Indexed OCR Text
Pages 1-20
معارف السين بِ اللهِ الرَّحْزِ الرَّة الحمد لله الذى أنزل القرآن المبين ، يرفع به أقواماً، ويضع به آخرين . وبعث محمداً رسولا أمينا فى الأميين. فجعله أعلم الأولين والآخرين ، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين . فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة العارفين والمخلصين والعلماء الربانيين؛ وأشهد أن سيدنا محمداً بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، فقام بأعباء النبوة خير قيام فى العالمين ، وأثنى عليه الله جل ذكره فقال : "لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين". فاللهم صل وسلم، وبارك عليه صلوات زاكية ، وتسليمات عالية ، وبركات إلى يوم الدين، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه الذين رفعوا رأيات الإسلام ومنار السنة بثلج اليقين وبلج الجبين ، وعلى الفقهاء والمحدثين الذين حفظوا حريم الشريعة المحمدية عن تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ووسع مداركهم فجرت منها ينابيع العلم والحكمة وفقه الدين . أما بعد: فهذا شرح جامع لجامع الإمام أبى عيسى المعروف "بسنن الترمذى"، مقتبس من أبحاث جهابذة الحديث، وأئمة الفقه وأعلام العلوم وأعيان الأمة ، وفى (٢ - ١) ٢ معارف السنن بسم الله الرحمن الرحيم طليعتهم شيخنا المحدث الكبير الحجة الثقة الحبر البحر إمام العصر محمد أنورشاه الكشميرى رحمه الله، كما وصفته فى جزء مطبوع من شرح أبواب الوتر أسميته "معارف السنن" تجد فيه شفاء كل غلة من شتى النواحى ؛ غير تخريج ما فى الباب إلا نادراً ، حيث أفردته بالتأليف، وسميته "لب اللباب فى تخريج ما يقول الترمذى وفى الباب" . وغير استيفاء البيان فى رجال الأسانيد، اكتفاء بما فى كتب الرجال التى ليست بعيدة عن متناول أهل العلم ، إلا إذا دعت إليه داعية . والله سبحانه هو المسئول لكل توفيق ، وهو الموفق لكل بحث وتحقيق، فهو المستعان وعليه التكلان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ولاحول ولا قوة إلا. بالله العلى العظيم. قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. اقتدى المصنف رحمه الله فى بداءة كتابه "الجامع" بكتب النبى معٍَّ إلى الملوك، وكتبه فى القضايا، حيث افتتحت بالتسمية دون الحمد . وحديث "كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع": اضطرب لفظه، ففى لفظ "بحمد الله"، وفى لفظ "بسم الله"، وفى لفظ " بذكر الله"، وقد ضعفه بعض ، وصححه بعض ، وأعدل الأقوال: ما حكاه الشيخ تاج الدين السبكى فى "طبقات الشافعية الكبرى" عن الحافظ أبى عمرو ابن الصلاح: "أن الحديث حسن دون الصحيح وفوق الضعيف". وفى سنده قرة بن عبد الرحمن ، وقد تابعه سعيد بن عبد العزيز عند النسائى ، وقد اختلفوا فى توثيقه . وبالجملة الحديث واحد ولفظه متعدد ، ومفاده بعد ثبوته البداءة بذكر اللّه، سواء كان فى صورة البسملة أو الحمد أو غيرهما. وتوهم كثير من المصنفين تعدد الحديث لإختلاف لفظه، فاضطربوا فى جمع العمل بها ، فاخترعوا ٣ معارف السنن ٠٠٠ ... ٠٠ للإبتداء أقساماً ن الحقيقى والعرفى والإضافى، فحملوا بعض الألفاظ على الحقيقى والبعض على الإضافى، كما هو معروف، كل ذلك تكلف وتنطع وغفلة عن الفن وقواعده، ومدار تحقيقهم وعنائهم على ظنهم تعدد الأحاديث، ولم يدروا أن الحديث واحد وإنما الإختلاف فى اللفظ، أفاده شيخنا امام العصر ! . وقد أطال التاج السبكى الكلام على هذا الحديث فى أوائل "طبقاته" من (ص ٣ إلى ص ١٣) وقد سبقه الإمام الشيخ النووى فى "المجموع شرح المهذب" إلى تحقيق بعض أطرافه. أريد ذكر جمل من كلامها ، وكلمات من كلام الحافظ البدر العينى، والحافظ ابن حجر العسقلانى، بما فيه مقنع وغنى، قال البدر العينى (ص ١٥ ج - ١): " كل أمرذى بال لم يبدأ فيه بذكر الله ويبسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" رواه الحافظ عبد القادر فى "أربعينه" وقوله عليه الصلاة والسلام: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" رواه "أبو داؤد" و"النسائى". وفى رواية "ابن ماجه": "كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه بالحمد أقطع"، ورواه ابن حبان وأبو عوانة فى «صحيحيهما"، وقال ابن الصلاح: هذا حديث حسن بل صحيح اهـ. وقال الإمام النووى فى "المجموع" (ص ٧٣ ج- ١) بعد ذكر اختلاف ألفاظه : روينا كل هذه الألفاظ فى كتاب "الأربعين" الحافظ عبد القادر الرهاوى ، و رويناه فيه من رواية كعب بن مالك الصحابى رضى