Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
٤٥٤٧ - وعن عائشة رضى الله عنها، قالت ((قلتُ: بارسول الله، ذرارئ
المؤمنين؟ فقال: مِنْ آبائهم: فقلت: يارسول الله، بلا عمل؟ قال: الله أعلم
بما كانوا عاملين. قلت: يارسول الله. فذراري المشركين؟ قال: مِنْ آبَائِهِمْ،
قلت: بلا عمل؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين))
٤٥٤٧ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث عائشة ((ثم من آبائهم)) ثم قال :
حديث عائشة ((قلت يارسول الله)) من رواية عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف عنها،
وليس بذاك المشهور ، ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أبى أمية « أن البراء بن عازب أرسل
إلى عائشة يسألها عن الأطفال ؟ فقالت - الحديث )) هكذا قال مسلم بن قتيبة عن عمر ، وقال
غيره : عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء .
وأما مارواه أبو عقيل عن أبى المتوكل الناجى عن بهية عنها ((أنها سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن أولاد المسلمين: أين هم ؟ قال: فى الجنة ، وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم
القيامة ؟ قال: فى النار ، فقلت: لم يدركوا الأعمال، ولم نجر عليهم الأقلام ؟ قال: ربك أعلم
بما كانوا عاملين، والذى نفسى بيده، لو شئت أسمعتك تضاغيهم فى النار».
حدیث واه يعرف به واه ، وهو أبو عقيل .
ثم ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله : أحاديث الباب إلى آخره ، ثم قال:
هذا ما ذكره أبو داود وفى الباب حديث (( كل مولود يولد على الفطرة » لفظ الصحيحين
فيه (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة وأبواه يهودانه - الحديث)).
وفى لفظ آخر (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه ،
فقال رجل : أرأيت يارسول الله ، لو مات قبل ذلك؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)).
وفى لفظ آخر « مامن مولود يولد إلا وهو على الملة)).
وفى لفظ آخر ((على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه)).
وفى لفظ آخر « ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه)).
وفى لفظ آخر (( ما من يولد يولد إلا على الفطرة».
وفى لفظ آخر «كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه و
يمجسانه ، فإن كانا مسلمين فمسلم ».
وهذه الألفاظ كلها فى الصحيحين إلا لفظ ((الملة)) فهو لمسلم.
وكذا لفظ ((يشركانه )) فله أيضاً.
م ٦ - مختصر السنن - ح ٧

- ٨٢ --
٤٥٤٨ - وعنها رضي الله عنها، قالت «أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بَصَبِىّ من
الأنصار يُصلِّى عليه . قلتُ يارسولَ الله، طُوبَى لهذا، لم يَعْمَلْ شراً ولم يَدْرِ بِهِ،
فقال: أو غير ذلك، ياعائشة، إن الله خلق الجنّة وخَلَق لها أهْلاً ، وخلقها لهم
وهم فى أصْلاب آبائهم ، وخلق النارَ وخلق لها أهلا، وخلقها لهم وهم فى أصلاب
آبائهم)).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة .
وكذا قوله « حتى يعبر عنه لسانه )) .
وكذا لفظ ((فان كانا مسلمين فمسلم )) لمسلم وحده .
وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان، لا جملة واحدة ، وأن قوله (( كل
مولود يولد على الفطرة)) جملة مستقلة، وقوله ((أبواه يهودانه - إلى آخره)) جملة أخرى.
وهويبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة، وأن المعنى : كل مولود يولد بهذه الصفة
فأبواه يهودانه، وجعل الخبر عند قوله ((بهودانه إلى آخره)).
وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل .
ويدل أيضاً على أن الفطرة هى فطرة الإسلام ، ليست الفطرة العامة التى فطر عليها من
الشقاوة والسعادة، لقوله (على هذه الفطرة)) وقوله ((على هذه الملة).
وسياقه أيضاً يدل على أنها هى المرادة، لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيرانها، ولو كانت
الفطرة هى فطرة الشقاوة والسعادة لقوله ((على هذه الفطرة)) لكان الأبوان مقدرين لها .
ولأن قراءة قوله تعالى (٣١:٣٠ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين
القيم ) عقب الحديث : صريح فى أن المراد بها فطرة الاسلام، ولأن تشبيه المولود فى ولادته
عليها بالنهيمة الجمعاء ، وهى الكاملة الخلق، ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التى جدعها أهلها
فقطعوا أذنها : دليل على أن الفطرة هى الفطرة المستقيمة السليمة ، وما يطرأ على المولود من
التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير فى ولد البهيمة، ولأن ((الفطرة)) حيث جاءت مطلقة
معرفة باللام لايراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام، وهى الفطرة الممدوحة، ولهذا جاءفى حديث
الاسراء (( لما أخذ النى صلى الله عليه وسلم اللبن، قيل له: أصبت الفطرة)) ولما سمع النبى
صلى الله عليه وسلم المؤذن يقول ((الله أكبر الله أكبر)) قال ((على الفطرة)) وحيث جاءت
(الفطرة)» فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بها فطرة الاسلام لا غير، ولم يجىء

