Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ إن الماء طهور لا ینجسه شئ ( باب ما جاء أن الماء طهور لاينجسه شىء) حدثنا هناد والحسن بن على الحلال وغير واحد قالوا نا أبو أسامة عن ومن العجيب أن أصحاب التآنيف فى أصول الفقه من علماء ما وراء النهر بذكرون قول العراقيين ويعتمدونه ولا يذكرون مذهب جمهور الفقهاء والمختار عند مشائخ ما وراء النهر ، ويمكن أن يتأول فى قول مشائخ العراق بأن غرضهم القطعية عملاً لا علماً، ومن فروع القطعية عدم الزيادة بخبر الواحد وقول الشيخ ابن الحمام فى "تحرير الأصول" من البحث الثانى من القسم الثانى من قطعية العام فى الدلالة لا فى المراد كما ذكر فى تأويل قول العراقيين ، هذا توضيح ما أشار إليه شيخنا رحمه الله . -: باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شئ :- شرع فى أحاديث الماء وأحكامه ، فاعلم إنهم أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة لا تجوز به الطهارة قليلاً كان الماء أو كثيراً جارياً کان أو را کداً، وإن لم یتغیر فاتفق الجمهور منهم على أن القليل بنجس دون الکثیر ، ثم اختلفوا فى حد القليل والكثير، فالعبرة عند الإمام أبى حنيفة على ما هو ظاهر الرواية لحلوص أثر النجاسة إلى الجانب الآخر وعدمه كما صححه الفخر الزيلعى فى "شرح الكنز" فإذا خلص أثرها إلى الجهة الأخرى فقليل وإلا فكثير . وعند الإمام مالك العبرة لظهور أثر النجاسة حساً وعدمه ، فإذا ظهر أثرها فقليل و إلا فكثير. فاختار أبو حنيفة أثر التغير علماً فى رأى المبتلى به ، ومالك فى حسن الرائى . وقال الشافعى وأحمد : المدار على القلتين فمقدارها فصاعداً كثير وما دونها قليل ، والمذاهب والأقوال كلها فى مسائل المياه تبلغ إلى خمسة عشر 14 قولاً كما ذكره الشيخ المكنوى فى "السعاية" و"تعليقاته على موطأ الإمام الشيبانى" بل لو جمعت الأقوال المروية فى الباب كلها من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم ٢٢٢ معارف السنن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج جاوزت عشرين قولاً كما يتضح ذلك من "شرح المهذب" للنووى (١ - ١١٢) و "البحر الرائق" لابن نجيم (١ - ٧٤ إلى ٨٣) وصاحب "البحر" أبعدهم شأواً فى استيفاء الأقوال وتحقيقها وتمحيصها فأجاد وأفاد فحدث عن البحر ولا حرج. وبالجملة فمن تلك الأقوال المذاهب للأئمة الأربعة، وفى كل مذهب أقوال . فمشهور مذهب مالك ما ذكر من أن المدار على ظهور أثر النجاسة حساً فى الماء، وقول ثان المالكية أن القليل يتنجس بقليلها ، وقول والث أنه يكره، ذكر الثلاثة ابن رشد فى "قواعده". ومذهب أبى حنيفة على ظاهر الرواية ما ذكر آنفاً، وما ذكره المصنفون فى كتبهم من تحديد الكثير بالعشر فى العشر فالتحقيق أنه لم يثبت عن أبى حليفة ولا عن أبى يوسف ولا عن محمد بن الحسن ، بل الواقع أنه سئل محمد عن حد الحوض الكبير بما يكون ماءه كثيراً ؟ فقال: كمسجدى هذا؛ فذرعوه فوجدوه ثمانية فى ثمانية ، وقيل كان داخله ثمانية فى ثمانية وخارجه عشراً فى عشر، فجاءت أقوال ثلاثة من ههنا، وصرح الشيخ ابن الحمام فى "الفتح" بأن محمداً رجع عنه وقال: لا أوقت فيه شيئاً، وحكى صاحب "البحر " (١ - ١٧٥) عن أكابر الحنفية وأركان المذهب بأن التحديد والتقدير بالعشر فى عشر لم يصح عن الأئمة، فحكاه عن الحاكم الصدر الشهيد، وعن الإمام الأسبيجابى، وعن أبى الفضل الكرمانى ، وعن صاحب "معراج الدراية"، وعن "الغاية" و"المجتبى" و "شرح المجمع"؛ ثم بين صاحب"البحر" منشأ ذلك التقدير من علماء المذهب بأن ذلك تيسر على الناس ، فإن كل أحد لا يقدر على رأى صحيح فى إدراك خلوص أثر النجاسة إلى جانب آخر ، ثم إن أول من قدره بالمساحة بعشر فى عشر هو أبوسليمان الجوز جاني فقال فى " البدائع" (١ - ٧٢) و أبو سليمان الجوز جانى اعتبره بالمساحة ، فقال : إن كان عشراً فى عشر فهو مما لايخلص اهـ. فعلم من ذلك أن التقدير لأجل أفهام الناس بما يدرك فيه عدم ٢٢٣ بحث نجاسة الماء عن أبى سعيد الخدرى قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من الخلوص فى أول نظر بدون أن يحتاجوا إلى إمعان نظر وتدقيقه ، فالتقدير تعبير لمذهب الإمام بشكل خاص لا أنه قول فى الباب مستقل ، فمن جعله قولاً فى الموضوع من جملة الأقوال فكأنه لم يلاحظ هذه الدقيقة والله أعلم . ومذهب الإمام الشافعى والإمام أحمد فى رواية : المناط على القلتين فإذا بلغ الماء الراكد قلتين وأكثرلم ينجس ودونها بنجس . فالتوقيت والتقدير لم يذهب إليه من الأربعة إلا الشافعى وأحمد فى رواية استدلالاً بحديث القلتين كما سيأتى. وظاهر أن التحديد بالرأى غير معقول، ثم إن التحديد ذلك حقيقى إلى الغاية وليس يجزاف وتخمين حتى أو نقص قدر رطل منها نجس ؛ حتى ذكر النووى فى " شرح المهذب" منهم (١ - ١٣٦) وصاحب " البحر" منا: ولو أضيفت قلة نجسة إلى قلة نجسة عادنا طاهرتين عندهم ، فإن فرقتا بعد ذلك