Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
إسحاق : لا يحتج بحديثه . وقد طعن فيه غير واحد من الأيمة . وكذبه
جماعة منهم.
الأرض يرحمكم من فى السماء)) رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح ، وسيأتى فى
كتاب الأدب .
وفى صحيح ابن حبان عن أبى عثمان التهدى عن سلمان الفارسى عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال ((إن ربكم حى كريم، يستحى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا)).
وقد روى الترمذى والبيهقى من حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن
عدس عن أبى رزين العقيلى قال: قلت (( يا رسول الله ، أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن
يخلق السموات والأرض؟ قال: كان فى عماء، ما فوقه هواء ، وما تحته هواء، ثم خلق العرش
ثم استوى عليه)) هذا لفظ البهقى، وهذا الاسناد صححه الترمذى فى موضع، وحسنه فى موضع
فصححه فى الرؤيا: أخبرنا الحسن بن على الخلال حدثنا يزيدبن هارون حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء
عن و کیح بن عدس عن عمه أبی رزين العقيلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رؤيا
المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة ، وهى على رجل طائر، ما لم يحدث بها ، فاذا حدث
بها وقعت، قال: وأحسبه قال: لا تحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً)) قال الترمذى: هذا حديث
حسن صحيح(١).
قال ابن القطان : فيلزمه تصحيح الحديث الأول، أو الاقتصار على تحسين الثانى، يعنى لأن
الاستاد واحد .
قال: فان قيل : لعله حسن الأول لأنه من رواية حماد بن سلمة ، وصحح الثانى : لأنه من
رواية شعبة ، وفضل ما بينهما فى الحفظ بين .
قلنا : قد صحح من أحاديث حماد بن سلمة مالا يحصى ، وهو موضع لانظر فيه عنده ، ولا
عند أحد من أهل العلم ، فانه إمام ، وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ماهو معلوم . وروى
البيهقى عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعانى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير
(١) أخرج الترمذى هذا الحديث من طريق محمود بن غيلان حدثنا داود أنبأنا شعبة .
ومن طريق الحسن بن على الخلال حدثنا يزيد بن هرون حدثنا شعبة . وقوله (( لا تحدث به
إلا لبيباً أو حبيباً)) إنما هو من طريق محمود بن غيلان . ثم قال الترمذى - بعد قوله حسن
صحيح - وأبو رزين العقيلى اسمه لقيط بن عامر ، وروى حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء .
فقال: عن وكيع بن حدس . قال شعبة وأبو عوانة وهشيم : عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن
عدس . وهذا أصح .

- ١٠٢ -
ابن حازم عن أبى يزيد المدينى (( أن عمر بن الخطاب مر فى ناس من أصحابه ، فلفيته عجوز
واستوقفته ، فوقف عليها، فوضع يده على منكبها، حتى قضت حاجتها، فلما فرغت قال له
رجل : حبست رجالات قريش على هذه العجوز ؟ قال : ويحك ، تدرى من هذه؟ هذه عجوز
سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سموات، والله لو استوقفتنى إلى الليل لوقفت عليها،
إلا أن آتى صلاة ثم أعود عليها)).
قال البيهقى : وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن على الجوهرى حدثنا
إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصى قال: سمعت الأوزاعى يقول ((كنا - والتابعون
متوافرون - نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)).
وقال البخارى فى الصحيح : قال أبو العالية (« استوى إلى السماء: ارتفع، فسوى خلقهن)
وقال مجاهد (( استوى: علا)).
وقال أبو الحسن على بن محمد الطبرى من كبار أصحاب أبى الحسن الأشعرى ((والله فى السماء
فوق كل شىء ، مستو على عرشه ، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء : الاعتلاء، كما تمول:
استويت على ظهر الدابة ، واستويت على السطح ، بمعنى علوته ، واستوت الشمس على رأسى
واستوى الطير على قمة رأسى، بمعنى علا، يعنى علا فى الجو فوجد فوق رأسى ، فالقديم سبحانه
عال على عرشه ، لا قاعد ولا قائم ولا مماس ، ولا مباين عن العرش)» هذا كلامه ، حكاه
عنه البيهقى .
قال: وروى الحسن بن محمد الطبرى عن أبى عبد الله نفطويه النحوى قال : أخبرنى
أبو سلمان قال (كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل، فقال: ياأبا عبد الله، مامعنى ( الرحمن
على العرش استوى)؟ قال: إنه مستو على عرشه، كما أخبر . فقال الرجل : إنما معنى استوى:
استولى، فقال له ابن الأعرابى: مايدريك؟ العرب لا تقول: استولى فلان على الشىء ، حتى
يكون له فيه مضاد ، فأيهما غلب قيل: قد استولى عليه ، والله تعالى لامضاد له ، فهو على عرشه
كما أخبر ).
وقال يحي بن إبراهيم الطليطلى فى كتاب سير الفقهاء : حدثنى عبد الملك بن حبيب عن
عبد الله بن المغيرة عن الثورى عن الأعمش عن إبراهيم قال ((كانوا يكرهون قول الرجل:
ياخيبة الدهر ، وكانوا يقولون: الله هو الدهر ، وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم أنفى له
وإنما يرغم أنف الكافر)) قال ((وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذى خاتمه على فى ،
وإنما يختم على فم الكافر ، وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان، أو إن الله بكل
مكان . قال أصبغ: وهو مستو على عرشه ، وبكل مكان علمه وإحاطته )) .
وقال ابن عبد البر فى التمهيد، والاستذكار: قال مالك « الله فى السماء وعلمه فى كل مكان)»