الله عنه، والمشهور رواية أبى هريرة ، وحديثه هذا حديث حسن ، رواه أبو داؤد واب ماجه فى "سنتهم)" وأبو عبد الرحمن النسائى فى "عمل اليوم والليلة"، وأبو عوانة يعقوب الإسرائينى فى أول "صحيحه" المخرج على "صحيح مسلم" وروى موصولا ومرسلاً، و رواية الموصول إسناده جيد انتهى ببعض الإختصار ، ومثله ذكره فى "شرح مسلم" أبضاً، وقد استوفى التاج السبكى الكلام عليه بتعدد أسانيده. وط قه وخارجه، وألفاظه، ومدار الكل على الأوزاعى عن قرة بن عبد الرحمن من الزهرى عن ٤ معارف السين ... ٠٠٠ ... أبى سلمة عن أبى هريرة، قال: وقد قضى ابن الصلاح: بأن الحديث حسن دون الصحيح، وفوق الضعيف، محتجاً بأن رجاله رجال "الصحيحين" سوى "قرة" وقد أخرج ه مسلم فى الشواهد مقرونا بغيره، وادعى السبكى مع ذلك أن الحديث صحيح، كما ادعاه هذان الحبران ابن حبان وابن البيع، لأن قرة أعلم الناس بالزهرتى كما قاله يزيد بن السمط ، والأوزاعى إمام أهل الشام، وذكره أبوحاتم فى "الثقات"، ثم هو لم يتفرد بل قابعه سعيد بن عبد العزيز عند النسائى انتهى ملخصاً. أقول: يتلخص من كلماتهم: أن الحديث أخرجه أحمد فى مسنده" و"النسائى» و "أبوداؤد" و"ابن ماجه" فى سنتهم، وأخرجه "أبو عوانة" و"ابن حبان" و "الحاكم" فى "المستدرك" مع اختلاف فى اللفظ، واختلاف فى الإرسال والإتصال، فالحديث صحيح ، ولاسيما عند من التزم الصحة فى كتبهم على شروطهم . ومهما يكن من شئ فلا ينحط عن رتبة الحسن ، والمرسل أيضاً حجة عند الجمهور، فوجب العمل بمقتضاه، فهل هو البسملة بخصوصها. أو الحمدلة بخصوصها أو ذكر الله فقط، أو ذكر الله فى صورة الجمع بين البسملة والحمدلة، فقال السبكى فى "طبقاته" (ص ٩): وأما الحمد والبسملة فجائز أن يعنى بها ما هو الأعم منهما - وهو ذكر الله والثناء عليه على الجملة - إما بصيغة الحمد أو غيرها، ويدل على ذلك رواية ذكر الله . وجائز أن يعنى خصوص الحمد وخصوص البسملة، وحينئذر فرواية الذكر أعم فيقضى لها على الروايتين الآخرتين، لأن المطلق إذا قيد بقيدين متنافيين لم يحمل على واحد منهما ، ويرجع إلى أصل الإطلاق انتهى ملخصاً. وقال مثله فى (ص ١٢): ولعله لا يأباه قواعد الحنفية، بل عندنا المطلق يجرى على اطلاقه من غير ذلك أيضاً. وقد سبقه إلى ذلك الجواب النووى فى "شرح المهذب" (ص ٧٤) فى ضمن أجوبته عما أوردوا على المزنى صاحب الإمام الشافعى، قال الحافظ فى "الفتح": القدر الذى يجمع الأمور الثلاثة (البسملة والحمدلة والشهادة ) ذكر الله وقد حصل بها ، ويؤيده أن أول شئ نزل من = ٥ مبدأ جامع الترمذى أخبرنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبى القاسم عبد الله بن أبى سهل الهروى الكروخى . القرآن "اقرأ باسم ربك" فطريق التأسى به الإفتتاح بالبسملة والإقتصار عليها. ويؤيده أيضا وقوع كتب رسول اللّه فَ المفتتحة بالتسمية دون الحمدلة وغيرها، كما فى حديث سفيان وغير ذلك من الأحاديث ، وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه فى الخطب دون الرسائل والوثائق . وقد استمر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة ، وكذا معظم كتب الرسائل انتهى ملخصاً ملتقطا. وراجع ما ذكره شيخنا محقق العصر فى "فتح الملهم". قوله : أخبرنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبى القاسم : واعلم أن لفظ "الإبن" إذا وقع بين العلمين المتناسقين يكتب من غير ألف، إلا إذا وقع فى مبدأ السطر ويكون صفة للعلم الأول لا مضافا إليه فيكون تابعا له فى الاعراب ويسقط التنوين من العلم الأول إن كان منوناً، قال الإمام النووى فى شرح الصحيح لمسلم: كلمة"ابن" إذا وقع بين علمين متناسلين يكتب محذوفاً ألفه، وذلك ظاهر ؛ وإذا وقع بين علمين غير متناسلين يكتب ألفه ، وأمثلته كثيرة ، منها: "مقداد بن عمرو ابن الأسود" فيقرأ عمرو، مجرورا منوناً، وابن الأسود صفة المقداد لا لعمرو، ولو قرأ بجره من غير تنوين فيكون صفة لعمرو، وهو غلط صريح. ومنها: "عبد الله بن عمرو ابن ام مكتوم" و "عبد الله بن أبى ابن سلول" و "عبد الله بن مالك ابن بحينة" و"محمد بن على ابن الحنفية" و"اسماعيل بن ابراهيم ابن علية" و "اسحاق بن ابراهيم آبن راهويه" و"محمد بن يزيد ابن ماجه" آ مـ ملخصاً (ص ٦٨ طبع الهند) (باب تحريم قتل الكافر بعد قوله : لا اله إلا الله). وليراجع ما ذكره ابن قتيبة (المتوفى سنة ٢٧٦ - (هـ) فى "أدب الكاتب" من "باب الف الوصل فى الأسماء" حيث ذكر قواعد نفيسة فى هذا الباب لم يسبق إليها فيما أرى ، وقد استوفيت فيه البيان فى المقدمة . ٦ معارف السنن فى العشر الأول من ذى الحجة سنة سبع وأربعين وخمسمائة بمكة شرفها الله وأنا أسمع ، قال : أخبرنا القاضى الزاهد أبو عامر محمود بن قاسم بن محمد الأزدى رحمه اللّه قراءة عليه وأنا أسمع، فى ربيع الأول من سنة اثنين وثمانين وأربعمائة . قال الكروخى : وأخبرنا الشيخ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن على بن ابراهيم الترياقى ، والشيخ أبوبكر احمد بن عبد الصمد بن أبى قوله: الهروى الكروخى : الهروى بفتح الأول والثانى منسوب إلى هراة ، مقاطعة ببلاد الأفغان من خراسان و"الكروخ" بفتح الراء وضم الراء المخففة قرية بهراة . صفة لأبى الفتح، والضابطة فيه: ان الصفات والأحوال إنما تكون للراوى نفسه لا لأبيه أو جده إلا عند التصريح، وثبوت النقل على خلافه كما فى يحيى بن سعيد القطان أن "القطان" صفة سعيد فى قول . قوله: فى العشر الأول من ذى الحجة : ذكر العدد اعتبارا بالليالى ، حيث جرت عادة العرب على اعتبار الليالى فى التاريخ، ويحتمل اقتداء بتعبير التنزيل العزيز فى "سورة الفجر" حيث ان المراد فى التنزيل أيضاً هى الليالى العشر من ذى الحجة كما نطق به الحديث . قوله: الأزدى: منسوب إلى أزد ، بسكون الزاء المعجمة اسم قبيلة، قال صاحب "القاموس": أزد بن الغوث وبالسين أفصح أبوحتى باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم . وأسد بن خريمة محركة ، أبو قبيلة من مضر وابن ربيعة بن نزار آهـ. فإذن الأزدى قحطانى، والأسدى عدنانى، وقد يبدل الزاء سيناً فيشتبه الأزدى بالأسدى المنسوب إلى قبيلة بنى أسد ، فقيل فى دفع الإشتباه واللبس : أنه يقال فى الأول: فلان من بنى الأسد باللام، وفى الثانى: من بنى أسد من غير لام التعريف . أقول: إذا كان منسوبا بالياء فلا يرفع اللبس إلا بأن يقال فى الأول: ٧ مبدأ جامع الترمذى الفضل بن أبى حامد الغورجى رحمهما الله تعالى قراءة عليها وأنا أسمع ، فى ربيع الآخر من سنة احدى وثمانين وأربعمائة ، قالوا : أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبى الجراح الجراحى المروزى المرزبانى قراءة عليه ، انا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبى المروزى ، أسدى بسكون الوسط ، وفى الثانى : اسدى بفتح الوسط ، وأيضاً يميز بينها بالآباء والأجداد ، والمشائخ والتلامذة بالإستقراء على ما هو من قواعد فن مشتبه النسبة فى أمثال هذا . ومن الكتب المعروفة فى هذا الفن كتاب "مشتبه النسبة" الأزدى، و"مشتبه الأسماء" للذهبى، وكلاهما مطبوع، و"تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" لابن حجر على أمل الطبع بمصر ، ولابن طاهر المقدسى كتاب سماه "الأنساب المتفقة فى الخط المتماثلة فى النقط والضبط" مطبوع ليدن، و"أنساب السمعانى" و "لباب ابن الاثير" و"لب اللباب" للسيوطى أيضا من هذا الباب قوله: قراءة عليهما وأنا أسمع: قال الخطيب فى "الكفاية": فإن قيل كيف يجب أن يقول قارئ الحديث إذا أراد أن يحدث به عمن قرأ عليه ؟ قيل: يجب أن يقول : حدثنا وأخبرنا قراءة عليه ، ليرفع بذلك الإبهام لسماعه منه بلفظه ، وهذا الذى ذكر القاضى وجوبه هو مذهب خلق كثير من أصحاب الحديث ، وقال الشافعى وغيره يكفى أن يقول: أخبرنا، ولا يحتاج إلى أن يقول: قراءة ، وقال جماعة من الأمة: البيان أولى انتهى ملخصا (ص ٢٩٧). وذكر ابن الصلاح فى "مقدمته" وجوبه عن أبى نصر (ص ١٤٥) زاد هذه الكلمة إظهاراً لسماعه فقط ، حيث كان القارى غيره، وكان من دأبهم اتخاذ ثبت يكتبون أسماء شركاء الجماعة فيه ليكون سنداً عند التحديث والرواية للأحاديث التى يرويها عن ذلك الشيخ فى جماعة من هؤلاء الشركاء ، ويسمون ذلك الثبت فى اصطلاحهم طبقة . قوله : المروزى المرزبانى : "المروزى" نسبة إلى مرو (بلد بفارس) ٨ معارف السنن فأقربه الشيخ الثقة الأمين . وزادوا فيها الزاء على خلاف القياس كما فى الرازى نسبة إلى رى ، والمنسوب إليها من غير رجال يقال فيه مروى بفتح الراء كما فى "تاج العروس" و "مرزبان" كلمة فارسية ترادف كلمة "دهقان" عندهم، و"مرز" اسم نبت و "بان" بمعنى الحافظ أو المربى أو المالك، المرزبان بفتح الميم وضم الزاء ، وقال ابن الأثير فى "النهاية": هو الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك، وأهل اللغة يفسمون ميمه آه. ومثله فى "شرح القاموس" للزبيدي، وقيل: المرز فى الفارسية الأرض المعمورة ، ولفظة "بان" فى لسانهم بمعنى الصاحب ، فمعنى المرزبان صاحب الأرض "زمیندار" كذا قاله الشيخ فخر الحسن الكنكوهى فى "التعليق المحمود على سنن