فها على طهوريتهما ، وهذا فى غاية التعجب فإن النجاسة إذا لاقت كل جزء من الماء والأجزاء المخلوطة بالنجاسة نجسة بالإجماع فكيف زالت النجاسة كما يقوله شيخنا رحمه الله . قوله : أنتوضأ: هكذا وقع فى النسخ المطبوعة كلها بصيغة المتكلم، وقيل: وكذلك فى الأصول المخطوطة ولكن رجح المحدثون أتتوضأ بتائين مثناتين من فوق خطاباً لرسول اللّه عَل وبه جزم النووى فى "شرح المهذب" (١ - ٨٢) وابن حجر فى " التلخيص" وقد جاء مصرحاً فى رواية النسائى ما يعين هذا؛ ولفظه: مررت بالنبىٍ مَّجُل وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت أتتوضأ منها الخ، ويؤيده لفظ أبى داؤد فى "سننه": يستقى لك من بئر بضاعة اهـ. ويحكى النووى رواية الشافعى بلفظ: يا رسول اللّه إنك تتوضأ من بئر بضاعة، ومثله بحکیه البيهقى و غيره فتعين أن فى النسخ كلها من "جامع الترمذى" نصحيفاً وإن ٢٢٤ معارف السنن بئربضاعة وهى بيريلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنّن؟ فقال رسول الله بَا} إن الماء طهور لا ينجسه شى . كان المعنى مستقيماً لكن الرواية لا تحتمله ، ويدعى بعضهم أن العراقى رد كونه تصحيفاً فى "شرح سنن أبى داؤد" والله أعلم . قوله : بضاعة: هى بضم الباء وكسرها وبالضاد المعجمة والصاد المهلمة كلتيهما والمعروف فيها ضم الباء الموحدة وبالمعجمة وهى دار لبنى ساعدة بالمدينة المنورة وهم بطن من الخزرج، ثم قيل: اسم لصاحب البئر وقيل: اسم لموضعها كما فى "شرح المهذب" وغيره . قوله : يلقى فيها الحيض : الحيض جمع حيضة بالكسر وهى الخرقة التى تمسح بها المرأة دم الحيض أو تجعلها على الفرج بین فخذيها، وفى رواية أبى داؤد وغيره: المحائض وهى جمع المحيضة بمعناها. قال شيخنا رحمه الله: أريد بهذا الالقاء أن البتر كانت فى منحدر من الأرض فكانت السيول تكسح هذه الأقذار عن الطرق وتحملها فربما يتفق أن تلقى هى فيها لا أن أحداً كان يتعمد ذلك فإنه جرت عادة الناس قديماً وحديثاً فى صيانة الماء عن النجاسات، ولا يليق ذلك بكافر ولاوثنى أن يلقى مثل ذلك فى ماء أوبئر يحتاج إلى استعمال مائها فضلاً عن مسلم ، فكيف بمن كانوا فى أعلى طبقة على وجه الأرض ديناً وخلفاً وعقلاً وبالأخص إذا كان الماء فى بلادهم أعز و الحاجة إليه أمس. وبالجملة المراد أنها كانت مظنة لوقوع أمثال هذه الأشياء فلم يشاهد وقوعها ولا من يلقيها ، وأشير إلى ذلك بصيغة المجهول . قال الراقم: ويمثل هذا الشرح شرحه الخطابى فى "معالم السنن" والطيبى فى " الكاشف عن حقائق السنن" (مخطوط) والعينى وغيرهم من الأعلام والأعيان . وقيل : إن المنافقين كانوا يفعلون ذلك كما حكاه النووى عن صاحب " الشامل". وقيل كان ذلك حالها فى عهد الجاهلية؛ ولكن ٢٢٥ بحث نجاسة المعـ ٠٠٠ : ٠٠. ... ... ... ... الأول أولى وأقرب إلى الذوق وألطف. وحديث الباب أخرجه الشافعى وأحمد والنسائى وأبو داؤد والدار قطنى والحاكم والبيهقى، وصححه أحمد بن حنبل وابن معين وابن حزم، وضعفه ابن القطن المغربى فى "كتاب الرهم والإيهام" لأجل الاضطراب فى سنده ، وقد روى بزيادة الاستثناء فيه من حديث ثوبان عند الدار قطنى، ومن حديث أبى أمامة عند ابن ما جه وغيره بأفظ: إلا ما غلب على ري وطعمه ولونه، وروى مسنداً ومرسلاً، ولكن المحدثين على تضعيف ذلك كما حققه الزياعى فى "نصب الراية" (١ - ٩٤) فالاحتجاج بنجاسة الماء التغير ليس بهذه الرواية الضعيفة بل بالإجماع ، وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن تناء القليل والكثير إذا وقعت فيه عماسة فغيرت له طعماً أو لوناً أوربماً فهو نجس اهـ، حكاه النووى فى " شرح المهلب" وابر قدمة فى "المغى". واستدل أتباع مالك بحديث باب لمذهبه ولما ورد عليه بأن العبرة عندهم لنتغير وعدمه، ولم يجعل ذلك فى الحديث مراراً للحكم ومناطا الأمر ، فكيف يستقيم الإستدلال ؟ أجابوا بأن ما تغير بوفرع انتحماسة أصبح نبساً بالإجماع ؛ فعلم من ذلك أنه لم يتغير بوقوعها. وإذا لم يتغير لم يبجس . وأجاب الإمام الطحاوى فى " شرح معانى الآثار" (١ - ٨,٧) بما تخيصه : إنه طهور لأنه أخرجنك النجاسة ولم تبق فيها، لا أنه طهور مع بقاء هذه الأشياء، وبقول: منشأ السؤل أن النجاسة وإن أخرجت ولكن حيط ن البئر لم تغسل وطينها لم بِخْرج فأجاب ◌َّ اجِ: بأنه طاهر لا ببقى نجساً لا أنه لا ينجس، وذلك مثل قوله عَء " إن المسلم لا ينجس" وقوله ◌َلّ " إن الأرض لا تنجس" فليس المراد أن المسلم لا ينجس أبداً وإن أصابته نجاسة، وإن الأرض لا تنجس وإن أصابتها نجاسة، بل يريد مخرج أنه لا ينجس لغير ذلك المعنى وقال: الحديث لا يصلح ( ٢ - ٢٨ ) ٢٢٦ معارف السنن ... ٠٠٠ ... ٠٠٠ حجة الملكية ، فإن بئراً لوسقط فيها أقل من ذلك كان محالاً أن لا يتغير طعم مائها وريحه بل يفسد ماؤها ، فعلم أن عدم تغير مائها لعدم بقاء النجاسة فيها ١هـ. واستدل الطحاوى على ذلك بأن بئر بضاعة كانت طريقاً إلى البساتين فكان الماء لا يستقر فيها فكان حكمها حكم ماء الأنهار فكيف تبقى نجساً والحال هذه ؟ وأسند الذلك بقول الواقدى، والواقدى هو أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدى نسبة إلى جده واقد المدنى القاضى ببغداد المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، ضعفه كثير من المحدثين ولم يخرج عنه أصحاب الأمهات الست ما عدا ابن ماجه ولكنه وثقه مصعب الزبيرى، وابن نمير، وابراهيم الحربى ، وأبو عبيد ، والدراوردى ، فعن الحربى : كان الواقدى أعلم الناس بأمر الإسلام وعنه أمين الناس على الإسلام . وعن مصعب: ما رأيت مثله . وعن الدراوردى : أمير المؤمنين فى الحديث كما فى "الميزان" و "التهذيب". قال ابن العماد فى " الشذرات": كان من أوعية العلم ، وقد أثنى عليه القاضى أبو بكر ابن العربى وابن الجوزى وغيرهما كما فى "البحر الرائق" وقال البدر العينى (١ - ٩١٨): وهو إمام ثقة وثقه جماعة منهم أحمد اهـ ، ورجح ابن سيد الناس اليعمرى توثيقه فى كتابه " عيون الأثر فى الشمائل والسير" فى أوائله، وحكى الشيخ ابن الهام عنه توثيقه فى (باب الآسار) (١ - ٧٧) من " الفتح". وبالجملة فقد وثقه جماعة وضعفه آخرون وكذبه بعض. قال شيخنا : والقول الفصل عندى أنه لیس ہکذاب بل يحشد فی کتبه کل ما يجد من غير نقد، فن ثم لم يحتجوا به فى الحديث غير أن الأمر هذا ليس من باب رواية الحديث وإسناده بل من باب التاريخ والسير والمغازى، وقد ذكر الحافظ فى "التلخيص" فى غير موضع على أنهم اتفقوا أن قول الواقدى حجة فى السير والمغازى كلها ، وظاهر أن حكاية بئر بضاعة مما يتعلق بأخبار المدينة وآبارها وأحوالها وآثارها ، ومن ذاالذى يساجله فى ذلك ؛ فلايقاوم قول من خالفه فى ذلك كقيم البئر وفاتح ٢٢٧ بحث بئر بضاعة ٠٠٠ ... ... ... ... الباب عند أبى داؤد فى "سننه" فإنها مجهولان مع تقدم الواقدى عليها ، فكيف يكون قولها حجة عليه . قال شيخنا : وقد اشتهه مراد الطحاوى من جريانها على البعض فظن أنها مثل الأنهار وليس هذا ، وإنما أراد : بأن ماءها يخرج بالدلاء كل حين، فكان الماء لا يستقر فيها يستفى بها البساتين ، فكانت جارية بهذا المعنى، وقد استدل شيخنا رحمه الله بجريانها بهذا المعنى بما فى "صحيح البخارى" فى الجزء الثانى فى (باب تسليم الرجال على النساء) (٢ - ٩٢٣ طبع الهند) أخرج باسناده عن سهل قال : كنا نفرح بيوم الجمعة ، قلت: ولم؟ قال: كانت مجوز لنا ترسل إلى بضاعة - قال ابن مسلمة: فخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق فتطرحه فى قدر وتكر كرحهات من شعير الخ هذا وما ذكر فى " الصحيح" فى (باب الجمعة قبيل صلاة الخوف) (١ - ١٢٨) واقعة واحدة ، فرواية "الصحيح" أصرح دليل وأوضح حجة على أن بئر بضاعة كانت تستقى بها الحقول والبساتين هناك ومن جملة ما ينبت هناك بمائها السلق . وأجاب الشيخ ابن الهام فى " الفتح" (١ - ٤٨) بما ملخصه: إن ذلك الماء الذى تسألون عنه طهور، والإجماع على التنجس بالغير يفيد أن ظاهره غير مراد اهـ. قال الشيخ رحمه الله: تأول الطحاوى فى المسند وابن الهام فى المسند إليه وجعل اللام للعهد، والظاهر فى اللام أن يكون للجنس، والحديث: "الماء طهور خرج مخرج أصل كلى ، قال : والذى تحقق عندى فى الجواب أن قوله حَ لّ " إن الماء طهور لاينجسه شئى" جواب من قبيل الجوب بأسلوب الحكيم والزام المخاطب بما لا يلتزمه؛ فإن إلقاء الخيض ولحوم الكلاب لم تشاهد فى البئر، وإنما الغرض بالسؤال أن البثر كانت مظنة أو قوع أمهالها فإنها كانت غير مأمونة عن وقوعها بسبب موقعها ، وكان مدار السؤا ، لى وسواس توسوس به صدورهم وأوهام اختلجت فى قلوبهم، فكان جوابه وهو من قبيل ٢٢٨ معارف السنن قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، أسلوب الحكيم بالرجوع إلى حقيقة الماء وعدم العبرة لمثل هذه الأوهام حسماً لمادة الوساوس واستيصالاً لشأمة الأوهام، ولذلك نظار عندى غير ما ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوى ، فمنها ما فى " صحيح البخارى": أن قوماً قالوا للنبى بَلّ إن قوماً يأتولنا بالحم لاندرى أذكراسم الله عليه أم لا؟ فقال سموا عليها تم وكوه . كما رواه فى " الصحيح" فى (باب ذبيحة الأعراب) ونحوهم من الذبائحُ من حديث عائشة، وظاهر أنه لم يقل أحد بحل ما لم يسم عليه عند الذيخ عمداً ومنها ما فى " جامع الترمذى" فى (باب الوضوء من الموائى) و "سنى أبى داؤد" و"ابن ماجه" من حديث أم سلمة " قال رسول اللّه فَ اللَّ يطهره ما بعده" فهذا الحديث أيضاً راعى فيه عَ ل أسلوب الحكيم ولم يسير بالوساوس والأوهام، فكان من قبيل إلزام المحاطب بما لا ياتزمه، قال: وإلى مثله أثا الشافعى فى حديث أم سلمة فى كتاب "الأم" ولعله بريد ما ذكره فى الجزء الاول من "كتب الأم" وص - ٤٧ و ٤٨) ثم إن النجاسة إذا لم يشاهد وقوعها فى ماء ولم يخبر بوقوعها ثقة فالمدار عندنا أيضاً على التغير، فالحديث