- ٨٣ -
٤٥٤٩ - وعن الأعرج ، عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةَ، فَأَوَاهُ يُهُوِّدانه ويُنَصِّرانه،
٤٥٤٩ - ذكر أبو داود فى تفسيره عن حماد بن سلمة أنه كان يقول: هذا عندنا حيث أخذ الله
عليهم العهد فى أصلاب آبائهم فقال (ألست بربكم ؟ قالوا : بلى).
قلت : معنى قول حماد فى هذا حسن : وكأنه ذهب إلى أنه لا عبرة للإيمان الفطرى ،
فى أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعى المكتسب بالإرادة والفعل.
ألا ترى أنه يقول ((فأبواه يهودانه وينصرانه)) فهو مع وجود الإيمان الفطرى فيه
محكوم له بحكم الأبوين الكافرين .
قط فى كلامه مراداً بها قطرة الشقاوة وابتداء الخلقة فى موضع واحد .
ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ، وأنه يستحيل فيه النسخ، كما قال بعضهم ، لأنه
خبر محض ، وليس حكما يدخل تحت الأمر والهى ، فلا يدخله النسخ .
وأما حديث عائشة فى قصة الصبى من الأنصار ، فرده الامام أحمد وطعن فيه ، وقال : من
يشك أن أولاد المسلمين فى الجنة ؟ وقال أيضاً: إنهم لا اختلاف فيهم .
وأما مسلم : فأورده فى صحيحه كما تقدم .
ومن انتصر للحديث وصحيحه يقول : الانكار من النبى صلى الله عليه وسلم على عائشة إنما
كان لشهادتها للحفل المعين بأنه فى الجنة ، كالشهادة للمسلام المعين ؛ فان الطفل تبع لأبويه ، فاذا
كان أبواه لا يشهد لهما بالجنة ، فكيف يشهد للطفل التابع لهما ؟ .
والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم ؛ فيجب الفرق بين
المعين والمطلق .
وفى صحيح أبى حاتم من حديث عبد الله بن ضمرة عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((ذرارى المؤمنين يكفلهم إبراهيم صلي الله عليه وسلم فى الجنة)).
وقد روى البخارى فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
مما يكثر أن يقول لأصحابه : هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله أن
يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: أتانى الليلة آتيان - فذكر حديث الرؤيا بطوله - إلى أن
قال : فأتينا على روضة معتمة من كل لون الربيع ، وإذا بين ظهرى الروضة رجل طويل ،
لا أكاد أرى رأسه طولا فى السماء، وإذا حول الرجل أكثر ولدان رأيتهم قط - وقال فيه -
وأما الرجل الطويل الذى فى الروضة : فانه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؛ وأما الولدان الذين

- ٨٤ -
كما تَنَاتَجُ الإبلُ من بهيمة ◌َجْمَاءَ، هل ◌ُحِسُ فيها من جَدْعَاء؟ قالوا: يارسول الله
أفرأيتَ من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلمُ بما كانوا عاملين))
وفيه وجه ذهب إليه عبد الله بن المبارك ، حين سئل عنه ، فقال فى تفسير قولهحین سئل
عن الأطفال فقال ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) يريد - والله أعلم - أن كل مولود من البشر
إنما يولد على فطرته التى جُبل عليها من السعادة والشقاوة ،. وعلى ما سبق له من قدر الله
وتقدم من مشيئته فيه: من كفر أو إيمان . فكل منهم صائر فى العاقبة إلى ما فطر عليه، وخلق
له ، وعامل فى الدنيا بالعمل المشاكل لفطرته فى الشقاوة والسعادة .
حوله : فكل مولود مات على الفطرة، قال : فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد
المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين»
وفى الصحيحين عن ابن عباس «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟
فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم»
وفى الصحيحين عن أبى بن كعب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( إن الغلام الذى قتله الخضر، طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً)).
وفى الصحيحين عن الصعب بن جثامة قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدار
من المشركين ، يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال : هم منهم)
۔
وفى لفظ لهما « هم من آبائهم)).
وهذه الأحاديث لا تناقض بينها ، بل يصدق بعضها بعضاً .
وقد اختلف العلماء فى الأطفال على ثمانية أقوال .
أحدها : الوقف فيهم ، وترك الكلام فى مستقرهم ، ويؤكل علمهم إلى الله تعالى .
قال هؤلاء : وظواهر السنن، وأجوبة النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عباس ،
وأبى هريرة رضي الله عنهم يدل على ذلك، إذ وكل علمهم إلى الله، وقال «الله أعلم بما كانوا
عاملين )) .
قالوا : وقد روى ابن حبان فى صحيحه من حديث جرير بن حازم قال : سمعت أبارجاء
العطاردى قال : سمعت ابن عباس يقول - وهو على المنبر - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لا يزال أمر هذه الأمة قواما أو مقارباً، ما لم يتكلموا فى الولدان والقدر).
قال أبو حاتم الولدان : أراد بهم أطفال المشركين .

-- ٨٥
وأخرجه البخارى ومسلم بمعناه من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن عن
أبى هريرة .
فمن أمارات الشقاوة للطفل: أن يولد بين يهوديين ، أونصرانيين فيحملاته - لشقائه -
على اعتقاد دين اليهود أو النصارى ، أو يعلمانه اليهودية أو النصرانية، أو يموت قبل أن يعقل
فيصف الدين ، فهو محكوم له بحكم والديه . إذهو فى حكم الشريعة تبع لوالديه ، وذلك
معنى قوله (( فأبواه يهودانه أوينصرانه)).
وفما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يجب فيهم بالوقف ، وإنما
وكل علم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم ((كيف يكونون مع آبائهم
بغير عمل؟)) وهو طرف من الحديث.
ويدل عليه حديث عائشة الذى ذكره أبو داود فى أول الباب، والنى صلى الله عليه وسلم
وكل العلم بعملهم إلى الله، ولم يقل ((الله أعلم حيث يستقرون. أو أين يكونون)).
فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة .
وأما حديث أبى رجاء عن ابن عباس فى المنع من الكلام فيهم . ففى القلب من رفعه شيء.
وبالجملة: فانما يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم ، أو ضرب الأحاديث فيهم بعضها ببعض ،
كما فعل مع الذين أنكر عليهم كلامهم فى القدر، وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا يذم .
القول الثانى: أن أطفال المشركين في النار. وهذا مذهب طائفة ، وحكاء القاضى أبو يعلي
رواية عن أحمد ، قال شيخنا : وهو غلط منه على أحمد ، وسبب غلطه: أن أحمد سئل عنهم ؟
فقال: هم على الحديث ، قال القاضى: أراد حديث خديجة، إذ « سألت النبي صلى الله عليه وسلم
عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام ؟ فقال : إن شئت أسمعتك تضاغيهم فى النار)).
قال شيخنا : وهذا حديث موضوع ، وأحمد أجل من أن يحتج بمثله، وإنما أراد حديث
عائشة « الله أعلم بما كانوا عاملين)).
والقول الثالث: أنهم فى الجنة، واحتج هؤلاء بحديث سمرة الذى رواه البخارى .
واحتجوا بقوله تعالى (١٥:١٧ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وبقوله (٦٧: ٩،٨
كما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ قالوا : بلى ، قد جاءنا نذير فكذبنا، وقلنا :
ما نزل الله من شىء) فهذا دليل على أن كل فوج يلقى فى النار لابد وأن يكونوا قد جاءهم النذير
وكذبوه، وهذا ممتنع في حق الأطفال .