أبى داؤد" فى (باب حق الزوج على المرأة من كتاب النكاح) فالمرز بان إذن إما: بمعنى ، الأكار والزراع فى اللغة القديمة، والفلاح فى اللغة الحديثة وكذا القديمة ، وإليه جنح شيخنا الإمام أو: الرئيس على ما قاله غيره ، وأيضاً فى "التاج" بمعنى رئيس العجم والكل محتمل قوله : فأقربه الشيخ الثقة الأمين : لا توجد هذه الجملة فى النسخ المعتبرة " لجامع الترمذى" كما قاله مولانا الشيخ "محمود حسن الديوبندى" كما حكاه شيخنا قال : وعلى تقدير وجودها فالمراد بهذا الشيخ المقر هو: الشيخ أبو العباس المحبوبى كما يستفاد من ثبت الشيخ ابن عابدين ( عقود اللآلى ) . وقائل هذه الجملة هو: الشيخ أبو محمد عبد الجبار المروزى من تلامذة المحبوبى، ويدل هذا على أن تلامذة الشيخ أبى العباس المحبوبى كانوا يقرون عليه من نسخة مكتوبة عنده أو عندهم، كما هو دأبهم فى العرض على المحدث، وقد شاع العرض على المحدث من الكتاب بعد عهد قدماء السلف كثيرا ، حيث أصبح المدار بعدهم ٩ مبدأ جامع الترمذى ... ... ٠٠٠ على النسخ والكتابة دون الحفظ عن ظهر القلب، كما كان الرائج فى القدماء، و هكذا كانت علوم القدماء فى الصدور ، ومهما يتأخر العهد يزداد الإعتماد على الكتابة ، ومن أجل هذا احتاجوا فى العرض ، ومقابلة النقل بالأصل إلى اقرار الشيخ، وتصديقه، وتثهيته، ومن ههنا ترى: قال أبو محمد المروزى: فأقربه الشيخ الثقة الأمين توثيقاً للكتاب وتثبيتاً للعرض . قال الراقم: اعلم أنه كما لم توجد هذه الجملة فى النسخ المعتبرة، كذلك لم توجد فى الأثبات المعتبرة . فترى "الأمم" ثبت الشيخ ابراهيم الكورانى الكر دى المدنى، و "بغية الطالبين" ثبت الشيخ أحمد النخلى المكى من علماء القرن الحادى عشر، و"الإمداد" ثبت الشيخ عبد الله بن سالم البصرى المكى شيخ الشيخ الشاه ولى اللّه الدهلوى بواسطة، و"قطف الثمر" ثبت الشيخ صالح الفلانى المغربى ثم المدنى، و"حسن الوفاء" ثبت الشيخ السيد فالح الحجازى، وثبت الشيخ محمد أمير الكبير و"اليانع الجنى" ثبت الشيخ عبد الغنى، كلها خالياً عن هذه الجملة ، نعم نجد فى ثبت الكورانى، وثبت السيد الحجازى: أنا الشيخ الثقة الأمين أبو العباس الخ . ونجد مثله فى «عقود اللآلى فى الأسانيد العوالى"، والمثبت حجة على النافى، والناطق حجة على الساكت، وهذا القدر يكفى لصحته ، ثم كون أبى العباس المحبوبى مراداً فى قوله : فأقربة الشيخ الثقة متعين رواية ودراية وذوقاً ؛ أما الرواية: فيدل عليها هذه الأثبات الثلاثة . وهذا من أبين القرائن وأوضح الشواهد، على أن هذا اللقب أصبح به مخصوصاً. وأما الدراية: فقد قال الخطيب فى "الكفاية" (ص ٢٨٠) فى (باب ما جاء فى اقرار المحدث بما قرئ عليه وسكوته وانكاره) : زعم بعض أصحاب الحديث ، وقوم من أهل الظاهر : أن من قرأ على شيخ حديثا لم يجز له روايته عنه إلا بعد أن يقر الشيخ به ..... والذى نذهب إليه أنه متى نصب نفسه للقرأة عليه ، وأنصت إليها مختاراً لذلك غير (٢ - ٢) معارف السنن مكره وكان متيقظاً غير غافل، جازت الرواية عنه لما قرئ عليه، ويكون انصاته واستماعه قائما مقام إقراره ، فلو قال له القارئ عند الفراغ: كما قرأت عليك ؟ فأقربه كان أحب إلينا ، قال إسحاق بن راهويه : كنت أقرأ على أبي أسامة، فإذا فرغت من كل حديث قلت له: كما قرأت عليك؟ فيقول نعم آهـ. وقال فى (ص ٢٨٣) عن بشير بن نهيك قال : كنت آتى أبا هريرة فأكتب عنه ، فلما أردت فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك أحدث به عنك؟ قال نعم آهـ فإذا فأقربه كان الأمر هكذا فالدراية تقتضى أنه لما قال : أخبرنا أبو العباس . . الشيخ الخ: أن يكون المقر هو الشيخ أبو العباس، والقائل لهذه الجملة هو تلميذه: أبو محمد عبد الجبار، ويلائمه الذوق والوجدان! ولو كان المراد بالشيخ الثقة هو: أبو محمد المروزى لا المحبوبى، وكان هذا القول مقولاً لأحد من أصحاب أبي محمد المروزى ، لكان الملائم بل الواجب ذكره قبل قوله : أخبرنا أبو العباس . وفيما ذكرته من القاعدة عند من رأى ذلك حجة ظاهرة على أن يكون هذا القول متصلا بالأخير ، لا بمن قبله ، فطاح بذلك ما قاله صاحب " تجفة الأحوذى " وجزم به من: أن المراد بالشيخ الثقة الأمين: أبو محمد عبد الجبار آهـ. وما ذكره من التصوير للتطبيق على أبى محمد عبد الجبار ، كل ذلك جار بأوضح تصوير، وأحسن تطبيق فى أبى العباس. وما نقله من مسألة الإقرار من "تدريب الراوى" السيوطى ؛ فأصله وأساسه ما ذكرته من كلام الخطيب، وهو حجة عليه لا له كما أوضحته فما ذكره هو وغيره من الإحتمالات