Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٣٣ - ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) فى أربعة مجلدات ضخمة، وهو كتاب نافع مفيد فوق ما يوصف ويثنى ، ولا أدرى كتابا صنف فى هذا الباب مثله . جزى الله مؤلفه خير الجزاء. وعليه حاشية لطيفة للحافظ الإمام ابن حجر العسقلانى سماها (( النكت الظراف على الأطراف )) وهى نفيسة جداً ، فى جلد واحد جمع فيها بعض أوهام المزى ، وغير ذلك من التحقيقات الشريفة . قال المزى فى مقدمة كتابه : إلى عزمت على أن أجمع فى هذا الكتاب أطراف الكتب الستة، التى هى عمدة أهل الإسلام، وعليها مدار غاية الأحكام: صحيح محمد بن اسماعيل البخارى، وصحيح مسلم بن الحجاج النيسابورى ، وسنن أبى داود السجستانى، وجامع أبى عيسى الترمذى، وسنن أبي عبد الرحمن النسائى، وسنن أبى عبد الله بن ماجة القزويني، وما يجرى مجراها من مقدمة كتاب مسلم، وكتاب المراسيل لأبى داود، وكتاب العلل الترمذى، وهو الذى فى آخر كتاب الجامع له ، وكتاب الشمائل له، وكتاب عمل اليوم والليلة للنسائى، معتمدا فى ذلك عامة على كتاب أبى مسعود الدمشقى، وكتاب خلف الواسطى فى أحاديث الصحيحين، وعلى كتاب أبى القاسم بن عساكر، فى كتب السنن ، وما تقدم ذكره معه . ورتبته على نحو ترتيب أبى القاسم. فإنه أحسنُ الكتب ترتيباً ، وكثيرا ما استدركت على الحافظ أبى القاسم بن عساكر رحمه الله تعالى . انتهى . فالمزى رحمه الله : جمع فى أطرافه : أحاديث سنن أبى داود من الروايات الأربعة : اللؤلؤى ، وابن داسة . وابن العبد ، وابن الأعرابى ، بحيث يورد حديث السنن، ثم يقول : أخرجه أبو داود فى باب كذا . = فى العلم. وكان يقرر طريقة السلف فى الفقه. ويعضد ذلك بمباحث نظرية ، وقواعد كلامية . لازم العفيف التلمسانى . فلما تبين له انحلاله واتحاده تبرأ منه . وحط عليه . وكشف عن عقيدته الزائفة ، توفى فى الثانى عشر من صفر سنة ٧٤٢. وهو آخر الحفاظ فى تذكرة الذهبى. اه ملخصاً من التذكرة (ج ٤ ص ٢٨٠ - ٢٨٢). - ١٣٤ - فإن كان ذلك الحديث موجودا فى رواية اللؤلؤى. يسكت عنه ولا يقول : إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤى، سواء كان ذلك الحديث فى باقى الروايات الثلاثة موجوداً أم لا . وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤى، بل من رواية الثلاثة الأخيرة ، أو من رواية واحد منهم . فيقول بعد إخراجه : حديث أبى داود فى رواية ابن داسة مثلا، أو فى رواية ابن العبد مثلا، أو فى رواية ابن الأعرابى مثلا ، أو فى رواية هؤلاء الثلاثة ، أو اثنين منهم . وفى كل ذلك يقول: لم يذكره أبو القاسم - أى أبو القاسم ابن عساكر الدمشقى - فإن فى أطرافه رواية اللؤلؤى فقط . كما عرفت . - ١٣٥ - التغير الخامس: أنى ظفرت بإحدى عشرة نسخة من سنن أبى داود ، وكلها من رواية اللؤلؤى ، إلا نسخة واحدة. فهى من رواية ابن داسة ، فجعلت نسخة واحدة - صحيحة عتيقة - من هذه النسخ أصلا وأمًّا. وباقى النسخ عليها معروضة، ووقعت مقابلة النسخ ومعارضتها مع جماعة من أهل العلم. فُوُجدت المخالفة بين النسخ على أربعة أنواع . الأول : الاختلاف فى بعض ألفاظ المتون والأسانيد. والثانى: المخالفة فى عنوان التبويب. ففى بعضها بلفظ، وفى أخرى بلفظ آخر. موافقاً فى المعنى ، مغايرا فى اللفظ، ومع الزيادة والنقصان أيضاً . ففى بعضها: الأحاديث المتعددة تحت باب واحد، وفى بعضها: تلك الأحاديث تحت الأبواب. والثالث : المخالفة فى محل الكتب والأبواب بالتقديم والتأخير. والرابع: المخالفة فى زيادة الأحاديث ونقصانها . فيوجد بعض الأحاديث فى بعض النسخ والأخرى خالية عنه . وفى بعضها : أحاديث كثيرة ليست فى غيرها . فتحَيرت ، لأجل هذا الاختلاف، وتعشر علىَّ تمییزرواية اللؤلؤى عن غيرها ، فرجعت إلى كتب الأئمة المتقدمين: كتحفة الأشراف: للحافظ المزى ، ومختصر السنن : للحافظ المنذرى، وجامع الأصول: للحافظ ابن الأثير، ومعالم السنن : للخطابى ، ومعرفة السنن والآثار: للبيهقى، والمنتقى: للامام المجد ابن تيمية، وكتاب الأحكام : للحافظ عبد الحق الإشبيلى ، ونصب الراية : العلامة الزيلعى ، وحاشية السنن : لابن القيم ، وتلخيص الحبير: للحافظ ابن حجر، والاستيعاب : للحافظ ابن عبد البر، وأسد الغابة : لابن الأثير، وتجريد المعتمدة أسماء الصحابة : الحافظ الذهبى ، والإصابة : لابن حجر ، وغير ذلك من الكتب المعتبرة ، التى يطول بذكرها المقام . فزال بحمد الله تعالى إشكالى ، وميزت رواية اللؤلؤى الكثيرة عن غيرها . وعلمت أن نساخ السنن خلطوا رواية اللؤلؤى بغيرها . والتبس عليهم الأمر . فعلى قدر - ١٣٦ - الامتزاج والاختلاط اختلفت النسخ بينها . جعلتُ النسخة الصحيحة المذكورة من رواية اللؤلؤى أصلا وأمّا . وقابلتها حديثاً حديثاً على كل حديث فى مختصر المنذرى. فالحديث الذى وجد فى تلك النسخ ووافقت عليه رواية المنذري والمزى : علمت أنه من رواية اللؤلؤى سواء كان ذلك الحديث موجودا عند غير اللؤلؤى أم لا . والحديث الذى وُجِدَ فى بعض نسخ المتن، لكن لا يوجد فى مختصر المنذرى. وماذكره المزى أيضاً من رواية اللؤلؤي ، بل قال