- ٨٦ -
٤٥٥٠ - وعن ابن وَهْبٍ - وهو عبد الله - قال: سمعت مالكا، قيل له: ((إن
أهل الأهواءِ يَحْتَجُون علينا بهذا الحديث، قال مالك: احتجَّ عليهم بآخره ،
قالوا: أرأيتَ من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين))
ويشهد لهذا المذهب: حديث عائشة رضى الله عنها ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بصبى
من الأنصار يصلى عليه ، فقلت: يارسول الله طوبى لهذا. لم يعمل شيئًا. ولم يدر به . قال:
أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً ، وخلقها لهم وهم فى أصلاب
آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلا ، وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم)).
وقد ذكره أبوداود فى هذا الباب .
واحتجوا بقوله تعالى لإبليس (٨٥:٣٨ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين)
قالوا ؛ فإذا امتلأت منه ومن أتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم .
واحتجوا بقوله (١٦٥:٤ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)
قالوا : فالله تعالى لا يعذب أحداً إلا بذنبه ، فالنار دار عدله لا يدخلها أحد إلا بعمل ، وأما
الجنة فدار فضله ، يدخلها بغير عمل ، ولهذا ينشىء للفضل الذى يبقى فيها أقواماً يسكنهموه.
وأما الحديث الذى ورد فى بعض طرق البخارى ((وأما النار فينشىء الله لها خلقاً يسكنهم
إياها)) فغلط من الراوى، انقلب عليه لفظه، وإنما هو ((وأما الجنة فان الله ينشىء لها خلقاً)
وقد ذكره البخارى ، وسياق الحديث يدل على ذلك .
قالوا: وأما حديث عائشة والأسود بن سريع : فليس فيه أنهم فى النار ، وإنما فيه « أنهم
من آبائهم تبع لهم فى الحكم)) وأنهم إذا أصيبوا فى البيات (١) لم يضمنوا بدية ولا كفارة
وهذا ظاهر فى حديث الأسود .
وأما حديث عائشة : فقد ضعفه غير واحد .
قالوا : وحديث خديجة باطل لا يصح.
والقول الرابع: أنهم بين الجنة والنار ، إذ لا معصية لهم توجب دخول النار ، ولا إسلام
يوجب لهم دخول الجنة .
وهذا أيضاً ليس بشىء ، فانه لادار للقرار إلا الجنة والنار ، وأما الأعراف فان مآل
أصحابها إلى الجنة ، كما قاله الصحابة (٢).
٢) بل كما هو صريح
(١) البيات : هو أن يبيت العدو بالليل وهم غافلون فی نومهم.
القرآن . فإن رجال الأعراف : هم شهداء الله على خلقه من النبيين والصديقين .

- ٨٧ -
٤٥٥١ - وعن حَجَّاج بن المنهال، قال: سمعت ◌َّاد بن سَلَمَة يُفَسِّر حديثَ ((كل
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة
أم المؤمنين رضى الله عنها .
ويشهد له أيضاً حديث أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
فى قوله تعالى (١٨: ٨٠ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) ((وكان طبع يوم طبع كافراً ))
والقول الخامس : أنهم تحت المشيئة ، يجوز أن يعذبهم وأن ينعمهم، وأن يعذب بعضاً
وهذا قول كثير من المثبتين للقدر، وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم.
والقول السادس : أنهم ولدان أهل الجنة وخدمهم ، وقد روى فى ذلك حديث لا يثبت .
والقول السابع: أن حكمهم حكم الآباء فى الدنيا والآخرة ، فلا حكم لهم غير حكم آبائهم .
فكا هم تبع لآبائهم فى الدنيا كذلك هم لهم تبع فى الآخرة .
والقول الثامن : أنهم يمتحنون فى الآخرة ؛ ثمن أطاع منهم أدخله الله الجنة ، ومن عصى
عذبه، وقد روى فى هذا من حديث الأسود بن سريع وأبى هريرة وغيرهما، وهى أحاديث
يشد بعضها بعضاً .
وهذا أعدل الأقوال ، وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث فى هذا الباب .
وعلى هذا فيكون بعضهم فى الجنة ، كما فى حديث سمرة ، وبعضهم فى النار ، كما دل عليه
حديث عائشة. وجواب النبى صلى الله عليه وسلم يدل على هذا، فانه قال « الله أعلم بما كانوا
عاملين إذ خلقهم » .
ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه ، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب
على معلومه ، وهو متعلق علمه السابق فيه، لاعلى علمه المجدد، وهذا العلم يظهر معلومه فى
الدار الآخرة .
وفى قوله (( اللّه أعلم بما كانوا عاملين)) إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين
لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان كان ممن يطيعه لو عاش فى الدنيا ، ومن يعصيه حينئذ
كان ممن يعصيه لو عاش فى الدنيا ، فهو دليل على تعلق علمه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون
وقيل : إنما قاله النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه الله بمصيرهم ومستقرهم.
وليس بشىء ، فانه لاتعرض فى هذا للمستقر ، كما تقدم :
وقيل : معناه : الله أعلم على أى دين يميتهم ، لو عائنوا وبلغوا العمل، فأما إذا عدم فيهم
العمل فهم فى رحمة الله، وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه . والله أعلم.

