Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
تحقيق قول على فى مسح أعلى الحف
٠٠
الجهتين الفوق والتحت جميعاً، وليس كذلك ، وعلى هذا كيف يكون الأمر غير
معقول، واستبعد خفاءه على مثل على رضى ات عنه الذى يتدفق كلماته وخطبه بأسرار
الشريعة وحقائق الدين، هذا تقرير عرض الشاء ولى الله على ما أدى إليه فكرتى.
يقول الراقم المتباد وهو المتعين فيما أرى والله أعلم أن المراد فى قوله من
الأسفل ليس داخل الخف بل هو ضد الأعلى محل الوضأ ، وغرضه أنه لما كان
الأسفل مظنة التلويث كان مسح ذلك أسب بالتنظيف وأوفق بالغرض لكن
الشرع أمر مح أعلى الخف، وكان لا يحتاج إلى المسح التنظيف، فكان أمراً
غير مدرك بالقياس، وجب علينا اتباعه فهمنا سره أولم نفهمه . وأماما قاله ابن
الهام أنه لا يظهر أولوية مسح الثافت لأن غسل الرجل ليس لأجل إزالة الحبث
بل الحدث ، فأقول لما أصبح الخف قائماً مقام الرجل حقيقة ، فكان سراية
الحدث إليه حكما ، والفوق والتحت كلاهما سواء فى سراية الحدث إليها ، ثم
كان التحت مظنة التلويث أيضاً، فكان ادعى لمسح هذا المحل دون الفوق ، وهذا
هو وجه الأولوية فى كلامه ، فاتضح ن ١٠ قاله المحقق ابن الهمام وما أفاده
الإمام ولى الله بمعزل عما يتبادر من كلام أمير المؤمنين والله أعلم بالصواب.
أرجو الناظر أن لا يتعجل بالرد . القبول قبل أن يتأمل فيه، وهذا التفصيل
والتحايل من زيادتى، فلو كان خطأ فالشيخ رحمه اللّه صاحب "الأمالى" منه
بريتى، وأرجو أن يكون صواباً بتوفيق الله تعالى والله ولى التوفيق . ويقول
صاحب "الهداية" :! ثم المسح على الظاهر حتم حتى لا يجوز على باطن الخف
وعقبه وساقه لأنه معدول به عن القياس فيراعى جميع ما ورد به الشرع الخ فيستفاد
منه أن المسح على الظاهر الأعلى معدول به عن الرأى، والمسح على الباطن الأسفل
معقول لكن عدلنا عن المعقول إلى غيره اتباعاً للشرع. فيتخص هنا أقوال:
الأول : أن المسح على الظاهر الأعلى مأمور لكنه غير مدرك بالقياسر، وإليه
الإشارة فى قول على رضى الله عنه ، وهو ظاهر ما فى "الهداية".
الثانى: إن مسح ظاهر الخف دون أسفله معقول لأن فى مسح الأسفل مظمة

٣٤٢
معارف السين
وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم .
تلويث اليد وهو ظاهر لفظ "المبسوط" كمامر.
الثالث: إن المسح على الظاهر معقول لأن جزءً من الظاهر أى خارج الخف
وهو الأسفل مظنة التلويث فكان المسح على جزء منه إبقاء لنموذج
الغسل، وهو مفهوم كلام الشاه ولى الله .
الرابع: إن المسح على خارج الحف دون داخله أمر غير معقول لأن سراية
الحدث فى الداخل لافى الخارج، وهو صريح كلام ابن الهام ومدلول
قول على رضى الله عنه عنده. وقد يخطر بقلبى: أنه يحتمل أن
یکون مفاد كلام الشاه ولى الله و لفظ "المبسوط" واحداً ويكون تلويث
اليد عند صاحب "المبسوط" وتلويث الحفين عند الشاه ولى الله
تعبير ان عن معنى واحد فيكون الأمر معقولاً عندها على دليل
واحد، وإذد لا يكون حمل قول لى عند الشاه ولى الله على ما حمله
المحقق من الأسفل داخل الحف بل يكون على ما هو المتعارف والله
أعلم .
له: وهذا حديث معلول: "المعلول" عندهم بمعنى ما فيه العلة ولم يثبت
عند أهل العربية واللغة، ومع هذا فقد تعورف الحديث الذى فيه علة عند المحدثين
" بالمعلول " وكذلك " بالمعلل" وكلاهما بعيد عن متعارف اللغة؛ فالعل والعلل
لغة الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب ، والشربة الأولى يسمى النهل ، ومنه
المعلول ولا يستقيم هنا، وأما المعلل فمن التعليل بمعنى الإلهاء بالشىء ، أو من
التعليل بمعنى تكرير العل كما فى قول امرئ القيس: [ ولا تهعدنى من جناك
المعلل ] وعلى كل حال فايس بمعنى ما فيه العلة أو ما بين علته ، نعم يصح
التعبير بالمعل من الإعلال فيما يريدونه إلا أن ابن هشام قد أثبت المعلول فيما
تعورف عند المحدثين فى شرح قصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" ، قال ابن