بالإجمال يكون حجة الحنفية أيضاً. وتفصيل فقهائنا من إخراج عشرين داراً وأربعين دلواً فليراجع إلى مواضعها وللبحث عنها موضع آخر . وقال الشيخ: والحديث بلفظه يفيد القصر ولا يرد أن التراب أيضاً طهور عند فقد الماء، وقال بَِّ التي جعلت فى الأرض مسجداً وطهوراً؛ فإن الماء بطبيعته جعله الله طهوراً، وليست الأرض بطبيعتها طهوراً، وإنما جعلت طهوراً عند الحاجة إليها مزية لرسول اللّه ◌َله ولطفاً على عباده، فصح القصر فى الحديث. قوله : وقد جود أبد أسامة الخ . التجويد هنا رواية الحديث بسند جيد ، والقدماء يسمون تدليس التسوية تجوبداً كما قاله ابن دقيق العيد ، وسماه ابن القطان "تسوية" وهو قسم من تدليس الإسناد، وهو حذف ضعيف بين ثقتين : ٢٢٩ حديث القلتين لم يرو حديث أبى سعيد فى بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة . وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبى سعيد . وفى الباب عن ابن عباس وعائشة . ( باب منه آخر) حدثنا : هناد نا عبدة عن محمد بن اسماق عن محمد بن جعفر بن زبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه حَلهم وهو يسأل عن الماء يكون فى الفلاة من الأرض وما بنوبه من السباع والدواب؟ قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الحبث. قال محمد بن اسحاق القلة هى الجرار والقلة التى يستقى لقى كل منهما الآخر ويروى بما يوهم السماع كلفظ " عن" . وأبو أسامة حماد ابن أسامة . قوله : وفى الباب عن ابن عباس الخ، لعله يريد بحديث ابن عباس ما رواه سابقاً أن الماء لا يجنب قاله شيخنا. قال الراقم: وفى "التلخيص" عنه بلفظ " الماء لا ينجسه شئ" عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان، ولفظ " السنن" ما عند الترمذى. قال الراقم: وقد رواه النسائى فى " سننه" (١ - ٦٢) "إن الماء لا ينجسه شئ" فى (باب اغتسال بعض أزواج النبي(حَ ل؟) وقد غاب هذا عن الزيلعى وابن حجر كليها . وحديث عائشة بلفظ " إن الماء لا ينجسه شتى" رواه الطبرانى فى "الأوسط" وأبو يعلى والبزار وابن السكن كما فى "التلخيص" و"نصب الرأية". -: باب منه آخر :- قوله : وما يئوبه من السباع . يريدون أنه ربما يتفق ذلك لا أنهم يخبرون عن مشاهدتهم . قوله : لم يحمل الحبث، ما تأول فيه صاحب " الهداية" بأن معناه أنه يضعف عن احتمال النجاسة فلا يحتمله تبادر اللفظ علا أنه ورد بلفظ : لا ينجس عند ٢٣٠ معارف السنن فيها . قال أبو عيسى : وهو قول الشافعى وأحمد وإسماق قالوا: إذا كان الماء قنتين لم ينجسه شنى ما لم يتغير ريحه أو طعمه ، وقالو يكون نحواً من خمس قرب . أبى داؤد وابن ماجه والطحاوى وغيرهم فى رواية ، اللهم إلا أن يقال أنه رواية بالمعنى وفيه بعد . قوله : وهو قول الشافعى وأحمد و اسماق ، عن أحمد روايتان هذه والأخرى كمالك كما ذكره ابن قدامة فى "المغنى": أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره اهـ، وهو قول عن الشافعى أيضاً كما فى " المغنى" واختاره ابن تيمية فى "فتاواه" ولكنه لم ينقد فى "فتاواه" حديث القلتين بل قال (١-٦) قدصح عن النبى ◌َّ الل أنه قيل له "إناث تتوضأ الح " غير أن صاحبه ابن القيم يحكى عنه فى "شرح تهذيب السفن" كما فى " البحر الرائق" (١ - ٨٢) تصحيحه لوقفه واعلاله لرفعه ؛ بأن رفعه وهم ولم يروه عن ابن عمر سالم ونافع ولم يعمل به أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الشام ولا أهل الكوفة اهـ . قوله : يكون نحواً من خمس قرب : وهى خمسمائة وطل فى قول للشافعية أى بغدادية ، وستمائة رطل فى قول آخر، وألف رطل فى قول ثالث لهم ، وقد حكى الأقوال الثلاثة النووى فى " شرح المهذب" (١ - ١٢٠) وقال: قال صاحب "الحاوى": إن الشافعى لم ير قلال هجر ولا أهل عصره لنفادها فاحتاج إلى بيانها بما هو معروف عندهم .... فقدرها بقرب الحجاز ..... ثم إن أصحابنا بعد الشافعى بعدوا عن الحجاز، وغابت عنهم تلك القرب، وجهل العوام مقدارها فاضطروا إلى تقديرها بالأرطال .... ثم اتفق رأيهم على تقدير كل قربة بمائة رطل بغدادية انتهى ملخصاً مختصراً ، ويقول الحافظ فى "الفتح" وقع الخلف بين السلف فى مقدارها على تسعة أقوال حكاها ابن المنذر ثم حدث بعد ذلك تحديدها بالأرطال واختلف فيه أيضاً اهـ ، وبالجملة ٢٣١ بحث تصحيح حديث القلتين وتضعيفه ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٫٠٠ حديث الباب استدل به الإمام الشافعى، وقد اختلف المحدثون والعلماء فی حکمه، فصححه الشافعى وأحمد واسحاق وأبو عبيد والحاكم وابن مندة ، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان ؛ وحسنه ابن معين باعتبار بعض أسانيده ؛ وضعفه على ابن المدينى شيخ البخارى وأبو بكر ابن المنذر وابن جرير فى " تهذيب الآثار" وأبو عمر فى "التمهيد" و"الإستذكار" وحكى عن جماعة ضعفه، وكذا ضعفه اسمعيل القاضى، والقاضى أبو بكر ابن العربى، والإمام