- ٨٨ -
مولودٍ يولّدُ على الفطرة)) قال ((هذا عندنا: حيث أخذَ الله عليهم العهد فى
قلت : وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون معناه: أن كل مولود من البشر إنما
يولد فى مبدأ الخلقة وأصل الجبلّة على الفطرة السليمة ، والطبع المتهيىء القبول
الدين . فلوترك عليها وخَلَّى سبيله لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها . لأن هذا
الدين موجود حسنه فى العقل، وبشره في النفوس . وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره
ويؤثره عليه لآفة من آفات فساد النشوء والتقليد. فلو سلم المولود من تلك الآفات لم يعتقد.
غيره . ولم يختر عليه ما سواه. ثم مثل بأولاد اليهود والنصارى فى اتباعهم لآبائهم، والميل
إلى أديانهم ، فيزولون بذلك عن الفطرة السليمة ، وعن الحجة المستقيمة .
وفيه أقاويل أخر. قدذكرتها فى مسئلة أفردتها فى تفسير الفطرة .
وفيما أوردته ههنا كفاية على ما شرطناه من الاختصار فى هذا الكتاب .
وأصل ((الفطرة)) فى اللغة: ابتداء الخلق، ومنه قول الله سبحانه (٣٥: ١ الحمد لله
فاطر السموات والأرض) أى مبتديها، ومن هذا قولهم : فَطَرَ نابُ البعير: اذا طلع .
ويروى عن ابن عباس رضى الله عنهماانه قال ((لم أعلمما (فاطر السموات) حتي اختصم
إلى أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فاطرها. أى حافرها ومقترحها)).
وقوله ((من بهيمة جمعاء)) فإن ((الجمعاء)) هي السليمة، سميت بذلك لاجتماع السلامة.
لها فى أعضائها .
يقول : إن البهيمة أول ما تولد تكون سليمة من الجدع والخرم ونحو ذلك من العيوب
حتى يحدث فيها أربابُها هذه النقائص . كذلك الطفل يولد مفطوراً على خلقته السليمة .
ولو ترك عليها لسلم من الآفات ، إلا أن والديه يزينان له الكفر . ويحملانه عليه.
قلت : وليس فى هذا ما يوجب حكم الايمان له ، إنما هو ثناء على هذا الدين ، وإخبار
عن سر محله من العقول ، وحسن موقعه من النفوس . والله أعلم .
١

- ٨٩ -
أصلاب آبائهم، حيث قال (٧: ١٧٢ ألستُ بربكم؟ قالوا : بلى (١))
(١) يعنى حماد بن سلمة: أن الفطرة: هى العهد الذى أخذه الله عليهم فى أصلاب آبائهم. الذى
تشير إليه الآية (١٧٢:٧ وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم:
ألست بربكم؟ قالوا: بلى. شهدنا: أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا
إنما أشرك آباؤنا من قبل ، وكنا ذرية من بعدهم ، أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟)
وقد ذكر الحافظ ابن كثير فى تفسير الآية : قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد
حدثنا جرير - يعنى ابن حازم - عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن
النبى صلى اله عليه وسلم قال (( إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فأخرج من
صلبه كل ذرية برأها . فنثرها بين يديه ، ثم كلهم قال: ألست بربكم؟ قالوا : بلي - الحديث))
وقد روى هذا الحديث النسائى فى كتاب التفسير من سننه عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة
عن الحسين بن محمد المروزى به . ورواه ابن جرير وابن أبى حاتم من حديث حسين بن
محمد به ، إلا أن ابن أبى حاتم جعله موقوفا . وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبير عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس . فوقفه. وكذا رواه اسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن
كلثوم عن جبير عن أبيه به. وكذا رواه عطاء بن السائب ، وحبيب بن أبى ثابت وعلى بن
بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . وكذا رواه عطية العوفى وعلى بن طلحة عن ابن
عباس فهذا أكثر وأثبت . والله أعلم - ثم رواه عن ابن جرير من طرق أخرى عن ابن
عباس . ثم قال: فهذه الطرق كلها مما يقوى وقف هذا على ابن عباس - إلى أن قال :
وأن الاشهاد عليهم - يعنى بنى آدم - هناك بأنه ربهم . فما هو إلا فى حديث كلثوم بن جبير
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . وفى حديث عبد الله بن عمرو. وقد بينا أنهما موقوفان
لا مرفوعان . ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الاشهاد : إنما هو
فطرهم على التوحيد. كما تقدم فى حديث أبى هريرة وعياض بن حمار المجاشعى ومن رواية الحسن
البصرى عن الأسود بن سريع .. وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا: ولهذا قال ( وإذ أخذ
ربك من بنى آدم) ولم يقل: من آدم (من ظهورهم) ولم يقل من ظهره. (ذرياتهم) أى
جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن. كقوله تعالى (٦: ١٦٥ وهو الذى جعلكم
خلائف الأرض) وقال (٢٧: ٧٢ ويجعلكم خلفاء الأرض) وقال (٦: ٣٣ كما أنشأكم من
ذرية قوم آخرين ) و (أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى ) أى أوجدهم شاهدين
بذلك ، قائلين له حالا وقالا . والشهادة تارة تكون بالقول . كقوله (قالوا : شهدنا على
أنفسنا) وتارة تكون حالا. كقوله تعالى (٩: ١٥ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد
اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر) أى حالهم شاهد عليهم بذلك اهـ باختصار .