٣٤٣
تحقيق لفظ المعلول والمعلل
وسألت أبا زرعة ومحمداً عن هذا الحديث فقالا : ليس بصحيح لأن ابن المبارك
الصلاح فى معرفة المعلل . ويسميه هل الحديث المعلول وذلك منهم ومن الفقهاء
فى قولهم فى باب القياس العلة والمعلول مردول عند أهل العربية واللغة اهـ . قال
العراقى فى " نكته": وقد تبعه عليه الشيخ محى الدين النووى فقال : إنه لحن،
واعترض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة ، منهم قطرب فيما حكاه
" الليلى"، والجوهرى فى "الصحاح"، والمطرزى فى " المغرب" انتهى ....
ولاشك فى أنبه ضعيف وإن كان حكاه بعض من صنف فى " الأفعال" كابن
القوطية : وقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيدة، والحريرى وغيرها
فقال صاحب المحكم : - وهو ابن سيدة - واستعمل أبو إسحاق لفظة المعلول فى
المتقارب من العروض. ثم قال: والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول فى مثل
هذا كثيراً. قال: وبالجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج لأن المعروف إنما هو أهله
الله فهو معل ؛ اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون
ومسلول من أنهما جاءا على جنفته وسللته وإن لم يستعملا فى الكلام استغنى عنها
بأفعلت. قالوا وإذا قالوا جن وسل، فإنما يقولون جعل فيه الجنون والسل كما
قالوا حرق وفسل انتهى كلامه ، وأنكره الحريرى فى "درة الغواص"
قلت: والأحسن أن يقال فيه معل بلام واحدة لا معلل فإن الذى بلامين يستعمله
أهل اللغة بمعنى أنهاه بالشئ وشغله به من تعليل الصبى بالطعام ، وأما بلام واحدة
فهو الأكثر فى كلام أهل اللغة وفى عبارة الحديث ؛ لأن أكثر عبارات أهل
الحديث فى الفعل أعله فلان بكذا وقياسه معل وقال الجوهرى لا أعلك الله
أى لا أصابك بعلة اه، والتعبير بالمعاول موجود فى كلام كثير من أهل
الحديث كالبخارى والترمذى والدار قطنى وابن عدى والحاكم وأبى بعلى انتهى
كلام العراقى فى "نكته" مختصراً، ومثله قال العراقى فى " شرح الألفية»
(١ - ١٠٥) وقد ذكره السيوطى فى " ألفيته" باسم المعل

٣٤٤
معارف السفن
روى هذا عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبى
حَ لّ ولم يذكر فيه المغيرة.
قوله : حدثت به عن كاتب المغيرة، هذا الإرسال هو وجه إعلال الحديث
عند المصنف رحمه اللّه وهذا أحد وجهى الضعف عندهم . قال أبو داؤود :
بلغنى أن ثوراً لم يسمعه من رجاء . وقال الدار قطنى فى " العلل": هذا حديث
لا يثبت ؟ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً . وقال الأثرم عن
أحمد: إنه كان يضعف هذا الحديث؛ يقول: ذكر ته لعبد الرحمن بن مهدى فقال عن
ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كانب المغيرة ولم يذكر المغيرة .
وقال ابن أبى حاتم عن أبيه وعن أبى زرعة: حديث الوليد ليس بمحفوظ؛ وقال
ابن حزم: أخطأ فيه الوليد فى موضعين فذكرهما كما تقدم؛ هذا ملخص ما أفاده
الحافظ الزيلعى فى "نصب الراية" (١- ١٨١) والحافظ العسقلانى فى "التلخيص"
(ص - ٥٨ و ٥٩) فعلم أن فيه انقطاعاً وإرسالاً، لكن قد روى الدار قطنى
هذا الحديث من طريق داؤد بن رشيد ( ص - ٧١) فقال فيه : " حدثنا
وجاء" وتزول بمثله علة الانقطاع، ولكن رواه أحمد بن عبيد الله الصفار
فى "مسنده" عن أحمد بن يحيى الحلوانى عن داؤد بن رشيد فقال عن رجاء
ولم يقل حدثنا، فهذا اختلاف على داؤد يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم
فى كلام الأئمة، كذا أفاده صاحب "التنخيص" وقال الدا قطنى روى
عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة ولم يذكر أسفل الخف، فهذه
علة أخرى وإليها يشير إمام العصر شيخنا . وكاتب المغيرة هو أبو سعيد وراد
الثقى، وقد صرح باسمه فى رواية ابن ماجه فى هذا الحديث. قال شيخنا :
ولإعلال الحديث وجه آخر عندى وهو أنه روى حديث الغيرة بطرق كثيرة
وألفاظ مختلفة حتى إن البزار ذكر فى " مسنده " أن حديث المغيرة روى عنه
ستون رجلاً أه ذكره الشوكانى فى " نيل الأوطار" (١ - ٢٢٤) وحكيته

٣٤٥
بيان أن حديث مسح اسفل الخف معلول
( باب فى المسح على الخفين ظاهرهما )
حدثنا : على من حجر نا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن
الزبير عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت النبى حَلّ يمسح على الخفين على ظاهره).
قال أبو عيسى : حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن
أبى الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة ، ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن
المغيرة على ظاهرها غيره، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان
الثورى وأحمد. قال محمد : وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبى الزناد .
بلفظه ، ولكنه ذكره ثانياً فى (١ - ٢٢٧) بلفظه: حديث المغيرة ورد بألفاظ،
وقد ذكرنا فيما سلف أنه رواه ستون صحابياً كما صرح به البزار، وأنه فى غزوة
تبوك الخ . ثم رأيت ذكره الحافظ فى "التلخيص" (ص-٥٨) بقوله: وله طرق
كثيرة عن المغيرة، ذكر البزار أنه روى عنه من نحو ستين طريقاً، وذكر ابن
منده منها خمسة وأربعين اهـ، وبينهما تخالف ، فإن العبارة الثانية صرحت بأن
حدیث المسح رواه ستون صحابياً ، والأولى صرحت بأن الحديث روى عنه
ستون رجلاً والله أعلم ولم يذكر لفظ " الأسفل" إلا فى هذه الطريقة. قال
البخارى فى " التاريخ الأوسط": حدثنا محمد بن الصباح نا ابن أبى الزناد عن
أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة رأيت رسول اللّه عَ لَ يمسح على خفيه
ظاهرها. قال: وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة إهـ. حكاه فى
" التلخيص " ( ص - ٥٩) فيكون معلولاً ولا بد .
-: باب المسح على الخفين ظاهرها :-
قوله : وكان مالك بشير بعبد الرحمن بن أبى الزناد . مالك هو مالك بن
أنس الإمام ، يريد أنه كان يضعفه ويتكلم فيه . قال ابن حجر فى " التهذيب"
(٦ - ١٧٢): وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة يعنى الفقهاء .
( ٢ - ٤٤)