الغزالى، والرؤبانى، وابن دقيق العيد، وأبو الحجاج المزى، وابن تيمية ، وابن القيم وهولاء يصححون وقفه، والبيهفى أبضاً ممن يصحح وقفه ، وهذا جملة من عثرت على أقوالهم فى تضعيفه ، فترى فيهم من كبار الشافعية وجهابذة النقد من المالكية وطائفة من حفاظ الحنابلة ، فما يقوله الإمام الخطائى فى " معالمه" بعد تصحيحه إياه : وكفى شاهداً على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه اهـ ، يقال له : ونجوم من أهل المذاهب الأربعة قد طعنوا فيه وقدحوه ، وحكى صاحب " الهداية" تضعيفه عن أبى داود. قال شيخنا، ولعله استنبطه من صنيعه فى "سننه" حيث قال: حماد بن زيد وقفه عن عاصم، وأشار فى تضاعيف إسناده إلى الاضطراب اهـ. قال الراقم: ويقول ابن الهمام لعله فى غير "سننه" اهـ. قلت : ويحكى الشيخ محمود البابرتى فى "العناية" لفظ أبى داؤد قال : وحديث القلتين مما لا يثبت اهـ ، قال : وقال هكذا قال ابن المدينى ١ هـ، وهذه الحكاية بصريح اللفظ يدل على أنه صرح به ، فعسى أن يكون لفظه هذا فى بعض نسخ " سنن أبى داؤد» و قد استبان عند القوم اختلاف نسخ أبى داؤد، وصرح الحافظ ابن حجر بأن نسخة على بن الحسن بن العبد فيها من الكلام على الرجال ما ليس فى نسخة أخرى، وهو ممن يروى السفن عن مؤلفه كما ذكره الذهبى فى "طبقات الحفاظ"، فربما يكون هذا فى تلك النسخة دون النسخة اللؤلؤية المعروفة ببلادنا ، فهذه وجوه ثلاثة لقول صاحب " الهداية" على أنه ضعف ٢٣٢ معارف السنن ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... أبو داود فى " سننه" حديث حبيب بن أبى ثابت عن عروة فى أبواب الاستحاضة باختلافه على حبیب رفعاً ووقفاً ، فیحتمل أن یکون ھذا من هذا القبيل والله أعلم. ثم الإمام الطحاوى ذهب إلى عدم العمل بحديث القلتين لأجل عدم تعين مقدار القمتين، فكأن نفس الحديث عنده صحيح كما يقول الحافظ فى "التلخيص" و "الفتح" جميعاً، والغزالى فى " الإحياء" قد أطال البحث على حديث القلتين واختار عدم الأخذ به وقال : وكنت أود أن یکون مذهبه - أى الشافعى - كمذهب مالك وقد طال الكلام عليه الحافظ ابن تيمية وصاحبه الحافظ ابن القيم فى " شرح تهذيب السنن" ما ملحضه: بأنه لوصح سنده مع صحة مبنده هو غير صحيح المتن لأنه لا يلزم من صحة السند فقط صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعنة، ولم يتفيا ! فالحديث مع شدة حاجة الأمة إليه لفصله بين الطاهر والنجس والحلال والحرام لم يروه غير ابن معمر ولا عن ابن عمر غير ابنيه! فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير! ؟ وأين أهل المدينة وعلاثرها؟ لم يعلموا هذه السنة وهم أحوج الخلق إليها لهزة الماء عندهم ، ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء المدينة ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها، ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا ، فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أول من بقول بها ويروبها، وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه سنة عن النبي ◌َّالّ فلم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الكوفة ولا أهل الشام فیشیه أن یکون الوليد بن کثیر غلط فى رفع الحديث وغزوه إلى ابن خمر، ثم ذكر العلة فيه رفعاً ووقفاً، وورد فى بعض طرق الحديث "إذا كان الماء قلتين أو ثلاثاً" والبيهقى فى " معرفة السنن والآثار". وقبله الدار قطنى، أراد كل أن يسقطه راجع "سننه" (١ - ٩) حمله على الشك من بعض الرواة . قال شيخنا: وكيف يكون شكاً من الراوى؟ فإنه يؤويه إبراهيم بن الحجاج، ٢٣٣ الجواب عن حديث القلتين ٠٠. ٠٠. ٠٠٠ ... .٠٠ ٠٠٠ وهدية بن خالد ، وكامل بن طلحة ، ويزيد بن هارون عند " الدارقطنى" ووكيع وعفان بن مسلم عند " أحمد " كلهم عن حماد بن سلمة ، وهؤلاء ثقات وحفاظ أثبات، فعلم أنه تنويع من صاحب الشريعة لا تحديد حقيقي، فإذن يكون تقريباً لا تحديداً، وعند "الدار قطنى" (ص - ١٠) بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو موقوفاً "إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس" وما وقع فى "نصب الراية" الحافظ الزبلعى عبد الله بن عمر (طبع الهند القديم) فهو تصحيف والصحيح عبد الله بن عمرو وهو عمرو بن العاص . وملخص ما قيل فى الجواب عن الحديث عن الحنفية أنه مضطرب سنداً ومتناً ومعنی، أما اضطراب سنده: فتی روایة الوليد بن کثیر تارةً عن محمد بن جعفربن ز یبر وتارة عن محمد بن عباد بن جعفر، ثم بعده تارةً عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وأخرى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. وأجاب عنه الشافعية بأنه ليس هذا اضطراباً قادحاً فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظاً انتقال من ثقة إلى ثقة ، وقال الحافظ فی "التلخیص": وعند التحقيق الصواب أنه عند الوليد بن کثیر عن محمد. ابن عباد بن جعفر عن عبدالله بن عبدالله المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم اهـ . وفيه أنه على كل تقدير مشعر بعدم اتقان الراوى وهو موجب للضعف ألا تری : أن أبا عيسى الترمذى حكم بالاضطراب فی حدیث زيد بن أرقم ، "اللهم إنى أعوذ بك من الحيث والخبائث" وأشار إلى ضعفه بمثل ذلك. وأما اضطراب متنه: فما وقع فى بعض طرقه قلتين، وفى بعضها قلتين أو ثلاثاً، وفى رواية صحيحة موقوفة عن ابن عمرو أربعين قلة ، وهنا اضطراب غير هذا من جهة المتن راجع "نصب الرابة" (١ - ١٠٨) (طبع المجلس العلمى) وراجعه من (ص - ١٠٤ إلى ١١٢) من تفصيل اضطرابه ( ٢ - ٣٠) ؟ ٢٣٤ معارف السنن ٠٠٠ ... ٠٠. ٠٠٠ ٠٠٠ من سائر الجهات ، ففى رواية من حديث أبى هريرة أربعين قلة موقوفاً ، و فى طريق أربعين غرباً ، وفى أخرى أربعين دلواً ، وفى رواية من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً أربعين قلة الخ . وأما اضطرابه من جهة المعنى : فاختلافهم فى مقدار القلتين وإشتراك القلة فى عدة معان، ومن مثل هذه الأمور لم يخرجه البخارى فى صحيحه" على اعتراف من ابن حجر فى "الفتح" . قال شيخنا: ويحتمل عدم صحة إسناده عنده كما عند كثير من الأئمة ولم ير العمل به ابن حزم ، ولا ابن عبد البر ، ولا ابن دقيق العيد، وكم وكم من الأكابر ، وقال المقدسى فى "المحرر": و أظنها والله أعلم لم يخر جاه خلاف فيه على أبى أسامة عن الوليد بن كثير، وبقول ابن تيمية فى "فتاواه" ما ملخصه : أن حديث القلتين مفاده مفاد حديث بئر بضاعة ، وإن المدار على التغير فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل الجبث حيث دل ذلك بالمفهوم والمفهوم لا عموم له هذا ملخص ما ذكره ( ص - ١٦ و٢٠) فى الجزء الأول من "فتاواه". قال الراقم: وقد سبقه إلى هذا الخطابى فى "معالم السنن» وقد أرجع هو حديث بئر بضاعة إلى حديث القلتين ، وإذن لا يبعد أن يقال أن المدار على الحمل الحسى أى لا بحمل الحبث حساً حيث لم يتغير، فكأنه قيل لا يغلب من النجاسة بل يغلب مثل هذا الماء على النجاسة ، فليس الأمر كما زعمه الشافعية من أن المدار على القلتين وجعلها فصلاً فى مورد النزاع ، ونظير ما قلنا ما أخرجه الترمذى فى ( باب الوضوء من النوم ) "فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" فليس الحكم مقصوراً على الاضطجاع عند أحد بل المدار على استرخاء المفاصل أينما تحقق ، فكأن الأمر فيه من قبيل تحقيق المناط ، فكان عدم حمل الحبث مناطاً لعدم تنجس الماء أمراً معتبراً من الشارع منصوصاً فى الحديث فأحق أن يقال : أنه أمر شهد له النص بالاعتبار ، فيدور الحكم حيث دار . ثم يؤيده القاعدة ٢٣٥ الجواب عن حديث القلتين ... ... ... ... ... المعروفة عند أهل البلاغة أن الحكم فى الجملة الشرطية فى المسند فى الجزاء لا أن يكون دائراً بين الشرط والجزاء كما هو مذهب أهل المعقول ، فيكون نقض الوضوء معلقاً فى النوم على الإسترخاء دون الاضطجاع، وكذا عدم مجاسة الماء فى القلتين بعدم حمله الحبت دون بلوغه القلتين، وهذا مهم فاعلمه . وهنا وجه لطيف آخر سنح لشيخنا سمعته منه شفاهاً فى درس "جامع الترمذى" فى ذى الحجة سنة ١٣٤٦ - ه: أن لفظ الحديث فى كثير من طرقه يسأل عن الماء يكون فى الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب الخ ، فلفظ الماء فى الفلاة من الأرض يشير إلى ماء دائم لا ينقطع ، فليس هو ماء الصهاريج الذى اجتمع فيها من مياه الأمطار ، ولا هو الماء الراكد فى الحياض ، ولا هو ماء الآبار ولا الأنهار بل هو ماء العيون والينابيع التى تقع فى طريق مكة والمدينة، فهذا ماء يجتمع فى معدنه ويبلغ غالباً إلى ذلك المقدار، يجرى من معدنه أحياناً فى شكل جداول وينبع شيئاً فشيئاً ، فله نبع من التحت وجريان من الفوق ، فهو ماء لا ينفد لمدد ونبع من معدنه ، ولا يستقر فيه لجريان منه إلى خارج ، فالنجاسة إن وقعت فى مثله فلا يحمله حتى يستقر على ظهره بل بدفعه إلى خارج الجريان ، وهكذا حال العيون والينابيع يمدها معدنها بالنبع ، ولا يستقر فيه النجس لفيضانه، وأمثال هذه العيون موارد لسفى الدواب وشرب السباع فيتفق أن تقع فيها نجاسة حيث أنها مظنة لوقوعها فى مثل ذلك ، وليستأنس له بأن الفلاة كما يقال للمفازة التى لاماء فيها فكذلك يقال للمفازة التى فيها ماء أقلها للإبل ربع والحمير والغنم غب كما قاله صاحب "التهذيب" و"اللسان" و"القاموس" وغيرهم. وأيضاً النوب بما كان منك بمسير يوم وليلة معروف فى اللغة قال فى "اللسان": بعد ذكره وأصله فى الورد قال لبيد : لم تمس نوباً منی ولا قرباً إحدی بنی جمفر كلفت بها وقال عن ابن الأعرابى : النوب: القرب، ينوبها يعهد إليها ، وأيضاً : ٢٣٦ معارف السین ٠٠٠ ... ... ٠٠ ... ... النوب أن يطرد الإبل باكراً إلى الماء فيمس على الماء ينتابه، ونبته نوباً أتيته على نوب ، فظهر إذن للفلاة مع النوب ملائمة أخرى ، فظاهر أن مثل هذه المياه ما يأتى إليه الدواب من نوب ويكون أقلها للإبل ربع والحمير غب لا يكون إلا مياه العيون النابعة والمناهل الجارية ذات نبع وفيضان ، فالتحديد بالقلتين نظراً إلى الواقع غالباً ، ويؤيده قوله " أو ثلاثاً" عند حماد بن سلمة، فإذن هو تنويع م صاحب الشريعة وتقريب، فربما يكون كذا وتارة كذا ، لا أنه تحديد حقيقى لا يزيد ولا ينقص . ثم إن النجاسة لم يشاهد وقوعها والسباع لم يشاهد ورودها والنجاسة غير مرئية والمياه جارية دائمة فكيف يحمل خبثاً؟ فهذا الماء طاهر بلا ريب عندنا وإن كان المجتمع حول المعدن العين أقل من القلتين حيث علم أن المدار ليس عليها، وجوابه ◌َّ ه هنا أيضاً من قبيل أسلوب الحكيم كما كان جـ اءه فى بئر بضاعة من ذلك القبيل، نعم تختلف الواقعتان سؤالاً وصورةً، فإن صورة بئر بضاعة اختلجت أوهامهم فى وقوع النجاسة المرئية ذات أجرام، وأما هنا فالنجاسة غير مرئية فإنها من قبيل الآسار والله أعلم . قال الراقم: قد أوضحت جواب الشيخ إمام العصر رحمه اللّه على طبق ما كنت استفدته من حضرته شفاهاً، فتلخص مما ذكر: أن حديث القلتين وإن حسنه بعض وصصحه بعض لكن جماً غفيراً من أعلام الأمة لم يروا العمل به ، إما لضعف فى سنده أو الإضطراب فى متنه واضطراب فى معناه ، وهؤلاء الأعلام ابن المدينى ، و القاضى اسماعيل ، وابن جرير، والطحاوى ، وابن المنذر ، وابن حزم ، و ابن عبد البر، والغزالى، والرؤيانى، وأبوبكر ابن العربى، وابن دقيق العيد. وأنكر صحة الرفع أبوبكر البيهقى ، ثم المزى ، وابن تيمية ؛ وباب المياه مهم فى باب الأحكام، والجاجة أمس ولاسيما فى الحجاز، والتحديد أمر وراء القياس ويخرج الحديث واحد لا يرويه عن رسول اللّه فَ لٍ إلا ابن عمر، فلو كانت هذه سنة عن رسول اللّه عخلال﴾ - والحالة هذه - لسارت فى العالم واشتهرت فى ٢٣٧ حديث القلتين وجوابه ... ... ٠٠٠ ... المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ، ولما خفيت على أهل هذه البلاد لتعلقه بارتفاقات الناس ومهمات العباد فعسير جداً أن يجعل مداراً فى الباب ، ولا سيما عند لزوم المخالفة عن أحاديث ثابتة وسنن سائرة فى الباب كما ستعرف إن شاء الله تعالى، فلو لم يرالعمل به أحد لكان فى سعة من الأخذ به والعمل عليه، ولو سلم صحة الحديث لحملناه على محمل وجيه لا يخالف سائر الأحاديث ويكون على طباق نظائره وأشباهه، فيقال: إن غرضه ◌َّلُ التقريب لقدر من المياه بعد كثيراً عند أهل العرف وأهل الرأى بحيث لا يسرى أثر النجاسة إن وقعت فيه إلى جانب آخر، ولاسيما إذا كانت النجاسة لم يشاهد وقوعها ، غير أن وساوس قد داخلت نفوساً فلا عبرة لمثلها فى هذا الباب فيكون دفعاً للوساوس التى نشأت من أوهام لا تستند إلى وجهة صائبة تسكن إليها النفس أو يكون ذلك مياه العيون فى الفلوات فمياهها دائمة لا تنقطع جارية لا تستقر فيها النجاسة إن وقعت وتحققت فكيف إذا لم تتحقق؟ فأنى يصح به استدلال الشافعية عند هذه المحامل الصحيحة ما تطمئن إليه النفوس وتسكن إليه القلوب؟ وبحكى عن أبى داؤد كما فى "البحر" وغيره أنه لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبى مێ﴾ فى تقدير الماء اهـ، وهذا أيضاً بدل على إسقاطه حديث القلتين وإن كان سكت عليه فى النسخة المتداولة بأيدينا ، وكذلك يحكى الرؤيانى فى "البحر" و"الحلية" تضعيفه عن جماعة بخراسان والعراق، وكذلك ابن عبدالبر بحكيه عن جماعة من أهل العلم، فلعله قد حالت عقبات عندهم دون تسليمها، وقد سلم الشاه ولى الله الدهلوى أن التحديد للتقريب فى "المصفى" على ضد ما قاله فى "الحجة البالغة" فجعله تحقيقاً لا تقریباً، فإذا تأول بوجه حسن زالت هذه العقبات فى الجملة، فعن أبى يوسف قال: سألنى الإمام أبو حنيفة عن قوله عليه السلام "إذا بلغ الماء قلتين"؟ فقلت له ١٤ أقوالاً لم يرض بها، فقلت ما معناه يرحمك الله؟ فقال: معناه إذا كان جارباً، فقبلت رأسه وبكيت من الفرح آه حكاه السمعانى كما فى "فتح الملهم" ومن ثم ٢٣٨ معارف السنن ( باب كراهية البول فى الماء الراكد ) حدثنا محمود بن غيلان نا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبى نٍَّ قال: لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يتوضأ منه. يقول الطحاوى فى "شرح الآثار" ما ملخصه: فإن كنتم قد جعلتم (أيها الشافعية) قوله فى القلتين على نوع خاص من القلال جاز لغيركم أن يجعل الماء على نوع خاص من المياه ، وأولى أن يحمل على هذا ليوافق الأخيار المروية فى المياه من حديث النهى عن البول فى الماء الراكد ، وحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب فيكون المراد به الماء الجارى اهـ. فانظر كيف عين الإمام أبو حنيفة له محملاً ، وأوضحه أبو جعفر الطحاوى قليلاً ، وبينه شيخنا رحمه الله بتقريب تام ينشرح له الصدر، ولو لم يبينه الشيخ لأشكل فهم ما حكى عن الإمام ، وما كان يقوله أبو