Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
بقية التحقيق السابق فى أحاديث الآعادة
السيوطى فى " الجامع الكبير" حيث جعله محجن بن أدرع. وذكر الحافظ
فى "الاصابة" (٣ - ٣٦٧) قال: وأخرج مالك فى " المؤطأ" والبخارى
فى "الأدب المفرد" و "اللسائى" و"ابن خزيمة" و"الحاكم" ..... هن
بشر بن محجن الديلى عن أبيه: أنه كان جالساً الخ. قال الشيخ: وتنبعث "الأدب
المفرد " فلم أجد فيه رواية ممجن بن أبى محمجن ، نعم أخرج رواية ابن أدرع
فالتبس على الحافظ أيضاً، هذا ما تيسرلى من البحث والكلام على بعض
الأطراف ، ولاريب أن الحديث مضطرب ، وملخصه : أنه هل الحديث
فى الصبح أو فى الظهر؟ أو الظهر أو العصر؟ بالشك، وهل المذكور فيه قصة محج
أو يزيد ابن عامر ؟ وهل هما والمعتان أو واقعة واحدة ؟ ثم قصة الرجلين هى
تلك أو غيرها ؟ وهل زيد بن الأسود ويزيد بن عامر واحد أو اثنان ؟ ثم هل
تقع الأولى فريضة أو الثانية ؟ والروايات مختلفة فهل مثل هذا الحديث يقاوم
الصرائح الصحيحة من أحاديث النهى عن الصلاة بعد العصر والصبح، وحديث:
(( لا تصلوا فى يوم مرتين))؟ وبالجملة فللخصم فيه مجال واسع سنداً ومتناً
وفقهاً ونظراً.
( فرق الملاحظ فى أحاديث الإعادة )
ليعلم أن حكم الاعادة ليس إلا فى ثلاثة أحاديث: الأول حديث أئمة الجور،
و قد سبق أی حدیث أبىذر عند "مسلم" وأصحاب السنن ، وقد تقدم فى ( باب
تعجيل الصلاة إذا أخر الإمام ) وفيه حديث عبد الله عند " مسلم " أيضاً ،
و حدیث قبيصة بن وقاص عند أبىدائد ، وحديث شداد بن أوس عند البزار كما
فى "التلخيص" وحديث عبادة عند أحمد وأبى داؤد، وأحاديث أخر فى "زوائد
الهيشمى" (١ - ٣٢٤ و ٣٢٥) وغرض الشارع فيه المحافظة على وقت الصلاة
لاحكم الاعادة ، فلا يكون ذلك فى الصلوات الخمس كما يدل عليه ما فى "سنن
( م - ٣٦)

٢٨٢
معارف السنی۔
ج - ٢
أبى داؤد" فى (باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت ) من حديث عبادة
ابن الصامت وفيه: ((فقال بارسول اللّه فَ ل أصلى معهم؟ قال: نعم إن شئت)).
ورواه أحمد (٥ - ٣٢٩) والثانى: حديث الباب، والغرض منه إحراز فضيلة
الجماعة لا حكم الاعادة . والثالث: حديث فى الهاب اللاحق: «أبكم بتجر على
هذا ؟)) والغرض منه حصول الجماعة للغير، فالمناسب أن يقتصر الحكم فيها فى
مواضعها ، ويدور على مواردها وليعمل بالتشريع العام الوارد فى قوله: ((لا
تصلوا صلاة مكتوبة فى يوم مرتين)) أخرجه النسائى (١ - ١٣٨) من حديث
ابن عمر بلفظ: ((لاتعاد الصلاة فى يوم مرتين)) وأبو داؤد (١ - ٩٣ )
بلفظ: ((لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين)). وابن السكن والطحاوى وغيرهم،
وعزاه فى "التلخيص" (ص - ١٢٢) إلى ابن خزيمة وابن حبان أيضاً، ولم
يغزه إلى ابن السكن، ورواه الدار قطنى كما تقدم . واستدل الشافعية بحديث
معاذ أنه كان يصلى خلف رسول اللّه عَّله ثم يؤم قومه تلك الصلاة، والمشهور
من الاستدلال بحديث معاذ فى مسألة اقتداء المفترض خلف المتنفل كما قاله النووى
وابن حجر وغيرهما، ويأتى إن شاء الله تعالى مع ما يتعلق من النقض والابرام
فيما استدل به، وأجابوا عى التشريع العام بأن النهى فيما إذا نوى الصلاتين
فريضة. قال الشيخ رحمه الله: لا إيماء إلى هذا فى الحديث أصلاً، وأيضاً
قصة معاذ فيها إعادة الصلاة المؤداة جماعة بالجماعة مرة أخرى . ولم يقل به إلا
الشافعية ، وتقدم أن مذهب أحمد كالشافعى فى إعادة الصلاة المؤداة بالجماعة .
فائدة: ومما أفاد الشيخ بلفظه فى بعض كتاباته : والذى يظهر أن
الأحاديث فى الباب على كلا الوجهين على الاحراز وعلى الاعادة إن شاء لا على
الإعادة مطرداً كما ذهبوا إلى أنه الأمر ابتداء وشتان بينهما، وإنما أمرهم بمحافظة
الوقت لا الإعادة وإنما علقها بالمشيئة. والحاصل أنه عليهم المخلص عند هذه الضرورة

