زهير وعن عمرو بن أبى سلمة الراوى
عنه . وبالجملة دعوى العقيلى ثم ابن عبد البر ثم النووى بأنه ليس فى التسليمة
الواحدة حديث ثابت لا تصح ، والله أعلم بالصواب .
-: باب ما جاء أن حذف السلام سنة :-
حذف السلام معناه : الوقف على آخره من غير مد، كما قاله ابن المبارك،
قال فى " شرح المهذب" (٣ - ٣٨٢): يستحب أن يدرج لفظ السلام
ولا يمدها ولا أعلم فيه خلافاً للعلماء اهـ . ومثله قال الحافظ ابن سيد الناس
اليعمرى . وقال الحافظ فى " التلخيص ": حذف السلام الإسراع به ، وهو
المراد بقوله: جزم، وأما ابن الأثير فى "النهاية" فقال معناه: أن التكبير والسلام
لا مدان ولا يعرب التكبير بل يسكن آخره ، وقبعه المحب الطبرى وهو مقتضى
كلام الرافعى فى الاستدلال به؛ على أن التكبير جزم لا يمد . قلت : وفيه نظر
لأن استعمال لفظ الجزم فى مقابل الاعراب اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف
-
١١٦
معارف السنن
ج - ٣
قال على بن حجر: وقال ابن المبارك : يعنى أن لا تمده مداً . قال أبو عيسى :
هذا حديث حسن صحيح ، وهو الذى يستحبه أهل العلم .
يحمل عليه الألفاظ النبوية ؟ انتهى كلام الحافظ .
قال الراقم: الجزم فى اللغة : القطع ، ومعنى القطع أن لا يمد بل يقف
عليه ، فلا يتحرك ولا بمد، فالغرض هو نفى الإطالة والتمديد ، وهو مفاده
لغة لا أنهم حملوه على معنى مستحدث . علاأن للمعنى المصطلح المستحدث أيضاً
ما يساعده اللغة، وقد قال إمام اللغة والعربية أبو العباس المبرد الله أكبر الله
أكبر ، ويحتج بأن الأذان سمع موقوفاً غير معرب فى مقاطعه، حكاه السخاوى
فى " المقاصد الحسنة" وقد أسند الحاكم عن أبى عبد الله البوشنجى أنه سئل
من حذف السلام فقال : لا يمد ، حكاه السخاوى أيضاً .
وفى إسناد الحديث قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل بفتح الحاء المهملة على
وزن جبر ئيل كما فى "التقريب". ويقال : قرة بن حيوئيل ، وهو مختلف
فيه ، ضعفه الأكثر . قال فى «التقريب": صدوق له مناكير، وفى "التهذيب":
روى له مسلم مقروناً بغيره ، وفيه عن الأوزاعى : ما أحد أعلم بالزهرى من
قرة بن عبد الرحمن .
ثم تأول فيه الحافظ ، أنظر " التهذيب" ( ٨ - ٣٧٤). وهو الذى
يروى حديث التسمية أى: ((كل أمر ذى بأل الخ)) من حديث أبى هريرة ، وحسنه
الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح شيخ النووى ، وكذا الشيخ تاج الدين السبكى تلميذ
الذهبى فى "طبقات الشافعية الكبرى"، وغاية مبلغ الحديث أن يكون حسناً،
والحديث مروى بلفظ: "بسم اللّه" وبلفظ: "ذكر اللّه" وبلفظ "الحمد للّه"
والغرض من الكل هو ذكر الله جل ذكره ، كما تقدم فى مبدأ الكتاب تفصيله
وتحقيقه ، فلا حاجة بنا إلى أن نعيد البحث فيه ثانياً .
١١٧
شرح أن التكبير جزم والسلام جزم
وروى عن ابراهيم النخعى أنه قال : التكبير جزم والسلام جزم . وهقل:
يقال كان كاتب الأوزاعى .