- ١٠٣ -
وقال القاضى أبو بكر بن الطيب المالكى الأشعرى فى رسالته المشهورة التي سماها («رسالة الحيدة))
((وأن الله سبحانه شاء مريد ، كما قال تعالى (٨٥: ١٦ فعال لما يريد) وقال (٢: ١٨٥ يريد
الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال (٨٢:٣٦ إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن
فيكون) وأن الله مستو على عرشه ومستول على جميع خلقه، كما قال تعالى (٥:٢٠ الرحمن
على العرش استوى ) بغير مماسة ولا كيفية ، ولا مجاورة)).
وقال حافظ المغرب إمام السنة فى وقته ، أبو عمر يوسف بن عبد البر في كتابيه التمهيد
والاستذكار فى شرح حديث مالك عن ابن شهاب عن الأغر وأبى سلمة عن أبى هريرة عن النى
صلى الله عليه وسلم قال ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا - الحديث)).
قال أبو عمر - وهذا لفظه فى الاستذكار - فيه دليل على أن الله عز وجل فى السماء
على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة ، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية
فى قولهم : إن اللّه تعالى فى كل مكان وليس على العرش ، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق
فى ذلك: قول الله عز وجل (٥:٢٠ الرحمن على العرش استوى) وقوله (١١:٤١ ثم استوى
إلى السماء وهى دخان ) وقوله تعالى (١٧: ٤٢ إذاً لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا) وقوله
(٣٥: ١٠ إليه يصعد الكلم الطيب) وقوله (١٤٣:٧ فلما تجلى ربه للجبل) وقال (١٧:٦٧
أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض(١)) وقال (٨٧: ١ سبح اسم ربك الأعلى)
وهذا من العلو ؛ وكذلك قوله (٢: ٢٥٥ العلى، العظيم) و(١٣: ٩ الكبير المتعال) و(٤٠: ١٥
رفيع الدرجات ذو العرش) (١٦: ٥٠ يخافون ربهم من فوقهم).
وقال جل ذكره (٣٢: ٥ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه) وقوله
(٧٠: ٤ تعرج الملائكة والروح إليه) وقوله لعيسى (٣: ٥٥ إنى متوفيك ورافعك إلى) وقوله
(٤: ١٥٨ بل رفعه الله إليه ) .
وقال (٣٨:٤١ فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار) وقال (١٩:٢١ ومن عنده
لا يستكبرون عن عبادته) وقال (٧٠: ٣،٢ ليس له دافع. من الله ذى المعارج) والعروج
هو الصعود .
وأما قوله ( أأمنتم من فى السماء ) فمعناه : من على السماء ، يعنى على العرش ، وقد تكون
((فى)) بمعنى ((على)) ألا ترى إلى قوله تعالى (٣:٩ فسيحوا فى الأرض) أى على الأرض.
وكذلك قوله: (٢٠: ٧١ الأصلينكم فى جذوع النخل) أى على جذوع النخل .
وهذا كله يعضده قوله تعالى (٧٠: ٤ تعرج الملائكة والروح إليه) وما كان مثله مما
تلونا من الآيات فى هذا الباب .
(١) ذكر هذه الآية عقب قوله سبحانه ( هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا - الآية)
واضح أشد الوضوح فى أنه سبحانه يقصد تنزيه ذاته العلية أن تكون حالة فى الأرض المذالة للانسان

- ١٠٤ -
فهذه الآيات وغيرها كلها واضحة فى إبطال قول المعتزلة .
وأما ادعاؤهم المجاز فى الاستواء، وقولهم ((استوى)) بمعنى: استولى. فلا معنى له. لأنه
غير ظاهر فى اللغة . ومعنى الاستيلاء فى اللغة المغالبة . والله لا يغلبه ولا يعلوه أحد. وهو الواحد
الصمد . ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى يكون اتفاق من الأمة أنه أريد به
المجاز. إذ لاسبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر
والأظهر من وجوهه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم .
ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ماثبت شىء من العبادات . وجل اللّه أن يخاطب عباده فى
كتابه العربى إلا بما يفهمه العرب فى معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين.
والاستواء فى اللغة معلوم مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء ، والاستقرار ،
والتمكن فيه.
قال أبو عبيدة: فى قوله تعالى ((استوى)) قال: علا. وتقول العرب: استويت فوق
الدابة ، واستويت فوق البيت .
قال أبو عمرو: الاستقرار فى العلو .
وبهذا خاطبنا الله عز وجل فى كتابه . فقال (٤٣ : ١٣ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا
نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) وقال (١١: ٤٤ واستوت على الجودى) وقال (٢٣: ٢٨ فإذا
استويت أنت ومن معك على الفلك ). وقال الشاعر :
فأوردتهم مأسفاً قعره
وقد حلق النجم اليمانى فاستوي
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد أن معناه: استولى. لأن النجم لا يستولى.
وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأموناً جليلا فى علم الديانة واللغة - قال حدثنى
الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابى - وكان من أعلم من رأيت - فإذا
هو على سطح، فسلمنا ، فرد علينا السلام، وقال لنا: استووا . فبقينا متحيرين، ولم ندر ماقال.
فقال لنا أعرابى إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا . قال الخليل: هو من قول الله عز وجل.
(٤١ : ١١ ثم استوى إلى السماء وهى دخان) فصعدنا إليه.
وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطى بإسناده عن ابن عباس ((الرحمن.
على العرش استوى: استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان)).
فالجواب : أن هذا حديث منكر ، ونقلته مجهولون ضعفاء، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد
العدول . فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث ، أو عقلوا أو أنصفوا؟ أماسمعوا
الله عز وجل يقول (٤٠: ٣٦ وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب
السموات ، فأطلع إلى إله موسى، وإنى لأظنه كاذباً) فدل على أن موسى كان يقول: إلهى
فى السماء، وفرعون يظنه كاذباً . وقال أمية بن أبي الصلت :

- ١٠٥ -
ومن هو فوق العرش فرد موحد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره
لعزته تعنو الوجوه وتسجد
مليك على عرش السماء مهيمن
قال أبو عمر بن عبد البر: وإن احتجوا بقوله تعالى (٤٣: ٨٤ وهو الذى فى السماء إله وفی
الأرض إله) وبقوله (٦: ٧ وهو الله فى السموات وفى الأرض) وبقوله (٥٨: ٨ ما يكون
من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم - الآية ) .
قيل لهم : لاخلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة: أنه سبحانه ليس فى الأرض دون السماء.
فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجمع عليه. وذلك أنه سبحانه فى السماء إله معبود من
أهل السماء، وأنه سبحانه فى الأرض إله معبود مستحق للعبادة من أهل الأرض. وكذلك قال.
أهل العلم بالتفسير . وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش. والاختلاف فى ذلك ساقط . وأسعد
الناس به من ساعده الظاهر .
وأما قوله (وفي الأرض إله) فالاجماع والاتفاق قد بين المراد : أنه معبود من أهل الأرض .
فتدبر هذا فإنه قاطع .
ومن الحجة أيضاً على أنه تبارك وتعالى على العرش فوق السموات: أن الموحدين أجمعين
من العرب والعجم إذا كربهم أمر، أو نزلت بهم شدة ، رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء ،
فيستغيثون ربهم تبارك وتعالى . وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج فيه إلى أكثر
من حكايته . لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم. وقد قال النبي صلى اللّه
عليه وسلم للأمة التى أراد مولاها عتقها. فاختبرها رسول الله صلي الله عليه وسلم ليعلم إن كانت
مؤمنة أم لا. فقال لها ((أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله.
قال: اعتقها. فانها مؤمنة)).
فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عماسواه .
هذا لفظ أبي عمر فى الاستذكار . وذكره فى التمهيد أطول منه .
وقال البيهقى : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب حدثنا هرون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن عاصم عن
زر بن حبيش عن عبد الله قال (( بين سماء الدنيا والتى تليها خمسمائة عام، وبين كل سماءين
خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة والكرسى خمسمائة عام ، وبين الكرسى وبين الماء
خمسمائة عام ، والكرسى فوق الماء . والله عز وجل فوق الكرسى ويعلم ما أنتم عليه)).
قال : ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن
عبد الله بن مسعود قال (( ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام . ثم بين كل سماءين
مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، ثم ما بين السماء السابعة وبين

