Indexed OCR Text

Pages 21-40

:
٢١
مذاهب أرباب الصحاح
٠٠٠
٠٠٠
...
..
"صحيحه"، وينزل إلى الثانية أحياناً على سبيل الإنتقاء . والثانية : شرط مسلم
فى كتابه ، وقد ينزل إلى الثالثة أيضاً. والثالثة: شرط النسائى وأبى داؤد . و
الرابعة : شرط الترمذى. وأما الخامسة : فهم ضعفاء ومجاهيل ، لم يخرج عنهم
أصحاب الأصول فى الأصول إلا أصحاب السنن فى الإستشهاد فحسب . و
الحافظ بقول فى "مقدمة فتح البارى": إن البخارى يخرج فى المتابعات من
الثانية ، وقليلاً جداً من الثالثة تعليقاً أو ترجمة أيضاً. ومسلم يخرج من الثانية فى
الأصول ، ومن الثالثة فى المتابعات ، وأصحاب السنن يخرجون من الثالثة أيضاً
فى الأصول اهـ ملخصاً .
-: مذاهب أرباب الصحاح :--
أما الإمام البخارى فقال الشيخ تاج الدين السبكى فى "الطبقات" وحكاه
الشاه ولى الله فى "الإنصاف" أيضاً: إنه شافعى لأنه تفقه على الحميدى ،
والجميدى تفقه على الإمام الشافعى . قال شيخنا رحمه الله : هذا القدر لا يكفى
لكونه شافعياً ؛ كيف! ولو كان المدار على هذا لادعى غيره أنه حنفى ؛
لأنه تخرج على اسحاق بن راهويه ، وغيره من شيوخه ليسوا بهذه المثابة ، بل
فى منزلة المفيدين فقط، ولم تتقوم بهم حقيقته ، وأما اسحق بن راهويه ، فهو
من كبار شيوخه ، وهو من أخص أصحاب عبد الله بن المبارك ، وهو من أخص
أصحاب الإمام أبى حنيفة غير أن الحق : أن البخارى إمام مجتهد ، وكثيراً
ما يوافق إجتهاده الإمام أبا حنيفة إلا أنه وافق إجتهاده الإمام الشافعى فى
عدة مسائل مشهورة من العبادات كمسألة : قراءة الفاتحة خلف الإمام ، و
مسألة رفع اليدين ، ومسألة الجهر بآمين . ولا يخفى هذا على من استقرى كتابه
"الصحيح"، وتتبع فيه آراءه! قال الشيخ: ولنعم ما قاله الإمام القاضى

٢٢
أبواب الطهارة
-: أبواب الطهارة :-
أبو زيد الدبوسى (١): ومسأنة يخالف فيها كبار الصحابة بعوز فقهها و
يصعب الخروج منها اهـ. قلت: حكاه المحقق ابن أمير الحاج فى شرح التحرير"
(٣ - ٢٨) وصاحب "الكشف" شارح "البزهوى" أيضاً. قال الشيخ:
والمسائل المختلفة بين أئمة الإجتهاد التى تستند إلى الأحاديث ، ويساعد كلامنها
تعامل السلف ، وكان الإختلاف فيها دائراً بين السلف الصالحين ، لا يمكن
الإتفاق على جانب واحد منها ، بحيث يلغى سائر الجهات إلى قيام الساعة .
وأما الإمام مسلم صاحب "الصحيح" فلم يتحقق عند شيخنا مذهبه على
التحقيق ، والمشهور أنه شافعى ، وأما الإمام ابن ماجه القزويني فلعله شافعى ؛
والإمام الترمذى شافعى ، والإمام أبوداؤد والإمام أبو عبد الرحمن النسائى ،
فالمشهور أنهما شافعيان ؛ والحق عند شيخنا أنها حنبليان ، وترى كتب الحنابلة
طافحة بروايات أبى داؤد عن الإمام أحمد، والله سبحانه وتعالى أعلم . قال
الإمام الشاه ولى الله فى "الإنصاف": وأما أبوداؤد والترمذى فهما مجتهدان ،
منتسبان إلى أحمد وإسحاق ، وكذلك ابن ماجه والدارمى فيما نرى ، وأما مسلم
وأبو العياس الأصم جامع "مسند الشافعى" و"الأم" فها منفردان لمذهب الشافعى
پتأصلان دونه ا ھـ باختصار .
قوله : أبواب الطهارة . قال الحافظ البدر العينى فى "العمدة" (١ -
١١٩) ما ملخصه: إنهم يعبرون "بالكتاب" و"بالأبواب" إذا كانت هناك
(١) هو الإمام عبيد الله بن عمر القاضى، كان من كبار فقهاء الحنفية ممن
يضرب به المثل، كما قاله السمعانى. توفى ببخارى سنة ٤٣٠ - هـ. ومن مؤلفاته
"كتاب الأسرار" و"تقويم الأدلة" وهما من نفائس تأليفه، ومنها "الأمد
الأقصى" و"تأسيس النظر".

٢٣
أبواب الطهارة
عن رسول الله عَليه
أنواع ، والعادة أن يذكر كل نوع بباب آهـ. فقول الترمذى: "أبواب
الطهارة" ترجمة لما يذكر فيها أحاديث من أنواع شتى تتعلق بهذا الموضوع ،
ويظهر فته المحدث من تراجمه كما قيل : "فقه البخارى فى تراجمه"، ولهذا
القول عند شيخنا محملان ؛ الأول : أن المسائل التى اختارها من حيث الفقه
تظهر من تراجمه . والثانى : أن تفقهه ، وذكاءه ، ودقة فكره يظهر فى تراجمه .
قال شيخنا الإمام : البخارى هو سباق الغابات فى وضع التراجم بحيث ربما
تنقطع دون فهمها مطامع الأفكار، قال : ثم يتلوه فى التراجم أبو عبد الرحمن
النسائى، وربما أرى فى مواضع أن تراجمهما تتوافق كلمة كلمة ، وأظن أن
النسائى تلقاها من شيخه البخارى ، حيث أن التوارد يستبعد فى مثل هذا ،
ولاسيما إذا كان البخارى من شيوخه .
ثم يتلوه تراجم أبى داؤد ، وتراجم أبى داؤد أعلى من تراجم الترمذى
نعم إن أسهل التراجم وأقربها إلى الفهم تراجم الترمذى . قال الشيخ : وأما
الإمام مسلم فلم يضع هو نفسه التراجم ، والتراجم الموجودة في كتابه من وضع
شارحه الإمام النووى ، وكم بين تراجمه وبين تراجم البخارى من فرق
بعيد .
قوله: عن رسول اللّهِ حَلٍّ: إشارة إلى أن المروى فيها أحاديث مسندة
مرفوعة إلى رسول اللّه مُّلّ ، كان قدماء المحدثين بذكرون فى كتبهم الأخبار
المرفوعة والآثار الموقوفة " كموطأ مالك" و"جامع سفيان الثورى" و"كتاب
الآثار" لأنى يوسف، و"كتاب الآثار" للإمام محمد بن الحسن الشيباني و
غيرها ، بل كانوا يذكرون الإجتهادبات أيضاً بعد المرفوعات والموقوفات،
ككتاب "الحجج" و"الآثار" لمحمد بن الحسن الشيبانى وكتاب "الخراج"