٣٤٦
معارف السنن
( باب فى المسح على الجوربين والنعلين )
حدثنا : هناد ومحمود بن فيلان قالا نا وكيع عن سفيان عن أبى قيس عن
هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: توضأ النبى حَلّمٍ ومسح على الجور بين
وقال: أين كنا عن هذا؟ ومع هذا فقد حكى الحافظ عن موسى بن سلمة أنه قال:
قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له: إنى قدمت إليك لأسمع العلم وأسمع
ممن تأمرنى به ، فقال : عليك بابن أبى الزناد اهـ . وقد ضعفه غير واحد ،
وقال فى " التقريب": صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهاً الخ .
-: هاب فى المسح على الجور بين والتعلين :-
قوله : ومسح على الجوربين : مذهب أبى يوسف ومحمد مثل ما ذكره
الترمذى من مذهب الشافعى وأحمد . ومذهب أبى حنيفة عدم جوازه بالجوربين
الثخينين ما لم يكونا منعاين أو مجلدين ، ومثله عن بعض المالكية ، أنظر مذهب
مالك فى " البداية" لابن رشد و "العارضة" للقاضى ومنه حكيت، وجعل
فى " البداية" مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى واحداً فى عدم جواز المسح
عليهما ، وحكى روايتين عن مالك فى الجورب المجلد ، فاتفقوا على جواز
المسح على المجلدين والمنعلين ، وكذلك اتفقوا على عدم جوازه على الرقيقين
بشفان ، واختلفوا فى الثخينين: فالجمهور جوزوه ، ومنعه أبوحنيفة . هذا
ملخص ما فى " البدائع" وغيره ، وروى عن أبى حنيفة الرجوع إلى قول
صاحبيه قبيل وفاته بأيام، وذلك أنه مسح على جوربيه فى مرضه ثم قال لعواده:
فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه ، كذا فى " البدائع"
و "العناية" وغيرها، قال صاحب " الهداية": وعليه الفتوى، وأرخ فى
"مجمع الأنهر" رجوعه بتسعة أيام قبل وفاته ، وقيل بثلاثة أيام، ووقعت فى
نسخة " جامع الترمذى" المخطوطة من نسخة الشيخ محمد عابد السندى هنا زيادة
فى آخر الباب هكذا: قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمد الترمذى قال

٣٤٧
المسح على الجور بين وتحقيق الجورب
والنعلين . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من
سمعت أبا مقاتل السمر قندى يقول دخلت على أبى حنيفة فى مرضه الذى مات
فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان فمسح عليهما ثم قال: فعلت اليوم شيئاً لم
أكن أفعله ، مسحت على الجوربين وهما غير منعلين، كذا فى طبعة الحلبى
للترمذى بتصحيح الشيخ أحمد شاكر المحدث .
والجورب لفافة الرجل يتخذ من غزل صوف أو قطن أو شعر لاستدفاء
القدم، معرب من لغة فارسية " كورب» وهو غفف " كورہا". قال الزبيدى:
معناه قبر الرجل ، وله أقسام خمسة فى القديم من المرعزى - هو الزغب الذى
تحت شعر العنز - والشعر والغزل من القطن والكرباس والجلد الرقيق، ويلحق
بالكرباس ما يصنع من نسيج الحرير والكتان وما أشبهها ، وفيه تفاصيل و
تفاريق ، محل بيانها كتب الفقه المبسوطة وراجع " ابن عابدين" على " البحر
الرائق" (١ - ١٨٢ و ١٨٣) فإذن يرتفع الخلاف بين أئمتنا الثلاثة وبين
الجمهور، ويحتمل أن يكون منع أبى حنيفة أولاً من الرقيقين لا الثخينين، ومسحه
على الثخينين دور الرقيقين، فلايكون قولاه متنافيين ثم المجلد من الجورب ما
يجعل الجلد على أعلاه وأسفله، والمنعل بسكون النون وضم الميم، وقيل بفتح النون
وتشديد العين ما جعل على أسفله جلدة ، والثخيئين ما يستمسك بالقدم من غير
رباط كما فى " البحر" (١ - ١٨٢) وقال يوسف چلى - تلميذ حسن جلى
-: لا يجوز على المجلد إذا جلد أسفله فقط أومع. واضع الأصابع بحيث يكون محل
الفرض الذى ظهر القدم خالياً عن الجلد بالكلية الخ، قاله فى حاشيته على "شرح
الوقاية " حكاه ابن عابدين الشامى، ورده بما نقله عن " شرح المنية" بأنه
لا يشترط ذلك، وكذا حكاه فى حاشية "البحر" وقال: فلو احتاط ولم يمسح الأعلى
ما يستوعب تجليده ظاهر القدم إلى الساق كان أولى ، ولكن هذا حكم التقوى،
وهولا يمنع الجواز الذى هو حكم الفتوى اهـ .
قوله : والتعلين، لم يذهب أحد من الأئمة إلى جواز المسح على النعلين