قوله : جزم . وحكى السخاوى فى "المقاصد الحسنة" ( ص - ٧٧ ) فى
ضمن "التكبير جزم" عن الشيخ السروجى (١) فيه بلفظ "حذم" بالحاء المهملة
والذال المعجمة ، بدل " جزم"، قال هو والحافظ فى "التلخيص": وروی
مرفوعاً، ولا أصل له بهذا اللفظ ، وإنما هو قول ابراهيم النخعى ، وزاد
السخاوى: ورواه سعيد بن منصور فى "سننه".زيادة ((والقراءة جزم،
والأذان جزم)) وفى لفظ عنه: ((كانوا يجزمون التكبير)». ثم ذكر الاختلاف
فى لفظه ومعناه مفصلاً. ثم إنه حكى ذلك فى قول عمر: ((إذا أذنت فترسل
وإذا أقمت فاحذم)، وحكى مثله فيه عن ابن سيد الناس أيضاً . قال الراقم :
قال لبلال : إذا أذنت
على
ـابـ
وحديث جابر عند الترمذى: (( إن رسول الله
ـس
الخ)) أخرجه ابن عدى وقال فيه : فاحذم ، بجاء مهملة وذال معجمة
مكسورة ، كما فى "نصب الرأية" (١ - ٢٧٥). وأشار إليه فى " التلخيص"
أيضاً والله أعلم .
قنبيه : حديث الباب هذا قال فى " التلخيص": وقال الدار قطنى فى
"العلل": الصواب موقوف آه. وحكى السخاوى فى "المقاصد الحسنة" عن البهقى
أنه قال : وقفه تقصير من بعض الرواة ، وحكى عن أبى الحسن القطان : أنه
لا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً اهـ. وانظر " سنن البيهقى" وفى ذيله " الجوهر
النقى" (٢ - ١٨٠ ).
(١) هو الشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن على الحنفى المتوفى سنة ٧٣٥ - هـ
و ترجم له فى "ذیول تذكرة الحفاظ" ( ص - ٦٣ )
١١٨
معارف السنن
ج - ٣
( باب ما يقول اذا سلم )
حدثنا أحمد بن منيع نا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث
عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَّالج إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول :
اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والاكرام » .
حدثنا مناد نا مروان بن معاوية وأبو معاوية| عن عاصم الأحول بهذا
الإسناد نحوه ، وقال: (( تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
-: باب ما يقول إذا سلم :-
قال الشيخ فى " فتح القدير" فى (باب النفل) (١ - ٣١٣ و ٣١٤)
ما ملخصه : إن المسنون عدم الفصل بين الفريضة والسنن إلا قدر ما يقول
"اللهم أنت السلام" الخ، كما فى حديث عائشة عند "مسلم" و"الترمذى"،
وهو الذى ذكره فى "شرح الحاكم الشهيد"، وذكره البقالى، وما ورد من
حديث أبى رمثة عند أبى داؤد: ((فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين
صلاتهم فصل )) فليس فيه دليل على فصل أكثر من هذا ، وما ورد من أفضلية
السنن فى المنزل فلا يرد ، لأن كلامنا فيما إذا أدى السنة فى محل الفرض . وما
ثبت عنه قَ الٍ: ((أنه كان يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الخ ،
وأنه أرشد فقراء المهاجرين إلى التسبيحات وأخواتها ثلاثاً وثلاثين وغير ذلك
دبر الصلاة فلا يقتضى وصلها بالفريضة ، بل يصح كونها دبر الصلاة إذا
كان عقيب السنة من غير اشتغال بما ليس هو من توابع الصلاة . ولا يرد أنه
عَ لي كان يصلى التطوع فى بيته فكيف علمها الصحابة وكيف نقلوها لو لم تكن
متصلة بالمكتوبات ؛ لأنهم كثيراً ما نقلوا مما كان عمله فى البيت ، إما بواسطة
نسائه أو بسماعهم صوته، وكانت حجرته عّ لّ صغيرة جداً، أو سمع قبلها
حال قيامه منصرفاً إلى منزله ، أو جالساً بعد صلاة لا سنة بعدها كالفجر
والعصر. وما ذكره الحلوانى من أنه لا بأس بأن يقرأ الأوراد بين الفريضة
١١٩
بيان الأذكار بعد السلام
قال: وفى الباب عن ثوبان، وابن عمر ، وابن عباس، وأبى سعيد، وأبى هريرة،
. المغيرة بن شعبة . قال أبو عيسى : حديث عائشة حديث حسن صحيح . وقد
روى عن النبي ◌َُّّ أنه كان يقول بعد التسليم: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له
والسنة فمفاده أيضاً أن الأولى أن لا يقرأها. والحاصل أنه لم يثبت عنه عَلجه
الفصل بالأذكار التى يواظب عليها فى المساجد فى عصرنا من قراءة آية الكرسى
والتسبيحات وأخواتها ثلاثاً وثلاثين وغيرها ، بل ندب إليها ، والقدر المتحقق
أن كلاً من السنن والأوراد له نسبة إلى الفرائض بالتبعية ، وحديث عائشة :
: لم يقعد إلا مقدار الخ)) نص صريح فى المراد ، وما يتخايل أنه لم يخالفه
أ يقو قوته أو لم تلزم دلالته على ما يخالفه ، فوجب اتباع هذا النص . ثم إن
ذلك تقريب ، فقد يزيد قليلاً ، وقد ينقص قليلاً ، وقد يدرج، وقد يرتل .