- ١٠٦ -
الكرسى مسيرة خمسمائة عام ، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام ، والكرسى فوق
الماء ، والله فوق العرش . ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم)».
وقال الشافعی - فی کتاب الأم ، ورویناه فى مسنده ۔ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال : حدثنى
موسى بن عبيد قال : حدثنى أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عبيد
بن عمير أنه سمع أنس بن مالك رضى الله عنه يقول (( أنى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم
بمرآة بيضاء فيها نكتة . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ما هذه؟ فقال : هذه الجمعة فضلت بها
أنت وأمتك . والناس لكم فيها تبع: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها
مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له. وهو عندنا يوم المزيد. فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
ياجبريل، وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ فى الفردوس وادياً أفيح، فيه كثيب من
مسك . فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تبارك وتعالى ما شاء من ملائكته ، وحوله منابر من نور
عليها مقاعد النبيين ، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد ، عليها
الشهداء والصديقون . جلسوا من ورائهم على تلك الكثبان، فيقول الله عز وجل : أنا ربكم
قد صدقتكم وعدى. فسلونى أعطكم. فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت
عنكم ولكم ماتمنيتم ، ولدى مزيد . فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير.
وهو اليوم الذى استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش. وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة)).
قال الشافعى : وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثنى أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس
بن مالك شبيهاً به .
احتج به الشافعى فى فضل الجمعة ، وكان حسن القول فى إبراهيم بن محمد شيخه(١).
والحديث له طرق عديدة .
ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان قال : قال أنس بن مالك رضى الله عنه ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أتاني جبريل - فذكره)).
ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم.
ورواه أبو طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس عن النى صلى الله عليه وسلم .
وقد جمع أبو بكر بن أبى داود طرقه . وقال : أبو طيبة اسمه رجاء بن الحرث ثقة . وعثمان
بن عمير يكنى أبا اليقظان .
(١) قال الذهبى فى الميزان: سأل يحيى بن سعيد القطان عن ابراهيم بن محمد مالكا: أ كان
ثقة فى الحديث؟ فقال: لا، ولا فى دينه . وقال يحيى بن معين: سمعت القطان يقول : إبراهيم
بن أبی یحی کذاب . وقال الإمام أحمد : قدری جهمی کل بلاء فيه . وروى عباس الدورى
عن ابن معين : كذاب رافضي . وقد طول الذهبى القول فى جرحه .

- ١٠٧ -
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة التى أجمعت الأمة على صحتها وقبولها : بأن النبى صلى الله
عليه وسلم عرج به إلى ربه ، وأنه جاوز السموات السبع ، وأنه تردد بین موسی وبین الله
عز وجل مراراً فى شأن الصلاة وتخفيفها ، وهذا من أعظم الحجيج على الجهمية . فانهم لا يقولون
عرج به إلى ربه ، وإنما يقولون: عرج به إلى السماء .
وقد تواترت الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم ((بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء
الدنيا، يقول : هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)) . رواه بضعة
وعشرون محابياً .
وفى مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بينا أهل الجنة فى نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا
رؤوسهم . فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال : السلام عليكم با أهل
الجنة . قال: وذلك قوله تعالى (٣٦: ٥٨ سلام قولا من رب رحيم) فينظر إليهم وينظرون
إليه ، فلا يلتفتون إلى شىء من النعيم ما داموا ينظرون إليه ، حتى يحجب عنهم ، ويبقى نوره
وبركته عليهم فى ديارهم » .
وفى الصحيحين عن أبي موسي قال « قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات.
فقال : إن الله لا ينام ، ولا ينبغى له أن ينام، بخفض القسط ویرفعه، يرفع إليه عمل النهار
قبل عمل الليل ، وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور،لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه
ما انتهى إليه بصره من خلقه ».
قال أبو عبد الله الحاكم فى علوم الحديث، فى النوع العشرين: سمعت محمد بن صالح بن
هانىء يقول: سمعت أبا بكر بن إسحق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه، قد استوى
فوق سبع سمواته ، فهو كافر به : يستتاب ، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض
المزابل حيث لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن ريح جيفته ، وكان ماله فيئاً لايرثه أحد من
المسلمين ، إذ المسلم لا يرث الكافر . كما قال النى صلى الله عليه وسلم .
وقال بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى ( ٥٨ : ٧ما يكون
من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم) قال: ((هو الله عز وجل على
العرش وعلمه معهم)) ذكره البيهقى .
وبهذا الإسناد قال مقاتل بن حيان: بلغنا - والله أعلم - فى قوله عز وجل (٥٧: ٣ هو
الأول) قبل كل شىء (والآخر ) بعد كل شىء ( والظاهر ) فوق كل شىء (والباطن ) أقرب
من كل شىء ، وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته ، وهو فوق عرشه، ( وهو بكل شىء
عليم))) ذكره البيهقى أيضاً.