٢٤
معارف السنن
٠٠٠
....
٠٠٠
...
لأبى يوسف . وأول من أفرد المرفوعات هو الإمام أحمد بن حنبل فى كتابه
"المسند" وتبعه من بعده من المحدثين، وربما يكون السابق فى ذلك موسى بن
عبيد الله بن العبسى ومسدد بن مسرهد فى "مسنديها" والله أعلم. وأول من جرد
"الصحيح" منها هو: الإمام البخارى ، وأول من تفرد بالتأليف فى الفقه المجرد
عن الأخبار والآثار هو : محمد بن الحسن فى كتبه الستة ، وراجع مقدمة
"الفتح" الحافظ لتفصيل بعض الجهات .
والمرفوع: ما أسند إلى رسول الله عَ لّ فعلاً، أو قولاً، أو تقريراً،
ثُم: إن "ح" فى الإسناد يسمى هذا فى اصطلاحهم تحويلاً - أى حول الإسناد
إلى آخر- وقد اختلفوا فى التلفظ به، فالمغاربة يقرأون: "تحويل"، والمشارقة
يقرأون: "حآء" بالمد أو "ح" بالقصر. قال شيخنا: قال سيبويه إن أسماء حروف
التهجى إذا وقعت فى أثناء الكلام تكون ممدودة ، ونظيره كلمة "لا" ضد "نعم"
فى قول الشاعر: ع
لولا التشهد كانت لاؤه نعم (١)
وإذا جاءت منفردة تكون مقصورة كما يقال عند التعداد با،تاء ثا . قال
الشيخ: ولا تختص هذه الضابطة بأسماء حروف التهجى بل كذلك حكم كل كلمة
ثنائية آخرها ألف اهـ. أقول: ولعل الشيخ رحمه اللّه يشير إلى ما ذكره
"الكشاف" فى أوائل "تفسيره": قال سيبويه: قال الخليل يوماً وسأل
أصحابه : كيف تقولون إذا أردتم أن تنفظوا بالكاف التى فى لك ، والباء التى
فى ضرب ؟ فقيل : نقول : باء وكاف، فقال: إنما جثم بالإسم ، ولم تلفظوا
بالحرف الخ.
(١) هو عجز بيت للفرز دق فى قصيدته المشهورة فى مديح الإمام زين العابدين،
وصدره ما قال: "لا قط إلا فى تشهده"، وكلمة: نعم مرفوعة حفظاً للروى، فإن
القصيدة ميمية مرفوعة ، وهى تحتوى على خمسة وعشرين بيتاً .

٢٥
أبواب الطهارة
...
....
...
...
ثم اعلم إن التحويل على قسمين أحدهما : أن تجتمع عدة طرق على راوٍ
واحد ، ويسمى هذا الراوى الذى انتهت إليه الطرق المتعددة مداراً ومخرجاً ،
وهذا القسم من التحويل كثير ، والثانى : أن يفترق طريق واحد إلى طرق
شتى فى الأعلى . ثم التحويل بكلا القسمين قد يكون بالطريقين ، وقد يكون
بالأكثر منها .
فائدة : كثيراً ما ترى فى كتب الصحاح وغيرها ، أن الأسانيد تبدأ
بالتحديث والإخبار، وتنتهى بالعنعنة مع أن التدليس فى الرواة يوجد فى كل
طبقة ؛ وجه ذلك أن التدليس تراه فاشباً فيمن بعد التابعين فى الطبقات التى
يوجد فيها التدليس على قلة أو كثرة ، فاحتاج المصنفون من أرباب الصحاح
وغيرها إلى صيغ التحديث والإخبار ، لأنها آمن من التدليس بالنظر إلى
العنعنة ، لكونها بمنزلة التصريح على السماع ، قاله شيخنا رحمه الله ، وهو
كلام لطيف ، ووجهه صحيح معقول ، فترى أنه لا ينكر وجود التدليس فى
عهد السلف من التابعين ، بل أراد شيوعه وفشوه فيمن بعد هذه الطبقة مع
كونه دائراً فى عهد هؤلاء المحدثين أرباب التآليف من الصحاح وغيرهم ،
فلا ينافيه ما حكى عن كلام الحلبى فى " التبيين": التدليس بعد سنة ثلاث مائة
يقل جداً اهـ. حيث تقدمت وفيات هؤلاء الأئمة المحدثين ، من أرباب
"الصحاح الستة" على انتهاء المائة الثالثة إلا النسائى فتوفى سنة ٣٠٣ - هـ. و
ظاهر أن كلامه فى رجال هذه الأمهات الست ، وقد تقدمت وفاة كل منهم
على هذا التاريخ ، وهذه رسالة ابن حجر فى طبقات المدلسين أمامنا ، شاهدة
على أن المدلسين فى التابعين لا يربو عددهم على خمس وعشرين نفساً فى حين
ترى فيمن بعدهم من أتباع التابعين وغيرهم ما يربو عديدهم على مائة نفس،
وهل يستطيع ذو بصيرة أن ينكر كثرة الأمانة ، ووفور الديانة ، وشيوع العدالة
(٢ - ٤)