٣٤٨
معارف السعن
أهل العلم . وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق ،
فاختلفوا فى مناحى الجواب عن هذه اللفظة، فقال الإمام الطحاوى فى "شرح معانى
الآثار" (باب المسح على النعلين) (١-٥٨): مسح على النعلين تحتها جور بان وكان
قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه ... فكان مسحه ذلك مسحاً أراد به
الجوربين فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذى
تظهر به، ومسحه على النعلین فضل انتهى مختصراً، وأيد ذلك بروابات تدل على هذا
المعنى. وأجاب الخطابى فى "معالم السنن" والطيبى فى "الكاشف عن حقائق السنن"
بمثل جواب الطحاوى ، وأجاب أبوالوليد شيخ شيخ البيهقى أنه مسح على
الجوربين منعلين لا أنه جورب على الانفراد ونعل على الانفراد ، واستشهد
البيهفى لذلك بأثر أنس بن مالك أنه " دخل الخلاء وعليه جوربان أسفلها جلود
وأعلاها خزفمسح عليهما" وتعقبه ابن القيم فى " تهذيب السنن" ما ملخصه :
بأنه مبنى على مسح أعلى الخف وأسفله، والتعبير فى الرواية بدل على أن النعلين
كانا منفصلين وإلا كان يكفى أن يقول : مسح على الجور بين المنعلين ، وأيضاً
التجليد فى أسفل الجورب لا يسمى نعلاً فى اللغة ولا فى العرف، وفى "نصب الراية".
(١ - ١٨٨ و١٨٩) ما ملخصه: أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة أحدها: كان فى
وضوء النفل ، واستدل لذلك بروايات ، واختاره ابن حبان وابن خزيمة فى
"صحيحيها". والثانى: إن المراد من المسح على النعلين هو غسل الرجلين فى
النعلين قاله البيهقي، واستشهد له بحديث "الصحيحين" فى النعال، وتكلم فيه ابن
دقيق العيد . والثالث : هو جواب الطحاوى وقد تقدم. وأول بعضهم النعلين
بالمنعلين، ولا يستقيم هذا التأويل فى لفظ الحديث ولا غرضه .
نقد حديث الباب
حديث الباب صححه الترمذى وغيره ولكن أعله من هو أرسخ قدماً و
أرفع شأناً فى هذا الفن منه . قال أبو داؤد فى " سننه" فى ( باب المسح على

٣٤٩
نقد حديث المسح على الجور بين
قالوا : يمسح على الجوربين وإن لم يكن نعلين إذا كانا تخينين . وفى الباب
الجوربين) (١ - ٢٤) : كان عبدالرحمن بن مهدى لا يحدث بهذا الحديث
لأن المعروف عن المغيرة أن النبى تَّ مسح على الخفين الخ ، وقال البيهقى :
إنه حديث منكر ، ضعفه سفيان الثورى وعبدالرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وعلى بن المدينى ومسلم بن الحجاج ، والمعروف عن المغيرة حديث
المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه اهـ. قال النووى : كل
واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذى . مع أن الجرح مقدم على التعديل.
قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذى: "إنه حسن صحيح".
وقال الشيخ تقي الدين فى " الإمام" وذكر البيهقى فى "سننه": أن أبا محمد
يحي بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج يضعف هذا الخبر، وقال:
أبوقيس الأودى وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان ، وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة
الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: "مسح على الخفين" وقال. لا نترك
ظاهر القرآن بمثل "أبى قيس" و"هزيل" .. وأسند البيهقى أيضاً عن على بن
المدينى قال حديث المغيرة بن شعبة فى المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل
الكوفة وأهل البصرة ، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال: "ومسح
على الجوربين" فخالف الناس اهـ. هذا كله مأخوذ من "نصب الرأية" (١ -
١٨٤، ١٨٥) وقال القاضى أبوبكر: وكذلك كان يحبى لا يحدث به ، وأيضاً
يقول الشيخ تقی الدین: ومن یصححه یعتمد بعد تعدیل أبی قیس علی کونه ليس
مخالفاً لرواية الجمهور مخالفة معارضة ، بل هو أمر زائد على ١٠ رووه ولا
يعارضه، ولاسيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات
فى سندها اهـ. حكاه الزيلعى. قال الراقم: يريد الشيخ أنه يحتمل أن يكون
حديثاً مستقلاً رويت فيه واقعة غير التى فى رواية المغيرة بطرق كثيرة متواترة،
٢٢٧ فلا يصح إسقاطه بمثل هذه المعارضة، إذ كان بصح لو ثبت أن الواقعة واحدة
والرواية واحدة، وأما عند التعدد فكلا . وفيه بحث وهو أن المسح على الخفين

٣٥٠
معارف السنن
عن أبى موسى .
لم يكد بتلقاه الأمة لمخالفته نص القرآن المتواتر، غير أنه لتواتر الرواية به تلقوه،
وكان تواتراً ينسخ بمثله الوحى المتلو كما تقدم عن أبى حنيفة: "ما قلت بالمسح
حتى جاءنى مثل ضوء النهار" وقال أبو يوسف: "إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة
إذا وردت كورود المسح على الخفير فى الاستفاضة " حكاه الجصاص فى
«أحكامه» . وأما المسح على الجوربين فلم يرد إلافى ثلاث روايات من حديث
المغيرة و حديث أبى موسی و حدیث بلال ، وحديث أبى موسى وبلال فكلاها
ضعيف كما فى "نصب الراية"، وحديث المغيرة أمامك كلام أئمة الفتن جهابذة
النقد فيه ، ثم لم يتطرق منه كتطرق المسح على الخفين ، فكيف يترك القرآن
المقطوع بخبر لو صح لكان مظنوناً؟ فضلاً عن جرح الأئمة ، وإليه أشار مسلم
فيما حكاه تفى الدين: "لا تترك ظاهر القرآن بمثل أبى قيس وهزيل" وهذه قاعدة
فى أصول الدين فى غاية من الأهمية، وتشبث أبى حنيفة بها أكثر من تشبث
غيره بها، وذلك كما قال عمر: لاندع كتاب الله وسنة نبينا معَّ له بقول امرأة
لاندرى أحفظت أم نسيت" ومن أجل هذا حكى الطحاوى على مالك إنكاره
عن المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين. وإنما ذهب أبو حليفة فى ظاهر الرواية
إلى المسح على المجلدين فقط لكونها فى حكم الخفين وكذلك فى المنعلين . وعند
الشافعى وأحمد وصاحبى أبى حنيفة وفى رواية عن أبى حنيفة : جعل الجورب
الثخين أيضاً فى حكم الحف، واشترطوا فى الثخين أن يثبت ويستمسك بالساق من
غير رباط ، وبالجملة لم يعملوا بإطلاق الحديث بل كأنهم عملوا بتنقيح المناط
فی الخف ، فأدخلوا فيه ماذ کرنا . وعلی کل حال إن صح حدیث الجوربین
لم يمكن أن يعمل على اطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين لمعارضة القرآن المتلو ،
نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد فى المتواتر ، ثم إنكار
الأئمة عن تعليل هذه اللفظة أو مثل ذلك كثيراً ما يكون بالوجدان الصحيح ،