- ١٠٨ -
قال: وبهذا الإسناد عن مقاتل بن حيان فى قوله ( إلا هو معهم) يقول ((علمه)) وذلك
قوله ( إن الله بكل شىء عليم) فيعلم نجواهم ، ويسمع كلامهم ، ثم ينبئهم يوم القيامة بكل
شىء ، وهو فوق عرشه ، وعلمه معهم .
وقال الحاكم : سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانىء يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول:
سمعت الحسن بن الصباح البزار يقول: سمعت على بن الحسن بن شقيق يقول: سألت عبد الله
بن المبارك. قلت «كيف نعرف ربنا؟ قال: فى السماء السابعة على عرشه)).
قال الحاكم : وأخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الشامى
حدثنى عبد الله بن أحمد بن سيبويه المروزى قال سمعت على بن الحسن بن شقيق يقول سمعت
عبد الله بن المبارك يقول ((نعرف ربنا فوق سبع سموات على العرش استوى ، بأن من خلقه
ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض».
وقال عبد الله بن سعيد بن كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فورك ((وأخرج من النظر
والخبر قول من قال : لاهو داخل العالم ولا خارجه ، فنفاه نفياً مستوياً، لأنه لو قيل له: صفه
بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر منه ، ورد أخبار الله نصاً ، وقال فى ذلك بما لا يجوز في خبر
ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص ، والنفى الخالص عندهم ، والإثبات الخالص ،
وهم عند أنفسهم قياسون )) هذا حكاية لفظة .
وقال الخطابى فى كتاب شعار الدين : القول فى أن الله تعالى مستو على العرش .
هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ، ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه ، وقد
نطق به الكتاب فى غير آية ، ووردت به الأخبار الصحيحة ، فقبوله من جهة التوقيف واجب ،
والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز. وقد قال مالك ((الاستواء معلوم، والكيف غير
معقول ، والايمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة )) .
ثمن التوقيف الذى جاء به الكتاب: قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى) وقال (ثم
استوي على العرش الرحمن ) وقال (رفيع الدرجات ذو العرش) وقال ( أأمنتم من فى السماء
أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور، أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم خاصباً ؟) وقال
( تعرج الملائكة والروح إليه) وقال ( بل رفعه الله إليه) وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب)
وقال حكاية عن فرعون أنه قال ( يا هامان ابن لى صرحاً لعلى أطلع إلى إله موسى ) فوقع
قصد الكافر إلى الجهة التى أخبره موسى عنها، ولذلك لم يطلبه فى طول الأرض ولا عرضها، ولم
ينزل إلى طبقات الأرض السفلى .
فعل ما تلوناه من هذه الآى على أن الله سبحانه فى السماء مستو على العرش ، ولو كان بكل
مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولافيه فائدة ، وقد جرت عادة المسلمين خاستهم وعامتهم بأن

- ١٠٩ -
يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه، ويرفعوا أيديهم إلى السماء؛ وذلك لاستفاضة العلم عندهم
بأن ربهم المدعو فى السماء سبحانه .
ثم ذكر قول من فسر الاستواء بالاستيلاء ، وبين فساده .
وقال أبو الحسن الأشعرى فى كتاب مقالات المصلين له: فى باب ترجمته : باب اختلافهم فى
البارى : هل هو فى مكان دون مكان، أم ليس فى مكان ، أم فى كل مكان ؟ وهل حملة العرش
ثمانية أملاك ؛ أم ثمانية أصناف من الملائكة؟.
اختلفوا فى ذلك على سبع عشرة مقالة .
ثم قال : وقال أهل السنة والحديث: ليس بجسم ، ولا يشبه الأشياء ، وأنه على العرش ،
كما قال ( الرحمن على العرش استوى ).
فلا نتقدم بین یدی الله فى القول ، بل نقول : استوى بلا كيف .
وأن له وجهاً كما قال (٢٧:٥٥ ويبقى وجه ربك ) .
وأن له يدين كما قال (٧٥:٣٨ خلقت بيدي) .
وأن له عينين كما قال (١٤:٥٤ تجرى بأعيننا) .
وأنه يجىء يوم القيامة وملائكته، كما قال (٢٢:٨٩ وجاء ربك والملك صفا صفا).
وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ، كما جاء فى الحديث .
وم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه فى الكتاب، أو جاءت به الرواية الثابتة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وقالت المعتزلة : إن الله استوى على عرشه بمعنى : استولى.
وقال بعد ذلك ، فى حكاية قول أهل السنة والحديث : هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث
.وأهل السنة .
جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة : الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وماجاء
من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئاً .
وأنه تعالى إله واحد أحد فرد صمد ، لا إله غيره ؛ لم يتخذ صاحبة ولا ولداً .
وأن محمداً عبده ورسوله .
وأن الجنة حق والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور
وأن اللّه تعالى على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ).
وأن له يدين بلا كيف كما قال ( خلقت بيدي) (٦٤:٥ بد يداه مبسوطتان)
وأن له عينين بلا كيف كماقال (١٤:٥٤ تجرى بأعيننا)
وأن له وجهاً ، كما قال (٢٨:٥٥ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).

- ١١٠ -
ثم ذكر مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب ، فقال :
كان يقول: إن القرآن كلام الله - وساقه إلى أن قال -: وأنه مستو على عرشه كما قال ،
وأنه تعالى فوق كل شيء ، هذا كله لفظه فى المقالات .
وقال أبو الحسن الأشعرى رحمه الله أيضاً فى كتاب الموجز :
وإن قالوا : أفتزعمون أن الله في السماء؟ قيل له : قد نقول : إن الله عال فوق العرش،
مستو عليه ، والعرش فوق السماء، ولا نصفه بالدخول فى الأمكنة ولا المباينة لها .
وأما قوله تعالى ( وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله ) فان معناه : أنه إله أهل.
الأرض وإله أهل السماء .
وقد جاءت الأخبار : أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة ، فكيفيكون فيها
وهو ينزل إليها؟ كما جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن الله تبارك وتعالى
ينزل إلى سماء الدنيا)».
فهذا الذى استقر عليه مذهب أبى الحسن فى كل كتبه كالموجز والمقالات والمسائل ورسالته.
إلى أهل الثغر ، والإبانة : أن الله فوق عرشه مستو عليه ، ولا يطلق عليه لفظ المباينة ، لأنها
عنده من لوازم الجسم، والله تعالى منزه عن الجسمية .
فظن بعض أتباعه أن نفيه المباينة نفى للعلو والاستواء بطريق اللزوم ، فنسبه إليه ، وقال
علیه ما هو قائل خلافه ، وهذا بين لكل منصف تأمل كلامه ، وطالع كتبه .
وفى كتاب السنة لعبد الله بن أحمد- من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما
قال ((تفكروا فى كل شىء، ولا تفكروا فى ذات الله، فان بين السموات السبع إلى كرسيه
سبعة آلاف نور ، وهو فوق ذلك))
وفى مسند الحسن بن سفيان من حديث ابن أبي مليكة عن ذكوان قال (( استأذن ابن
عباس على عائشة ، فقالت : لا حاجة لى بتزكيته ، فقال عبد الرحمن بن أبى بكر : يا أختاه ،
إن ابن عباس من صالحى بنيك ، جاء يعودك، قالت : فائذن له ، فدخل عليها ، فقال : يا أماه ،
أبشرى، فو الله ما بينك وبين أن تلقى محمداً والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك ، كنت
أحب نساء النبى صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب إلا طيباً.
قالت : وأيضاً ، قال: هلكت قلادتك بالأبواء ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها،
فلم يجدوا ماء، فأنزل الله عز وجل (٥: ٦ فتيمموا صعيداً طيباً) وكان ذلك بسببك وبركتك
فأنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخص فى التيمم . وكان من أمر مسطح ما كان، فأنزل الله تعالى
براءتك من فوق سبع سموات ، فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وبراءتك تتلى فيه آناء الليل
وأطراف النهار)).