٢٦
معارف السنن
٠٠٠
٠٠٠
...
...
...
فى عهد الصحابة ثم التابعين أضعاف أضعاف ما هو فيمن بعدهم .
ولا ريب أنه كان يزداد التدليس فى الرجال من رواة الحديث إلى
أن ينتهى حين أصبح المدار على الكتب المؤلفة من أئمة الحديث، وكأنه انسد
كثيراً باب التدايس بهذا مع عدم الإنكار عن وجوده فيما بعد القرون الثلاثة
أيضاً، كما هو ظاهر من "طبقات المدلسين" لابن حجر، ولا يبعد أن يكون
فى كلام الشيخ رحمه الله تعالى لفظ الإرسال بدل التدليس، يعنى بذلك أن الإرسال
قد شاع بينهم فيمن بعد التابعين ، وظاهر أن العنعنة تدل على الإرسال كما قاله
جماعة من المحدثين ، فاحتاجوا للتصريح باتصال الحديث بالتحديث ، والإخبار،
لأنها أدل على الإتصال عند الجمهور من المحدثين ، ثم هذا الذى ذكره
شيخنا رحمه الله أمر جلى عند من تصفح أوراق كتب الحديث ، فضلاًعن
تدقيق النظر ، وتحليل الأبحاث ، فترى العنعنة فى طبقة الصحابة والتابعين
شائعاً جداً فى حين ترى تقل كثيراً فيمن بعدهم ، وما ذلك إلا للثقة والأمن
على نقلهم أكثر من الثقة على نقل من بعدهم ، وهذا هو الوجه فى قبول
الجمهور المراسيل فى عهد السلف حتى نقل ابن جرير الإجماع على قبولها ، إلى
رأس مائتين كما ذكره غير واحد من أرباب التحقيق ، وقال أبو داؤد فى رسالته
المشهورة إلى أهل مكة : أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فى ما مضى ،
مثل سفيان الثورى ومالك والأوزاعى حتى جاء الشافعى فتكلم فيه آهـ. ألاترى
إلى قول ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً بقول: قال رسول الله حلي﴾
ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول . لم
نأخذ من الناس إلا ما نعرف اهـ. كما حكاه الإمام مسلم فى مقدمة "صحيحه" و
أيضاً : أخرج عن ابن سيرين باسناده عنه قال : لم يكونوا يسألون عن
الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموالنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة .
فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع ، فلا يؤخذ حديثهم اهـ. ومها بك

٢٧
أبواب الطهارة
٠٠٠
...
٠٠٠
من شئ ، فغرض إمام العصر فى "أماليه" غرض صحيح ، ووجهه لطيف
معقول ، وإنما كان أشكل فى بادى الرأى ، بتعبير من الضابط ، فالإيراد
عليه من صاحب "تحفة الأحوذي" منشأه إما العجلة، وإما قلة النصفة، ورحم
الله من أنصف ومن أعمل فكرته فى مغزى الكلام ، والله يقول الحق وهو يهدى
السبيل . هذا وقد ذكر الحافظ أبوبكر الخطيب فى "الكفاية" (ص ٣٩٠)
وجهاً آخر أيضاً ، لإقتصارهم على العنعنة ، فقال : وإنما استجاز كتبة الحديث
الإقتصار على العنعنة لكثرة تكررها ، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة
باسناد واحد ، فتكرار القول من المحدث : ثنا فلان عن سماعبه من فلان
بشق ويصعب ؛ لأنه لو قال : أحدثكم عن سماعى من فلان ، وروى فلان
عن سماعه من فلان ، وفلان عن سماعه من فلان ، حتى يأتى على أسماء جميع
مسندى الجبر إلى أن يرفع إلى النبي ◌ٍَّ . وفى كل حديث يرد مثل ذلك
الإسناد لطال وأضجر ، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة ، وزيادة
على ذلك وفيه إضرار بكتبة الحديث ، وخاصة المقلين (١ ) منهم ، والحاملين
لحديثهم فى الأسفار ، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان فساغ لهم لأجل
هذه الضرورة استعمال: عن فلان آهـ .
ومن العجيب أن هذا المعترض بلغ جهده فى الإعتراض على عبارة
"العرف الشذى" ولم يقدر هو نفسه على أن يأتى لذلك بوجه فى حين نرى
الحال داعية لبيان ذلك ، والأمر كما قيل: ع
كضرائر الحسناء قلن لوجهها - حسداً وبغضاً إنه لدميم
أعاذنا الله عن غمط الناس، وبطر الحق ، وسائر مكائد النفس .
ولا يقبل رواية المدلس إلا عند التصريح بالسماع ، أو ما يدل عليه .
(١) المقلين من الإقلال ومعناه الحمل والرفع .

٢٨
معارف السنن
...
٠٠٠
...
...
إن التدليس أقسام : أحدها : تدليس الإسناد ، وهو : أن يروى عمن لقيه
ما لم يسمع منه موهماً أنه سمعه منه ، أو عمن عاصره ، ولم يلقه موهماً أنه سمعه
منه . والثانى : تدليس التسوية ، وهو أن يحذف ضعيفاً بين ثقتين ، ليكون
الإسناد كله من طريق الثقات، كتدليس وليد بن مسلم عن الأوزاعى كما سيأتى .
والثالث : تدليس الشيوخ ، وهو أن يغير اسم الشيخ إلى كنيته إن كان
المشهور اسمه ، وبالعكس إن كان المشهور كنيته ، كى لا يعرف حاله ، و
لا يسقط بهذا عدالة المدلس، والأمر فى هذا واسع . وأما الأول والثانى
فكلاهما قبيح ، ولاسيما الثانى فهوشر الأقسام ؛ والقسم الأول من التدليس
حرام عند شعبة ، والمدلس به يسقط عدالته ، كما حكى عنه الخطيب وغيره
أنه قال : التدليس أخو الكذب ، وقال : لأن أزنى أحب إلى من أن أدلس ،
ومن أجل هذا قالوا : إن ما يرويه شعبة بريئى عن التدليس . وإن كانت
روايته بالعنعنة .
. تنبيه: وما تفوه به صاحب "التحفة" بالإيراد هنا على عبارة "العرف
الشذى" فيكاد يكون منشأه سوء فهم على عادته فى مواضع ، والغرض ما
عبرنا عنه بعبارة صريحة واضحة ، فلا يرد ما أورده فليتنبه . وأما عند الجمهور
فهو قبيح ، ولا يسقط به العدالة ، وإذا صرح بالسماع أو ما يقوم مقامه قبل
حديثه . ومن عادة المحدثين أنهم إذا أخرجوا الحديث من طرق ، فلفظ المتن
يكون لأقرب تلك الطرق . ومن عادتهم أنهم إذا ساقوا سندين للحديث ،
أحدهما عال والآخر نازل فيروون المتن للعالى دون النازل ، والمصنف ههنا
راعى ذلك حيث قال : قال هناد فى حديثه ، فعلم أن لفظ المتن ليس لهناد وهذا
كما نقل عن عبد الله بن المبارك قوله: سند عال وبيث خال .