المزى: إنه فى رواية ابن داسة، أوابن العبد ، أوابن الأعرابى: علمت أنه من رواية هؤلاء أو واحد منهم . وليس من رواية اللؤلؤى . ثم إلى اخترت للشرح رواية اللؤلؤى. ومع ذلك: ما تركت حديثا واحدا من الأحاديث التى وجدت من غير رواية اللؤلؤى فى النسخ الحاضرة ، بل أخذتها بالاستيعاب ، وأدخلتها فى رواية اللؤلؤى، تكميلا للفائدة ، وتتميما السنن . ونقلت تحت كل حديث - من غير رواية اللؤلؤى - عبارة الأطراف للحافظ المزى . لئلا تختلط روايات غير اللؤلؤى برواية اللؤلؤى. فصار هذا المتن والشرح جامعاً: لرواية ابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابى أيضاً، بل فيه بعض رواية الرملى أيضا لكنه قليل جداً . قال العبد الضعيف أبو الطيب محمد بن أمير، الشهير بشمس الحق العظيم أبادى عفا الله عنه وعن آبائه وأشياخه خصوصاً شيخنا العلامة السيد نذير حسين الدهلوى ، الذى له علىّ منّة عظيمة لا أستطيع أن أكافئها . هذا آخر الجزء الرابع من عون المعبود، شرح سنن أبى داود. تقبل الله منى ، وجعله. ذخيرة ليوم المعاد. ووفقنى لإتمام الشرح الكبير المسمى: ((غاية المقصود، شرح سنن أبى داود ، ويعيننى عليه بانعاماته التسامة ، ويهب لى من العلوم النافعة التى يرضى عنى بها . وأفوض أمرى إلى الله ، إن الله بصير بالعباد . - ١٣٧ - خاتمة لشرح الإمام الخطابى الحمد لله الذى وفق وأعان بمنه على إتمام طبع هذا الكتاب الجليل، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله أجمعين. وبعد . فمن الخير الكثير: أن نضع بين يدى القارى. أيضاً((مقدمة الحافظ أبى طاهر السّلفى)» التى نوه فيها بفضل الإمامين الجليلين ، خادمى السنة النبوية: أبى داود السجستانى وشارحها الإمام الحافظ الفقيه: أبى سليمان محمد بن سليمان الخطابى . وقد نشر هذه المقدمة فى آخر الجزء الرابع من معالم السنن : أخونا العلامة المحقق الشيخ محمد راغب الطباخ ، الذى كان له الفضل العظيم بطبع معالم السنن لأول مرة ، جزاه الله خير الجزاء - وعليها اعتمدت فى هذه الطبعة . وهذه المقدمة السلفية: كانت قد جاءته فى غرة ربيع الأول سنة ١٣٥٣ من عند عين أعيان جدة ، وأول سلفى بها، الذى جعل داره العامرة مثابة للسلفيين وأهل العلم من أطراف الأرض : وهو الشيخ محمد حسين نصيف . أدام الله عليه التوفيق لخدمة السنة النبوية ، وهى منقولة بخط الأخ المفضال الأديب السلفى، الجامع لما استطاع من كتب السلف ، الخبير فيها خبرة عديمة النظير فى هذا الزمن : الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع . بارك الله فيه ونفعه بما جمع من كتب العلم. وقد ذيل المقدمة الشيخ سليمان المومى إليه بقوله : فرغ بحمد الله وإعانته وحوله وقوته : الفقير إلى الله تعالى: سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن على بن عبد الله بن حمد الصنيع ، من رقم هذه المقدمة يوم الأربعاء التاسع من شهر صفر الخير سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف بمكة المكرمة. ونقلت هذه المقدمة عن نسخة نسخت لى فى السند فى العام الماضى من نسخة مخطوطة مع معالم السنن للخطابى ، وكلاهما بخط واحد من أولها إلى آخرها ، إلا أن معالم السنن مخرومة من آخرها بقدر الكراس أو الكراسين. ولهذا جهل تاريخ النسخة . وهى من مخطوطات القرن التاسع أو العاشر الهجرى، وأصل هذه النسخة من الحجاز، وهى فى مكتبة الشيخ صبغة الله بن محمد راشد الحسينى السندى ، وبيتهم بيت علم وصلاح وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر . - ١٣٨ - وكان هذا الشيخ ممن سحب السيد أحمد الدهلوى الشهيد . هكذا أفادنى شيخنا العلامة الكبير المحدث الفقيه الشيخ عبيد الله بن الاسلام السندى، ثم الدهلوى الديو بندى جزاه الله خيراً ونفعنا بعلومه آمين . هذا وإنى قد سمحت الأصل بقدر الامكان، وعلقت على بعض المواضع بقدر الحاجة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم اهـ. مقدمة الحافظ الكبير أبى طاهر السافى المتوفى سنة ٥٧٦ رحمه الله تعالی بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . أخبرنا الشيح الفقيه الإمام ، شيخ الإسلام ، الحافظ الصدر ، بقية السلف: أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم السِّلفى الأصبهانى(١) رضى الله عنه - قراءة عليه فى منزله وأنا أسمع - فأقرّ به رضى الله عنه قال: (١) قال الذهبى فى تذكرة الحفاظ (ج ٤ ص ٩٠): هو أبو طاهر: عماد الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهانى الجروانى - بضم الجيم: محلة بأصبهان - و ((سِلْفَةَ)) لقب لجده أحمد. ومعناه: الغليظ الشفة - كان أبو طاهر لا يحرر عام مولده. وقد قال : كتبوا عنى بأصبهان فى أول سنة اثنتين وتسعين ، وأنا ابن سبع عشرة سنة ، أو نحوها، وليس فى وجهى شعرة . وقال أيضا: أذكر قتل نظام الملك فى سنة خمس وثمانين . وكنت ابن عشر. قال الحافظ الذهبى : أول سماعه فى سنة ثمان وثمانين . سمع الرئيس القاسم بن الفضل الثقفى، وعبد الرحمن بن محمد بن يوسف القصرى، وسعيد ابن محمد الجوهرى ، ومكى بن منصور السلار، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المدينى، وأبا مطيع الصحاف ، وأبا العباس بن أشتة ، وخلائق بأصبهان . ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وتسعين ، فسمع من نصر بن البطر - وفرح بلقيه - ومن أبى بكر الطوسى، والحسين بن على البسرى وطبقتهم . = - ١٣٩ - = وسمع بالكوفة من أبى البقاء الحبال، ومكة من الحسين بن على الطبرى ، وبالمدينة من أبى القماح القزويني، وبالبصرة من جعفر بن محمد العسكرى ، وبزنجان من أبى بكر أحمد بن محمد بن زنجويه ، وبهمدان من أبى غالب أحمد بن محمد العدبى ، وبالرى من صاحب البحر : أبى المحاسن عبد الواحد بن اسماعيل الشافعى، وبقزوين من اسماعيل بن عبد الجبار المالكى، وبمراغة من سعيد بن على المصرى، وبدمشق من أبى طاهر الحقانى، وبنهاوند من أبى منصور محمد بن عبد الرحمن بن عزو، وبأبهر من أبى سعيد عبد الرحمن ابن مكان الشافعى، وبواسط من أبى نعيم بن ربرب، وبسلماس من محمود بن سعادة الهلال وبالحلّة من محمد بن فدوية الكوفى، وبشهرستان من أبى الفتح أحمد بن محمد بن رشيد الأدبى ، وبالأسكندرية من أبى القاسم بن الفحام الصقلى . وبقى فى الرحلة بضع عشرة سنة . وسمع ما لا يوصف كثرة ، ونسخ بخطه الصحيح السريع، وهو - فى غضون ذلك - يقرأ القرآن والفقه والعربية وغير ذلك. وكان متقنا متثبتا ، دينا خيرا ، حافظاً ناقدا مجموع الفضائل . انتهى إليه على الاسناد. وله ثلاثة معاجم : معجم لمشيخته بأصبهان ، فى مجلد ، يكونون أزيد من ستمائة شيخ . ومعجم لمشيخته ببغداد . وهو كبير. ومعجم لباقى البلاد ، سماه: معجم السفر . ركب من بلد ((صور)» فى البحر إلى الإسكندرية، فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فاستوطنها خمسا وستين سنة إلى أن مات . ما خرج منها ، سوى خروجه إلى القاهرة للسماع من أبى الصادق مرشد بن يحيى المدينى وطبقته . وكان جيد الضبط، كثير البحث عما يشكل. وكان أوحد زمانه فى علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث . وكان مُغْرَى بجمع الكتب . وما حصل له من المال يخرجه فى ثمنها . كان عنده خزائن كتب لا يتفرغ للنظر فيها ، فعفنت، وتلصقت أوراقها لنداوة البلد . فتلف أكثرها . توفى صبيحة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائه ، وله مائة وست سنين، أو نحو ذلك ، مع الجزم بأنه كمل المائة . وانظر ترجمته أيضا فى تاريخ ابن خلكان وطبقات الشافعية للسبكى (ج ٤ ص ٤٣) ١ - ١٤٠ - أما بعد حمد الله تعالى على كل حال، والصلاة والسلام على المصطفى محمد وآله خير آل ، والمرتضين أصحابه فى مقال وفعال. فقد اقترح على - فى ذى القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة - جماعة من أعيان فقها. الثغر المحروس(١) أن أملى عليهم شيئاً من الحديث فى خلال الدروس من غير إخلال بها، وتقصیر یلحقها، ومداومة يذهب بها بهاؤها ورونقها . فاستجدت مقالهم، وأجبت سؤالهم ، وعينت علىَّ يومين: الخميس والاثنين، وأمليت من رواياتى عن مشايخى مجالس تحتوى على الصحيح من الحديث والغريب ، وبعيد الاسناد القريب، وحكايات فى أواخرها ، ومن الأشعار فاخِرَها، كما جرت به العادة، وسُنة مَنْ قبلنا من الحفاظ القادة : فى أمانيهم ، ورواية عواليهم . ثم قُطعتها، مُعَوَّلاً على إملاء كتاب جامع، يتضمن أحاديث الأحكام على أقصى غاية من الإحكام ، يصلح للأئمة الكبار، وحول الفقهاء النظار ، عُرِّى عن المعهود فى الأمالى ، ويكون ذلك من رواياتى العوالى. فلم أتمكن مما عولت عليه وقصدته، لبعد مسموعی عنی، الذی فی حضری وسفری حصلته . فدعتنى الضرورة حينئذ إلى العدول عن ذلك : إلى إملاء كتاب مُصَنَّه مشهور ، وبالحفظ والثقة مذكور. ويستغنى بشهرته عن مدح مادح ، ولا يتطرق إليه قدح قادح ، وينتفع بما فيه أعلام العلماء ، وكافة الفقهاء، ولا يخلو عن الحديث المعنعن، كما يحتوى على الفقه المستنبط من نصوص الكتاب والسنن ، فلولا الإسناد لقال من شاء ماشاء ، ولم يبال: أحسَنْ أم أساء؟ . فلم أر ما هو بإملاء أولى، وعند الانتقاء أعلى وأجلى: من موطأ الإمام مالك بن أنس الأصبحى الألمعى الثقة ، المتفق شرقاً وغرباً على تقدمه وإمامته ، وديانته فيما يرويه وأمانته وعلى مارزق من الاتفاق والضبط ، والبعد من التخليط والخبط. فعند استقراره، والثبوت على استمراره: سئلت فى إبانة ماعسى يتبين فى لفظه أو معناه. إشكال، ويتعين عنه سؤال ، فتأْبَّيت هنالك عجزاً عن ذلك ، على ما بينته مبسوطًاً ، وما يكون به منوطاً: فى مقدمة كتاب الاستذكار لابن عبد البر فى شرحه ، المستحق للمبالغة. (١) المراد به ثغر الاسكندرية . - ١٤١ - فى تقريظه ومدحه . ومِلْتُ إلى إملائه فى أبرك الأوقات ، بعون الله تعالى وإلقائه . إذ ليس فى الشروحات - على كثرتها - مثله، وقد بان من تأليفه البديع علمه وفضله . فتصدَّيت له ، وشرعت فيه شروعاً أرتضيه، وهو كتاب كبير. فى إحدى النسخ: ثلاثون مجلداً. لكن بخط واضح أنيق، وفى أخرى: أحد عشر، بخط دقيق . وقد كتبَ به إلىَّ أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبى تليد الشاطبى : رواية عن أبى عمر بن عبد البر مؤلفه فى