٢٨٣
بحث حديث: لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين
( باب ما جاء فى الجماعة فى مسجد قد صلى فيه مرة )
حدثنا هناد نا عبدة عن سعيد بن أبى عروبة عن سامان الناجى عن أبى
المتوكل عنى أبى سعيد قال: جاء رجل وقد صلى رسول اللّه عَ لرجل فقال:
بالمحافظة على الوقت لا بالاعادة فلا يبقى فيه إذن قوة العموم ، والاعادة جاء
فى الإمامة والانفراد والاتجار ، وجاء فى غيرها : لا تصلى صلاة مكتوبة
فى يوم مرتين . ولعل الحنفية إنما خصوا من الآعادة ما لا يكون بعدها نافلةً
مكان الاختلاف في نية الاعادة ، وأيضاً المقصود هو ترك الانتهاذ عن الجماعة
لاتحصيلها - أى فى أحاديث الإماتة - فصار تعميمه فى الصلوات تعميماً
فى غير مقصود وهو ضعيف آه، وهو كلام متين ويقدره من عنى بأمثاله
وبالله التوفيق. ونقول: إن حديث ((لاتصلوا صلاة فى يوم مرتين))
ناسخ حديث معاذ يأتى تفصيله فى موضعه . وبقول الحافظ فى« فتح البارى"
(٢ - ١٦٦) (باب إذا طول الامام وكان للرجل حاجة فخرج ) وكون
القصة فى حجة الوداع منطوق فى حديث الهاب ، ولكن فى كونه ناسماً
لذاك نظر .
ثم إن حديث الباب فى حجة الوداع، ولم ينسخه حديث: ((لاتصلوا صلاة
الخ)). قال شيخنا: مورد حديث الهاب فيما إذا صلى منفرداً ثم أقيمت الجماعة
لامطلقاً ، فكيف يستدلون به مطلقاً ؟ وقد أشكل عليهم جواب حديث: ((لا
تصلوا صلاة)). وأجابوا باحتمال أن يكون النهى عن أن يصلوها مرتين على
أنها فريضة. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ١٦٥): وبذلك جزم البدءقى.
جمعاً بين الحديثين اهـ. ويأتى الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى نرجو الله التوفيق.
-: باب ما جاء فى الجماعة فى مسجد قد صلى فيه مرة :-

٢١٤
معارف السنن
ج - ٢.
(أيكم يتجر على هذا ؟ فقام رجل وصلى معه)). وفى الباب عن أبى أمامة وأبى
موسى والحكم بن عمير . قال أبو عيسى: وحديث أبى سعيد حديث حسن. وهو
قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي عَلٍ وغيرهم من التابعين قالوا:
لا بأس أن يصلى القوم جماعة فى مسجد قد صلى فيه ، وبه يقول أحمد واسماق .
وقال آخرون من أهل العلم : يصلون فرادى ، وبه يقول سفيان وابن المبارك
ومالك والشافعى يختارون الصلاة فرادى .
قوله : يتجر على هذا ، افتعال من التجارة لا من الأجر، ويقول ابن
الأثير فى "النهاية" وكذا الزمخشرى فى " الفائق": أن الرواية " يأتجر "
أى افتعال من الأجر ، قالا : وإن صح فيها يتجر فيكون من التجارة لا
الأجر كأنه بصلانه معه قد حصل لنفسه تجارة أى مكسباً انتهى بلفظ "النهاية"،
ومنشأ الاشكال عدم ادغام الهمزة فى تاء الافتعال عند البصريين ، وإنما ذكروا
الادغام فى الحروف الأحد عشر غيرها ، وأجازه الكوفيون كما حكاه الصغانى
فى "مجمع البحرين"، وأجازه الحروى فى كتابه، ونظيره لفظ " إنزر "
فى حديث عائشة جرى فيه هذا النقض والابرام ، وقول من قال: قول عائشة
- وهى من الفصحاء - حجة على جوازه وكذا قول من قال : هذا القول
فيصل فى موضع الخلاف اهـ كل ذلك ليس فيه حجة لشبوع الرواية بالمعنى
ولشيوع تصرف الرواة ، ولذا لم يجعل الجمهور الحديث حجة فى اللغة ، راجع
"الفتح" (١ - ٣٤٤) و "العمدة" (٢ - ٩١) وما فيها هو العمدة فى
الباب والله أعلم . ولفظ أبى داؤد فى " سننه " فى نفس الحديث فى ( باب
الجمع فى المسجد مرتين): ((ألارجل يتصدق على هذا فيصلى معه))، وفى حديث
الباب تضمن لفظ بتجر التصدق ، أى أبكم بتجر متصدقاً عليه .
قوله : فقام رجل. هو أبوبكر الصديق فقد بینه البيهقى فى روايته من طريق

٢٨٥
مسألة من فاتته الجماعة هل يصلى منفرداً أو بأتى مسجداً آخر
اللؤلؤى عن أبى دؤد السجستانى فى هذا الخبر نفسه: ((فقام أبو بكر رضيٍ).
اللّه عنه فصلى معه وقد كان صلى مع رسول اللّه عَ له)). أنظر "السنن الكبرى"
البيهقى (٣ - ٦٩ و٧٠)، وكذلك قال الحافظ الزبلعى والحافظ ابن حجر
وغيرها .
ثم من فاتته الجماعة فى مسجده له أن يصلى فى مسجد حيه منفرداً أو يأتى
بيته فيجمع بأهله ويصلى بهم أو بذهب إلى مسجد آخر الجماعة وذلك حسن ،
كذا فى " رد المحتار" عن " فتح القدير" فلا يجب الطلب عليه فى المساجد
بالاتفاق بين الحنفية، وهنا سؤال وجواب فى "رد المحتار" (١ - ٥١٨)
فراجعه . ثم الجماعة الثانية باعادة الأذان والإقامة - أى فى مسجد المحلة -
مكروه تحريماً، ولفظ " الخزائن" كما حكاه ان عابدين: يكره تكرار الجماعة
فى مسجد محلة بأذان وإقامة إلا إذا صلى بها فيه أولاً غير أهله أو أهله لكن
بمخافتة الأذان وكرر أهله بدونها ، أو كان مسجد طريق جاز اجماعاً كما
فى مسجد ليس له إمام ولا مؤذن ويصلى الناس فيه فوجاً فوجاً فإن الأفضل
أن يصلى كل فريق بأذان وإقامة على حدة كما فى " أمالى قاضيخان". و
كذلك تكره تحريماً من غير اعادتها عند أبى حنيفة ، وهو ظاهر الرواية كما
فى "رد المحتار" (١-٥١٧) (باب الإمامة) وفى (ص - ٣٦٧) من الأذان
حكاه عن "الظهيرية". وفى رواية شاذة عن أبى بوسف أنه لا تكره إذا لم تكن الجماعة
على الهيئة الأولى ، حكاه ابراهيم الحلبى فى "شرح المنية" وابن عابدين وغيرها
يلفظ وروى عن أبى يوسف، قال ابن عابدين فى الأذان وفى الاقامة: وهو الصحيح
وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، وفى " الولوالجية": وبه نأخذ انتهى
ملخصاً. كذا فى " البدائع" (١ - ١٥٣) و" البحر" (١ - ٣٤٦) و
لفظ " البدائع": وروى عن أبى يوسف أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية
كثيرة ، وأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة فقاموا فى زاوية من زاويا المسجد