٢٩
باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور
( باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور )
حدثنا قتيبة بن سعيد أنا أبو عوانة عن سماك بن حرب مع قال ونا هنادنا
وكيع عن اسرائيل عن سماك عن مصعب بن سعد عن ابن عمر عن النبى
مَعَلانـ
علة
قال : لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول . قال هناد فى حديثه:
إلا بطهور .
قوله : لا تقبل صلاة بغير طهور، الطهور بضم الطاء فعل الطهارة ، فهو
مصدر وهو أعم من الوضوء والغسل ، ولكن المراد هنا الوضوء دون الغسل،
بدليل قوله : حتى يتوضأ فى حديث أبى هريرة عند الشيخين . وبالفتح اسم
لما يتطهر به من الماء ، وما يقوم مقامه عند عدمه، وعليه جماهير أهل اللغة ،
وحكى عن الخليل وسيبوبه، والأصمعى ، وأبى حاتم السجستانى ، وجماعة
الفتح فيهما. قال شيخنا : وكثيراً ما يأتى اسم الآلة على وزن الفعول بالفتح
فى مصطلحات الطب كالبخور ، والوجود ، والقطور ، والسعوط ، والسنون،
والشحوم وغيرها .
وقد أجمعت الأمة على اشتراط الطهارة فى الصلاة ، وحديث الباب نص
فيه. ثم القبول قسمان أحدهما: أن يكون الشئ مستجمعاً للأركان والشرائط ،
ويرادفه الصحة والاجزاء . والثانى: كون الشئ يترتب عليه من
وقوعه عند الله جل ذكره موقع الرضا ، ويترتب عليه الثواب والدرجات .
وهذه المرتبة بعد الأولى ، ولفظ القبول وإن كان مشتركاً بين المعنيين ، غير أنه
أريد هنا الأولى بقرينة إجماع الأمة على انتفاء الصلاة من غير طهارة ، فالقبول
هنا معناه كما فى قوله بَّالّ: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخار أى من بلغت
سن المحيض ؛ لا كما ورد من عدم قبول صلاة العبد الآبق أو شارب الخمر ،
م أو من أتى عرافاً: فإن القبول هناك منتف مع ثبوت الصحة . وقد فسر
القبول بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشئء على الشيء، يقال قبل فلان عذر

٣٠
معارف السين
٠٠٠
٠٠٠
. ..
...
٠٠٠
....
فلان إذا رتب على عذره الغرض المطلوب ، وهو محمو الجناية والذنب وعلى
هذا التفسير يكون مرادفاً للصحة كما ذكره الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد
فى "إحكام الأحكام" .
وبالجملة فللقبول تفسيران ، فهو يرادف الصحة بتفسير فيلزم من نفى
القبول نفى الصحة ، ويغايره بتفسير آخر فيكون أخص من الصحة ، فلا يلزم
من انتفاء الأخص إنتفاء الأعم ؛ وعلى كل حال عدم القبول هو الرد فذلك
إما لعدم الصحة كما فى حديث الباب ، أو لمعنى آخر كما فى تلك الأحاديث ،
فينتفى القبول وإن وجدت الصحة؛ والحافظ ابن حجر فى "الفتح" (١ -
٢٠٦) جعل القبول بالمعنى الأخص من الصحة معنى حقيقياً، والمعنى الثانى
مجازياً، وشيخنا العثمانى فى "فتح الملهم" (١ - ٣٨٧) جعل المعنيين على
عكس ما يقول الحافظ ، وسمى القبول المرادف للصحة نفس القبول ، والدرجة
التى فوقه القبول الحسن ، ثم قرره تقريراً جيداً وكنت أميل إليه ، ولكن
الراجح عندى الآن : هو تسمية الحافظ فراجعها والله أعلم بالصواب .
فائدة : قال شيخنا الإمام قوله : "لا تقبل صلاة" بالتنوين نظير قولهم:
لا رجل فى الدار ، ومعناه بالفارسية: "نيست مردے در سرائع". ومعنى
قولهم : لا رجل فى الدار، بالبناء على الفتح "نیست مرد در شرائح" ومعنى
قولهم : ما من رجل فى الدار "نیسٹ هیچ مردے در سراح"؛ قال: وتبه على
هذه الفروق السيد الجرجانى فى حاشيته على "الكشاف" أى فى تفسير قوله
تعالى : "لا ريب فيه". قال: فكان معنى الحديث: لا تقبل أى صلاة
تكون بغير طهور ، وقد اختلفوا فى اشتراط الوضوء لصلاة الجنازة ، وسجدة
التلاوة ، قال : وسبب اختلافهم فى ذلك إختلافهم فى اطلاق الصلاة التى
شاعت فى الأركان المخصوصة بحقيقة شرعية على صلاة الجنازة وسجدة التلاوة .
ومنشأ إختلافهم فى ذلك إختلافهم فى إطلاق الصلاة التى هى مستعملة فى الأركان