٣٥١
المسح على الجوربين وللعامة
باب ما جاء فى المسح على الجوربين والعمامة
حدثنا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي عن بكر
ابن عبد الله المزنى عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال: توضأ النبي حَالر}
ومسح على الخفين والعمامة . قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة وذكر محمد بن
والمعرفة الصادقة ما أفادته تجارب العمر ، وكثرة المزاولة ، وطول المارسة و
المران ، وربما يكون مبناه على علل قادحة خفية لا يطلع عليها إلا بارع متضلع
فى هذا الفن ، ولذا يقول الحافظ ابن الصلاح : " إن معرفة علل الحديث من
أجل علوم الحديث وأدقها وأشر فها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم
الثاقب". وبالجملة الاحتمالات العقلية فى مثل هذه المواضع لا تسمن ولاتغنى
من جوع، هذا ماسنح لى والله أعلم . وأيضاً الحديث يروى عن المغيرة بتحوستين
طريقاً ، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا فى هذه الطريقه ، فكيف يطمئن به
القلب؟. ثم إن عمل قوم من المتساهلير بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس أصل
له فى الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت فيه ما قال الأئمة،
وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التفعيل ، وعلى الأقل
الثخانة والله أعلم
-: باب ما جاء فى المسح على الجور بين والعمامة :-
هكذا وقع لفظ الجوربين فى النسخ المطبوعة بالهند ، ولا يظهر له
وجه ، فإن المؤلف لم يذكره فى الحديث الذى أخرجه فى الباب ، ووقع فى
نسخة الشيخ عابد السندى من غير ذكر الجوربين كما فى "تعليقات الترمذى"
للشيخ أحمد شاكر وهو الصواب ، وحكاه الشيخ المباركفورى عن نسخة عتيقة
مخطوطة ، فيظهر أن ذكر الجوربين خطأ لا أصل له
قوله ومسح على الخفين والعمامة. اختلف الأئمة فى المسح على العمامة، و

٣٥٢
معارف السين
بشار فى هذا الحديث فى موضع آخر أنه مسح علی ناصیته وعامته، وقد رؤى
هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة ، وذكر بعضهم المسح على
الناصية والعمامة ولم يذكر بعضهم الناصية ، سمعت أحمد بن الحسن يقول
سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعينى مثل يحيى بن سعيد القطان . وفى
الباب عن عمرو بن أمية وسلمان وثوبان وأبى أمامة . قال أبوعيسى : حديث
المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح ، وهو قول غير واحد من أهل العلم من
أصحاب النبي صلى اللّه عَ ظُلّ منهم أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعى و
أحمد وإسحاق قالوا يمسح على العامة ، قال: وسمعت الجارود بن معاذ يقول
سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه للأثر .
حدثنا قتيبة بن سعيد نا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن
أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح
على الخفين فقال : السنة باابن أخى . وسألته عن المسح على العمامة ؟ فقال :
مس الشعر. وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي فَ الجِ والتابعين:
لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثورى و
مالك بن أنس وابن المبارك والشافعى .
حدثنا هنادنا على بن مسهر عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن
أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال أن النبى عَ لّ مسح على الخفين والخمار.
هاك بيانه تفصيلاً
مسح العامة وبيان المذاهب فيه وبيان ماهو الصواب
ذهب أبو حنيفة والشافعى والثورى وابن المبارك إلى أن فريضة مسح
الرأس لانتأدى بالاقتصار على العامة ، وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير
والشعبى والنخعى والقاسم بن محمد ، وحكاه غيره عن على وابن عمر وجابر

٣٥٣
المذاهب فى المسح على العمامة
رضى الله عنهم، وهو مذهب أكثر العلماء كما حكاه الخطابى والماوردى، و
مذهب غير واحد من الصحابة والتابعين على ما قاله الترمذى ، وذهب
الأوزاعی والثوری - فى رواية - وأحمد وإسماق وأبو ثور و ابن جرير وابن
المنذر إلى جواز الاقتصار به ، ويحكى ذلك عن الصديق والفاروق وأنس
ابن مالك وأبى أمامة وسعد بن أبى وقاص وأبى الدرداء ثم عن عمر بن عبد العزيز
ومكحول والحسن وقتادة ، ثم شرط بعض هؤلاء لبسها على طهارة ، واشترط
بعضهم كونها محنكة - أى بعضها تحت الحنك - ولم يشترط بعضهم شيئاً
من ذلك . ويقول ابن قدامة فى " المغنى": وإن لم يكن تحت الحنك منها
شئ ولا لها ذؤابة لم يجز المسح عليها لأنها على صفة عمائم أهل الذمة، ولا يشق
نزعها الخ، وإن مسح على ناصيته فيستحب أن يتم المسح على العمامة عند الشافعية
هذا ملخص ما فى "شرح المهذب" (١ - ٤٠٧) " والمغنى" (١ - ٢١١ )
وغيرها. قال محمد بن الحسن الإمام فى "، ؤطئه": بلغنا أن المسح على العمامة
كان فترك اهـ. وذكروا أن بلاغات محمد مسندة . ويستفاد من كلام القاضى
أبى بكر فى " عارضة الأحوذي " أن أبا حنيفة يقول بأداء سنة الاستيعاب على
العمامة بعد المسح على الناصية كالشافعى . قال شيخنا : وإنى لم أجده فى كتب
فقهائنا الحنفية مع استقراء بالغ ، وكذا لم يذكر سنة الاستيعاب عن مالك
فى "العارضة" وقال: لكنى رأيته فى بعض كتب المالكية. وفى "مقدمات
ابن رشد الكبير ": ولا يجوز عند مالك أن يمسح على رأسه على حائل إلا
لعلة الخ .
واحتج الفريق الأول أولاً: بقوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم *
والمسح على الرأس يقتضى إمساس الماء الرأس حقيقة، والعمامة ليس برأس، فكما لا
يسمى ماسح الخفين ماسح الرجلين فكذلك لا يسمى ماسح العمامة ماسح
( - ٤٥)