٢٨٩
معارف السنع
ج - ٢
وصلوا بجماعة لا يكره. وحكى صاحب " البدائع" وغيره عن محمد: إنما
يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعى والاجتماع ، فأما إذا لم يكن فلايكره
اهـ. وحمل مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى المحدث فى رسالته "القطوف
الدانية فى الجماعة الثانية" رواية أبى يوسف بقوله : لا بأس إذا لم تكن على
الهيئة الأولى على الكراهة التنزيهية كما قالوا فيكون خلاف الأولى . أقول : و
روايته فيما وقفنا عليه بلفظ : لا تكره كما فى " البحر " وغيره وهو الذى
أنهته سابقاً والله أعلم. وأما مذهب مالك فقريب من مذهب أبى حنيفة كما فى
"المدونة" قال فى (١ - ٨٩): قلت: فلو كان رجل هو إمام مسجد قوم
ومؤذنهم أذن وأقام فلم يأته أحد فصلى وحده ثم أتى أهل ذلك المسجد الذين
كانوا يصلون فيه ؟ قال : فليصلوا أفذاذاً ولا يجمعون لأن إمامهم قد أذن و
صلى، قال: وهو قول مالك آهـ. ومثله فى ". ؤطئه" فى النداء للصلاة (١ -
٩٢) وكذلك حكى الترمذى مذهب الشافعی کمذهب أبي حنيفة كما حكى مذهب
مالك وسفيان الثورى وابن المبارك ، فكان ذلك مذهب الجمهور ، ولفظ
الشافعى فى " الأم" (١ - ١٣٦): وإذا كان المسجد إمام راتب ففائت
رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا جماعة فإن
فعلوا أجزأنهم الجماعة فيه ، وإنما كرهته ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف
قبلنا بل قد عابه بعضهم آهـ. وجعل ذلك فى " المغني" (٢ - ٧ ,٨) قول
سالم، وأبى قلابة ، وأبوب ، وابن عون ، والليث ، والبتى ، والأوزاعى
أيضاً، وفى "نصب الراية" (٢ - ٥٧): منعها مالك وأجازها الباقون اهـ.
وهذا خلاف التفصيل المذكور ، فلعله أراد أن الباقين جوزوها مع الكراهة ،
ولكن مع هذا فأحمد لا يقول بالكراهة ، كذا فى "شرح المؤطأ" عنى ابن عبد البر
(١ - ١٣٥): أن مذهب أبى حنيفة والشافعى والجمهور أنه لا بأس أن
يجمع فى المسجد مرتين آهـ. فلعله حمل الكراهة على خلاف الأولى. وبالجملة

٢٨٧
ج - ٢
بحث الجماعة الثانية
فالك مذهبه أضيق فى المسألة، وذكر ابن عابدين فى "رد المحتار" كراهة ٠!
يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة ، وانكاره على
مشائخ الحنفية حين حضر الموسم بمكة سنة ٥٥١ه، وقال : إنه أفتى بعض
المالكية بعدم جواز ذلك على مذهب العلماء الأربعة ، حكاه فى "رد المحتار"
وفى " حاشيته على البحر" عن رسالة الشيخ رحمة الله السندى تلميذ ابن الحمام،
وراجعها للتفصيل .
ثم ليعلم أن حكم الكراهة مقتصر على الاعادة فى داخل المسجد لا خارجه
ولو بذراع ، ولقد صنف مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى رحمه الله تعالى
رسالة سماها "القطوف الدانية فى حكم الجماعة الثانية" مطبوعة فى مسألة الواب،
واستدل للكراهة بما فعله عليه السلام حيث جمع أهله فصلى بهم جماعة حين دخل
المسجد وقد صلى فيه ، رواه الطبرانى فى " الكبير" و "الأوسط " من حديث
أبى بكرة: ((أن رسول اللّه حَلّ أقبل من نواحى المدينة يريد الصلاة فوجد
الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم)). قال: ولو كانت
جائزة من غير كراهة لما ترك فضيلة الصلاة فى مسجده ، وكذلك استدل
الكاسانى فى "البدائع" (١ - ١٥٣) فراجعه . وقال الحافظ نور الدين الهيثمى
فى "الزوائد" (٢ - ٤٥): رجاله ثقات. قال الشيخ: وفى سنده معاوية
ابن بحي من رجال " التهذيب" متكلم فيه، يريد به معاوية بن يحي الطرابلسى
دون الصدفى . قال الشيخ فى " مذكرته»: وفيه معاوية بن بحبى أبو مطيع
الطرابلسى كما فى "الميزان"، وعده ابن عدى من منا کيره ، وهو من رجال
"التهذيب" آهـ أنظر " الميزان" (٣ - ١٨٢). ومن أدلة المجوزين لاعادة
الجماعة أثر أنس بن مالك وهو أنه: ((جاء أنس إلى مسجد قد صلى فيه فأذن
وأقام وصلى جماعة)) رواه "البخارى" تعليقاً فى (باب فضل صلاة الجماعة )،
ووصله ابن أبى شيبة وأبو يعلى والبيهقى من طريق الجعد أبى عثمان ، وفى لفظ