الأندلس ، سنة ثلاث عشرة وخمسمائة . وكان ابتداء الشروع فى الإلقاء على الأصحاب الفقهاء - وفقهم الله وأعانهم على تحصيل العلم الذى زانهم - فى المدرستين: إما العادلية ، أو الصالحية. نفع الله منشيهما بالإنشاء. وأثابنا نحن بالإملاء، على ما كان يتفق ويتَسَهَّل، فى كل أسبوع يومين: الخميس - على ما ذكرته آنفاً - والإثنين، فى شهور سنة إحدى وخمسين وخمسمائة . ووقع الفراغ منه فى أواخر ذى القعدة ، سنة إحدى وستين . فحمدت الله تعالى إفضاله وإنعامه، وإكمال الكتاب وإتمامه ، وهو تعالى المسئول فى نفعنا بالعلم وحمله، وضبطه ونقله. وجَعْلنا من بررة أهله، بسَعة فَضْله وطَوْله . واخترت - بعد استخارة الله سبحانه فى هذا الأوان - الشروع فى إملاء ديوان آخر شرعى، يصلح للفقهاء الأعيان ، وينتفع به كذلك المتفقهُ فيما يكون بصدده ويَعُدُّهُ مِن أوفىَ عُدده. ولا يخلو من الإسناد، الذى عليه جُلُّ الإعتماد، بل يكون به منوطاً، ووجوداً مشروطاً . فلم أر أحسن من شرح أبي سليمان الخطابى البُسْتي لكتاب أبى داود السِّجْزِى . فهو 4 كتاب جليل، وفى إلقائه عاجلاً ذكر جميل، وآجلاً إن شاء الله تعالى ثواب جزيل. وقد أردت أن أقدم ههنا أيضاً فصلاً فى التنبيه علىجلالة أبى داود ، وماصنفه ، وفضل أبى سليمان الخطابى وشرحه الذى ألَّفَه . كما فعلت فى مقدمة الإستذكار ، الكبير المقدار، وإن كان أبو سليمان قد كفانا ذلك بما ذكره فى خطبة كتابه ، محسن خطابته وخطابه . أما كتاب أبى داود: فهو أحد الكتب الخمسة ، التى اتفق أهل الحل والعقد من - ١٤٢ - الفقهاء، وحفاظ الحديث النبهاء على قبولها، والحكم بصحة أصولها. وما ذكره فى أبوابها وفصولها ، بعد الموطأ المتفق على سمته ، وعلى درجة مصنفه ورتبته . وحين مُرض كتاب أبى داود على أحمد بن حنبل ورآه: استحسنه وارتضاه، وحَسْبُه ذلك فخراً . قال إبراهيم بن اسحق الحربى - وأحْرِ به حُراً - حين وقف عليه، وصح ما فيه لديه ((ألين لأبى داود الحديث، كما ألين لداود الحديد)) وروى مثل هذا القول عن محمد بن إسحاق الصاغانى فيه . وقد يقع الحافر على الحافر، ويوافق قولُ الأول قول الآخر . وقد قرأت أنا هذه الحكاية، وفوائد أخر من الكتاب على الإمام أبى المحاسن، الطبری ، قاضی قضاة طِبْرِستان بائرًّي ، سنة إحدى وخمسمائة ، وناولنی الکتاب جميعه من يده إلى يدى، وأذن لى فى روايته عنه، على جرى العادة ، ومذهب الفقهاء السادة ، وحفاظ الحديث فى القديم والحديث . وكان من غرضى كتابتُهُ ، ومن بعد الكتابة قراءته. فمنعنى عن بلوغ الغرض عارض من المرض، والله أحمد على ماسَرَّ وساء . وأشكره على قضاء قد قدره وشاء . وكان ينفرد به ، وإليه يُرْحل من كل قُطْرٍ بسببه. وشيخُهُ فيه: أبونصر البلخى الذى بَغَزْنَة، رواه عنه عن المؤلف عالياً. رواه سوى أبواب يسيرة ، سقطت على أبى نصر. فأخذها عن أبى الحسن اللبان الدينورى ، نازلاً بغزنة أيضاً، عن أبى مسعود الكرايسى ٠ عن أبي سليمان . وقد كتبه الفقيه أبو بكر الطرطوشي ببغداد بخطه فى المدرسة النظامية ، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (١) سحيقة من غير سماع. إذ لم يجد من يرويه له بالعراق. وإنما كان ينفرد به (١) آلت هذه النسخة إلى مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب. وهى إحدى النسخ التى اعتمد عليها فى الطبع الشيخ محمد راغب الطباخ، وقد تكلم عليها فى المقدمة وأشار إليها فى التصحيح كثيراً . - ١٤٣ - أبو المحاسن - كما ذكرته - ولم يتيسر إلا عنه، ولا أخذ رواية إلا منه. وأصل كتاب الطرطوشى هو الآن فى ملكى . واستيفاء ذكر أبى داود وفضله، وتقدمه فى علم الحديث عند أهله ، ومعرفته بكل نقلته، وجُلِّ حَمَلَته ووُعاته : يتعذر فى هذه المقدمة . فيقتصر على القليل منه الذى لا يستغنى عنه . فأما نسبه : فقد قال ابن أبي حاتم الرازى ، فى كتاب الجرح والتعديل : سليمان بن الأشعب بن شداد بن عمرو بن عامر . وقال محمد بن عبد العزيز الهاشمى ، فيما روى عنه ابن جميع الصيداوى : سليمان بن الأشعث بن بشير بن شداد . وروى أبو بكر ابن داسة وأبو عبيد الآجرى البصريان ، فقالا: سليمان بن الأشعث بن اسحق بن بشير بن شداد ، وكذلك نسبه أبو بكر الخطيب فى تاريخ بغداد . وقال : ابن شداد بن عمرو بن عمران: أبو داود الأزدى السجستانى. زاد بعد شداد («عمرو بن عمران)) . وهذا القول فى نسبه أمثل . والقلب إليه أميل. ثم الله تعالى أعلم . وشيوخه كثيرون. منهم : عبد الله بن مسلمة القَعْنَى، وأبو الوليد الطيالسى، وأبو عمر الخُوضى، وسليمان بن حرب الواشحى ، وأبو سلمة التَّوذَ كى، وأحمد بن يونس الير بوعى وهشام بن عمار الظفرى، وأبو الجماهر التنوخى، وأبو طاهر بن السرح(١) وقتيبة بن سعيد وآخرون من أهل العراق والشام ومصر وخراسان . وقد تلمذ على أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين . وعنهما أخذ على الحديث . وعلق عنه أحمد حديثاً واحداً. وأثبته بخطه فى دفتر، وأفاده لابن أبى سمينة أبى جعفر (٣). (١) ابن السرح: هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح - بمهملات- أبو الطاهر المصرى ثقة