٠٣١
مسألة فاقد الطهورين
٠٠٠
...
٠٠٠
٠٠٠
...
المخصوصة بحقيقة شرعية على صلاة الجنازة ، وسجدة التلاوة ؛ ومعلوم أن
دلالة الصلاة عليها خفية لنقصانهما عن المعنى الذى هو مدلول الحقيقة الشرعية ،
وقد صرح ابن الهمام فى "تحريره": بأن الخفى ما فيه زيادة على معنى المسمى
أو نقصان منه ، ومن ثم اختلفوا فى اطلاق السارق على الطرار والنباش .
وبالجملة فالأئمة الأربعة اتفقوا على اشتراط الوضوء لهما جميعاً، والإمام
البخارى وافقهم فى صلاة الجنازة دون سجدة التلاوة ، والإمام الشعبى لم يشترط
لهما جميعاً، ووافقه ابن علية ثم ابن جرير الطبرى . واحتج البخارى بما ذكره
تعليقاً عن ابن عمر : أنه كان يسجد على غير وضوء. ولكن نسخة البخارى
للأصيلى وقع فيه : على وضوء ، بدل : على غير وضوء ، فاختلف أثر ابن
عمر ؛ والشارحون صوبوا الأول ، وحجة الجمهور إطلاق الصلاة على صلاة
الجنازة فى كثير من الأحاديث والآثار ، والسجدة أخص مدارج الصلاة و
أرقاها، فيشترط لها ، قال الشيخ رحمه اللّه: والشافعى لما ذهب إلى صحة صلاة
الجنازة على الغائب وقال : إنها دعاء كسائر الأدعية ، فتوهم بعضهم أنه
كسائر الأدعية فى عدم اشتراط الطهارة لها أيضاً ، وهو غير صحيح نا الشافعى
مع الأئمة فى الإشتراط .
مسألة فاقد الطهورين
ثم إن مسألة فاقد الطهورين فيه مذاهب ، فقال أبو حنيفة : لا يصلى بل
يقضى، وقال مالك : لا يصلى ولا يقضى كما فى "العارضة" للقاضى أبى بكر
ابن العربى ، وقال الشافعى : يصلى ويقضى وجوباً ، وهو أصح أقواله عند
أصحابه ، وهو الذى يروى عنه المدنيون من أصحابه كما فى "الفتح". وقال
أحمد : يصلى ولا يقضى ، وهو وجه للشافعية، واختاره المزنى. ووجه آخر
لهم مثل مذهب أبى حنيفة ، ووجه رابع لهم يستحب أن يصلى ، ويجب أن
يقضى فعندهم وجوه أربعة .

٣٢
معارف السنن
...
...
٠٠.
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
وقال صاحبا أبى حنيفة أبويوسف ومحمد : لا يصلى ويتشبه بالمصلين ،
فيقوم ويركع ويسجد من غير أن ينوى أو يقرأ . وصح إليه رجوع أبى حنيفة،
وبه يفتى. قال شيخنا رحمه الله: ويؤيده قياس يستند إلى إجماعين: الأول
أنهم أجمعوا على من أفسد الصوم يجب عليه إمساك بقية اليوم ومثله : حكم
صبى بلغ ، أو مسافر قدم ، أو امرأة حاضت ، أو حائض طهرت ؛ فكل
هذا ليس إلا تشبه بالصائمين . والثانى : أجمعوا على من أفسد حجه وجب
عليه المضى على أفعال الحج، وعليه القضاء من قابل، وما هو إلا تشبه بالحجاج .
فلما ثبت التشبه فى الصوم والحج ينبغى تعديته إلى الصلاة إذ لا قائل بالفرق .
قال : ومن أجل هذا ذهب بعض السلف إلى الإكتفاء بالتكبيرة فى التحام
الحرب ، واحتدام القتال .
ثم اعترضوا على مذهب أبى حنيفة بحديث الباب فى مسألة البناء على
الصلاة إذا أحدث المصلى بأن : الحدث بنافيها ، والمشى والإنحراف عن
القبلة مما يفسد الصلاة ، وهذا الإياب والذهاب وقعا فى حالة الحدث .
والجواب أولاً : أن البناء على الصلاة روى من حديث عائشة
مرفوعاً: "من أصابه قيثى أو رعاف أو قلس أو مذى فاينصرف فليتوضأ ثم
ليبن على صلاته وهو فى ذلك لا يتكلم" رواه ابن ماجه من طريق اسمعيل بن
عياش عن ابن جريج ، وقد تكلموا فيه فى روايته عن غير الشاميين ، وابن
جریچ حجازى ، وتابعه سليمان بن أرقم عند عبد الرزاق وهو أيضاً ضعيف،
وأخرجه الدارقطنى عن أبى سعيد الخدرى ، ونبه أبوبكر الداهرى ، وهو
متروك الحديث ، وأخرجه من حديث ابن عباس ، وفيه عمر بن رياح وهو
متروك، ولكنه صحح، عبد الرزاق فى "مصنفه" وابن أبى حاتم فى "علله"
والدار قطنى فى "سننه" . رسلاً عن ابن أبي مليكة عنه صلى الله عليه، فإذن يكون
حجة ، فإن المراسيل مقبولة عند أبى حنيفة ومالك بل الجمهور كما حققناه فى
المقدمة .