٢٨٨
معارف السنن
ج - ٢
البيهقي فى "سلنه" (٣ - ٧٠): فى مسجد بنى رفاعة، وقال فجاء أنس فى
نحو عشرين من فتيانه ، وقال: فأمر بعض فتيانه فأذن وأقام الخ ، وفى لفظ
أبى يعلى كما فى " الفتح" (٢ - ١٠٩) مسجد بني ثعلبة. قال الشيخ رحمه
الله: وأثر أنس فيه تعارض ففى لفظ عند ابن أبى شيبة: ((أنه قام وسطهم)) كذا
حكاه الشيخ فى بعض مذكراته بهذا اللفظ . وهذا تغيير لهيئة الجماعة كثيراً على
الخلاف الهيئة المسئونة فى المذكور، بل هو على شاكلة جماعة النساء وهو مكروه
اتفاقاً. وورد فى لفظ آخر لابن أبى شيبة وكذا للبيهقي فى "الكبرى" (٣ -
٧٠): (( ثم تقدم فصلى بهم)، فتعارض اللفظان. قال الراقم، ويعارضه :
ما روى عن أنس: ((أن أصحاب رسول الله عَ ل كانوا إذا فاتتهم الجماعة
صاوا فى المسجد فرادى)، كما فى " البدائع" (١ - ١٥٣). وحديث
أنس هذا وإن لم نطلع علبه غير أن ابن أبى شيبة عنده عن الحسن عن الصحابة أنهم
كانوا يصلون فرادى كما حكاه شيخنا رحمه الله فى تعليقاته على "آثار السنن"
للنيموى والله أعلم. وأما واقعة حديث الباب فلانقوم بها حجة للمجوزين على
الجمهور فإن المسألة الخلافية أن الإمام والمأموم كلاهما مفترضاً، وفى حديث
الهاب كان المأموم متنفلاً ، ويصلح حجة لجمهور فى مسألة الباب حديث ابن
عمر مرفوعاً تقدم تخريجه: ((لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين)) أخرجه النسائى
والطحاوى وغيرها .
تنبيه : لا ريب أن مذهب من كره تكرار الجماعة فى مسجد غير مساجد
الشوارع وقوارع الطرق أوفق لمصالح الشرع ونظام الأمة وقيام الألفة وفيه
توحيد لكلمة المسلمين بل هو سر تشريع الجماعة وروح اجتماع الأمة . وبالجملة
لا يخفى ما فيه من المصالح العامة والخاصة، يقول الإمام الشافعى فى "الأم" (١ -
١٣٦): وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة وأن يرغب
رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد فى وقت

٢٨٩
ج- ٢
معارف السنن
الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون فى هذا اختلاف ، وتفرق كلمة و
فيها المكروه آهـ. وقال ابن قدامة فى "المغني" (٢ - ٧): وإن كان الهلد
ثغراً فالأفضل اجتماع الناس فى مسجد واحد ليكون أعلى الكلمة وأوقع الهيبة ،
وإذا جاءهم خبر عند عدوهم سمعه جميعهم ، وإن أرادوا التشاور فى أمر حضر
جميعهم وإن جاء عين الكفار رآهم فأخبر بكثرتهم . قال الأوزاعى : لو كان
الأمر إلى لسمرت أبواب المسجد التى فى الثغر أو نحو هذا ليجتمع الناس فى
مسجد واحد اهـ. قال الشيخ: قطب الدين القسطلانى فى " شرح عمدة
الأحكام ": لمشروعية الجماعة حكمة ذكرها فى مقاصد الصلاة منها : قيام
نظام الألفة بين المصلين ولذا شرعت المساجد فى المحال ليحصل التعاهد باللقاء
فى أوقات الصلاة بين الجيران اهـ. حكاه الزبيدى فى "الاتهاف" (٣ -
١٣). وقال حكيم الهند المحدث الشاه ولى الله فى "الحجة البالغة" (٢ -٢٥)
. وأيضاً فلاجتماع المسلمين راغبين فى الله راجين راهبين منه
وجوههم إليه خاصية عجبهة فى نزول البركات وتدلى الرحمة ..... فمراد الله
من نصب هذه الأمة أن تكون كلمة الله هي العليا وأن لا يكون فى الأرض دين أعلى
من الاسلام ولا يتصور ذلك إلا بأن يكون سنتهم أن يجتمع خاصتهم وعامتهم
وحاضرهم وباديهم وصغيرهم وكبيرهم لما هو أعظم شعائره وأشهر طاعته إلى
آخر ما قال فراجعه من (الجماعة) فى الجزء الثانى ومن (الاستسقاء) و(الحج)
وبالجملة فما أبداه فقهاء الأمة وحكماء الملة من أسرار تشريع الجماعة فهى ثلاثم
مذهب الجمهور ، وفى أحاديث هذا الموضوع إشارات إلى ذلك وللبسط
مجال آخر .
تنبيه : قال صاحب "تحفة الأحوذي»: معترضاً على كلام "العرف
الشذى": واقعة الباب ليس حجة .... فإن المختلف فيه إذا كان الإمام
( م - ٣٧)

٢٩٠
بحث الجماعة الثانية
والمقتدى مفترضين الخ . قلت : إذا ثبت من حديث الباب حصول ثواب
الجماعة بمفترض ومتنفل فحصول ثوابها بمفترضين بالأولى ... علا أنه لم يثبت
عدم جواز تكرار الجماعة أصلاً لا بمفترضين ولا بمفترض ومتنفل فالقول بجواز
تكرارها بمفترض ومتنفل وعدم جواز تكرارها بمفترضين مما لا يصغى إليه، کیف؟ .
وقد تقدم أن أنساً جاء فى نحو عشرين من فتيانه إلى مسجد قد صلى فيه فصلى
بهم جماعة . وظاهر أنه وفتيانه كلهم كانوا مفترضين وكذلك جاء ابن مسعود
قد صلى فيه فجمع بعلقمة ومسروق والأسود ، وظاهر أن هؤلاء الثلاثة كلهم
كانوا مفترضين فتفكر انتهى كلامه . قال الراقم: وما قاله فغير صحيح أوجوه:
أما أولاً : فإن الاعادة تصدق على تكرار الجماعة لأهلها فى مسجد
المحلة بأذان وإقامة ، ويكون كل من الإمام والمأموم مفترضاً بل أن تكون
الثانية فى محل الأولى فإن ترك شئ من هذه الأمور لا تسمى إعادة عندهم كما
هو مبسوط فى كتب فقهاء الأمة ، غير أنه ربماكره بعضهم صورة الاعادة
أيضاً وإن تغيرت الأمور المذكورة لكى لا يحتالوا فى ترك الجماعة الأولى
ولئلا يفضى نظام الجماعة إلى تقليل فيفوت المعنى الروحى فى هذا الأمر ثم ظاهر
على هذا أن اقتداء المتنفل الواحد خلف المفترض لا تكون اعادة أصلاً ، ولم
ينقل عن أحد منهم الكراهة فى مثلها ، ويحتمل أن يكون فى زاوية فى غير
محل الأولى فيختلف الهيئة فليس دليلاً فى مورد النزاع .
وأما ثانياً : فإن هذه واقعة حال محتملة فلا ينهض حجة فى عدم الكراهة
كما يقوله الزرقانى فى "شرح الموطأ" (١ - ١٣٥).
وأما ثالثاً : فأثر أنس فيه اضطراب وتعارض كما تقدم ، وأيضاً وقع
فيه أنه كان فى مسجد بنى رفاعة ، وفى آخر أنه فى مسجد بنى ثعلمة ، وليس
هذا المسجد ولا ذاك من المساجد المعروفة فى عهد النبوة ، وقد بلغ عددها فيما