- ٩٠ -
٤٥٥٢ - وعن عامر - وهو الشَّعْىُّ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((الوائدةُ والموءودة فى النار))
قال يحيى - وهو ابن زكريا بن أبى زائدة - قال أبى: حدثنى أبو إسحاق
- يعني السبيعى -: أن عامرا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى
صلى الله عليه وسلم.
٤٥٥٣ - وعن أنس - وهو ابن مالك رضى الله عنه - أن رجلا قال ((يارسول الله
أين أبى؟ قال: أبوك فى النار. فلما قَّى (١) قال: إن أبي وأباكَ فى النار))
وأخرجه مسلم .
٤٥٥٤ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنّ الشيطان يجرى
من ابن آدم ◌َجْرَى الَّمِ ))
وأخرجه مسلم بطوله.
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة من حديث صفية بنتِ حُّّ
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم فى كتاب الصيام.
٤٥٥٥ - وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال
(( لا يُحَالسُوا أهْلَ الْقَدَر، ولا تفاتحوهم - الحديث)) وقد تقدم.
= معنى الآية: أن ربنا أشهدهم بأخذ النطف من الآباء إلى أرحام الأمهات، ثم تخليقها طورا
بعد طور ، ثم إخراجهم بشرا سويا، ثم تنشئتهم وتربيتهم وبما أقام لهم فى أنفسهم وفى الآفاق
من الآيات التي يخضعون خضوعا كونيا بها للروبية . فيشهدون بهذا الخضوع وبحالهم فيه : أنه
هوربهم الذى يربيهم بنعمه وآلائه وآياته الكونية والعلمية وحده. فكيف بعد هذا يتخذون من
دونه آلهة وأندادا من بنى الإنسان يعبدونهم مع الله، ويقعون فى ذلك الشرك القبيح مقلدين
للا باء الغافلين المبطلين ؟ !.
(١) «قفى)) أى: ولى قفاه .

- ٩١ -
باب فى الجهمية(١) [٣٦٧:٤]
٤٥٥٦ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يزالُ
الناسُ يتساءلون، حتى يقال هذا: خَلَقَ الله الْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فمن وَجَدَ
من ذلك شيئاً فليقل : آمنتُ بالله ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٤٥٥٧ - وعنه رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
- فذكر نحوه - قال: ((فإذا قالوا ذلك، فقولوا: (الله أَحَدٌ، الله الصَّمَدُ ،
لم يَلِدْ، ولم يولد، ولم يكن له كُفواً أحد) ثم لِيْفِلَ عن يساره- ثلاثاً ..
ولَيَسْتَعِذْ من الشيطان)).
وأخرجه النسائى .
وفى إسناده : محمد بن إسحاق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه .
وفى إسناده أيضاً: سلمة بن الفضل قاضى الرَّى. ولا يحتج به.
٤٥٥٨ - وعن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، قال: ((كنتُ فى البطحاء
فى عِصابة ، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرَّتْ بهم سَحابة، فنظر إليها
٤٥٥٨ - ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : حديث العباس الذى فيه ذكر بعدما بين
سماء وسماء ثم قال :
قد رد هذا الحديث بشيئين .
(١) منسوبون إلى الجهم بن صفوان السمر قندى، قال الذهبي فى الميزان: هو الضال المبتدع
رأس الجهمية، هلك فى زمان صغار التابعين ، زرع شراً عظيما . وقال المرتضى الزبيدى:
قتل فى آخر دولة بنى أمية . ومن قوله الخبيث: إن ربه لا يوصف بأنه شىء ، ولا بأنه حى عالم
وزعم أن وصف ربه بذلك يقتضى التشبيه ، تعالى الله ربنا عما يقول الجهم الخبيث وإخوانه
الظالمون علواً كبيراً .

- ٩٢ -
فقال: ما تُسَمُونَ هذه؟ قالوا: السحاب ، قال: والمزْنَ. قالوا: والمزن ، قال:
واْعَنَن. قالوا: والعنان)) - قال أبو داود: لم أتقن ((العنان)) جيداً - قال
صلى الله عليه وسلم ((هل تَدْرُون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لاندرى،
قال: إن بُعْدَ مابينهما: إمّا واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء
أحدهما بأن فيه الوليد بن أبى ثور ، ولا يحتج به .
والثانى : بما رواه الترمذى من حديث قتادة عن الحسن عن أبى هريرة قال « بينما نی الله
صلى الله عليه وسلم جالس فى أصحابه، إذاتى عليهم سحاب ، فقال النبى صلى الله عليه : هل تدرون
ماهذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هذا العنان ، هذه روايا الأرض ، يسوقها الله تعالى
إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه ، ثم قال: هل تدرون مافوقكم؛ قالوا: الله ورسوله أعلم،
قال: إنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف ، ثم قال : هل تدرون كم بينكم وبينها؟
قالوا : الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة ، ثم قال : هل تدرون مافوق ذلك ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم . قال: فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما خمسمائة سنة ، حتى عد سبع
سموات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ، ثم قال : هل تدرون مافوق ذلك ؟ قالوا :
الله ورسوله أعلم؛ قال : فان فوق ذلك العرش ، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ، ثم
قال : هل تدرون ما الذى تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال فإنها الأرض. ثم قال: هل
تدرون ما الذى تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن تحتها أرضاً أخرى ، بينهما
مسيرة خمسمائة سنة ، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ، ثم قال :
والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله، ثم قرأ ( ٥٧: ٣
هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شىء عليم (١))
قالوا : هذا خلاف حديث العباس فى موضعين: فى ذكر بعد المسافة بين السموات ، وفى
نفى اختصاص الرب بالفوقية .
قال المثبتون : أما رد الحديث الأول بالوليد بن أبى ثور : ففاسد، فإن الوليد لم ينفرد به .
بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان ، كلاهما عن سماك، ومن طريقه : رواه أبو داود ، ورواه
أيضاً عمرو بن أبى قيس عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذى عن عبد بن حميد حدثنا
(١) رواه الترمذى فى تفسير سورة الحديد، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.