٣٣
معارف السنن
٠٠
...
...
...
وبالجملة فالمرسل حجة خصوصاً إذا أصبح مؤيداً بفتاوى الصحابة و
تعاملهم ، فقد استخلف عمر الفاروق عبد الرحمن بن عوف، وكذا ثبت عن على
رضى الله عنهما وغيرهما من الصحابة . فإذن لاشك فى صحة الاحتجاج
بمثله . وثانياً : أن الحدث الطارئ حدث من غير تعمد واختيار فلا يلحق
بالعمد، والمشى والإنحراف ألجئ إليهما كما فى صلاة الخوف، وليس المشى
صلاةً ولا محسوبا منها حتى يكون جزء من الصلاة مؤدى بغير ظهور بل فعل
حدث فيها اضطراراً فتحمل .
فائدة : ومما اصطلح عليه فقهاؤنا الحنفيون التعبير بالقول فيما يحكى عن
المشائخ ، وبالرواية فيما ينقل عن الأئمة أرباب المذاهب ، وأما الشافعية فأقوال
الإمام عندهم روايات ، وأقوال المشائخ وجوه أفاده الشيخ رحمه الله.
قوله : ولا صدقة من غلول .
الغلول بالضم الخيانة فى القئ والمغنم، وأصله السرقة من الغنيمة قبل القسمة،
وبابه نصر ، وفى معناه أغل من الإفعال ، وأيضاً يقال أغل الإبل سرقه ، ثم
اتسع ويراد به كل خبيث وحرام ، وهو المراد همهنا ؛ ثم إن فى كتب فقهائنا
الحنفية : من دفع إلى فقير من المال الحرام شيئاً يرجو به الثواب يكفر ، كما
ذكره ابن عابدين فى "شرح الدر المختار" فى مواضع، منها: ما فى (كتاب الزكاة)
نقلاً عن " الظهيرية " وذكر التفتازانى . " شرح العقائد النسفية": استحلال
المعصية كفر إذا ثبت كونها .عصية بدليل قطعى ، وعلى هذا تفرع من أنه إذا
اعتقد الحرام حلالاً فإن كان حرمته بعينه يكفر وإلا لا . قال ابن عابدين
وبعضهم لم يفرق بين الحرام لعينه ولغيره ، قال شيخنا الإمام : والمدار
على الفرق بين ما ثبت بدليل قطعى ، وبين ما ثبت بظنى لا الحرام لعينه
(م - ٥)

٣٤
أبواب الطهارة
...
٠٠٠
...
والحرام لغيره، فيكون الإكفار باستحلال حرام ثبت كونه حراماً بدليل قطعى .
قال شيخنا : ويستفاد من كتب فقهائنا " كالهداية" وغيرها أن: من
ملك بملك خبيث ولم يمكنه الرد إلى المالك فسبيله التصدق على الفقراء ، قال :
ومثله يقول ابن القيم فى "بدائع الفوائد"، ويقول: يثاب بالتصدق . قال
الشيخ : وهذه الأقوال توهم التعارض ، والجواب أن هنا أمرين أحدهما :
امتثال أمر الشارع ثم رجاء المثوبة بهذا الامتثال . والثانى التصدق بمل خبيث
اكتسبه، ورجاؤه الثواب من هذا المال نفسه ، فمن صرح بالأجر بالتصدق فى
مثله فالغرض الأجر بامتثال حكم الشريعة ، ومن قال بحرمة رجاء الثواب إلى
كفر من يرجو الثواب فأراد : رجاء الأجر بنفس هذا المال الخبيث فلا
تعارض ، قال : والظاهر أن المتصدق بمثله ينبغى أن ينوى به فراغ ذمته ولا
يرجو به المثوبة ، نعم يرجوها بالعمل بأمر الشارع ، وكيف يرجو الثواب
بمال حرام ويكفيه أن يخلص منه كفافاً رأساً برأس ! وفى "سنن الدار قطنى"
(٢ - ٥٤٥) طبع الهند باسناده عن عبد الواحد بن زياد قال: قات لأنى
حنيفة من أين أخذت هذا؟ : الرجل يعمل فى مال الرجل بغير اذنه أنه يتصدق
بالريح ! قال: أخذته من حديث عاصم بن كليب اهـ، وحديث ابن كليب
أخرجه أبوداؤد فى "سننه" ( ص ٤٧٣ ) فى ( باب اجتناب الشبهات ) من
"كتاب البيوع": عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال :
خرجنا مع رسول اللّه ◌ُفٍَّ فى جنازة ..... فلما رجع استقبله داعى امرأة،
فجاء ، فجينى بالطعام فوضع يده ، ثم وضع القوم فأكاوا فنظر آباؤنا
رسول اللّه فَيَّة يلوك لقمةً، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن
أهلها ، فأرسلت المرأة ، قالت : يا رسول الله إنى أرسلت إلى النقيع يشترى
لى شاة فلم أجد ، فأرسلت إلى جار لى قد اشترى شاةً أن أرسل إلى بثمنها
فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلى بها، فقال رسول اللّه جَلاَ﴾

٣٥
معارف السنن
قال أبوعيسى هذا الحديث أصح شئ فى هذا الباب وأحسن .
أطعمية الأسارى اهـ. رواه الدارقطنى فى "سننه"، وفيه: فبينا هو يأكل
إذكف يده ؛ وفيه : أطعموها الأسارى . وفى طريق آخر : فلما أخذ رسول
اللّهَ فَيُّ لقمته رمى بها اهـ. والمسألة فى الفقه من (كتاب الغصب) من كتبنا،
وتجد هناك تفريعات استنبطوها من حديث عاصم بن كايب، ومن لفظ "الهداية"
فى (كتاب الغصب): إنه حصل بسبب خبيث ، وهو التصرف فى مال الغير
وما هذا حاله فسبيله التصدق اهـ .
قوله: أصح شئ فى هذا الباب وأحسن . حديث الباب هذا حديث
صحيح رواه مسلم فى "صحيحه" وكذا أخرجه بقية "السنن الأربعة".
قنبيه : لا يلزم من قول الترمذى هذا: أن يكون الحديث صحيحاً فى نفسه،
وغرضه أنه أعلى حديث فى الباب، وربما يكون هو غير صحيح بل غير حسن؛
ثم إن الترمذى ربما يخرج فى الباب حديثاً غريباً ضعيفاً مع أنه يكون هناك
حديثاً صحيحاً فى الباب ، حتى ادعى أبو الفضل المقدسى فى "شروط الأئمة"
أنه يخرج فى الباب أحاديث غريبة لم يخرجها سائر أرباب الصحاح والسنن ،
وكأنه يريد الإطلاع بها ، ولكن هذا غير مطرد فى الأبواب، نعم تارةً يكون
الأمر هكذا والله أعلم .
قنبيه آخر : كتاب "سنن الترمذى" جامع يحتوى على أبواب الأحاديث
من الأصناف الثمانية ، ولكن مع هذا ذخيرة الروايات فيه قليلة ، فى حين يرى
كثرة الروايات فى ذلك الباب فى بقية الصحاح والسنن ، ولكن يجبر هذا الوهن
ويستدرك هذا الفائت بالإشارة إلى ذخيرة الروايات فى الخارج بذكر من
رواه من الصحابة فى الباب ، ويستوعب أسماءهم فيقول : وفى الباب عن
فلان وفلان . والحافظ العراقى أفرده بكتاب فى تخريج أحاديث الباب ، كما