٢٩١
ج - ٢
معارف السنن
( باب ما جاء فى فضل العشاء والفجر فى جماعة )
حدثنا: محمود بن غيلان نا بشر بن السرى نا سفيان عن عثمان بن حكيم
عن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن عثمان بن عفان قال قال رسول اللّه وَخل: (( من
شهد العشاء فى جماعة كان له قيام نصف ليلة ، ومن صلى العشاء والفجر فى
جماعة كان له كقيام ليلة)). وفى الباب عن ابن عمر وأبى هريرة وأنس وعمارة
ابن أبى روية وجندب وأبى بن كعب وأبى موسى وبريدة .
حدثنا: محمد بن بشارنا يزيد بن هارون نا داؤد بن أبى هند عن الحسن
حققه البدر العينى فى "العمدة" والسمهودى فى "الوفا" إلى أربعين مسجداً
فيحتمل أن يكون مسجد شارع أو طريق وممر عام حيث لم يذكر هذا ولا ذاك
أحد فى ما ذكروه أو يكون مما بنى بعد ذلك والله أعلم .
وأما رابعاً : فأثر ابن مسعود لاحجة فيه فى موضع الخلاف ما لم يثبت
أن علقمة والأسود ومسروق كانوا مفترضين كذلك ، ولفظ الرواية بشير إلى
أنهم كانوا متنفلين معه وقد صلوا قبله : أخرج ابن أبى شيبة فى "مصنفه "
هو سلمة بن كهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة
ومسروق والأسود كما هو نفسه حكاه، فالظاهر أنه وحده كان لم يصل وهؤلاء
الثلاثة قد صلوا حيث ذكر فيهٍ: ((دخل المسجد)) وليس فيه أنهم دخلوا ولا
أنه دخل وهؤلاء معه فقوله: ((الظاهر كانوا مفترضين)) خلاف الظاهر وخلاف
المتبادر من سياق الرواية فيحتاج إلى دليل على ذلك صريح فى المقصود ، ودون
ذلك لا يجديه نفعاً .
-: باب ما جاء فى فضل العشاء والفجر فى الجماعة :-
قال الشيخ : إن قبل أن الأجر يزداد بزيادة المشقة وظاهر أن المشقة فى
قيام الليل أوفر وأكثر وفى حديث: ((أفضل الأعمال أحزها)). قال ابن

٢٩٢
بيان فضل الجماعة فى الفجر والعشاء
عن جندب بن سفيان عن النبى عَّ. قال: ((من صلى الصبح فهو فى ذمة
الله فلا تظفروا الله فى ذمته ». قال أبو عيسى : حديث عمان حدث حسن
صحيح ، وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن عثمان موقوفاً،
وروى من غير و چه عن عثمان مرفوعاً .
الأثير فى " النهاية" (١ - ٢٩٣) فى مادة حز: أحمزها أى أقراها وأشدها،
وهو حديث ابن عباس: ((سئل رسول الله عَّ ل﴾ أي الأعمال أفضل؟ فقال:
أحزها )) قال الراقم : ذكره ابن الأثير ولم يعزه إلى من خرجه ولم أقف عليه
وهو متداول فى غير كتب الحديث كثيراً . قال الشيخ : وأجاب عنه القرطبى
شارح "مسلم": بأن المذكور فى هذا الحديث هو ثواب الأصل والفضل
جميعاً وفى قيام الليل ثواب الأصل فقط.
أقول: لم أقف على من حكاه مع تتبع وتصفح فى مظانه فى شروح
الحديث والله أعلم .
وليعلم أن ثواب الأصل هو ثواب العمل بقدره والفضل هو الزائد
بضابطة: الحسنة بعشرة أمثالها، وسيأتى جواب آخر فى فضل " سورة الاخلاص"
على ما ذكره ابن تيمية ، ومما يؤيد جواب القرطبى أن صلاة الفجر والعشاء
بالجماعة قد أخذنا فى الحديث حقيقة فيكون ثوابهما التحقيق الأصل والفضل
معاً ، وأما فى قيام الليل فأخذ تقديراً لا تحقيقاً فيؤخذ ثواب الأصل فقط
دون الفضل .
قوله : فلا تغفروا الله فى ذمته، الاخفار من الإفعال: نقض العهد ،
وخفرت الرجل أجرته وحفظته من باب "ضرب"، وقيل: قتل، والاسم
الخفارة - بالكسر والضم - الذمام فالهمزة للإزالة كأشكيته إذا أزلك
شكابته ، هذا ملخص ما قاله ابن الأثير والفيومى . ونفظ أنس بن سیرین