- ١١١
وقال أبو عمر بن عبد البر: روينا من وجوه صحاح ((أن عبد الله بن رواحة مشى ليلة إلى
أمة له، فنالها . فرأته امرأته فلامته نجحدها، فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن ، فان
الجنب لا يقرأ القرآن ؛ فقال :
وأن النار مثوى الكافرين
شهدت بأن وعد الله حق
وفوق العرش رب العالمين
وأن العرش فوق الماء طاف
فقالت امرأته : آمنت بالله وكذبت عينى ، وكانت لا تحفظ القرآن)).
وفى تاريخ البخارى : حدثنا محمد بن فضيل عن فضیل بن غزوان عن نافع عن ابنعمر قال.
« لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبوبكر فأكب عليه، وقبل جبهته ، وقال : بأبى.
أنت وأمى ، طبت حياً وميتاً، وقال: من كان يعبد محمداً فان مهداً قد مات ، ومن كان يعبد الله.
فإن الله فى السماء حتى لا يموت)).
وفى مغازى الأموى عن البكائى عن ابن إسحاق حدثنى يزيد بن سنان عن سعيد بن الأجرد
عن العرس بن قيس الكندى عن عدى بن عميرة قال ((خرجت مهاجراً إلى النبى صلى الله
عليه وسلم - فذكر حديثاً طويلا - وفيه : فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم ،.
ويزعمون أن إلههم فى السماء، فأسلمت وتبعته )).
وفى مسند أحمد عن يزيد بن هارون حدثنا المسعودى عن عون بن عبد الله عن أخيه
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة (( أن رجلا أتى النبي صلي الله عليه وسلم بجارية
سوداء أعجمية . فقال : يارسول الله، إن على رقبة مؤمنة . فقال لها رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أين الله؟ فأشارت بأصبعها إلى السماء . فقال لها: من أنا ؟ فأشارت بأصبعها إلى:
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء. تعنى أنت رسول الله. فقال: أعتقها)).
وهذه غير قصة معاوية بن الحكم التى فى صحيح مسلم .
فقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان لمن شهد أن الله فى السماء. وشهد عليه
الجهمية بالكفر.
وقال أحمد فى مسنده : حدثنا حسین بن محمد حدثنا ابن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن
عطاء عن سعيد بن يسار عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إن
الميت تحضره الملائكة . فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجى أيتها النفس المطمئنة ، اخرجى
حميدة، وابشرى بروح وريحان ورب غير غضبان . فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج. ثم
يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها . فيقال : من هذا ؟ فيقال: فلان بأحب أسمائه. فيقولون :
مرحباً بالنفس الطيبة . كانت فى الجسد الطيب ، ادخلى حميدة ، وأبشرى بروح وريحان ، ورب
غير غضبان . فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهى إلى السماء التى فيها الله - وذكر الحديث)).

- ١١٢ -
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسى
بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه ، فتأبى عليه إلا كان الذى فى السماء ساخطاً عليها
حتى يرضى عنها )) .
وفى مسند الحارث بن أبى أسامة من حديث عبد الرحمن بن نسى عن عبادة بن تميم عن
معاذ بن جبل يرفعه ((إن الله ليكره فى السماء أن يخطأ أبو بكر فى الأرض)).
ولا تعارض بين هذا وبين مخطئة النبى صلى الله عليه وسلم له فى بعض تعبيره الرؤيا لوجهين.
أحدهما : أن الله يكره تخطئة غيره من آحاد الأمة له، لا تخطئة الرسول له فى أمر ما.
فان الصواب والحق مع الرسول صلى الله عليه وسلم قطعاً ، بخلاف غيره من الأمة . فإنه إذا
خطأ الصديق لم يتحقق أن الصواب معه ، بل ما تنازع الصديق وغيره فى أمر إلا كان الصواب
مع الصديق .
الثانى : أن التخطئة هنا مرة منسوبة إلى الخطأ الذى هو الإثم، دون الخطأ الذى هو ضد
التعمد . والله أعلم .
وروى شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس - يرفعه ((إن العبد ليشرف على حاجة
من حاجات الدنيا، فيذكره الله من فوق سبع سموات ، فيقول : ملائكتي ، إن عبدى هذا
قد أشرف على حاجة من حاجات الدنيا ، فان فتحتها له فتحت له بابا من أبواب النار ، ولكن
ازووها عنه ، فيصبح العبد عاضاً على أنامله، يقول : من دهانى من سبنى، وما هى إلا رحمة
رحمه الله بها)) ذكره أبو نعيم.
وفى التعقبات من حديث جابر بن سليم أبى جرى قال (( ركبت قعوداً لى ، فأتيت المدينة .
فأنخت بباب المسجد - فذكر حديثاً طويلا - وفيه فقال رجل : يارسول الله ذكرت إسبال
الازار، فقد يكون بالرجل العرج، أو الشىء، فيستخفى منه ، قال: لا بأس إلى نصف الساق ؛
أو إلى الكعبين، إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين فتبختر فيهما ، فنظر إليه الرب من فوق
عرشه، ثمقته، فأمر الأرض فأخذته ، فهو يتجلجل فى الأرض، فاحذروا وقائع اللّه)).
وقال ابن أبى شيبة : حدثنا عبدة بن سليمان عن أبى جناد عن حبيب بن أبى ثابت : أن
حسان بن ثابت أنشد النبى صلى الله عليه وسلم:
رسول الذی فوق السموات من عل
شهدت بإذن الله أن محمدا
له عمل فى دينه متقبل
وأن أبا يحيى ويحي كلاهما
يقول بذات الله فيهم ويعدل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم
وفى حديث الشفاعة الطويل من رواية زائده بن أبى الرقاد عن زياد النميرى عن أنس عن
النبى صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث، وفيه ((فأدخل على ربى عز وجل ، وهو على
عرشه ) .