٣٦
فضل الطهور
وفى الباب عن أبى المليح عن أبيه وأبى هريرة وأنس وأبو المليح بن أسامة
اسمه عامر ويقال زيد بن أسامة بن عمير الهذلى .
( باب ما جاء فى فضل الطهور )
حدثنا اسحق بن موسى الأنصارى نا معن بن عيسى نا مالك بن أنس ح
وحدثنا قتيبة عن مالك عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:
قال رسول اللّه عَلٍّ إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من
ذكره فى "نكته" على ابن الصلاح، واقتفى أثره صاحبه الحافظ ابن حجر وسماه
"اللباب فيما يقوله الترمذى وفى الباب" كما أسلفناه فى المقدمة. وأكبر عون على
تخريج ما فى الباب بعد الصحاح "مسند أحمد بن حنبل" و"زوائد الهيثمى" وكتب
التخريجات، ومن أنفعها وأوسعها "نصب الراية" الحافظ جمال الدين الزيلعى ، ثم
"التلخيص الحبير" الحافظ ابن حجر. وقد بدأت والحمدلله فىتاليف كتاب فى تخريج
أحاديث ما فى الباب بنمط بديع وأسلوب جيد ، ولو تم الكتاب لوقع فى
حذر قلوب أولى الألباب إن شاء اللّه تعالى والله الموفق للصواب.
قوله : وفى الباب عن أبى المليح عن أبيه ، المقصود بالذكر أبوه لا ابنه
أبو المليح .
توله: العبد المسلم أو المؤمن، كلمة "أو" هنا شك من الراوى فى لفظ النبى
عَالم، وهى تكون أحياناً للتنويع لا للشك، ويفرق بينهما بالقرائن والذوق، ثم إنه
إذا كانت للشك فليقرأ بعدها "قال" دائماً. واعلم أن حديث الباب اختصره المصنف
وقد أخرجه النسائى وغيره كاملاً، وفيه : "فإذا مسح برأسه خرجت الحطابا
من رأسه حتى تخرج من أذنبه اه ، أخرجه النسائى من حديث عبد الله الصنابحى
وقوب عليه "مسح الأذنين مع الرأس"، وما يستدل به على أنها من الرأس فدل

٣٧
معارف السنن
وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا، و
إذا غسل بدبه خرجت من بديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر
قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب .
هذا الحديث على أن الأذنين فى حكم الرأس ، فلا يحتاج إلى أخذ الماء الجديد
لمسحبها وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. والمسألة تأتى فى بابها قريباً بكل تفصيل
إن شاء الله تعالى .
قوله : حتى يخرج نقياً من الذنوب . اختلفوا فى هذه الذنوب هل هى
صغائر فقط دون الكبائر أو ما يعمهما، فاختار المتأخرون أنها الصغائر فقط،
لأن الحسنات بذهبن السيئات، وأيضاً يرد فى الأحاديث "ما اجتنب الكبائر" أو
"ما لم يغش الكبائر" أو مثل هذا، راجع "فتح البارى" (١ - ١٨٣ ) و
اختار القدماء التفويض إلى مشيئة الله تعالى من غير تقييد بأحدهما. والذى
تحقق عند شيخنا أن لا تفسر هذه الذنوب بالصغائر ولا بما يشملها والكبائر
بل يساير لفظ الحديث بما يقتضيه لغة العرب، ونحن إذا حققنا اللفظ من جهة
اللغة وجدنا أن الذنوب هى العيوب وهى أدنى مراتب الإثم وأضعفها جداً، وإن
تسامحوا فى كثير من المعجمات اللغوية ففسروها بالآثام مطلقاً، وقليلاً ما يدققون
البحث فى تحليل اللغات بل يكتفون بما يستعمل فيه اللغة من غير أن يبحثوا عن
كونها حقيقة أو مجازاً أو استعارة أو كناية أو تشبيهاً فليتنبه ! ثم فوق الذنوب
الخطايا ، والخطأ ضد الصواب ، والتعبير عنه بالفارسية بقولهم "نا درست"
وفوقها السيئات ، والسيئة ضد الحسنة، وفوقها المعاصى، والمعصية ضد الطاعة
( نافرمانى)، فأعلى مراتب الإثم المعصية، وأدناها الذنب. فالحديث دل على
الخروج عن الذنوب فقط، نعم وفى آخر الخطايا فليتبع لفظ الحديث . ولا
جاجة إلى تفسيرها بما يفسرونه والله سبحانه أعلم . ومن شاء التفصيل فليراجع
إلى "فتح الملهم" (١ - ٤٩) و"العارضة" للقاضى أبى بكر بن العربى.

٣٨
فضل الطهور
...
...
...
٠٠.
ثم إن الحديث أشكل بظاهره ، حيث أن الخروج يدل على أن تكون
هناك أجرام ، والذنوب والخطايا من قبيل المعانى والأعراض ، فكيف يثبت
لها صفة الخروج ؛ فاختلفوا على أقوال من حملها على الحقيقة، أو المجاز
والإستعارة أو الكتابة ؛ والأولى فى أمثال هذا التسليم، ثم انتفويض إلى الله
سبحاله . ومن أراد أن ينشرح صدره لفهمه فليستفذ مما قاله علماء الحقائق :
من أن وراء "عالم الشهادة" هذا عالم آخر يسمى "عالم المثال"، ووراءه عالم
آخر يسمى "عالم الأرواح"، وقالوا: إن ما نراها أعراضاً ومعانى وأوصافاً
فى هذا العالم المشاهد المحسوس، فلها صور وأجساد فى ذلك العالم ، فكل شنى
من هذه المعانى له صورة مثالية خاصة هناك. وأما عالم الأرواح فهناك روح
لكل شئ نراه فى هذا العالم ، وقال قائلهم :
غیب ر ا أبرے وآے دیکر است آسمان وآفتاب دیکر است
آن عزیز اں را نشاے دیگر است آن زمینرا آساے دیکراست
وقال الحكيم سنائى :
كوهنهائ بلند وصحرا هست
در ره روح پست وبالا هست
آسمانها است در ولايت جان کار فرمائ آل عالم جان
وقالوا : إن عالم المثال هو أنظف وأقوى من عالم الشهادة هذا ويتصرف فيه ،
ثم عالم الأرواح الطف وأقوى من عالم المثال وهو يتصرف فيه .
وقالوا : إن هذه العوالم كلها موجودة الآن فى هذه الدنيا، ومن كوشف
له هذه العوالم لم يتميز بين أشياء عالم الشهادة، وبين أشيائها ، فيراها هناك
كما يراهاهنا . قال الإمام الشاه ولى الله فى أوائل "حجة الله البالغة": إنه دل
أحاديث كثيرة على أن فى الوجود عالماً غير عنصرى تتمثل فيه المعانى بأجسام
مناسبة لها فى الصفة ، وتتحقق هنالك الأشياء قبل وجودها فى الأرض نحواً من