٢
ج -
معارف السمن
٢٩٣
حدثنا عباس العنبرى نا يحيى بن كثير أبو غسان العنبرى عن اسماعيل
الكحال عن عبد الله بن أوس الخزاعى عن بريدة الأسلمى عن النبى عَلٍ قال:
((بشر المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)). هذا حديث
غريب .
على جندب فى رواية "مسلم" (١ - ٢٣٣) (باب فضل الجماعة): (فلا
يطلبنكم الله من ذمته بشئ الخ)) ويرد عليه أنه كيف يتحقق إخفار ذمة الله
من العباد ؟ والجواب أن فعل الله سبحانه وتعالى وكذا قدرته وإرادته أصبحت
فى الدنيا محجوبة تحت الأسباب الظاهرة كذا أفاده الشيخ رحمه الله، يريد أن الله
سهحانه قد أنفذ فى هذا العالم نظام الأسباب والمسببات وأصبحت المسببات
مربوطة بالأسباب ، وكل ذلك بمشيئته وحكمته وقدرته ، ولايكاد يتخلف
ترتب المسبب عن السبب إلا لحكمة خاصة اقتضته ، والمسبب (بالكسر) هو
الله سبحانه حقيقة فالبحث فى هذا العالم يكون عن النظام الذى أنشأه فلابد
إليه ينسب التأثير وإن كان كل ذلك بتدبيره وصنعه، فمن أخفر ذمة الله وأراد
شيئاً على غير ما أمره الله به فكأنه قام بضد المأمور به وقاوم قدرته ، وراجع
"ضرب الخاتم على حدوث العالم" و((مرقاة الطارم لحدوث العالم)) كلاهما
للشيخ رحمه الله لكى يتجلى لك هذا الموضوع من زواياه.
قوله : حديث غريب. الغرابة فيه لتفرد اسمعيل بن سليمان الكحال البصرى
فى اسناده عن عبد الله بن أوس الخزاعى كما حكاه المنذرى عن الدار قطنى وإن
کان رجال اسناده ثقات کما قاله المنذری، ورواه أبو داؤد باسناد آخر من
طريقة الكحال - وفيه حديث أنس عند ابن ماجه .

٢٩٤
بيان فضيلة الصف الأول
( باب ما جاء فى فضل الصف الاول )
حدثنا: قتيبة ذا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن
أبى هريرة قال قال رسول اللّه عَ لّ: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها
آخرها، وخير صفرف النساء آخرها وشرها أولها )) وفى الباب عن جابر
وابن عباس وأبي سعيد وأبى وعائشة والعرباض بن سارية وأنس . قال
أبو عيسى: حديث أبى هريرة حسن صحيح. وقد روى النبى حَلّ: أنه كان
-: باب ما جاء فى فضل الصف الأول :-
اختلف فى الصف الأول هل هو الذى بلى الامام أو المبكر ؟
والصحيح الأول كما حكاه البدر العينى فى " العمدة " (٢ - ٦٤٥) عن
" القرطبى" وكذلك هو مختار الشافعية كما قاله النووى فى " شرح مسلم " نعم
للمهكرين ثواب التبكير غير أن محل الصف الأول من يلى الإمام . ثم اختلف
هل هو الصف التام من جدار إلى آخر أو الصف الذى يكون فى المقصورة أو
المحراب الكبير، والمختار الأول انظر تفصيل المسألة فى "رد المحتار" (١ -
٥٣٢) ( باب الامامة ) و "البحر" (باب الجمعة) و" فتح الملهم".
قوله : وشرها، المراد بشر الصفوف فى الرجال والنساء أقلها ثواباً وفضلاً
وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكس ذلك ، قاله النووى فى " شرح
مسلم" (١ - ١٨٢) وقال قبله : أما صفوف الرجال فهى على عمومها ،
فخيرها أولها أبداً ، وشرها آخرها أبداً ، وأما صفوف النساء فالمراد صفوف
النساء اللواتى بصلين مع الرجال . وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن
كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها اهـ. ويقول السندى على النسائى
ويمكن حمله على اطلاقه لمراعاة السعر فتأمل والله أعلم اهـ .
٠

٢٩٥
بقية فضيلة الصف الأول
يستغفر للصف الأول ثلاثاً والثانى مرة، وقال النبى معَلَم: «أو أن الناس
يعلمون ما فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا
قوله : والثانى مرة : وفى " الأوسط" الطبرانى استغفر عليه الصلاة و
السلام للصف الأول ثلاث مرات ، والثانى مرتين، والثالث مرة . ذكره
البدر العينى فى " العمدة" (٢ - ٦٤٤) وذكره الهيشى فى " الزوائد"
(٢ - ٩٢) من حديث أبى هريرة بهذا اللفظ قال: ورواه البزار وفيه
أيوب بن عتبة ضعيف من قبل حفظه اهـ. فيحتمل أن الراوى أوهم فى رواية
الترمذى والله أعلم. ولكن روى " النسائى" (١ - ١٣١) (باب فضل
الصف الأول على الثانى) حديث العرباض بن سارية عن رسول الله جيلاتي:
((كان يصلى على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثانى واحدة ، ورواه ابن ماجه فى
"سلنه" وأحمد والحاكم فلا أدرى هل أراد الترمذى بروايته تعليقاً الأول ذاك
أو الثانى هذا ؟ والظاهر عندى أنه أراد الأول لاتحاد لفظها، وذكره بصيغة
المجهول فأشار إلى ضعفه، وحديث العرباض صحیح ، وأيضاً قد أشار فى الباب
إلى حديث العرباض ، فلعل ما ذكره غيره والله أعلم .
قوله: والصف الأول: قال البدر العينى (٢ - ٦٤٣): زاد أبو الشيخ
فى رواية له ..... من الخير والبركة، وقال الطيب: أطلق مفعول يعلم وهو .
كلمة ما ولم يبين الفضيلة ما هى ليفهد ضرباً من المبالغة ، وإنه مما لا يدخل
تحت الوصف اهـ. وقال الشهاب العسقلانى فى " الفتح" (٢ - ٧٩) بعد نقله:
والاطلاق إنما هو فى قدر الفضيلة وإلا فقد بينت فى الرواية الأخرى بالظير
والبركة .
قوله : إلا أن يستهموا عليه، من الاستهام وهو الاقتراع، يقال : استهموا
. قال النووى: معناه إنهم لو علموا
فسهمهم فلان سهماً إذا أقرعهم ..
فضيلة الأذان وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقاً لم يحصلونه لاقترعوا فى تحصيله .