- ١١٣ -
وفى لفظ للبخارى « فأستأذن على ربي فى داره )).
وفى لفظ آخر (( فآتى تحت العرش فأخر ساجداً لربى)).
وفى حديث عبد الله بن أنيس ، الذى رحل إليه جابر شهراً حتى سمعه منه فى القصاص ( ثم
يناديهم الله تعالى، وهو قائم على عرشه - وذكر الحديث)) واستشهد البخارى ببعضه.
وفى سنن ابن ماجة ومسند أحمد من حديث الفضل الرقاشى عن محمد بن المنكدر عن جابر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بينا أهل الجنة فى نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا
رؤسهم ، فاذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل
الجنة ، قال: وذلك قوله (٥٨:٣٦ سلام قولاً من رب رحيم) قال: فينظر إليهم ، وينظرون إليه
فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره وبركته
عليهم فى ديارهم» .
وروی الولید بن القاسم عن یزید بن کیسان عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النی صلى الله
عليه وسلم قال (( ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا صعدت لا يردها حجاب، فإذا وصلت إلى
الله نظر إلى قائلها، وحق على الله أن لا ينظر إلى موحد إلا رحمه)).
وفى مسند الحسن بن سفيان من حديث أبى جعفر الرازى عن عاصم بن بهدلة عن أبى صالح
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لما ألقى إبراهيم عليه السلام فى النار
قال : اللهم أنت واحد فى السماء، وأنا فى الأرض واحد عبدك)).
ولما أنشد النبى صلى الله عليه وسلم شعر أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله. فهو للمجد أهل ربنا فى السماء أمسى كبيراً
بالبناء الأعلى الذى سبق الخلق وسوى فوق السماء سريراً
شرجع (١) ما يناله بصر المبين، ترى دونه الملائك صوراً
قال النبى صلى الله عليه وسلم (( آمن شعره وكفر قلبه)).
وروى عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال (( ما بين السماء القصوى وبين
الكرسى - إلى قوله - والله فوق ذلك)) وقد تقدم .
وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا إبراهيم بن حكيم حدثنى أبان عن أبيه عن عكرمة فى موله
تعالى (٧: ١٧ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) قال: لم يستطع
أن يقول: من فوقهم، علم أن الله من فوقهم ».
وقال على بن الأقمر: كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال ((حدثتني الصديقة بنت
الصديق ، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سموات)).
(١) شرجع - بوزن جعفر - الطويل. والسرير. إهـ قاموس.
م ٨ - مختصر السنن - ج ٧

- ١١٤ -
وقال سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن حكيم حدثنى أبى عن عكرمة قال (( بينما رجل
مستلق على مثلته فى الجنة، فقال فى نفسه - لم يحرك شفتيه - لو أن الله يأذن لى لزرعت فى الجنة.
فلم يعلم إلا والملائكة على أبواب الجنة قابضين على أكفهم . فيقولون : سلام عليك ، فاستوى
فقالوا له : يقول لك ربك: تمنيت شيئا فى نفسك؟ فقد علمته. وقد بعث معنا هذا البذر يقول
ابذر. فألقى يمينا وشمالا وبين يديه وخلفه. خرج أمثال الجبال، على ما كان تمنى وأراد. فقال
له الرب سبحانه وتعالى من فوق عرشه: کل، يا ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع »
وأصله فى صحيح البخارى .
وفى تفسير سنيد شيخ البخارى عن مقاتل بن حيان عن الضحاك فى قوله تعالى ( ما يكون
من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) قال: ((هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا)).
وفى تاريخ ابن أبى خيثمة : حدثنا هرون بن معروف حدثنا ضمرة عن صدقة التيمى قال :
سمعت سليمان التيمى يقول (( لو سئلت أين الله؟ لقلت: فى السماء)).
وقال حنبل : قلت لأبى عبد الله: ما معنى قوله ( وهو معهم) قال: هو رابعهم (عالم الغيب
والشهادة) علمه محيط بكل شىء يعلم الغيب ، وهو على العرش .
وقال يوسف بن موسى : قيل لأبى عبد الله أحمد بن حنبل : اللّه فوق السماء السابعة على
عرشه، بأن من خلقه ، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال : نعم . الله على العرش، وعلمه لا يخلو
منه مكان .
وقال الأثرم : حدثني محمد بن إبراهيم القيسى قلت لأحمد بن حنبل : يحكى عن ابن المبارك
أنه قيل له : كيف نعرف ربنا ؟ قال : فى السماء السابعة على عرشه. قال أحمد : هكذا
هو عندنا .
وذكر أبو عبد الرحمن بن أبى حاتم فى كتاب السنة عن الإمام أبى عبد الله الشافعى ،
قدس الله روحه، ورضى عنه ، قال : السنة التى أنا عليها، ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين
رأيتهم عليها . فأحلف عنهم ، مثل سفيان، ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله، وأن الله على عرشه فى سمائه، يقرب من خلقه كيف يشاء، وأن الله
ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء، وذكر كلاماً طويلا .
وقال عبد الرحمن أيضاً : سألت أبى وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة فى أصول الدين ،
وما أدركا السلف عليه ، وما يعتقدون من ذلك ؟ فقالا: أدركنا العلماء فى جميع الأمصار
حجازاً ، وعراقاً ، ومصراً ، وشاماً ، ويمناً . فكان مذهبهم: أن الإيمان قول وعمل ، يزيد
وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ، والقدر خيره وشره من الله، وأن الله
تعالى على عرشه بائن من خلقه ، كما وصف نفسه فى كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه
وسا بلا كيف: أحاط بكل شىء علماً، و( ليس كمثله شىء وهو السميع البصير).