والتصويرات لامساغ له ، فالمتعين ما أفاده "إمام العصر شيخنا" وهو المنقول عن الفقيه الحجة المحدث الكنكوهى فى "الكوكب الدرى" وقد اتضح واستهان من هذا أنه ليس مدار هذا التوجيه على ما فهمه صاحب "تحفة الأحوذي" حيث قال: هذا التوجيه باطل ، فإن مبناه على أن ١١ مبدأ جامع الترمذى ٠٠٠ ... ٠٠ علم من قبل الشيخ المحبوبى كان فى الصدور ، وهذا باطل ظاهر البطلان ، ثم نقل عن "مقدمة ابن حجر" الدليل على ذلك، من أن تدوين الآثار حدث فى أواخر عصر التابعين الخ . وذهب وهله إلى هذا المبنى من تعبير بعض أصحاب الشيخ مام العصر فى "العرف الشذى"، ثم هذا الوهم، منشأه فى الحقيقة إما الجهل عن المناسبة بفحوى الكلام ، أو التغاضى عن الحق ، فمراد إمام العصر صاحب "الأمالى" هو ما نقحته بتعبير لا غبار عليه، وليس مبناه على ما فهمه بل مبنى كلام إمام العصر على أن المقروء كما هو المتبادر كان أصلاً مكتوبا لم يكن عن ظهر القلب ، ثم أشار إلى أن الكتابة قد شاعت بعد عهد القدماء ، وكان القدماء أصحاب حفظ جيد ، وضبط قوى ، علومهم كانت فى صدورهم، ما کانوا يحتاجون کثیراً إلى تقییدها فى بطون الأوراق ، وإن کنت فی ریب من ذلك فراجع ما بسطه حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر فى كتابه "جامع بيان العلم"، وما ذكره فى هذا المعنى من النثر والنظم . وليس الغرض ما فهمه من أن علم من قبل المحبوبى فى الصدور لا فى الكتب . وكيف يدعى عاقل هذا ! أم كيف يتهم عاقل بمثل هذا أحداً ! فإن هذا "الجامع" للترمذى نفسه كتاب مدون مقيد فى بطون الأوراق ، وهو قبل المحبوبى ، وكان يكفى لصاحب "التحفة" فى اثبات وهمه أن يقدم هذا الكتاب نفسه ، فقد أبعد النجعة فى نقل كلام الحافظ ابن حجر . ثم ما حكاه عن الحافظ واطمئن إليه كل ذلك تقليد أعمى ، فإن نفس كتابة الأحاديث نشأت فى عهد النبوة ، ثم فى عهد الصحابة . قال ابن سعد فى "طبقاته"(ص ١٢٥ ج ـ ٢ طبع ليدن): عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إستأذنت النبي ◌ٍَّ فى كتاب ما سمعت منه ، قال فأذن لى فكتبته ، فكان عبد اللّه يسمى صحيفته تلك "الصادقة". وأيضاً حكى عن مجاهد قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها ، فقال: هذه الصادقة ١٢ معارف السنن ... فيها ما سمعته من رسول اللّه عَ لٍّ ليس بينى وبينه فيها أحد آهـ. وأيضا فى "طبقات ابن سعد» (س ٨ ج ٤ ق ٢) و (ص ١٨٩ ج ٧ ق ٢) وفى"مسند الدارمى" (ص ٦٨) وفى "جامع بيان العلم" لابن عبد البر (ص ٧٢ ج - ١): عن عبد الله بن عمرو قال: ما يرغبنى فى الحياة إلا الصادقة ، والوهط ، فأما "الصادقة": فصحيفة كتبتها من رسول اللّه عَلّ، وأما الوهط: فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها . وأيضا فى "صحيح البخارى" و"صحيح مسلم" عن على قال : ما كتبنا عن رسول اللّه عَلّ إلا القرآن، وما فى هذه الصحيفة اهـ. وراجع لفظ الصحيح من "باب كتابة العلم" من ( كتاب العلم ) . وأيضاً أخرج أحمد فى "مسنده" عن أبى حسان: أن عليا كان يأمر بألامر فیؤتی، فیقال: قد فعلنا كذا وكذا،إلى آخر ما قال، حتى قال: ما عهد إلى رسول اللّه عَّ ل دون الناس إلا بشئ سمعته منه، فهو فى صحيفة فى قراب سيفى. حكاه القارئ فى "المرقاة" (ص ٢٧٣ ج - ٣ طبع مصر). وأيضا فى "صحيح البخارى" عن أبى هريرة يقول: ما من أصحاب النبى فَ ل٣ أحد أكثر حديثاً عنه منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. "صحيح البخارى" (كتاب العلم ص ٢٢ ) (باب كتابة العلم) وراجع "توجيه النظر" ومقدمة "فتح الملهم" . بل قد ثبت كتابة الحديث عن أبى هريرة أيضاً ، فلعله كان يكتب فى آخر عمره - لوصح الحديث- أخرج أبو عبد الله الحاكم فى "المستدرك" عن حسن ابن عمرو قال : حدثت عن أبى هريرة بحديث فأنكره فقلت إنى سمعته منك ، قال إن كنت سمعته منی فإنه مكتوب عندی، فأخذ بیدی إلی بیته، فأرانی کتابا من كتبه من حديث رسول اللّه عَّ الل فوجدت ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك أنى كنت حدثتك فهو مكتوب عندى آهـ. "المستدرك" (ص ٥١١ م ١٣ مبدأ جامع الترمذى ٠٠٠ ... ٠٠٠ ج ٣) لكن الحديث منكر ، كما قاله الذهبى فى "تلخيصه". وأقول: إن كان وجه نكارته أن أبا هريرة كان لا يكتب كما دل عليه حديث البخارى فلا يكفى هذا ، حيث يمكن أن يكون يكتب بعد ذلك ، وتعلم الكتابة بعده ، فهذه الآثار أوضح برهان على كتابة الآثار من عهد النبوة ، ثم من عهد الصحابة فكلام الحافظ نفسه فى معرض الوهن لو لم يتأول فيه، فضلاً عن أن يستدل به ، ومثل الحافظ لا