- ٩٣ -
فوقها كذلك - حتى عَدَّ سَبْ سموات -ثم فوق السابعة بحرٌ ، بين أسفله وأعلاه
مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماء، ثم فوقَ ذلك ثمانية أو عالٍ، بين أظلافهم ورُّكَبهم
مثلُ ما بين سماء إلى سماءٍ، ثم على ظهورم العرش، بين أسفله وأعلاه : مثل ما بين
سماء إلى سماء ، ثم الله تبارك وتعالى فوقَ ذلك)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب . وروى
شَريك بعضَ هذا الحديث عن سماك. فوقفه . هذا آخر كلامه .
وفى إسناده: الوليد بن أبى ثور ، ولا يحتج بحديثه.
عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن قيس، قال الترمذى : قال عبد بن حميد : سمعت يحيى بن
معين يقول : ألا تريدون بن عبد الرحمن بن سعد أن يحج حتى نسمع منه هذا الحديث.
ورواه الوليد بن أبى ثور عن سماك ، ومن حديثه رواه ابن ماجة فى سننه .
فأى ذنب للوليد فى هذا؟ وأى تعلق عليه؟ وإنما ذنبه : راويته ما يخالف قول الجهمية .
وهى غلته المؤثرة عند القوم .
وأما معارضته لحديث الحسن عن أبى هريرة ففادة أيضاً ، فإن الترمذى ضعف حديث
الحسن هذا، وقال فيه : غريب فقط ، قال: ويروى عن أيوب ، ويونس بن عبيد، وعلى
ابن زيد قالوا : لم يسمع الحسن من أبى هريرة .
قال الترمذى : فسر بعض أهل العلم هذا الحديث ، فقالوا: إنما معناه : هبط على علم الله
وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه فى كل مكان ، وهو على العرش كما وصف نفسه فى
كتابه.
وهذا التفسير الذى ذكره الترمذى يشبه التفسير الذى حكاه البيهقى عن أبى حنيفة رحمه
الله فى قوله تعانى (٥٧: ٤ وهو معكم أينما كنتم ) فانه قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث لفقيه
أخبرنا أبو محمد بن الحباب أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر حدثنا يحيى بن يعلى قال: سمعت نعيم
ابن حماد يقول: سمعت نوح بن أبى مريم يقول ((كنا عند أبى حنيفة، أول ما ظهر، إذ حاءته
امرأة من ترمذ، كانت تجالس جهماً، فدخلت الكوفة فأظننى أول ما رأيت عليها عشرة
الآلاف من الناس يدعون إلى رأيها ، فقيل لها : إن ههنا رجلا نظر فى المعقول ، يقال له :
أبو حنيفة، فأتته فقالت : أنت الذى تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إمت الذى
تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتاباً: إن الله
٠٠

- ٩٤ -
٤٥٥٩ - وعن جُبير بن محمد بن جبير بن مُطْعٍمْ، عن أبيه، عن جده، قال (( أتى
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعرابىٌّ، فقال: يارسولَ الله، جَهِدَتِ الأنفُسُ،
وضاعتِ العيالُ، ونُكَتْ الأموالُ، وهَلكت الأنعامُ ، فاسْتَسْقِ اللهَ لنا .
٤٥٥٩ - قال الشيخ : هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية
عن الله وصفاته منفية .
فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة.
وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل
تعالى فى السماء دون الأرض. فقال له رجل : أرأيت قول الله تعالى (وهو معكم) قال : هو
كما تكتب إلى الرجل : إنى معك، وأنت غائب عنه)) .
قال البيهقى : فقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الله تعالى من الكون فى الأرض.
وفيما ذكر من تأويل الآية : تبع مطلق السمع فى قوله: إن الله عز وجل فى السماء.
هذا لفظه فى كتاب الأسماء والصفات .
قالوا : وأما اختلاف مقدار المسافة فى حديثى العباس وأبى هريرة : فهو مما يشهد بتصديق
كل منهما الآخر ، فان المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها ، فسير البريد
مثلا: يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات، وهذا معلوم بالواقع ، فما تسيره الإبل سيراً
قاصداً فى عشرين يوماً يقطعه البريد فى ثلاثة ، حيث قدر النبى صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد
به السير السريع سير البريد، وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذى يعرفونه سير الإبل
والركاب ، فكل منهما يصدق الآخر ، ويشهد بصحته، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه
اختلافاً كثيرا .
٤٥٥٩ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث ابن إسحاق الذى فيه ((وإن عرشه فوق
سماواته كالقبة)» وتعليل المنذری له ، ثم قال :
قال أهل الاثبات : ليس فى شىء من هذا مستراح لكم فى رد الحديث.
أما حملكم فيه على ابن إسحاق : جوابه : أن ابن إسحاق بالموضع الذى جعله الله من العلم
والأمانة . قال على بن المدينى : حديثه عندى صحيح ، وقال شعبة : ابن إسحاق أمير المؤمنين فى
الحديث ، وقال أيضاً: هو صدوق، وقال على بن المدينى أيضاً: لم أجد له سوى حديثين
منكرين .

- ٩٥ -
فإنَّا نَسْتَشْفِعُ بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: وَيْحَكَ ! ! أتدرى ما تقول؟ وسَبَّح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فما
زال يُسبح حتى عُرِف ذلك فى وجوه أصحابه، ثم قال: وَيْحَكَ !! إنه لا يُسْتَشْفَعُ
بالله على أحدٍ من خلقه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك؛ ويحك !! أتدرى ما الله؟
من حيث يدركه فهمه. إذا كان أعرابياً جلفاً لاعلم له بمعانى ما دق من الكلام ، وبما لطف
منه عن درك الافهام (١)
وفى الكلام حذف وإضمار
فمعنى قوله ((أتدرى ما الله)) معناه. أتدرى ما عظمة الله وجلاله؟.
وهذا فى غاية الثناء والمدح ، إذ لم يجد له - على كثرة ماروى - إلا حديثين منكرين.
وقال على أيضاً : سمعت ابن عيينة يقول : ماسمعت أحداً يتكلم فى ابن إسحاق إلا فى قوله
فى القدر ، ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم .
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعى يقول: قال الزهرى: لا يزال بهذه
الحرة علم ما دام بها ذلك الأحول ، يريد ابن إسحاق .
١
وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين: كيف ابن إسحاق ؟ قال : ليس بذاك ، قلت: ،
ففى نفسك من حديثه شيء ؟ قال : لا ؛ كان صدوقاً .
وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لو كان لى سلطان لأمرت ابن إسحاق على
المحدثين .
(١) هذا الكلام على مذهب الخطابي رحمه الله فى التأويل والله يغفرلنا وله.
أما مذهب أهل السنة: فيؤمنون بأن هذا العربى أصدق فهما ، وأعرف بمذاهب الكلام
من أى واحد من المؤولين وشيوخهم . وكيف يظن هذا؟ والمخاطب له رسول الله صلى الله
عليه وسلم. الذى أرسله الله ليبين للناس، لا ليكلمهم بما يوهم الباطل. حاشا رسول الله
صلى الله عليه وسلم من ذلك. ولله المثل الأعلى فى السموات والأرض ( ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير ) وآمنت بالله على ما وصف نفسه وعلى ما وصفه رسوله الصادق صلى الله عليه
وسلم. والله يثبتنا على ذلك.