- ١١٥ -
وقال أبو القاسم الطبرى فى كتاب شرح السنة له : وجدت فى كتاب أبى حاتم الرازى :
مذهبنا واختيارنا: اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين من بعدهم، والتمسك
بمذاهب أهل الأثر: مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهوية، وأبى عبيد القاسم
بن سلام والشافعى رحمهم الله، ولزوم الكتاب والسنة .
ونعتقد أن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه ( ليس كمثله شىء وهو السميع البصير).
وفى كتاب الإبانة لأبى الحسن الأشعرى رحمه الله - الذى ذكره أبو القاسم بن عساكر
وعده من كتبه، وحكى كلامه فيه مبيناً عقيدته، والذب عنه . قال :
ذكر الاستواء على العرش
إن قال قائل : ما تقولون فى الاستواء ؟
قال نقول له : إن الله مستو على عرشه، كما قال ( الرحمن على العرش استوى) وقال
( إليه يصعد الكام الطيب) وقال ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) وقال،
حكاية عن فرعون ( ياهامان ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب ، أسباب السموات فأطلع إلى
إله موسى، وإنى لأظنه كاذبا ) كذب فرعون موسى في قوله: إن الله عز وجل فوق السموات،
وقال الله ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض؟). فالسموات فوقها العرش . فلما
كان العرش فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السموات. وليس إذا قال
(أأمنتم من فى السماء) أنه يعنى جميع السموات ، وإنما أراد العرش الذى هو أعلى السموات .
ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال (وجعل القمر فيهن نوراً) ولم يرد أن
القمر يملؤهن جميعاً. ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى
مستو على العرش الذى هو فوق السموات . فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا
أيديهم نحو العرش ، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض .
ثم قال :
فصل
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: ( الرحمن على العرش.
استوى ) أنه: استولى وملك وقهر ، وأن الله فى كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه
كما قال أهل الحق . وذهبوا فى الاستواء إلى القدرة .
ولو كان هذا كما قالوا لكان لا فرق بين العرش والأرض السابعة . لأن الله قادر على كل
شىء. والأرض فالله قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما فى العالم. فالله تعالى لو كان
مستوياً على العرش - بمعنى الاستيلاء - فهو علا وعز مستو على الأشياء كلها على العرش وعلى
الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش وعلى الأقذار، تعالى الله ، لأنه قادر على الأشياء كلها
مستول عليها، وإذا كان قادراً على الاشياء كلها - ولم يجز عند أحد من المسلمين أن الله مستو

- ١١٦ -
على الحشوش والأخلية - لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذى هو عام فى
الأشياء كلها . ووجب أن يكون معنى الاستواء على العرش معنى يختص العرش دون الأشياء كلها
ثم ذكر دلالات من القرآن والحديث والعقل والإجماع.
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعرى - فى كتاب الإبانة له أيضاً:
فإن قال قائل : أتقولون : إنه فى كل مكان .
قيل له : معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر فى كتابه. فقال ( الرحمن على العرش
استوى) وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال (أأمنتم من فى السماء
أن يخسف بكم الأرض؟).
قال : ولو كان فى كل مكان لكان فى بطن الإنسان وفمه والحشوش، والمواضع التى يرغب
عن ذكرها ، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة، إذا خلق منها ما لم يكن ، وينقص بنقصانها إذا
بطل منها ما كان ، ويصح أن نرغب إلى الله نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وإلى
شمالنا . وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهانى فى عقيدته : طريقتنا طريقة المتبعين لكتاب الله ولسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة فيما اعتقدوه: أن الأحاديث التى ثبتت عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العرش واستواء الله تعالى: يقولون بها ، ويثبتونها من غير
تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن الله بائن من خلقه ، والخلق باثنون منه ،
وليس هو حال فيهم ، ولا ممتزج فيهم . وهو مستو على عرشه فى سمائه دون أرضه وخلقه .
وقد تقدم حكاية كلام أبى عمر بن عبد البر فى كتاب الاستذكار .
وقال فى التمهيد ، لما ذكر حديث النزول: هذا حديث ثابت النقل من جهة الإسناد ،
ولم يختلف أهل الحديث فى صحته ، وفيه دليل على أن الله فى السماء على العرش من فوق سبع
سموات. كما قال الجماعة. وهو من حجتهم على المعتزلة فى قولهم : إن الله بكل مكان .
ثم ذكر الاحتجاج لقول الجماعة وأطال .
وفي كتاب السنة لعبد الرحمن بن أبى حاتم عن سعيد بن عامر الضبعى- إمام أهل البصرة
علماً وديناً، من شيوخ الإمام أحمد -: أنه ذكر عنده الجهمية ، فقال : هم شر قولا من اليهود
والنصارى ، قد أجمع اليهود والنصارى مع المسلمين أن الله على العرش . وقالوا هم : ليس
على العرش شىء .
وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم أيضاً، فی کتاب الرد على الجهمية: قال عبدالرحمنبنمهدى
أصحاب جهم يعتقدون أن الله لم يكلم موسى ، ويريدون أن يقولوا: ليس فى السماء شىء، وأن
الله ليس على العرش . أرى أن يستتابوا . فإن تابوا ، وإلا قتلوا.

- ١١٧ -
٤٥٦٠ - وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم،
قال ((أُذِنَ لى أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ من ملائكةِ الله من ◌َةِ العرشِ، إنَّ ما بين
شَحْمة أُذنه إلى عاتقه: مسيرةَ سبعمائة عام)).
باب فى الرؤية [٤ :٣٧٤]
٤٥٦١ - عن جرير بن عبد الله البَحَلَى رضى الله عنه، قال: ((كُنَّا مع رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم جُلوساً ، فنظر إلى القمر ليلة أربعَ عَشْرة، فقال: إنّكُمْ
٤٥٦١ - قال الشيخ: قوله ((تضامُّون)) هو من الانضمام. يريد: أنكم لاتختلفون فى رؤيته
حتى تجتمعوا للنظر، وينضَيَّ بعضُكم إلى بعض، فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر:
ليس بذاك، على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر . ووزنه
((تفاعلون)) وأصله تَتَضَامُون حذفت منه إحدى التامين.
وقد رواه بعضهم (( تُضامُون)) بضم التاء وتخفيف الميم. فيكون معناه على هذه
الرواية : إنه لا يلحقكم ضَيْم ، ولا مشقة فى رؤيته .
وحكى عن عاصم بن على - شبخ الإمام أحمد والبخارى - قال: ناظرت جهمياً ، فتبين
من كلامه : أنه لا يؤمن أن فى السماء رباً .
٤٥٦١ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله الأحاديث فى الرؤية إلى حديث وضع الاصبع، ثم قال :
قد أخرجاه فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((جنتان
من فضة آنيتهما ومافيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا
إلى ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن )).
وفى صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذا دخل أهل الجنة الجنة
يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا
الجنة ، وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب ، ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر
إلى ربهم عز وجل. ثم تلا هذه الآية (٢٦:١٠ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة))).
وفى الصحيحين عن أبى هريرة (( أن ناساً قالوا: يارسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون فى القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا ، يارسول الله