جعفر الحافظ البحر فحصحص الأمر الآن واستبان ولله الحمد . فالحاصل أن حديث بئر بضاعة عند الإمام أبى حنيفة محمول على مياه الآبار الغزيرة التى تمزح مياهها بالدوالى و الغروب والسوانى ، وإن ألقيت فيها نجاسة فلا تستقر فى قعرها . وهذا غرض ما قاله الواقدى: أنه كان طريقاً إلى الماء إلى البساتين، فكان يسقى منها النخيل و الزرع كما هو فى "الصحيح" لا أنه كان نهراً جارياً أو عيناً جارية كما فهمه ابن تيمية فى " فتاواه" والنووى وقبله البيهقى وغيره فردوا على الواقدى ، و حديث القلتين محمول على مياه جارية من مياه المعادن ، فهى عيون ثرة يجتمع حول معدنها ماء ثم يجرى كالجداول ، وسيأتى ما يستدل به الإمام من أحاديث صيحة فى الباب صريحة فى موضوعها هذا والله ولى التوفيق والإصابة . -: باب كراهية النزل فى الماء الراكد :- قوله: لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يتوضأ فنه. ولفظ "صحيح ٢٣٩ منشأ النهى عن البول فى الماء الراكد قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. وفى الباب عن جابر. البخارى»: لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى ثم يغتسل فيه ، وانظر طرق حديث الباب وألفاظها فى "شرح البدر العينى" (ص ـ ٩٣٣ و٩٣٤) من الجزء الأول . ووقع فى بعض طرق الحديث " الماء الراكد" بدل "الماء الدائم"، وقد ظنها بعضهم مترادفين . قال شيخنا : وليس الأمر كما زعم ، ولم ينفصم الأمر بما ذكره ابن حجر والعبنى فى " الفتح" (١ - ٢٤١) و " العمدة" (١ - ٩٣٥) قال: والفرق بينها عندى أن الدائم ماء لا ينقطع عادة أعم من أن يكون له نبع وجريان أولم يكن فهو إذن أعم من الراكد والجارى كليهما ، فيصدق على ماء العيون النابعة والحياض والآبار وما يشاكلها ، وأما الراكد فهو ضد الماء الجارى ومن ذلك لم يفتقر فى الراكد إلى القبد الذى ورد فى الدائم فإذن ، یکون صفة مختصة لأحد معینی المشترك ، وقريب منه ما حكاه الحافظ عن ابن الأنبارى : الدائم من حروف الأضداد يقال للمساكن والدائر، ومن أصاب الرأس دوام أى دوار اهـ ، غير أن هذه الصفة المختصة ليس قيداً للحكم حتى يستنبط منه البول فى الماء الجارى بل زيد القيد تقبيحاً لأمر وتبشيعاً له، فكأنه قال: لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم، وعلى الأخص الذى لا يجرى فإنه أبشع وأقبح ، وهذا ألطف وأجود مما قاله أبو جعفر الطحاوى فى "شرح معانى الآثار": فلما خص رسول اللّه جَلجمع الماء الراكد الذى لا يجرى دون الماء الجارى علمنا بذلك أنه إنما فصل ذلك ؛ لأن النجاسة تداخل الماء الذى لا يجرى ولا تداخل الماء الجارى اهـ ، فترى أنه اختار هذا التفصيل اعتباراً لمفهوم المخالفة ، وقد علمت أنه حجة ضعيفة فى الأدلة الشرعية ، نعم هو محوج إلى نكتة حتى لايهدر القيد فى كلام بليغ وقد اعتبروه فى المحاورات وعبارات الفقهاء ، وقد مر البحث مستوفى ثم إن وجه تخصيص البول دون الغائط هو أن مظنة البول فى مثل ذلك قوية ، وقد يتفق ........ ٢٤٠٠ معارف السنن ٠٠٠ ... ٠٠٠ ٠٠. ... ذلك وعلى الأخص للصبيان ، وأما الغائط فى الماء فالناس صغارهم وكبارهم بعافون ذلك طبعاً وعادة ، فالشريعة تسد الثمامة التى يكون محل مظنة لها ، ولا يتعرض إلى محض الاحتمال وتصوير الخيال، بل دأبها التعرض إلى الوقائع، وما يكاد يقع ، فطاح ما حكى عن داؤد الظاهرى من أقبح جموده على الظاهر: من جواز الغائط، كما حكاه النووى وغيره. قال شيخنا : (١) وحديث الباب يحتاج شرحه إلى بيان ما ذكره ابن هشام فى "المغني" (٢ - ٩٨) من أقسام العطف فى قولهم "ما تأتينى فتحمثنى" فإنه نظير ذلك فى وجوه الاعراب ومحامله، فقال ما ملخصه: إن لفظ "فتحثى" إما بالنصب أو بالرفع؛ ففى النصب وجهان: الأول: نفى الانيان اينتى الحديث أى ما تأتينا فكيف تحدثنا ؛ والثانى: نفى الحديث فقط كأنه قيل: ما تأتينا محدثاً أى بل غير بحدث. فيقال باللغة الأردية فى الأول ( تو هارے پاس آنا نہی کہ ہاتیں کرتا) وفی الثانی ( تو پانین کرتے کیلئ تو آنا نهین) وفى الرفع أيضاً وجيهان : نفى الحديث والاتیان کلیھا فیقال ( نه تو ميرے بس آنا مے نه باتين كرنا فـ ) والثانى: تفى الاتيان واثبات الحديث فيقال ( أو نهين آتا اور باتين بناتا رهنا مـ) وقد يفيد الرفع ما أفاد النصب من الوجه الأول وعليه قوله : القد تركت صبية مرحومة لم تدر ما جزع عليك فتجزع أى لوعرفت الجزع لجزهت ولكنها لم تعرف فلم تجزع، ويفهم هذا الوجه الثالث من كتاب سيبويه أيضاً قال فى الجزء الأول من "كتابه" (ص-٤١٩) (بعد ذكر وجهى النصب): وإن شئت أشركت بين الأول والآخر فدخل الآخرفيا دخل فيه الأول فتقول: ما تأنبنى فتحدثنى كأنك قلت: ما تأتينى وما تحدثنى؛ ... (١) قد أوضحت غرض الشيخ الإمام وشرحه، والنظائر كلها من زبادتى فإن أصبت الغرض فله الحمد على التوفيق، وإن أخطأت فالصواب أردت والحق اجتهدت ، ومن أفرغ المجهود فقد أعذر ولكل امرئ ما نوى.