٢٩٦
معارف السين
ج - ٢
حدثنا بذلك اسحاق بن موسى الأنصارى نا معن نا مالك ح وثنا قتيبة عن
مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى حَّةٍ مثله .
وقال الطيبى : لو علموا ما فى النداء والصف الأول من الفضيلة ثم حاولوا
الاستباق اوجب عليهم ذلك وأتى بثم المؤذنة بتراخى رتبة الاستباق من العلم
وقد ذكر الأذان دلالة على تهيؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذى هو المثول
بين يدى رب العزة اهـ. من " العمدة" (٢ - ٦٤٤).
قوله : وشرها آخرهر. قال الحنفية: خير صفوف الرجال أولها ، ثم
استثنوا صلاة الجنازة فإن خير صفوفها الأخر. والغرض التحريض على
صلاة الجنازة كيلا يتخلفوا عنها لأجل أنها فرض كفاية. وقال فى "رد المحتار"
فى ( باب الامامة ): أما فيها فآخرها اظهاراً للتواضع لأنهم شفعاء فهو أحرى
بقبول شفاعتهم ، ولأن المطلوب فيها تعدد الصفوف فلو فضل الأول امتنعوا
عند قلتهم ام نقلاً عن " رحتى". أما وجه كون أول الصف شراً فى النساء فى
حديث الباب فهو أن النساء كن يحضرن المساجد والجماعة كما تقدم تفصيله من
كلام النووى . وفى أصل المذهب عند الحنفية جواز حضورهى الجماعات
إذا كن جائز. والمتأخرون على المنع مطلفاً لفساد الزمان. وعبارة " الكنز":
"ولا يحضرن الجماعات"، قال فى "البحر الرائق" (١ - ٣٥٨): أطلقه
فشمل الشابة والعجوز والصلاة النهارية والليلية . قال المصنف فى " الكافى":
والفتوى اليوم على الكراهة فى الصاوات كلها لظهور الفساد اهـ. وهناك بحث
لا بن الحمام وابن نجيم فراجعه إن شئت . ومذهب الشافعى ما ذكره النووى فى
"شرح المهذب" (٤ - ١٩٨) وإن أرادت المرأة حضور المسجد للصلاة
قال أصحابنا : إن كانت شابة أو كبيرة تشتهى كره لها وکره لزوجها ووايها
تمكينها منه ، وإن كانت عجوزة لا تشتهى لم يكره . قال : وقد جاءت أحاديث
صحيحة تقتضى هذا التفصيل الخ . وهو مذهب أكثر الفقهاء كما قاله فى (٤ -

٢٩٧
بيان تسوية الصفوف وحكمها
(باب ما جاء فى اقامة الصفوف )
٢٠٠) من "شرح المهذب"، والأفضل لها عند الكل صلاتها فى بيتها كما هو
منصوص فى أحاديث والتفصيل موضع آخر .
-: باب ما جاء فى إقامة الصفرف :-
تسوية الصفوف على ذمة الإمام، فى " الدر المختار" كما حكى عن " الشمنى":
وينبغى أن بأمرهم بأن يتراصوا ويسدوا الخلل ويسروا مناكبهم ويقف وسطاً
اهـ . وظاهره الندب أو السنية دون الوجوب. وفى " مغنى ابن قدامة":
ويستحب للإمام تسوية الصفوف الخ. ولعله متفق عند الكل ، ويكره تركها .
قال البدر العينى (٢ - ٧٨٩): وهى من سنة الصلاة عند أبى حنيفة والشافعى
ومالك اهـ. وقال فى (٢ - ٧٩٢): ولا خفاء أن تسوية الصف ليست من
حقيقة الصلاة ، وإنما هى من حسنها وكمالها وإن كانت فى نفسها سنة أو واجية
أو مستحبة على خلاف الأقوال اه. وقال فى (٢ - ٧٩٣ ): ومع القول
بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته لأنها خارجة عن حقيقة الصلاة ... .
.... ولا يعتبر ما ذهب إليه ابن حزم من بطلان صلاته آهـ. وفى " الفتح"
(٢ - ١٧٥) : ومع القول بأن التسوية واجية فصلاة من مخالف ولم يسو
.. وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان آهـ . و
صحيحة لاختلاف الجهتين
راجعها للتفصيل. وأما فى "صحيح البخارى" من ( باب إلزاق المنكب
بالمنكب ) .... وفيه قال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا بلزق كعبه
بكعب صاحبه. ووصله أبوداؤد فى " سلنه" من حديث أبى القاسم الجدلى
عن نعمان بن بشير ، وصححه ابن خزيمة كما فى "الفتح"، وأخرجه ابن حبان
فى "صحيحه" كما فى "العمدة". فزعمه بعض الناس أنه على الحقيقة، وليس
( م - ٣٨)

٢٩٨
معارف السين
ج - ٢
حدثنا: قتيبة نا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير قال:
الأمر كذلك بل المراد بذلك مبالغة الراوى فى تعديل الصف وسد الحال كما فى
"الفتح" (٢ - ١٧٦) و"العمدة" (٢ - ٢٩٤). وهذا يرد على الذين
يدعون العمل بالسنة ويزعمون التمسك بالأحاديث فى بلادنا حيث يجتهدون فى
إلزاق كعابهم بكعاب القائمين فى الصف ويفرجون جداً لتفريج بين قدميهم
ما يؤدى إلى تكلف وتصنع وبيدلون الأوضاع الطبيعية ويشوهون الهيئة الملائمة
الخشوع، وأرادوا أن يسدوا الخلل والفرج بين المقتدين فأبقوا خللاً وفرحة
واسعة بين قدميهم ولم يدروا أن هذا أقبح من ذلك . وقد وقعوا فيه لعدم
تنبههم الغرض ولجمودهم بظاهر الألفاظ وقبائح ذلك لا تخفى ويعلم ذلك من
درس مذهب الظاهرية .
وبالجملة فالجمود بالظواهر ربما يفضى بالمرأ إلى الخروج عن السنن
المتوارثة كما أن التوغل والتنطع فى التاويل وأخذ الباطن ربما بلجي الرجل إلى
القرمطة والسفسطة ، وإنما الأمر بين تفريط الباطنية وإفراط الظاهرية كما
سلكه الأئمة الفقهاء المحدثون ، وللتفصيل موضع آخر . والحاصل أن الشيخ
رحمه الله يشير إلى الرد على هؤلاء الجامدين على الظاهر المدعين التمسك بالسنة .
وفى "رد المحتار" (ص - ٤١٤) فى صفة الصلاة: وما روى أنهم ألصقوا
الكعاب بالكعاب أريد به الجماعة أى قام كل واحد بجانب الآخر، كذا فى
"فتاوى سمر قند" اهـ. والحاصل أن المراد هو التسوية والاعتدال لكيلا يتأخر
أو بتقدم ، فالمحاذاة بين المناكب وإلزاق الكعاب كتابة عن التسوية .
وأما الفصل بين القدمين فالحق عدم التحديد فى ذلك ، وإنما الأنسب
بجمال المصلى ما يكون أقرب إلى الخشوع وأوفق بموضوع التذلل ، وفى "سنن
النسائى" (١ - ١٤٢) (باب الصف بين القدمين فى الصلاة) أن عبد الله
رأى رجلاً يصلى قد صف بين قدميه فقال: أخطأ السنة ولو راوح بيتها