- ١١٨ -
سَتَرَوْنَ رَبَّكم، كما ترون هذا، لا تُضَامُونَ فى رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبَوا
على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ هذه الآية (٢٠ : ١٣٠
فسَبِّحْ بَحَمْدِ رَبِّك قبلَ طُلوع الشَّمس وقبل غروبها)))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٤٥٦٢ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال ((قال ناس: يارسول الله، أنَرى
رَبَّا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّونَ فِى رُؤْية الشمسِ فى الطّهيرة، ليست فى
وقد تَخَيَّل إلى بعض السامعين أن الكاف فى قوله (( كما ترون)) كاف التشبيه للمرئى.
وإنما هو كاف التشبيه للرؤية. وهو فعل الرائى، ومعناه: ترون ربكم رؤية ينزاح معها
الشك ، وتنتفى معها المرية كرؤيتكم القمر ليلة البدر ، لا ترتابون به ولا تمترون فيه .
٤٥٦٢ - قال الشيخ: ((تضارون)) وهذا والأول سواء فى إدغام أحد الحرفين فى الآخر،
وفتح التاء من أوله ووزنه ((تفاعلون)) من الضرار.
والضرار: أن يتضارَّ الرجلان عند الاختلاف فى الشىء، فيضارُّ هذا ذاك، وذاك
هذا . فيقال: قد وقع الضرار بينهما ، أى الاختلاف .
قال : هل تضارون فى الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم
ترونه كذلك ».
وفی الصحیحین مثله من حديث أبى سعيد .
وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث إسرائيل عن ثوير (١) قال: سمعت ابن عمر رضى الله
عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن أدنى أهل الجنة منزلة: لمن ينظر إلى جناته
وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأ كرمهم على الله : من ينظر إلى وجهه غدوة
(١) نوير - مصغراً - بن أبي فاختة مولى أم هانىء، وقيل: مولى زوجها جعدة أبو الجهم -
رمى بالرفض ، وقال الدار قطنى: متروك ، وقال أبو حاتم: ضعيف . اهـ خلاصة .
. وحديث ابن عمر: أخرجه الترمذى فى باب رؤية الرب وفى تفسير سورة القيامة ، وأخرجه
أيضاً أحمد وأبو يعلى والطبرانى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والدار قطنى
والحاكم وابن مردوية والبيهقى .

- ١١٩ -
سحابة؟ قالوا : لا، قال : هل تَضَارُّون فى رؤية القمر ليلة البدر، ليس فيه سحابة؟
قالوا: لا ، قال: والذي نفسي بيده لاَ تضارُّون فى رؤيته إلا كما تُضارون فى
رؤية أحدهما )).
وأخرجه مسلم .
٤٥٦٣ - وعن أبى رَزين العقيلى رضى الله عنه، قال (( قلت: يارسول الله،
أكُلُنَا يَرَى رَبَّه؟ - قال ابنُ معاذ، وهو عبيد الله مُخْلِيًبه يوم القيامة، وما آيةُ
ذلك فى خَلْقه؟ قال: يا أبا رزين، أليسَ كُلُّكم يرى القمر؟ - قال ابن معاذ:
ليلة البدر - مُخْلِياً به - ثم اتفقا: قلت : بلى ، قال: فالله أعظم ـ قال ابن معاذ: قال:
وعشیة ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢٢:٧٥ - ٢٣ وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها
ناظرة))) وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى غير واحد مثل هذا عن إسرائيل
حرفوبا. وروى عبد الملك بن أبجر عن نوير عن ابن عمر - قوله - ولم يرفعه.
وروى عبد الله الأشجعى عن سفيان عن نوير عن مجاهد عن ابن عمر من قوله، لم يرفعه .
وقد روى أحاديث الرؤية عن النى صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه ، منهم : جرير بن
عبد الله، وأبو رزين العقيلى، وأبو هريرة ، وأبو سعيد ، وصهيب ، وجابر ، وأبو موسى،
وعبد الله بن مسعود، وابن عباس ، وابن عمر، وأنس بن مالك ، وعدى بن حاتم ، وعمار
ابن ياسر ، وعمرو بن ثابت الأنصارى ، وابن عمر ؛ رضى الله عنهم.
وروى إسرائيل عن أبى إسحاق عن عامر بن سعد عن أبى بكر الصديق فى قول الله عز
وجل (٢٦:١٠ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال ((الزيادة النظر إلى الله عز وجل) ورواه
أبو إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة .
قال الحاكم أبو عبد الله: وتفسير الصحابى عندنا مرفوع .
وقال الإمام أحمد فى رواية الفضل بن زياد : قال سمعته - وبلغه عن رجل أنه قال: إِن الله
لايرى فى الآخرة - فغضب غضباً شديداً، ثم قال: من قال: إن الله لا يرى فى الآخرة فقد
کفر ، فعلیه لعنة الله وغضبه ، من کان من الناس ، أليس الله عز وجل يقول (٢٣،٢٢:٧٥
وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) وقال (١٥:٨٣ كلا، إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)
فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله .

- ١٢٠ -
فإنما هو خَلْقٌ من خلقِ الله، فالله أعظم )).
وأخرجه ابن ماجة .
وأبو رَزين العُقيلى: له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعداده:
فى أهل الطائف. وهو: لَقِيط بن عامر. ويقال: لقيط بن صَبرة. هكذا ذكره
البخارى وابن أبى حاتم وغيرهما.
وقيل : هما اثنان . ولقيط بن عامر غيرُ لقيط بن صبرة. والصحيح الأول.
وقال أبو عمر بن عبد البر النّمرى: فمن قال: لقيط بن صبرة : نسبه إلى
جده . وهو لقيط بن عامر بن صَبُرة .
وقال حنبل بن إسحاق : سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله لا يرى فى
الآخرة، وقال الله عز وجل ( كلا، إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فلا يكون هذا إلا أن
الله عز وجل يرى ، وقال ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فهذا النظر إلى الله ،
والأحاديث التى رويت عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إنكم ترون ربكم)) صحيحة، وأسانيدها
غير مدفوعة. والقرآن شاهد: أن الله يرى فى الآخرة.
وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل - وقد ذكر عنده شىء فى الرؤية - فغضب ؛ وقال :
من قال : إن الله لا یری ، فهو كافر .
وقال عباس الدورى : سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول - وذكر عنده هذه الأحاديث
فى الرؤية - فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض.
وقال عبد الله بن وهب : قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم
وقال المزنى : سمعت ابن هرم القرشي يقول : سمعت الشافعى يقول فى قول الله عز وجل
( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) قال : فلما حجبهم فى السخط كان فى هذا دليل على أنهم
يرونه فى الرضا ، قال : فقال له أبو النجم القزويني : يا أبا إبراهيم ، به تقول؟ قال : نعم ، وبه
أدين الله، فقام إليه عصام، فقبل رأسه، وقال: ياسيد الشافعيين ، اليوم بيضت وجوهنا .
ذكره الحاكم فى مناقب الشافعى .