- ٩٦ -
إِنَّ عرشه على سمواته لَهكذا- وقال بأصابعه مثل القمّة عليه. وإنه لَيْطَ به أطيط
الرَّحل بالراكب - قال ابن بَشَّار فى حديثه: إِن الله فوقَ عرشه، وعَرْشُه فوق
سمواته - وساق الحديث )).
وقوله ((إنه ليئط به)) معناه: أنه ليعجز عن جلاله وعظمته يئط به ، إذ كان معلوماً
أن أطيط الرحل بالراكب : إنما يكون لقوة ما فوقه، ولعجزه عن احتماله .
فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله ، وارتفاع عرشه ، ليعلم أن
الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر، وفخامة الذكر: لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه فى
القدر . وأسفل منه فى الدرجة ، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشىء، أو مكيفاً بصورة خلق
أو مدركاً بحد ( ٢٤: ١١ وليس كمثله شىء وهو السميع البصير).
وقال ابن عدى : قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكبير ، فلم أجد فى حديثه ما يتهيأ أن
نقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وه ، كما يخطىء غيره . ولم يتخلف فى الرواية عند الثقات
والأئمة ، وهو لابأس به.
وقال أحمد بن عبد الله العجلى : ابن إسحاق ثقة .
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق فى صحيحه
وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث ابن إسحاق : حدثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن
أبيه عن سهل بن حنيف قال ((كنت ألقى من المذى شدة، فأكثر الاغتسال منه -
الحديث))
قال الترمذى : هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق ، فهذا حكم فد
تفرد به ابن إسحاق فى الدنيا وقد صححه الترمذى .
فإن قيل : فقد كذبه مالك ، فقال أبو قلابة الرقاشى: حدثنى أبو داود سليمان بن داود
قال : قال يحيى بن القطان : أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب .
قلت: وما يدريك ؟ قال قال لى وهب ، فقلت لوهب : وما يدريك ؟ قال: قال لى مالك
ابن أنس ، فقلت لمالك: وما يدريك؟ قال: قال لى هشام بن عروة ، قال : قلت لهشام :

- ٩٧ -
قال أبو بكر البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى صلى الله عليه
وسلم من وجه من الوجوه ، إلا من هذا الوجه . ولم يقل فيه محمد بن إسحاق
(( حدثنى يعقوب بن عقبة)) هذا آخر كلامه .
وذكر البخارى هذا الحديث فى التاريخ من رواية جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن
جده، ولم يدخله فى الجامع الصحيح .
وما يدريك ؟ قال : حدث عن امرأتى فاطمة بنت المنذر ؛ وأدخلت عليها ، وهى بنت تسع ،
وما رآها رجل حتى لقيت الله .
قيل : هذه الحكاية وأمثالها هى التى غرت من انهمه بالكذب .
وجوابها من وجوه :
أحدها : أن سليمان بن داود - راويها عن يحي - هو الشاذ كونى، وقد اتهم بالكذب ،
فلا يجوز القدح فى الرجل بمثل رواية الشاذ كونى.
الثانى: أن فى الحكاية ما يدل على أنها كذب ، فانه قال «أدخلت فاطمة على وهى بنت تسع»
وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين.
ولما أخذ عنها ابن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة .
الثالث : أن هشاماً إنما نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء
الرؤية انتفاء السماع ، قال الإمام أحمد: لعله سمع منها فى المسجد ، أو دخل عليها حدثته من وراء
حجاب ، فأى شىء فى هذا ؟ فقد كانت امرأةً كبرت وأسنت .
وقال يعقوب بن شيبة: سألت ابن المدينى عن ابن إسحاق ؟ فقال : حديثه عندى صحيح.
قلت : فكلام مالك فيه؟ قال : مالك لم يجالسه، ولم يعرفه، وأى شىء حدث بالمدينة؛ قلت :
فهشام بن عروة قد تكلم فيه ؟ قال : الذي قال هشام ليس بحجة ، لعله دخل على امرأته
وهو غلام، فسمع منها ، فان حديثه لیتبین فيه الصدق ؛ یروی مرة : يقول حدثنى أبو الزناد ،
ومرة يقول: ذكر أبو الزناد ، ويقول: حدثنى الحسن بن دينار عن أيوب عن عمروبن شعيب « فى
سلف وبيع)) وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب .
فصل
وأما قولكم : إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة ، فعلى تقدير العلم بهذا النفى :
م ٧ - مختصر السنن - ج ٧