ثم إنه لم يثبت مواظبته على ذكر خاص ، فكان يقول قارة هذا ، وتارة ذاك ،
لا يجمعها كلها فى وقت واحد انتهى ملخصاً . وراعيت فى التلخيص تعبيره
مهما أمكن . وتحقيق الشيخ ابن الهمام هذا يطمئن إليه القلب أكثر مما يطمئن إلى
ما أفاده الشاه ولى اللّه فى " حجة الله البالغة" فى أذكار الصلاة من الجزء الثانى
من ذكره أذ كاراً كثيرةً ، ثم قال : والأولى أن يأتى بها قبل الرواتب الخ .
وكذا شيخنا اكتفى بحكايته ولم يعقبه بشتى مهو دليل على رضائه أيضاً
والله أعلم بالصواب .
قوله : وقد روى الخ. أخرجه البخارى فى ( باب الذكر بعد الصلاة )
وفى ( الاعتصام ) وفى ( الرقاق ) وفى ( القدر ) وفى ( الدعوات ) كما فى
"العمدة" ، وأخرجه مسلم فى الصلاة من حديث المغيرة بن شعبة من غير زيادة
قوله: ((يحي ويميت)). وزاد الطبرانى أيضاً ((وهو حى لا يموت بيده الخير))
ورواته موثوقون ، كما قاله الحافظ .
قوله : لا شريك له ، قال الشيخ : الأولى عندى أن يقف على قوله :
١٢٠
معارف السنن
ج - ٣
له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيئ قدير ، اللهم لا مانع لما
أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)).
وروى أنه كان يقول: ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام
على المرسلين والحمد لله رب العالمين )) .
"له"، وكذا سمعته منه الوقف على "الحمد" و"يميت" و"الخير" وكل ذلك
بدل عليه ذوق العربية .
قوله: ((ولا معطى لما منعت)). وقع بدله عند عبد بن حميد فى "مسنده":
(((ولاراد لما قضيت)). كما فى "العمدة" و"الفتح". ووقع عند الطبرانى تاماً
كما فى "الفتح"، ووقع عند أحمد والنسائى وابن خزيمة: "لا إله" إلى " قدير"
ثلاث مرات ، ولم يذكر فيه: " اللهم الخ".
قوله: ((ذا الجد منك الجد)). لفظ الجد فى الموضعين ضبطه المحدثون فى جميع
الروايات بفتح الجيم ، ومعناه الغنى كما فى "صحيح البخارى" عن الحسن البصرى
واختاره الخطائى والجوهرى والزمخشرى والتور بشتى وغيرهم ، ويحتمل المعانى
الأخر ، وكلمة "من" إما بمعنى البدل على حد قوله :
فليت لنا من ماء زمزم شربة
مبردة باتت على الطهيان ،
والطهيان بفتح الطاء المهملة والهاء والياء آخر الحروف : اسم خشبة يوضع
عليها الماء فيبرد ، واختاره ابن الهشام وغيره ، أو بمعنى "عند"، واختاره
الزمخشرى هذا ملخص ما ذكر فى "العمدة" و"الفتح"، ومن شاء تفصيل هذا
وما عداه من كلمات الذكر والدعاء فليراجع "العمدة".
قوله : وروى الخ . رواه أبو بعلى من حديث أبى هريرة قال قلنا لأبى سعيد
هل حفظت عن رسول اللّه عَلٍ شيئاً كان يقول بعد ما سلم قال نعم: ((كان.