٣٥٤
معارف السنن
...
٠٠٠
...
٠٠٠
الرأس ، فالأمر بمسح الرأس مقطوع ، وكذلك السنة به متواترة ، وما ثبت
المسح على العمامة فمن قبيل أخبار الآحاد لا يقاوم المتواترات . وأما ثانياً :
فالذى يستدلون به ليس بصريح فى الاقتصار على العمامة والنفى عما عداها ، بل
ورد فى حديث المغيرة عند مسلم وغيره " ومسح بناصيته وعلى العامة وعلى
خفيه " فالظاهر أن ترك ذكر الناصية فى بعض طرقه اختصار . وأما ثالثاً :
فلأن الرأس عضو وطهارته المسح ، فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه
واليد فى التيمم ، فإنه مجمع عليه ، ولأنه عضو لا تلحقه المشقة إليه فى إيصال
الماء إليه غالباً ، فلم يجز المسح على حائل منفضل عنه كاليد فى القفاز ، والوجه
فى البرقع والنقاب.
واحتج الفريق الثانى بأحاديث : حديث بلال عند " مسلم" رأيت
رسول اللّه عَ ل " مسح على الخفين والخمار"، وحديث عمرو بن أمية عند
"البخارى": قال: رأيت رسول اللّه عَل " بمسح على عمامته وخبيه"
وحديث ثوبان عند " أبى داؤد": قال: بعث رسول اللّه عٌَ﴾ سرية
فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول اللّه عَّ الج أمرهم: " أن عمسحوا على
العصائب والتساخين". العصائب: العمائم ، والتساخين : الخفاف .
وأجاب الفريق الأول عن أدلتهم بعدة وجره : الوجه الأول : يقول
الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: روى عن النبى عَلَّ: أنه مسح على العمامة،
من حديث عمرو بن أمية ، وبلال ، والمغيرة ، وأنس، وكلها معاولة، وخرج
البخارى حديث عمرو، وقد بينا فساد إسناده فى كتاب " الأجوبة عن المسائل
المستغربة من البخارى"، اهـ. حكاه الزرقانى فى "شرح المواهب" وحكاه الشيخ
اللكنوى فى "التعليق الممجد" عن " الاستذكار " وابن رشد فى " البداية "
وحكاه الشيخ الأكبر فى " الفتوحات المكية " كما قاله شيخنا. وانظر تفصيل
أطراف من البحث فى "فتح الملهم" لشيخنا العثمانى (١ - ٤٣٤ )

٣٥٥
الأجوبة عن أحاديث المسح على العامة
...
٠٠٠
وما بعدها . وقال الأصیلی : ذکر العمامة فى هذا الحدیث - أی حديث ابن
أمية. من خطأ الأوزاعى؛ لأن شيبان وحرب وأبان الثلاثة خالفوا الأوزاعى؛
فوجب تغليب الجماعة على الواحد ، حكاه العينى فى "العمدة" (١ - ٨٥٤)
وناقشه .
الوجه الثانى: يقول الخطابى والبيهقى وغيرهما من المحدثين أنه وقع
اختصار ، والمراد مسح الناصية والعمامة ، وبدل على صحة هذا التأويل ما ورد
فى بعض طرق حديث المغيرة كما تقدم. وكذا ورد فى حديث بلال " مسح
على الخفين وبناصيته والعمامة". وقال البيهقى : إسناده حسن .
الوجه الثالث: إنه نطق القرآن بمسح الرأس، وجاءت الأحاديث الصحيحة
بمسح الناصية مع العمامة، وفى بعضها مسح العمامة، ولم تذكر الناصية . فكان
محتملاً لموافقة الأحاديث الباقية ومحتملاً لمخالفتها ، فكان حملها على الاتفاق
وموافقة القرآن أولى ؛ فكان القدر المفروض مؤدى فى صورة المسح على
العامة بالمسح على الناصية أو بعض أطراف الرأس، ذكر أو لم يذكر، ويقول
الخطابى فى "معالم السنن": والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس، والحديث
محتمل للتأويل فلا يترك اليقين بالمحتمل اهـ .
الوجه الرابع: إن المسح على العمامة لم يكن عن نص ، وإنما اختصر على
مسح بعض الرأش ومر اليد عليها تبعاً لمسح البعض كما نشاهد ذلك فيه إذا
مسح على البعض ، وكان على الرأس عمامة . وفيه أنه يازم تخطئة الصحابة وهم
من أذكياء الأمة، ويمكن أن يجاب بأن الصحابة أيضاً فهموا ذلك بأن المسح
وقع صورة على الغمامة وتبعاً ، ولم يكن قصداً وحقيقة، ثم الرواة غيروا غرضهم
ولم ينتبهوا له .
الوجه الخامس: إن المسح على العمامة لعله كان لأجل زكام أو ألم بالرأس .
هذا الرابع والخامس ذكرهما القاضى عياض فى " العارضة" (١ - ١٥٢)