يخفى عليه مثله فلابد من التأويل فى كلامه ، وفى ذلك مقنع للبصير ، وكفاية للمنصف . ثم إنه علم من كلام الخطيب : أن الإقرار والتصديق من الشيخ على ما قرئ عليه ليس بلازم عند الجمهور ، نعم هو مذهب طائفة من المحدثين ، ولا شك أنه أولى وأحوط، ولا سيما فى عرض الأصل المخطوط ، وإليك مزيد البيان فى هذا الصدد ! قال الخطيب فى "الكفاية" (ص ٢٨٣ ) بعد نقل ما مر ذكره عن بشير بن نهيك : وهذا غير لازم بل متى صح السماع وثبت جازت الرواية له ولا يفتقر ذلك إلى إذن من سمعه آهـ . وعليه الزهرى كما عدل نقله عنه. قال الحافظ ابن الصلاح فى "مقدمته" (ص ١٤٥): إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلاً: أخبرك فلان ؟ أو نحو ذلك ، والشيخ ساكت مصغ إليه فاهم لذلك غير منكر له فهذا كاف فى ذلك. واشترط بعض الظاهرية و غيرهم إقرار الشيخ نطقاً، وبه قطع الشيخ أبو اسحاق الشيرازى ، وأبو الفتح سليم الرازى ، وأبو نصر ابن الصباغ ، من الفقهاء الشافعيين ... والصحيح أن ذلك غير لازم ، وإن سكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ إكتفاء بالقرائن الظاهرة ، وهذا مذهب الجماهير من المحدثين، والفقهاء وغيرهم والله أعلم انتهى ملخصاً . وقد أطلت فى هذا المقام على خلاف ما اشترطت على نفسى من الإختصار ولكن أرجو أن لا تخلو عن فوائد والله الموفق . ٣ ١٤ معارف السنن انا أبوعيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذى الحافظ قال : قوله: أبوعيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى، نسبة إلى "ترمذ" - اختلفوا فى ضبطه على أقوال، فتح التاء وكسر الميم. و کسرهما، وضمها، كما حكاه ابن خلكان عن "أنساب السمعانى" فى ترجمة "أبى جعفر محمد الترمذى"، والتفصيل هنك فراجعه ... بلدة على ساحل نهر جيحون، وهو النهر الذى ينسب إليه: "ما وراء النهر"، وأما نهرا جيحن وسيحان فها فى الشام. وهو الإمام الحافظ المتقن أبو عيسى توفى سنة مأتين وتسع وسبعين من الهجرة ، وله من العمر سبعون عاماً . اعلم أنه ورد النهى عن التكنى "بأبى عيسى"، ولعل المصنف الإمام حمله على خلاف الأولى ، ومهما يكن من شئ فيبعد عن جلالة قدره وشأنه أن یتکنی به ، والنهى مصرح، ولم يتعرض إلى هذا أحد ، وغاية ما يعتذر به عنه : أن المغيرة بن شعبة تكنى: بأبى يسى بإذن النبى حَدِّ} رواه أبو داؤد فى " سننه" (٢ - ٣٢٢) فى (كتاب الأدب) وبوب عليه (باب فيمن يتكنى بأبى عيسى) ونظم شيخنا رحمه اللّه عمر الحافظ الترمذى ، وسنة وفاته فى بيت فقال : الترمذى محمد ذوزين - عطر وفاة (١) عمره فى عين ( ٢) ومناقبه كثيرة ليس هذا موضع إخصائها، ومما حكاه الحافظ ابن حجر فى" التهذيب" فى الجزء التاسع: وقال الإدريسى: كان الترمذى أحد الأئمة الذين يقتدى بهم فى علم الحديث ، صنف الجامع ، والتواريخ ، والعلل ، تصنيف رجل عالم متقن ، كان يضرب به المثل فى الحفظ ١ هـ . ومن تصانيفه: "كتاب الزهد" مفرد، و"كتاب الأسماء والكنى"، وقال عمران بن علان : مات محمد بن اسماعيل البخارى ، لم يخلف بخراسان مثل أبى عيسى فى العلم و الورع، بکی حتی عمی اهـ . ( ٢) ٧٠هـ . ( ١) ٢٧٩ هـ . ١٥ مبدأ جامع الترمذى ٠٠٠ أقول: وليس هذا موضع إستيفاء القول فى ترجمته ومآئره ، وأرجو الله سبحانه أن يوفقنى لإستيفاء البيان فى ذلك ، وغيره من الأبحاث الرائعة فيما أردته من تاليف مقدمة والله سبحانه هو الموفق . منها : أنه قال له شيخه محمد بن اسماعيل البخارى الإمام صاحب "الصحيح": ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت فى اهـ. قال شيخنا .. وظاهره مشكل لأن أبا عيسى الترمذى وإن كان إماماً حافظاً متقناً يضرب به المثل لكن الإمام البخارى إمام هذا الفن، لا يجارى. قال: فلعل الغرض منه أن الحافظ الترمذى أخذ منه حظاً وافراً من العلم ما لم يأخذ منه غيره ، فكما أن التلميذ يحتاج إلى شيخ محقق كذلك يحتاج الشيخ إلى صاحب ذكى بارع بتلقى علمه وينشره فى العالم . ومنها أنه مشهور فى براعة الحفظ وقوة الضبط ، وهو نفسه يحكى كما فى "تهذيب التهذيب" كنت فى طريق مكة، وكنت قد كتبت جزئين من أحاديث شيخ ، فربنا ذلك الشيخ ، فسألت عنه ؟ فقالوا فلان ! فرحت إليه وأنا أظن أن الجزئين معى ، وإنما حملك معى جزئين غيرها شبهها ، فلما ظفرت سألته السماع؟ فأجاب، وأخذ بقرأ من حفظه ، ثم لمح فرأى البياض فى بدى، فقال: أما تستحى منى؟ فقصصت عليه القصة، وقلت له : إنى أحفظه كله ، فقال : إقرأ فقرأته عليه على الولاء ، فقال: هل استظهرت قبل أن تجئ إلى ؟ قلت : لا ! ثم قلت له : حدثنى بغيره ، فقرأ على أربعين حديثا من غرائب حديثه ، ثم قال : هات؟ فقرأت عليه من أوله إلى آخره ، فقال ما رأيت مثلك آهـ. تدل هذه الحكاية وما مضى على أنه. لم يولد أكمه كما زعم ، قال يوسف بن أحمد البغدادى الحافظ : أضر أبوعيسى فى آخر عمره اهـ. حكاه الحافظ ابن حجر فى "التهذيب" ويكفيه نبلاً وفضلاً أن الإمام صَلىالله البخارى قد سمع منه حديثين ، أحدهما . حديث أبى سعيد : أن النبى ١٦ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ... .. ٠٠ قال لعلى: لا يحل لأحد يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك . قال الترمذى: سمع منى محمد بن اسماعيل - يعنى البخارى - هذا الحديث . والثانى: حديث ابن عباس أخرجه فى تفسير "سورة الحشر" وقال: سمع منى محمد بن اسمعيل هذا الحديث . وكأن البخارى عمل بما يحكى عنه : لا يكون المحدث محدثاً كاملاً حتى يكتب عمن هو فوقه ، وعمن هو دونه ، وعمن هو مثله كما حكاه الحافظ البدر العينى رحمه الله تعالى . وأما منزلة كتابه "الجامع" فالمشهور أن أول مراتب الصحاح منزلة "صحيح البخارى" ثم "صحيح مسلم" ثم "سنن أبى داود" ثم "سنن النسائي" (الصغرى ) ثم "جامع الترمذى" ثم "سنن ابن ماجه القزويني"، والمحقق عند شيخنا أن: "سنن النسائي" ثالث الستة، وسادس الستة هو "مسند الدارمى" أو "مؤطأ مالك" لا "سنن ابن ماجه" فرقبة "سنن النسانى" عند شيخنا أعلى من "سنن أبي داود" حيث صرح النسائى على أن ما أخرجه فى "الصغرى" صحيح عنده. فقد التزم الصحة، وأما أبو داؤد السجستانى فقد نص على شرط إخراجه ما يكون صالحاً للعمل ، فيعم الحسن والصحيح على شرطه، فلم يلتزم الصحة، قال الشيخ: وأما منزلة أبى عبد الرحمن النسائى المصنف نفسه، فحكى الشيخ تاج الدين السبكى فى "طبقات الشافعية الكبرى" عن الحافظ شمس الدين الذهبى أنه أحفظ من مسلم بن الحجاج ، ووافقه على ذلك الحافظ تقى الدين السبكى والده ، وهذا يكفى بجلالة قدره ، وتفوقه على الإمام أبىدائد السجستانى ، وكان "جامع الإمام الترمذى" خامس الستة، وقد حكم الحافظ سراج الدين القزوينى على ثلاثة أحاديث فيه بالوضع، غير أن المحدثين لم يوافقوه فى حكم الوضع بل سلموا ضعفها الشديد . ثم إنه لو روعى أن الترمذى حكم على كل حديث من الصحة والحسن والغرابة وغيرها ، لفاق كتاب "سنن أبي داود" غير أن "سنن أبى داؤد" أعلى ١٧ أقسام كتب الحديث ٠٠٠ ... رتبةٌ من"جامع الترمذى" وإن لم يحكم على الأحاديث، حيث أن شرط أبى داؤد أعلى من شرطه ، وصنيعه فى تخريج الأحاديث فى كتابه أشد وأقوى . وأما "سنن ابن ماجه" بالهاء الساكنة فى الآخر كما قاله ابن خلكان ، فأخرجه جماعة من المحدثين عن "الصحاح الستة" لإشتماله على اثنين وعشرين حديثاً موضوعاً . قال الشيخ إمام العصر: إلا أنه وجد مكتوباً على ظهر ابن ماجه "صحيح ابن ماجد" بخط الحافظ البارع المتقن علاء الدين مغلطاى بن قليج الحنفى من أكابر حفاظ الحنفية من معاصرى الحافظ ابن تيمية الحرانى الحنبلى (١). قال الراقم : ولم أقف على مأخذه (٢) قال شيخنا الأستاذ البحاثة الشيخ محمد زاهد الكوثرى : وأول من أدخل "سنن ابن ماجه" فى عداد الأصول الستة ، هو الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسى ، وتابعه عبد الغنى المقدسى فى "الكمال"، وأصحاب كتب الأطراف والمتأخرون آهـ. -: أقسام كتب الحديث :- قال الشيخ الحجة الشاه عبد العزيز الدهلوى فى "العجالة النافعة": إن كتب الحديث على ستة أنواع: الجوامع ، والمسانيد ، والمعاجم ، والأجزاء ، والرسائل ، والأربعينات . ونظمتها فى بيت بالفارسية ع: (١) توفى الحافظ علاء الدين مغلطائ سنة ٧٦٢ - هـ ترجمه ابن فهد الحسينى فى ذيل "طبقات الحفاظ " للذهبى، وتوفى الحافظ ابن تيمية الحرانى سنة ٧٢٨ - هـ . (٢) ولصديقنا المحقق النعمانى بحوث واسعة فى كتابيه بالعربيه والأردوية ما يتعلق "بابن ماجه" فليراجها من شاء. (م - ٣) ١٨ معارف السنن .. ٠٠٠ ٠٠٠ جامع ومسند ومعاجم دان - أربعين وسنن وأجزاء خوان وزدت السنن لأن معرفتها أهم ، والجزء يشتمل الرسالة فأغنى عنها . ١ - الجامع: ما يجمع جميع أقسام الحديث ، وهى ثمانية: أحاديث العقائد، وأحاديث الأحكام، وأحاديث الرقاق، وأحاديث الآداب من الأكل و الشرب والسفر وغيرها ، وأحاديث التفسير ، وأحاديث السير والتاريخ ، وأحاديث الفتن، وأحاديث المناقب . ونظمها إمام العصر شيخنا فى بيت فارسى فقال :- سير وآداب تفسير وعقائد ـــ رقاق وأشراط أحكام ومناقب فالجامع من الأمهات الست "صحيح البخارى" ثم "سنن الترمذى"؛ وأما "الصيح لمسلم" فمع جمعه لهذه الأقسام لا يسمى جامعاً لقلة قسم التفسير فيه . والمسند: فى اصطلاح المحدثين ما يذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة، ٢ إما بترتيب الحروف أو بترتيب الفضائل، أو باعتبار شرف المختد والنسب. ٣ - والمعجم عندهم : ما يسرد فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ بالتفصيل المذكور فى المسند . ٤ - الجزء: ما يؤلف فى مرويات رجل واحد من الصحابة ، أو من بعدهم، أو يؤلف فى قسم واحد من الأقسام الثمانية المذكورة . ويسمى الأول المفرد أيضاً، والثانى "كجزء القرأة" وغيره البخارى . ٥ - الرسالة: ما يصنف فى أحاديث تتعلق بقسم واحد من الأقسام المذكورة . ٦ - الأربعين: ما يجمع فيه أربعون حديثاً من باب واحد ، أو من أبواب متفرقة ، باسناد واحد أو بأسانيد متعددة . ٧- السنن: وهى ما كانت بترتيب أبواب الفقه "كسنن الفضائى" و"سنن أبى داؤد" و "سنن ابن ماجه"، ويسمى "الترمذى" سنناً أيضاً، لكونه ١٩ شروط الأئمة من أصحاب الصحاح السنة ١ ... ٠٠٠ ... ٠٠. ... على ترتيب أبواب الفقه وإن كان جامعاً ، وأيضاً من أنواع مصنفات الحديث : الغرائب ، ما يروى فيه تفردات شيخ لم تکن عند غيره من أصحابه، والعلل ، والأطراف ، والمستخرج ، والمستدرك ، والأبواب والشيوخ ، فكالتأليف على حديث شيخ واحد ، كما جمع الإسماعيلى حديث الأعمش ، والنسائى حديث الفضيل بن عياض ، والتراجم ، كالتأليف على ترجمة واحدة كمالك عن نافع الخ ، والطرق ، كالتأليف على جمع طرق الحديث كتأليف الطوسى فى طرق حديث "قبض العلم"، وتأليف الطبرانى طرق حديث من "كذب الخ"، والزوائد، والمسلسلات، وغريب الحديث ، واختلاف الحديث ، والتخريجات ، والشمائل ، و السير ، والمغازى ، والأحاديث القدسية ، والناسخ والمنسوخ ، و المصاحف ، والقراءة ، وهذا ما يتعلق بالمتون . وأما ما يتعلق بالرجال ، فكتب فى الرجال من الجرح والتعديل ، وكتب فى الأنساب ، وكتب فى الطبقات ، وكتب فى المشبخات ، و كتب فى الثقات ، وكتب فى الضعفاء ، وكتب فى المشتبه ، ورواية الأصاغر عن الأكابر، وكتب فى الأسانيد العوالى ، وكتب المتفرق و المتفق ، وكتب المؤتلف والمختلف وغيرها . فهذه أربعون صنفاً من أنواع كتب الحديث والسنة . ومن شاء استيفاء البحث عنها فليراجع "الرسالة المستطرفة" للكتانى، وكتب المصطلح الكبيرة " كالتدريب" و"فتح المغيث" و"مقدمة ابن الصلاح" و"تنقيح الأنظار" وغيرها. وليس هذا موضع استيفاء القول فيها . -: شروط الأئمة من أصحاب الصحاح السنة :- أول من ألف فى شروط الأئمة هو الحافظ أبو عبد الله بن منده المتوفى ٢٠ معارف السنن ... ... .. ... سنة ٣٩٥ - هـ، ثم الحافظ ابن طاهر المقدسى المتوفى سنة ٥٠٧ - هـ، ثم الحافظ أبو بكر الحازمى المتوفى سنة ٥٨٤ - هـ، كما يقوله شيخنا الكوثرى ، وقد طبع الثانى والثالث بمكتبة القدسى بالقاهرة ، وانظر "شروط الحازمى" (ص ٣٦). فقد استنبطت شروط من صنيع هؤلاء الأئمة أرباب الصحاح فشرط "صحيح البخارى": الإتقان وكثرة ملازمة الراوى للشيخ . وشرط "مسلم" الإتقان ، ولم يشترط كثرة الملازمة ، بل يشترط ثبوت اللقاء ، واكتفى بمحض المعاصرة بين الراوى والشيخ ، وهذا هو مذهب جمهور المحدثين . واشترط "أبو داؤد" و"النسائى" كثرة الملازمة فقط. ولم يشترط أبو عيسى الترمذى شيئاً منهما . والمراد بهذه الشروط أنهم لا ينزلون فى رواية الأحاديث عنها، فیروون ما هو أعلى مما شرطوا ، وكثيراً ما يقال باعتبار كثرة الملازمة وقلتها : إن فلاناً قوى فى فلان ، وإن فلاناً ضعيف فى حق فلان وإن كما هو ثقة فى نفسه ، ويرجع ذلك إلى أسباب ، فظهر أن الضعف قسمان : ضعف فى نفسه وضعف فى غيره ، أفاده شيخنا رحمه الله . ثم اعلم أن الإسلام والعقل والصدق وعدم التدليس والعدالة من الشروط العامة عندهم فى صحة الرواية، ثم كون الراوى معروفاً بالعناية بالحديث ، وأن يكون حفظه عن العلماء لا الصحف أيضاً بكاد يكون متفقاً . ثم اختلف صنيعهم فى كيفية استباط مخارج الحديث؛ كما بسطه الحازمى فى "شروطه"، وملخص ما حققه: أن الرواة خمس طبقات، الأولى: فى غاية الإتقان والحفظ، مع طول الملازمة للشيخ كمالك ، وابن عيينة، وشعيب بن أبى حمزة فى الزهرى . والثانية : دونها فى الإتقان ، قليلة الحظ من الملازمة كليث ، وابن أنى ذئب ، والأوزاعى فى الزهرى . والثالثة : مثل الأولى فى الملازمة ، ودونها فى الإتقان ؛ كسفيان بن حسين ، وجعفر بن برقان فى الزهرى . والرابعة : دون الأولى فى الملازمة ، ومثل الثالثة فى الحفظ. فالأولى : شرط البخارى فى