من العاشرة مات سنة ٢٥٥. كتبه سليمان الصنيع . (٢) ذكر الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد (ج ٩ ص٥٧) قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث حدثنا أبى حدثنا محمد بن عمرو الرازى حدثنا= - ١٤٤ - وحَدَّث عنه من أقرانه الحفاظ : أبو عبد الرحمن النَّسوى ، وأبو عيسى الترمذى ، وأبو محمد الجواليقي قاضى الأهواز(١)، وأبو بشر الدولابى الرازى، وآخرون من المتأخرين. قد ذكرناهم فى غير هذا الموضع . فأذكر الآن ههنا مما قرأت على أبى المحاسن من الكتاب، ويُعَدَّ من لباب اللباب - أعنى كتاب الخطابى - فوائد لتقع من طلاب الحديث العارفين بقوانين التحديث، فى كل موضع أحسن موقع ، ولأمَيِّها كذلك عن المناولة من الكتاب . إذ ذلك عين الصواب . فالمناولة بالإجماع : لا تبلغ درجة السماع ، ولهذا يجب تعيين المسموع من المُجاز، وتبيين = عبد الرحمن بن قيس عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمى عن أبيه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة ! خمسنها )) قال ابن أبي داود: قال أبي : فذكرته لأحمد بن حنبل ، فاستحسنه. وقال: هذا حديث غريب. وقال لى: اقعد - فدخل، فأخرج محبرة وقلما وورقة - وقال : أمله علىَّ. فكتبه عنى. ثم شهدته يوماً آخر، وجاءه أبوجعفر بن أبى سمينة. فقال له أحمد بن حنبل : يا أبا جعفر ، عند أبى داود حديث غريب، اكتبه عنه. فسألنى . فأمليته عليه . اهـ كلام الخطيب. وأبو العشراء - بضم أوله وفتح الشين المعجمة والراء المهملة - الدارمى: ذكره الحافظ ابن حجر فى التهذيب ، وقال : قيل اسمه : يسار بن بكر بن مسعود بن خولى بن حرملة ابن قتادة من بنى دارم . ثم قال : وقال البخارى : فى حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر وروى أبو داود فى غير السنن عن أبى العشراء الدارمى عن أبيه : أن النبى صلى الله عليه سلم (( سئل عن العتيرة حسنها)). قال الحافظ: قال أبوداود: فى موضع آخر: سمعه منى أحمد بن حنبل فاستحسنه جداً . وقال ابن سعد : مجهول. وقال الحا کم أبو أحمد : اسمه سنان بن برز ، أو بلز. وقال ابن حبان : اسمه عبد الله . وقيل: عامر . وقال الطبرانى: اسمه بلال بن يسار . (١) هو الإمام رحلة الوقت الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد الأهوازى الجوالبقى صاحب التصانيف . توفى سنة ٣٠٦ اهـ من ترجمته فى تذكرة الحفاظ للذهبى (ج ٢ ص ٢٣٢) وهو غير الجواليقى صاحب كتاب المعربات فإنه متأخر عنه. اهم. - ١٤٥ - الحقيقة من المجاز ، عند من له بالمجازات إيمان وإيقان ، ولديه فيما يعانيه - خوفاً من الله - ضبط وإتقان . والموعود بإيراده مُعنعناً بإسناده، وأن ليس من إعادته بُدٌّ فى أثناء خطبة الكتاب على نص ما ذكره مؤلفه للطلاب: ما أخبرنى القاضى أبو المحاسن الرويانى بقراءتى عليه بالرى - أنا أبو نصر البلخى - بغَزْنَةَ - أنا أبو سليمان الخطابى أخبرنى أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد(١) - صاحب أبى العباس أحمد بن يحيى - قال: قال إبراهيم الحربى ((لما صنف أبو داود هذا الكتاب - يعنى كتاب السنن - ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود النبى صلى الله عليه وسلم الحديد )) . فنظمت أنا هذا الكلام المنقول عن الحربى بثغر سلماس (٢) بعد سماعى من أبى المحاسن بالرى ، لاستحسانى ماماس ، وقلت : لإمام أهلیه : أبى داودا لانَ الحديثُ ، وعلمه بكاله مثل الذى لانَ الحديدَ وسَبْكَه لغبی أهل زمانه: داودا هكذا كتبناه عن أبى المحاسن فى صدر معالم السنن للخطابى ، من قول إبراهيم بن إسحاق الحر بی . وقد أخبرنا محمد بن طاهر بن على المقدسى - بهمدان - أنا أبو القاسم على بن عبد العزيز الخشاب - بنيسابور - أنا محمد بن عبد الله بن البَيِّع - فيما أذن لنا - قال: سمعت أبا سليمان الخطابي يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت محمد بن إسحق الصاغانى ، يقول « ألین لأبى داود السجستانى الحديث كما ألين لداود النبى الحديد » وسمعت القاضى أبا المحاسن الرويانى يقول: سمعت أبا نصر البلخى بغزنة يقول : سمعت أبا سليمان الخطابى يقول : سمعت أبا سعيد بن الأعرابى ، ونحن نسمع منه هذا الکتاب ۔ یعنی کتاب السنن لأبى داود ، وأشار إلى النسخة وهی بین یدیه ۔ ( ولو أن (١) أبو عمر الزاهد: ترجمته فى طبقات الشافعية للسبكى (ج ٢ ص ١٧١) وبغية الوعاة (ص ٦٩) ونزهة الألباء فى طبقات الأدباء ( ص ٣٤٥) كتبه سليمان الصنيع . (٢) فال ياقوت : مدينة مشهورة بآذر بيجان اهم . م ١٠ - مختصر السنن ج ٨ - ١٤٦ - رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذى فيه كتاب الله تعالى، ثم هذا الكتاب : لم يحتج معهما إلى شىء من العلم بتة)). أخبرنى القاضى أبو المحاسن - بالرَّى - ثنا أبو نصر البلخى - بغزنة - أنا أبو سليمان الخطابى، حدثنى عبد الله بن محمد المكى حدثنى أبو بكر بن جابر - خادم أبي داود - قال : (( كنت معه ببغداد ، فصلينا المغرب إذا قُرع الباب ، ففتحته ، فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن ؛ فدخلت إلى أبى داود، فأخبرته بمكانه . فأذن له، فدخل وقعد ، ثم أقبل عليه أبو داود. وقال : ما جاء بالأمير فى مثل هذا الوقت ؟ فقال : خلال ثلاث ، قال: وما هى ؟ قال: تنتقل إلى البصرة ، فتتخذها وطناً. فيرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتَعْمُربك ، فانها قد خَرِ بَتْ ، وانقطع عنها الناس ، لما جرى عليها من . يَن الزِّيج، فقال: هذه واحدة ، فهات الثانية، قال: وتروى لأولادى السنن ، فقال: نعم ، هات الثالثة ، قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية ، فان أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة. فقال : أما هذه فلا سبيل إليها . لأن الناس شريفَهم ووضيعَهم فى العلم سواء)) . قال ابن جابر : فكانوا يحضرون بعد ذلك، ويقعدون فی کم حیری، ویضرب بينهم وبين الناس ستر، فيسمعون مع العامة . وهذه جملة ماقرأته على أبى المحاسن من صدر الكتاب ، سوى مالعله من أثنائه أودعه تخريجاً له. وسمعته عليه. وسأعيدها عند إملاء الكتاب إن شاء الله تعالى . أعنى كتاب معالم السنن . وأما السنن: فكتاب له صيت فى الآفاق ، ولا يرى مثله على الإطلاق ، وهو كما ذكرت - فيما تقدم - أحد الكتب الخمسة، التى اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، والمخالفون لهم، كالمتخلفين عنهم بدار الحرب. وكل من رَدّ ماصح من قول الرسول، ولم يتلقه بالقبول : ضَلَّ وَغَوى، إذ كان عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى، ومشافقة الرسول الأمين واتباع غير سبيل المؤمنين : قد رفض الدين ، وأسخط الله ، وأرضى إبليس اللعين ، وفى الكتاب العزيز، الذى عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله. ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (٤ : ١١٥ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نُولِه ما تَوَلَى ونُصْلِهِ جهنم، وساءت مصيرا) . - ١٤٧ - وحيث فرغنا من هذا الباب نذكر إسنادنا فى الكتاب . وقد رواه عنه أبو على اللؤلؤى وأبو بكر بن داسة البصريان ، وغيرها من الرواة الأعيان . ومنهم: وَرَّاقه أبو عيسى إسحق بن موسى بن سعيد الرملى . فأما رواية اللؤلؤى: فقد كتب إلىَّ أبو طاهر جعفر بن محمد بن الفضل العبادانى من البصرة ، على يدى صاحبنا أبى نصر اليونارتي رحمه الله، قال : أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمى حدثنا أبو على محمد بن أحمد بن عمرو(١) وأحمد بن محمد بشرويه، وآخرون بأصبهان، قالوا: أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحق الحافظ ، قال: كتب إلىّ أبو بكر محمد بن بكر بن داسة البصرى حدثنا أبو داود. وقد سمعت الإمام أبا الطيب حبيب بن أبى مسلم الطَّهرانى - بأصبهان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة - يقول: سمعت أبا بكر بن على المدينى يقول : سمعت المحسن بن محمد بن إبراهيم الوافرى . يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام . فقال : من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبى داود . هذا المنام كما ترى ، ورؤيا المؤمن عند من قرأ العلم ودرى : هى فى الصحة والقوة كجزء من النبوة وطهران ، والمدينة ، وواذار : ثلاثتها من قطر إصبهان . والمدينة : هى المعروفة بشهرستان، بلدة كبيرة ، عامرة بالخلق . وطهران وواذار : ضيعتان من ضياعها كبيرتان . والمحسّن يكنى أبا العلاء : ولأبى سعيد الرستعى وكان من مجيدى شعراء إصبهان (*) ابن قحطان قصيدة طويلة (*) أبيات يذكر فيها (*) الدنيا (*) القاضى أبو ظاهر (١) هو اللؤلؤى الراوى عن الإمام أبى داود. وقوله ((وأحمد بن محمد)) هنا سقط، ولعله: وأما رواية أبى بكر بن داسة فأخبرني بها أحمد بن محمد، و(«أحمد بن محمد)» فى شيوخه اثنان: أحمد بن محمد بن زنجويه ، وأحمد بن محمد العدل، كمافى تذكرة الحفاظ الذهبى . والأظهر أنه الأول ، وأن بشرويه هنا تحريف. وقد روى عنه المصنف فيما سيأتى قصة أبى داود مع سهل التسترى. وانظر مقدمتى فى ص ٢٥ فى الطريق الثالث وص ١.٣١هـ م (*) بياض بالأصل . - ١٤٨ - أحمد الجر باذقانى أنبأنا أبو الفضل إسماعيل الجر باذقانى الكاتب أنبأنا (*) المظفر بن شهدان الأصبهانى . أنشدنا الرستمى لنفسه : حجى إلى الباب الجديد ، وكعبتى البا ب العتيق وبالمصلى الموقف من زندروز وجسره ماعرفوا والله لو عرف الحجيج مكاننا بالخندقين عشية ما طوفوا أو شاهدوا زمن الربيع طواقنا جسر الحسين وشعبه ، واستشرفوا زار الحجيج منى ، وزار ذوو الهوى فرموا هنالك بالجمار وخيفوا ورأوا ظباء الخيف في جنباته مسك ، وماء المد فيها قرقف أرض حماها جوهر ، وترابها هذا قد مضى ، وفرغ وانقضى . ونرجع إلى السنن. فكتاب السنن: أخبرنا به أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدسى بهمدان، أنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمى الفقيه - قدم علينا الرى حاجاً - أنا على بن محمد بن نضرة الدينورى، حدثنا القاضى أبو الحسن على بن الحسن بن محمد المالكى حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد حدثنى أبو بكر محمد بن إسحاق حدثنا الصولى قال : سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجى يقول ((كتاب الله عز وجل: الإسلام، وكتاب السنن لأبى داود : عهد الإِسلام » وسمعت أبا الحسن على بن مسلم بن الفتح السلمى الفقيه بدمشق يقول: سمعت أبا نصر الحسين بن محمد بن طلاب القرشى يقول: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغسانى ـ بصيدا - يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بمكة يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن بشير بن شداد السجستانى بالبصرة - وسئل عن رسالته التى کتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم - فأعلى عليهم: « سلام عليكم ، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد: عافانا الله وإياكم. فهذه الأربعة الآلاف والثمانى مائة الحديث : كلها فى - ١٤٩ - الأحكام ، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا . فلم أخرجها. والسلام عليكم ورحمة الله، وصلى الله على محمد النبى وآله )) هذا آخر ما أخبرنا به الفقيه أبو الحسن بدمشق . وقد سمعت أبا الفضل محمد بن طاهر بن على المقدسى الحافظ - بهمدان فى كتاب اليواقيت من تأليفه - يقول: قال أبو داود فى رسالته إلى أهل مكة (( وربما اختصرت الحديث الطويل . لأنى لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ من يسمعه ، ولا يعلم موضع الفقه منه . فاختصرته لذلك )» وسمعت أبا الفضل المقدسى بهمدان يقول : حكى أبو عبد الله بن مَنْده الحافظ الأصبهانى: أن شرط أبى داود والنسائى: إخراجُ أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم ، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال. وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن على بن عبد الله بن الأبنوسى - يبغداد - أنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت البغدادى الحافظ حدثنى أبو بكر محمد بن على بن إبراهيم القارى الدينورى بلفظه قال : سمعت أبا بكر بن داسة يقول: سمعت أبا داود يقول (( كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ماضمنته هذا الكتاب - يعنى كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانى مائة حديث، وذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه. ويكفى الإنسان لدينه أربعة أحاديث. أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم ((الأعمال بالنيات )) والثاني: قوله ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) والثالث: قوله «لا یکون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه)) والرابع: قوله ((الحلال بين والحرام بين، (١) و بین ذلك أمور مشتبهات - الحديث )) . أبو داود سليمان بن الأشعث. قال : أقمت بطرسوس عشرين سنة كتبت المسند ، وكتبت أربعة آلاف حديث لمن وفقه الله . فأولها : ما رواه الشعبى عن النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم ((الحلال بين والحرام بين)) لم يذكر أبو نعيم فى روايته هذه عن العثمانى : غير هذا القدر، لا أزيد . (١) بياض قدر اصبع ولعل الساقط كلمة ((وحدثنا)) اهم. - ١٥٠ - وقد رواه عنه ابن فارس اللغوى مؤلف - مجمل اللغة)) فذكر الأحاديث الثلاثة الباقية وبيَّنها وعيَّن عليها وأثبتها. وابن فارس وأبو نعيم فى درجة واحدة فى رواية هذا الكلام . وإن كان ابن فارس أقدم وفاة وأعلى إسناداً . وقد وقعت الحكاية لنا عالية من رواية أبى نعيم ، ورواية ابن فارس النازلة. فأنبأنا ابن السراج البغدادى ببغداد ، وابن بعلان الكبير الحنوى - بحاني ـ قالا: كتب إلينا أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازى - من ثغر صُور - أنا أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزوينى حدثنى أبو عمرو عثمان بن محمد العثمانى حدثنا أبو القاسم يعقوب بن محمد بن صالح القرشى حدثنا محمد بن صالح الهاشمى حدثنا ابن الأشعث قال : أقت بطرسوس عشرين سنة. كتبت المسند. فكتبت أربعة آلاف حديث. ثم نظرت فاذا مدار أربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله جل ثناؤه. فأولها : حديث النعمان بن بشير ((الحلال بين والحرام بين)) وثانيها: حديث عمر ((الأعمال بالنيات)) وثالثها: حديث أبى هريرة ((إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب)) ورابعها: حديث أبى هريرة أيضاً «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )» أخبرنا محمد بن طاهر المقدسى - بهمدان - أنا أبو بكر أحمد بن على الشيرازى بنيسابور أنا الحاكم أبو عبد الله فى كتابه: قال: سمعت الزييرى عبد الله بن موسى الثورى يقول : سمعت أبا عبد الله بن ◌َخْلَد يقول: كان أبو داود سليمان بن الأشعث يفى بمذاكرة مائة ألف حديث. ولما صنف كتاب السنن ، وقرأه على الناس: صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه. وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه. كتب إلىّ أبو مكتوم عيسى بن أبى ذَرّ الهروى من مكة قال : أنبأنا أبو ذر قال : أجاز لى أبو على أحمد بن عبد الله بن محمد الأصبهانى بالرى ، قال : أجاز لى أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم ، قال: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر الأزدى، أبو داود السجستانى. روى عن عبد الله بن مَسْلَة القَعْنَبِىِ وموسى بن إسماعيل التُّبُوذَ كی ومحمد بن كثير العَبْدى، وأحمد بن حنبل، ومُسَدَّد بن مُسَرْهَد، رأيته ببغداد. وجاء إلى أبى مُسَلَماً. وهو ثقة . - ١٥١ - وأنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى - ببغداد - وآخرون قالوا: أنبأنا أبو إسحق إبراهيم بن عمر البرمكي أنبأنا أبو الحسين محمد بن العباس بن الفرات الحافظ أنبأنا محمد بن العباس بن أحمد بن محمد بن عُصُم الضَّى حدثنا أحمد بن محمد بن ياسين الهروى، قال: سليمان بن الأشعث، أبو داود السِّجزى. كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعِلْمِهِ، وعلله، وسَنَدِهِ. فى أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع ، من فرسان الحديث . أخبرنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى - بهمدان أنبأنا أبو عمرو عبد الوهاب ابن محمد بن إسحق بن منده العبدى باصبهان ، قال: قال أبى أبو عبد الله بن منده الحفاظ: الذين أخرجوا الصحيح ، ومَيِّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة : أبو عبد الله البخارى ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى . وبعدهما أبو داود السجستانى ، وأبو عبد الرحمن النسائى . سمعت القاضى أبا الفتح إسماعيل بن عبد الجبار محمد المالكى - بقَزْوین - قال: سمعت أبا يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلى الحافظ - إملاء فى كتاب الإرشاد فى معرفة علماء الحديث من تأليفه - قال: أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستانى الحافظ الإمام ببغداد فى وقته، عالم متفق عليه إمام ابن إمام، له كتاب ((المصابيح)) شارك أباه بمصر والشام فى شيوخه. سمع عيسى بن حماد، وأحمد بن صالح المصرى الحافظ ، وأيوب العسقلاني والأئمة بمصر، وجميع الشام ، وبغداد واصبهان ، وسجستان ، وشيراز وخراسان ، مات سنة ست عشرة وثلاثمائة . أدركت من أصحابه جماعة . واحتج به من صنف الصحيح: أبو على الحافظ النيسابورى، وابن حمزة الأصبهانى . وکان یقال : أئمة ثلاثة فى زمان واحد : ابن أبي داود ببغداد ، وابن خزيمة بنيسابور ، وابن أبى حاتم بالرى ، قال الخليلى : ورابعهم ببغداد: أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد مولى بن هاشم. ثقة إمام يفوق فى الحفظ أهل زمانه. ارتحل إلى مصر والشام والحجاز والعراق . منهم من تقدمه فى الحفظ على أقرانه. منهم: أبو الحسن الدارقطنى الحافظ . ومات ابن صاعد : سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة . - ١٥٢ - هذا ما ذكره الخليلى فى كتابه ، وكان من حفاظ زمانه ، متفقاً عليه فى حفظه وإتقانه وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابورى الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث من تأليفه الذى قرأته على أبى القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة: عن أبى بكر أحمد بن على بن خلف الشيرازى عنه ، وذكر فى باب منه نفراً من الحفاظ ، ثم قال: قد اختصرت هذا الباب وتركت أسامى جماعة من أئمتنا. كان من حقهم أن أذكرهم فى هذا الموضع . فمنهم : أبو داود السجستانى. وقرأت على أبى الحسين على بن الحسن بن الحسين الطائى بدمشق عن أبى على الحسن بن على بن إبراهيم المقرى الأهوازى ، قال سمعت أبى يقول: سمعت أبا بكر بن محمد بن عبد الرزاق المعروف بابن داسة يقول: كنت يوماً سائراً إلى الأُبلَّة، لألقي أبا داود السجستانى. فجعلت طريقى على سهل بن عبد الله. فلما دخلت إليه رأى معى المحبرة، فقال لى: تكتب الحديث؟ فقلت: نعم . وتمضى إلى أبى داود وتسمع منه؟ قلت : نعم ، قال: هب أنك أبو داود السجستانى، وكتبت ما كتب، وجمعت ما جمع، وعشت ما عاش ، وصارت الرحلة إليك كما الرحلة إلى أبى داود : لا ينفعك شىء من ذلك أو تعمل به . قال أبو بكر بن داسة: نجرح قلبى كلام الشيخ. وتألم سرى. جئت أبا داود، وأنا منكسر. فقال لى: مالك؟ فقلت له: آذى بشرى هذا العجمى - أعنى سهلا - ذكرت ماجرى لى معه ، فقال لى أبو داود: قم بنا إليه. فجاء معى إليه، فلما رآه سهل قام له قائماً - وكان سهل لا يقوم لأحد ـ وقَّله وأجلسه إلى جنبه، وتنحَّى له عن بعض منعده وتذاكرا، فقال له أبو داود، فيما جرى بينهما : حديث كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعيانى. فقال له سهل: ماهو؟ فقال له أبو داود: قول النبي صلى الله عليه وسلم ((كل مولود يولد على فطرة الإسلام، فأبواه يُهَوِّدانه، وينصرانه، ويمجسانه)). فقال له سهل: نعم، معنى قوله ((كل مولود يولد على فطرة الإسلام)) يعنى على خلقة الإسلام، ومعنى قوله ((فأبواه يهودانه)) يعنى يحسنان له اليهودية والنصرانية والمجوسية . ويحملانه إلى بيوت عبادتهم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم ((بعثت داعيا وليس إلىّ من الهداية شىء، وخلق إبليس مزيناً وليس إليه من الضلالة شىء »؟ قال : فانکب أبو داود فباس رجل سهل .