٣٥٦
معارف السين
...
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
ولكن الرابع لا نفاذ له فى مذهبه حيث الاستيعاب شرط عندهم من غير حائل،
نعم هو نافذ فى سائر المذاهب، وحديث ثوبان يؤيد الوجه الخامس .
الوجه السادس : إنه كان ثم نسخ كما قاله الإمام محمد فى " مؤطئه" وقد
تقدم .
الوجه السابع: إن قوله "مسح على العمامة" المراد بالمسح المتعارف والمعهود
فى الشرع هو المسح على الرأس ؛ فأغنى عن ذكر المفعول به لعدم خفائه ،
لأجل ذكر الملابس معه وهو العمامة . وقوله : "على العمامة" وقع موقع
الحال من الماسح أى مسح برأسه حال كونه على رأسه العمامة . هذا الجواب
أصله لشيخنا إمام العصر، وأوضحه شيخنا العثمانى فى "فتح الملهم" (١-٤٣٥)
وحررته على ضوء ما أفاداه ، وراجع "فتح الملهم" ولكن فيه نوع تكلف لا
يتبادر إليه الذهن . وحاصله أنه مسح متعماً ولم ينقض عمامته ، ولم يتكلف
وضعها عن رأسه على حد قول الله تعالى " وأضله الله على علم " فقوله: "على
علم" حال عند البعض من الفاعل - أى عالماً - بأنه يستحق ذلك الإضلال الفساد
فى جوهره وطبعه . ويؤيده ما روى أبو داؤد فى "سفنه" من حديث أنس بن
مالك: "رأيت رسول اللّه عَلٍّ يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من
تحت العامة فسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة ".
ملاحظة دقيقة : إذا تأملنا طريق حديث المسح على العامة من حديث
المغيرة ، وجدنا أن الواقعة واحدة ؛ ومع هذا فتارة يعبر الراوى ويقول :
" ومسح رأسه وعلى خفيه" فلا يذكر العمامة، وتارة يقول فى نفس حديث
المغيرة: "فتوضأ ومسح على خفيه" فلا يذكر المسح على الرأس أصلاً للاستغناء
عنه بلفظ توضأ، وأخرى يعبره بلفظ: "ومسح بناصيته وعلى العامة وعلى خفيه"
فذكر الناصية والعمامة ، وحيناً يقول : " فتوضأ وضوئه للصلاة ثم مسح على
خفيه " وهذه تعبيرات فى واقعة واحدة وحديث واحد كلها عند مسلم فى

٣٥٧
الأجوبة عن المسح على العمامة
٠٠٠
ـحه" ثم هذا الحديث - أى حديث المغيرة ورد فى الترمذى بلفظ: " .. سح
و«
على الحفين والعمامة " فإذا جمعنا الألفاظ كلها تيقنا أن المسح على الرأس ثبت
فى تلك الواقعة ألبتة ، وعلى الأقل على الناصية، فتارة يذكره الراوى، وتارة
بلغه فى ذكر التوضى فقط، وتارةً يذكر مسح العمامة لكونه أمراً غير متعارف؛
فيكاد يكون المسح على الرأس أمراً مقطوعاً هناك لا يتطرق إليه احتمال، ثم يبقى
النكات فى مسح العمامة هل هو كان قصداً أو تبعاً أو استيعاباً أو ماشا كل ذلك. وأيضاً
إن الواقعة فى حديث مغيرة واقعة واحدة کما هو صريح فی سیاق النسائى (باب کیف
المسح على العمامة)، وأبى داؤد (باب المسح على الخفين) ومع هذا فيروبه
أبو داؤد فى طريق بلفظ " كان يمسح على الخفين وعلى ناصية، وعلى عمامته"
كأنه عادة مستمرة والحال أنها واقعة حال جزئية فى القفول عن تبوك ، ولعل
فى حديث بلال عند مسلم وغيره الواقعة هى واقعة حديث المغيرة ولكن عند
النسائى فى (باب المسح على الخفين) "دخل رسول فَ ل﴾ وبلال الأسواف- بالفاء
حائط من حيطان المدينة - فذهب لحاجته ، فيحتمل أن يكون روايته فى هذه
الواقعة غير أنه لم يذكر فى هذا الحديث المسح على العامة . وكذلك فى حديث
المغيرة عند الطبرانى ما يدل على أن الواقعة هى فى المدينة لا فى السفر أخرجه
الزراعى فى "نصب الرأية" (١ - ١٦٥) فهل هى واقعة أخرى أو تلك الواقعة
فيحتاج إلى الترجيح أو التوفيق والله أعلم .
الوجه الثامن : إنه يحتمل أن يكون اقتصار المسح على العمامة لو ثبت فى
واقعة الوضوء على الوضوء وثبت عن على الوضوء الناقص فى الوضوء عن غير
حدث عند النسائى (١ - ٣٢) وفيه "فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه
الخ" والطحاوى وغيرها كما تقدم، وثبت فيه المسح على الرجلين فلا يبعد أن
يثبت فيه المسح على الحمامة أيضاً. هذا الجواب لشيخنا رحمه الله ولم أره لغيره .
الوجه التاسع: وهو أن المطلوب فى مسح الرأس هو وصول بلة إلى شعر