٣٩
:
لفتة نظر إلى الروح
...
...
٠٠
٠٠٠
...
التحقق ، ثم استدل على ذلك بأحاديث وردت فى وقائع الحشر ، وأحوال
القبر ، ثم قال: والناظر فى هذه الأحاديث بين احدى ثلاث ، إما أن يقر
بظاهرها فيضطر إلى اثبات عالم ذكرنا شأنه ، وهذه هى التى تقتضيها قاعدة
أهل الحديث ؛ نبه على ذلك السيوطى ، وبها أقول ، وإليها أذهب ، ثم أيد
كلامه بكلام حجة الإسلام الغزالى ، وقد قرر اثباته فى "ألطاف القدس" و
غيره مما هو ألطف وأعلى ، وكان المرضى عند شيخنا رحمه الله ما حققه فى
غير "حجة الله البالغة"
لفتة نظر إلى "الروح"
اعلم أن الروح عند علماء الإسلام جسم لطيف ، لــه شكل وصورة على وفق
شكل صاحب الروح ، واحتجوا على أنه جسم مادى ، بما ورد فى الأحاديث
من اثبات صفات له ، كصفات الأجسام ، منها : حديث البراء بن عازب ،
أخرجه أحمد فى "مسنده" وهو حديث طويل ، وفيه فى صدد بيان نفس العبد
المؤمن ما لفظه : "فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها، فإذا
أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها فى ذلك الكفن"
الخ. وفيه فى بيان نفس الكافر : "فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف
المبلول" الخ. والحديث قد أورده صاحب "المشكاة" أيضاً فى (الفصل الثالث)
من باب ( ما يقال عند من حضره الموت ) وفى هذا الباب أحاديث كثيرة ،
تدل على أن الروح جسم يصعد وينزل وينتقل .
وأما عند الفلاسفة ، فالروح عندهم جوهر مجرد غير مادى ، واستدل
عليه الفارابى بأن الروح محل التصور والتصديق ، وهما من المعانى المجردة ،
ومحل المجرد لا بد أن يكون مجرداً، وهذه الحجة غير قائمة وكيف! وقد يجوز
أن يكون تعلق التصور والتصديق بالروح كتعلق الروح بالبدن المادى ، و
يسمون هذا الروح المجرد النفس الناطقة، وتشبثوا فى اثبات تجردها بدلائل هى
1

٤٠
معارف السنن
...
٠٠٠
...
...
...
٠٠.
أشبه بالأوهام لاطائل فى ذكرها، وعزا الشيخ خواجه زاده فى "تهافة الفلاسفة"
إلى القاضى أبى زيد الدبوسى ، والغزالى وغيرهما القول بتجرد الروح غير أنه
لا عبرة بهذا من وجوه :
أما أولاً : فإن التمسك بنصوص الكتاب والسنة أولى وأقوى من التمسك
بأقوالهم ، والكتاب والسنة يدلان على خلاف ما زعموا . وأما ثانياً : فإن شيخنا
الإمام قد تردد فى صحة النسبة إلى القاضى أبى زيد فقيه الحنفية ، قال : ولم أطلع
عليه مع تتبع ، ونقل المذهب عسير جداً ، يحتاج إلى إتقان وتثبت واطلاع
واسع، وأما الغزالى فلا يبعد عنه ذلك لأنه نقم منه تعمقه الفلسفى ، ومسايرته مع
أقوال أهل الفلسفة كثيراً حتى قال صاحبه القاضى أبوبكر ابن العربى : شيخنا
أبو حامد دخل فى الفلسفة ثم أراد أن يخرج منها فما قدر اهـ. وإن كان قال بعض
المقدسيين بعد نقله فى رسالته "مبتدأ الخبر فى مبادى علم الأثر": لو طالع هذا
الصاحب المنقذ من الضلال لما قال ما قال اهـ. فلاريب أن طبيعته فلسفية ربما
تغلب عليه . وأما ثالثاً : فإن القدماء من علماء الإسلام كانوا يريدون بالتجرد
عدم الكثافة ، ما يرادف اللطافة ، كما يتضح ذلك مما ذكره الحافظ ابن تيمية
فى "تفسير سورة الإخلاص"، فيحتمل لو صحت النسبة إليهما أن يكون مرادها
من التجرد ما يوافق أهل الشرع من كونه جسماً مادياً لطيفاً .
ثم اختلفوا بعد اتفاقهم على جسميته هل هو بمنزلة الثوب للبدن فيكون
البدن له كالثوب للبدن ، أو هو يسرى فى الجسد سريان الدم فيه ، والمحقق عند
شيخنا هو الأول . وقال الشيخ الأكبر فى "النصوص": إنه يتشكل بأشكال
مختلفة.
قال الشيخ: واعلم ان عالم المثال عند أهل التصوف وأرباب الحقائق ، هو
عالم الأرواح عند أهل الشريعة من غير فرق ، ومن الدليل على ذلك أن كل
ما أثبته أهل الشرع فى عالم الأرواح أثبته الصوفية فى عالم المثال ، وهذا بحث