٢٩٩
بيان تسوية الصف وصف القدمين
((كان رسول اللّه عَلَ يسوى صفوفنا فخرج يوماً فرآى رجلاً مخارجاً صدره
كان أعجب إلى. والصف هنا هو الوصل بين القدمين، والمراوحة فى الأصل
هو الاعتماد على أحدهم تارةً وبالأخرى تارةً كما فى حديث وفد ثقيف فى
"سنن أبى دائؤد": ((حتى يراوح بين رجليه من طول القيام)) ولكن فى
التفريج قليلاً أيضاً مراوحة ، ولعله هو المراد بالمراوحة هنا. وبالجملة ثهك
من هذا عدم التفريج الكثير بين القدمين ثم لم ينكر ابن مسعود الوصل فقط بل
عدم المراوحة ، ولعل الغرض هو الانكار على المبالغة فى إلزاق قدمه بقدمه ،
فالسنة أن لا يفرج المصلى بين قدميه جداً ولا يصل جداً إلى بين التفريخ والوصل
فإذا لم یکنے التفریح کثیراً لم یکنے الز اق کعب المصلی بکعب آخر، فإذن تكون
رواية الإلزاق محمولة على ما ذكره البدر والشهاب وهذا الذى بعينه الشيخ
رحمة الله فى هذا الباب والله أعلم بالصواب . وفى " سنن أبى دائد» (باب
وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة) (١ - ١١٧) بسند صحيح عن زرعة
ابن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير بقول: «صف القدمين ووضع اليد
على اليد من السنة )) .
تنبيه: لعله أربد بالصف هنا تسوية القدمين من غير تقديم رجل و
تأخير أخرى فكان من السنة، وأريد فى حديث النسائى الإلزاق فجعله ابن
مسعود خلاف السنة ، فلا تعارض فى المعنى وإن كان يخيل نظراً إلى ظاهر
اللفظ، وهذا ظاهر لمن تأمل فى القرائن. ثم فى أكثر كتب الشافعية أن يفرج
المصلى فى القيام بين القدمين قدر شبر. قال فى " نهاية المحتاج" (١ - ٣٤٧):
ويسن أن يفرق بين قدميه بشبر خلافاً لقول " الأنوار" بأربع أصابع آه.
والنووى فى " شرح المهذب" لم يحدد ولفظه ( ٣ - ٢٦٦): ويكره أن
يلصق القدمين بل يستحب التفريق بينها اهـ. وفى كتبنا قال فى " رد المحتار»
(١ - ٤١٤): وينبغى أن يكون بينها مقدار أربع أصابع اليد لأنه أقرب

٣٠٠
معارف السنن
ج - ٢
إلى الخشوع، هكذا روى عن أبى نصر الدبوسى أنه كان يفعله كذا فى "الكبيرى"
اهـ. وكذا قاله الأردبيلي (١٠) فى " الأنوار" كما حكاه الرملى فى " نهاية
المحتاج" وفى تسوية الصف حديث محمد بن مسلم بن السائب صاحب "المقصورة":
((قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدرى لم صنع هذا
العود ؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسول اللّه عَّ يضع يده عليه ويقول:
استووا وعداوا صفوفكم)) أخرجه أبو داود فى " سننه" فى (باب تسوية
الصفوف ) ( ١ - ١٠٥) وكذلك ذكره فى " الوفا".
وكان رجال فى عهد عمر وعثمان يمرون بين الصفوف ويقولون : سووا
صفوفكم كما أشار إليه الترمذى فى نفس الباب. وفى " مؤطأ مالك": أن عمر بن
الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاؤه وأخبروه أن قد استوت كبر، وخره
شئ من عثمان عنده. قال الشيخ: ثم إن استوى بعض الصف ولم يستو البعض
فظنى أن رجال ذلك الصف والذين خلفه آثمون فإنه كان عليهم النسوية لا على
الذين قدامهم والله أعلم . ومن رآى فرجة فى الصف المقدم جاز له أن يدخله
وإن اضطر إلى تخطى الرقاب كما هو منصوص فى كتب الفقه ، ولفظ " البحر"
على " القنية"! وجد فى الصف الأول فرجة دون الثانى فله أن يصلى فى
الصف الأول ويخرق الثانى لأنه لا حرمة له لتقصيرهم حيث لم يسدوا الصف
الأول اهـ (١ - ٢٥٤). وفى "رد المحتار" عن " القنية": قام فى صف
آخر وبينه وبين الصفرف مواضع خالية فللداخل أن بين يديه ليصل الصفوف
لأنه أسقط حرمة نفسه فلا يأثم المار بين يديه الخ .
(١) والأردبيلى هر جمال الدين يوسف بن ابراهيم الأردبيلي الشافعى أوفى
سنة ٧٧٦ هـ. وكتابه " الأنوار" فى الفقه الشافعى فى مجلدات، جمعه من
"الشرحين" و"الروض" و"الثواب" و"المحرر" و"الحاوى" و "التعليقات"
مع ضم زيادات من المؤلف .