- ٩٨ -
ومحمد بن إسحاق مُدَّس. وإذا قال المدلس ((عن فلان)) ولم يقل ((حدثنا،
أو سمعت، أو أخبرنا)) لا يحتج بحديثه .
وإلى هذا أشار البزار ، مع أن ابن إسحاق إذا صرح بالسماع اختلف
الحفاظ فى الاحتجاج بحديثه . فكيف إذا لم يصرح به ؟
لايخرج الحديث عن كونه حسناً ، فإنه قد لقى يعقوب ، وسمع منه؛ وفي الصحيح قطعة من
الاحتجاج بعنعنة المدلس ، كأبى الزبير عن جابر ؛ وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر
كثيرة لذلك .
وأما قولكم: تفرد به يعقوب بن عتبة ، ولم يرو عنه أحد من أصحاب الصحيح - فهذا
ليس بعلة باتفاق المحدثين ، فان يعقوب لم يضعفه أحد ، وكم من ثقة قد احتجوا به، وهو غير
مخرج عنه فى الصحیحین ؟
وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير عنه ، فانه ثقة .
وأما قولكم: إن ابن إسحاق اضطرب فيه إلى آخره - فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ
وهم : عبد الأعلى ، وابن المثنى، وابن يسار : على وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق :
أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد عن أبيه ، وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطى
فقال : عن وهب بن جرير عن أبيه : سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير
فإما أن يكون الثلاثة أولى ؛ وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد ، فسمعه منه ابن
إسحاق ، ثم سمعه من جبير نفسه ، حدث به على الوجهين ، وقد قيل : إن الواو غلط ، وأن
الصواب عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد عن أبيه ؛ والله أعلم.
وأما قولكم: إنه اختلف فى لفظه، فبعضهم قال ( ليئط به)) وبعضهم لم يذكر لفظة (( به))
فليس فى هذا اختلاف يوجب رد الحديث ؛ فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره ، ولم يرو
ما يخالفها ، فانها لا تكون موجبة لرد الحديث . فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث.
قالوا : وقد روى هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير حديث ابن إسحاق . فقال
محمد بن عبد الله الكوفى - المعروف بمطين - حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا: حدثنا يحيى
عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال (( أتت النبي صلى الله عليه
وسلم امرأة ، فقالت : ادع الله أن يدخلنى الجنة ؛ فعظم أمر الرب ، ثم قال : إن كرسيه فوق
السموات والأرض، وإنه يقعد عليه ، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ، ثم قال بأصابعه
نجمعها ، وإن له أطيطاً كالخيط الرحل - الحديث))

- ٩٩ -
وقد رواه يحيى بن معين وغيره. فلم يذكروا فيه لفظة (( به)).
وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقى : وقد تفرد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة
بن الأخنس الثقفى الأخسى ، عن جبير بن محمد جبير بن مطعم القرشى النوفلى .
فان قيل : عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان .
قيل: بل هما ثقتان مشهوران: عثمان بن أبى شيبة وعبد الله بن الحكم القطوانى ، وهما من
رجال الصحيح .
١
وفى الصحيحين من حديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( لما قضى الله الخلق كتب فى كتاب ، فهو عنده فوق عرشه: إن رحمق
غلبت غضبى » .
وفى لفظ البخارى «وهو وضع عنده على العرش».
وفى لفظ له أيضاً ((فهو مكتوب فوق العرش)).
((ووضع)) بمعنى موضوع، مصدر بمعنى المفعول ، كنظاره.
وفى صحيح البخارى أيضاً من حديث حماد بن زيد عن ثابت البنانى عن أنس قال « كانت
زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول : زوجكن أهاليكن، وزوجنى الله
من فوق سبع سموات)) .
وفى لفظ للبخارى « كانت تقول: أنكحنى الله فى السماء)).
وفى الصحيحين من حديث أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها
يمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (١)، حتى تكون مثل الجبل)) لفظ البخارى.
وفى الصحيحين من حديث مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة
العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله - وهو أعلم بهم - كيف
تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ؛ وأتيناهم وهم يصلون » ورواه البيهقى بإسناد
الصحيح، وقال (( ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم)) وقال: أخرجاه فى الصحيح .
وفى الصحيحين قصة سعد بن معاذ ، وحكمه فى بنى قريظة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم
(١) ((فلوة)) بفتح الميم وضم اللام وتشديد الواو مفتوحة: المهر.

- ١٠٠ -
وليس لهما فى صحيحَى أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبى الحسن مسلم بن
الحجاج النيسابورى رواية . وانفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب. وابن
((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)) ورواه البيهقى من حديث سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد
عن أبيه، وفيه : فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((لقد حكم فيهم اليوم بحكم الله الذى حكم به
من فوق سبع سموات » .
وقال ابن إسحاق فى حديثه (( لقد حكمت فيهم بحكم الله الذى حكم به من فوق سبعة
أرقعة)) والرقيع من أسماء السماء ، وقد تقدم .
وروى الترمذى والإمام أحمد من حديث الحسن عن عمران بن حصين ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى ((ياحصين، كم تعبد اليوم إلهاً؟ قال أبى: سبعة، ستة فى
الأرض وواحداً فى السماء ، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال : الذى في السماء ، قال :
ياحصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك ؛ قال: فلما أسلم حصين قال: يارسول الله
علمنى الكلمتين اللتين وعدتنى، قال : قل : اللهم ألهمنى رشدى ، وأعذنى من شر نفسى»
وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن الله فى
السماء؛ وحديثها فى مصحيح مسلم .
وثبت عنه فى الصحيح ((أنه جعل يشير بأصبعه إلى السماء - فى خطبته فى حجة الوداع -
وينكسها إلى الناس ويقول: اللهم اشهد)) وكان مستشهداً باللّه حينئذ، لم يكن داعياً ، حتى
يقال: السماء قبلة الدعاء .
وفى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبى نعيم قال : سمعت أبا سعيد الخدرى يقول
((بعث على بن أبى طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة فى أديم مقروظ
لم تحصل من ترابها . فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، وزيد
الخيل، والرابع: إما علقمة بن علائة، وإما عامر بن الطفيل ، فقال رجل من أصحابه : كنا
أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تؤمنونى، وأنا أمين
من فى السماء؟ يأتينى خبر السماء صباحاً ومساء)).
وسيأتى إن شاء الله حديث أبى الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ربنا
الله الذى في السماء، تقدس اسمك، أمرك فى السماء والأرض، كمارحمتك فى السماء - الحديث))
رواه أبو داود فى الطب .
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى قابوس - مولى لعبد الله بن عمرو
ابن العاص - عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ارحموا من فى