٣٥٨
معارف السنن
( باب ما جاء فى الغسل من الجنابة )
حدثنا : هاد نا وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن كريب عن
الرأس فيحتمل أن تكون العمامة صغيرة لا تحيط بالرأس وتبدو منها أطراف
من الرأس كما هو المشاهد أحياناً فى شد العائم أو تكون رقيقة فتنفذ البلة منها
إلى الرأس فيحصل المقصود إذن ، ويؤيده لفظ " الحار" بدل "العمامة" فى
" حديث بلال" عند مسلم والنسائى والترمذى، وإن الحمار ما تستر به المرأة
رأسها، وذلك يكون عادة بحيث يمكن نفوذ البلة منها إلى الرأس إذا كانت البلة
كثيرة ، فكأنه عبر باسم الخار عن العمامة تشبيهاً لها بالحمار فى الصغر والرقة ،
وذكر ابن الجزرى أنه وجد بخط النووى أن عمامته عَلّ خارج الصلوات تكون
ثلاثة أذرع والصلوات سبعة أذرع كذا فى " العرف الشذى" والذى فى "تصحيح
المصابيح" لابن الجزرى عن النووى فى " شرح المواهب" (٥ -٤):
كانت له عمامة قصيرة ستة أذرع وعمامة طويلة اثنا عشر ذراعاً اه .
الوجه العاشر: يحتمل أن يكون المسح على العمامة قبل نزول "المائدة "،
وهذا العاشر راجع إلى السادس ولكن الفرق فى التعبير والفرق بين البلاغ و
الاحتمال ذكر كل على حدة . هذا العاشر ذكره أبوالحسن السندى فى " حاشية
النسائى ". وذكر التاسع أيضاً ولكن لم يتفرد به بل قاله غير واحد من العلماء، و
هذا آخر ما عثرت عليه من الأجوبة فى مواضع نظمتها فى سلك واحد ولم
أتقيد بعباراتهم بل بمعانيهم وأغراضهم ، ثم إن فى العاشر أن حديث المغيرة فى
غزوة تبوك أو القفول عنها ، والمائدة نزلت قبل تبوك فإن نزول آية المائدة فى غزوة
بنى المصطلق واللّه أعلم. ثم إن البخارى وإن خرج حديث عمرو بن أمية
الضمرى فى مسح العمامة ولكن لم يعقد له باباً بل طواه فى (باب الخفين ) فلعله
لم ير المسح على العامة والله أعلم.
:- باب ما جاء فى الغسل من الجنابة : -.

٣٥٩
الغسل من الجنابة
ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: وضعت لنى حَ لّ غسلاً فاغتسل من
الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ثم أدخل يده فى الإناء فأناض
على فرجه ثم دلك بيده الحائط أو الأرض ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه
وذراعيه فأفاض على رأسه ثلاثاً ثم أفاض على سائر جسده ثم تنحى فغسل
رجليه . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وفى الباب عن أم سلمة
وجابر وأبى سعيد وجبير بن مطعم وأبى هريرة .
قوله غسلاً، بضم الغين وإسكان السين، اسم لماء يغتسل به ، وأيضاً فى عرف
الفقهاء اسم للإغتسال، وقيل بالضم والفتح كليهما فى الأول؛ والضم أشهر عند
الفقهاء ، والفتح أفصح عند أهل اللغة قاله النووى .
قوله : فأكفأ ، أى قلبه وأماله .
قوله : فأفاض على فرجه ، ومن هنا استدل على استحباب غسل الفرج
قبلاً ودبراً سواء كان عليه نجاسة أو لا اتباعاً للحديث قاله صاحب "البحر الرائق"
وغيره ، وإنما قاله صاحب "البحر": رداً لما قاله الزيلغى وابن الكمال كذا فى
"شرح الدر المختار". ويجب الاستنجاء فى الاغتسال إن احتمل عدم وصول الماء
إلى مابين الإليتين كما قال بعضهم .
قوله : فغسل رجليه ، ذكر فى " المبوط " و"الهداية " أنه يؤخر
غسل قدميه إذا كان فى مستنقع الماء - أى مجتمعه - ولا يقدم ، وعند بعض
مشائخنا وهو الأصح من مذهب الشافعى أنه لا يؤخر مطلقاً، وأكثر مشائخنا
على أنه يؤخر مطلقاً، وأصل الاختلاف ما وقع من روايتى عائشة و
ميمونة ، ففى رواية عائشة أنه توضأ وضوئه للصلاة ولم يذكر فيه تأخير
القدمين ، فالظاهر تقديم غسلها، فأخذ به الشافعى وبعض مشائحنا لطول الصحبة
والضبط فى الحديث ، وفى رواية ميمونة صريحاً تأخير غسلها فأخذ به أكثر

٣٦٠
معارف السنن
حدثنا : ابن أبى عمر نا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
كان رسول اللّه صَلّ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه قبل أن
بدخالها الإناء ثم يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم يشرب شعره الماء ،
ثم يحمى على رأسه ثلاث حثيات. قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح
وهذا الذى اختاره أهل العلم فى الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم
مشائخنا لشهرتها وفى "المجتى": الأصح التفصيل المذكور فى " الهداية".
والظهر : أن الاختلاف فى الأولوية لا فى الجواز . . والذى يظهر أن القائلين
بالتأخير إنما استحبوه ليكون الانتتاح والاختقام بأعضاء الوضوء أخذاً من حديث
ميمونة . قال القاضى عياض فى "شرح مسلم": وليس فيه تصريح بل هو
محتمل لأن قولها " توضأ وضوئه للصلاة" الأظهر فيه إكمال وضوئه ، وقولها
آخراً " تنحى فغسل رجليه" يحتمل أن يكون لما نالها من تلك البقعة اهـ ،
فعلى هذا يغسلها بعد الفراغ من الغسل مطلقاً أعنى سواء غسلها أولاً إكمالاً
للوضوء أولم يغسلها، وسواء أصابهما طين أو كانتا فى مستنقع الماء المستعمل أو لم
يكن شئى من ذلك ، ثم لا يخفى تعين غسلهما فى حق الواحد منا بعد الفراغ من
الغسل إذا كانتا فى مستنقع الماء، وكان على البدن نجاسة من منى أو غيره والله أعلم.
هذا كله ملتقط من "البحر الرائق" بلفظه وليراجعه من أراد التفصيل. ووقع
فى رواية عائشة تأخير غسل القدمين أيضاً عند "مسلم"، وراجع " فتح
الملهم ". قال الراقم: ووقع في رواية عائشة التصريح بالتقديم فى "مسند
أحمد " وكذلك التصريح بالتأخير فى رواية أخرى لها، انظر "ترتيب المسند"
(٢ - ١٢٧ و١٢٨). ثم إنه يحتمل ثبوت تأخير غسل الرجلين فى واقعة
وتقديمه فى واقعة أخرى، فالاختلاف فى التقديم والتأخير لأجل اختلاف الحالتين
كما قاله الحافظ فى " الفتح" فيكون إذن كلا الأمرين لا ضيق فيه والله
أعلم