Indexed OCR Text
Pages 61-80
- ٦١ - عمر مولى غفرة: لا يحتج بحديثه. ورجل من الأنصار مجهول. وقد روى من طريق آخر عن حذيفة . ولا يثبت . وهذا الاسناد لا يحتج به . وأجود ما فى الباب : حديث حيوة بن شريح : أخبرنى ابن صخر حدثی نافع («ان ابن عمر جاءه رجل. فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث . فإن كان قد أحدث فلا تقرأه منى السلام . فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون فى هذه الأمة - أو أمتى - الشك منه - خسف، ومسخ، أو قذف في أهل القدر)) قال الترمذى: حديث حسن صحيح غريب . والذى صح عن النبى صلى الله عليه وسلم ذمهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج. فإِنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح . لأن مقالتهم حدثت فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم . و کلمه رئیسهم(١). وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم ، والحلول وغيرها من البدع : فأنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة . وبدعة القدر: أدركت آخر عصر الصحابة . فأنكرها من كان منهم حياً ، كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهمارضي الله عنهم. وأكثر مايجىء من ذمهم : فإنما هو موقوف على الصحابة : من قولهم فيه . ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها ، كما حكيناه عنهم. ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين . واستفحل أمرها ، واستطار شرها فى زمن الأئمة ، كالامام أحمد وذويه . ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول ، وظهر أمرها فى زمن الحسين الخلاج . وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها: أقام الله لها من حزبه وجنده من يردها، ويحذر المسلمين منها ، نصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ولأهل الإسلام . وجعله ميراثاً يعرف به حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وولى سننه من حزب البدعة وناصرها . (١) وهو ذو الثدية الذى عاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة ذهيبة. جاء بها على بن أبى طالب من اليمين فقسمها رسول الله بين أربعة نفر فقوله اعدل . فانها قسمة ، لم يرد بها وجه الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا تأمنونى، وأنا أمين من فى السماء؟)) والحديث رواه أصحاب الصحيحين والسنن. والله أعلم. - ٦٢ - ٤٥٢٨ - وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه ، قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم ((إن الله خلقَ آدمَ من قَبْضَةٍ قَبَضها من جميع الأرض، نجاء بنو آدم على قَدْر الأرض: جاء منهم الأحمرُ ، والأبيضُ ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والْحُزْنُ، والحبيثُ، والطيبُ)) وأخرجه الترمذى. وقال: حسن صحيح. ٤٥٢٩ - وعن على رضى الله عنه، قال ((كُنَّا فى جنازةٍ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بِيَقِيعِ الْفَرْقَدِ ، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، تَلَس ومعه ◌ِخْصَرَةٌ فجعل يَنْكُت بالمخصرة فى الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: مامنكم من أحدٍ ، مامن نَفْسٍ منفوسة إلا قد كُتِبَ مكانُها من النار أو الجنة، إلا قد كُثبت شَقِيَّهُ ٤٥٢٩ - قال الشيخ: ((المخصرة)) عصاً خفيفة، يختصر بها الإنسان، يمسكها بيدها . و (( النفس المنفوسة)) هى المولودة، والمنفوس: الطفل الحديث الولادة، يقال: نُفُسِّت المرأَةُ: إذا ولدت ، ونُفُسَت إذا حاضت، ويقال: إنما سميت المرأة نفَاءَ لسيلان الدم ، والنفس : الدم . قلت : فهذا الحديث إذا نأملته أصبتَ منه الشفاء فيما يتخالجك من أمر القدر. وذلك: أن السائل رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائلَ له (( أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل ؟)) لم يترك شيئاً مما يدخل فى أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة فى باب التجويز والتعديل إلا وقد طالب به وسأل عنه. فأعلمه صلى الله عليه وسلم : أن القياس وقد جاء فى أثر لا يحضر نى إسناده « إن لله عند كل بدعة يكاد بها الإسلام : ولياً ينطق بعلاماته )) . فاغتنموا تلك المجالس، وتوكلوا على الله. فإنالرحمة تنزل عليهم. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يلحفنا بهم، وأن يجعلنا لهم خلفاً ، كما جعلهم لنا سلفاً بمنه وكرمه. - ٦٣ - أو سعيدة . قال : فقال رجل من القوم: يانبيَّ الله، أوَلا نحكثُ على كتابنا ونَدَعُ العملَ. فمن كان من أهل السعادة ليكونَنَّ إلى السعادة ، ومن كان من أهل الشّقْوَة لَيَكُونَنَّ إلى الشِّقْوة؟ قال: أعْمَلُوا: فَكُلٌّ مُيَسَّرُ : أمَّ أهلُ السعادة: فَيُبَسَّرون للسعادة ، وأما أهلُ الشقوة: فييسرون للشقوة، ثم قال فى الله (٩٢: ٥ - ١٠ فأما مَنْ أعطى واتَّقَى وصَدَّق بالُسْنَ فسَنْيَسِّرِه لليسْرَى، وأما مَنْ بَخِلَ واسْتَغْتَى وَكَذَّب بالُسْتَى فَسَنُيسّرِه للمُسْرَى))) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة . ٤٥٣٠ - وعن يحيى بن يَعْمَرَ، قال ((كان أولَ من تكلّم فى القدر بالبصرة مَعْبَدُ الْجَهَيُّ، فانطلقت أنا ومُحميد بن عبد الرحمن الحِمْيَرَى حاجَّيْن، أو مُعْتَمرين، فقلنا فى هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة ، وأنه أمر لا يشبه الأمور المعلومة التى قد عقلت معانيها ، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها . وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة فى الحال العاجلة لما يصيرون إليه فى الحال الآجلة ، فمن تيسر له العمل الصالح: كان مأمولاً له الفوز. ومن تيسرله العمل الخبيث : كان مخوفاً عليه الهلاك . وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر . وليست بموجبات . فإن الله سبحانه طوى على الغيب عن خلقه ، وحجبهم عن دَرْكِهِ ، كما أخفى أمر الساعة . فلا يعلم أحد متى إيَّن قيامها ؟ ثم أخبر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أماراتها وأشراطها ، فقال (( من أشراط الساعة: أَنْ تَلِدَ الأُمَةُ رَبَّتَهَا، وأن ترى الخِفَاة العُرَاة العالَةَ رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان )) ومنها كيت وكيت . ٤٥٣٠ - قال الشيخ: قوله ((يتقَفّرن العلم)) معناه: يطلبونه ويتتبعون أثره، والتقفر : تتبع أثر الشىء. ٤٥٣٠ - ثم ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث جبريل - إلى قول المنذرى : علقمة بن حارثة اتفقا على الاحتجاج بحديثه . ثم قال : - ٦٤ - لو لَقِينا أحداً من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فسألناهُ عَمَّا يقول لهُؤلاء فى القدر ؟ فوفَقَ اللهُ لنا عبدَ الله بن عمر داخلا فى المسجد، فاكْتَفْتُه أنا وصاحبى . فظننتُ أنَّ صاحبى سَيَكِلُ الكلامَ إلىَّ، فقلت : أبا عبد الرحمن، إنه قد ظَهَر قِبَلَنَا ناسٌ يقرؤون القرآن ويَتَقَفَّرون العلم، يزعمون أن لا فَدَر، والأمرُ أَنْفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولُك فأخبرهم أنِّى بَرَى ءٍ منهم، وهم بُرآءٍ مِنِّي وقوله (( والأمر أنف)) يريد، مستأنف، لم يتقدم فيه شى من قَدَرٍ أو مشيئة ، يقال: كَلأٌ أنف: إذا كان وافياً لم يُرْعَ منه شىء، وَرَوْضَةُ أَنف: بمعناه ، قال عمر ابن أبى ربيعة : فى روضة أنْفَ تَيَّمْنَا بها مَيْثاء رائقةً بُعيد سماء وفى قول ابن عمر رضى الله عنهما (( إذا لقيت أولئك فأخبرهم: أنى برىء منهم، وم برآء منى)) دلالة على أن الخلاف إذا وقع فى أصول الدين، وكان مما يتعلق بمعتقدات ورواه أبو جعفر العقيلى من طريقه. وقال فيه (« فما شرائع الإسلام ؟ قال : تقيم الصلاة - الحديث)) وتابعه على هذا اللفظ مرجىء آخر. وهو جراح بن الضحاك. قال العقيلى: وهذه زيادة مرجىء تفرد بها عن الثقات الأئمة فلا تقبل . ورواه ابن حبان فى صحيحه من حديث سليمان التيمى عن يحيى بن يعمر. فذكر فيه ألفاظاً لم يذكرها غيره. فقال فى الإسلام ((وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تم الوضوء)» وقال فيه « فاذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال نعم)) وقال فى الإيمان (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان - وذكر البعث والقدر - ثم قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم)) وقال فى الإحسان ((وإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: نعم)) وقال فى آخره (( هذا جبريل أتاكم ليعلكم دينكم. خذوا عنه)). قال أبو حاتم : تفرد سليمان التيمى بهذه الألفاظ . - ٦٥ - والذى يَحْلِفُ به عبدُ الله بن عمر، لو أنَّ لأحَدِمِ مثلَ أحَدٍ ذُهباً، فأنفقَه ما قَبِهُ الله منه ، حتى يُؤمن بالقدَرِ ، ثم قال: حَدَّثنى عمرُ بن الخطاب، قال: يَبْنا نحنُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طَلَع علينا رجلٌ شديدٌ بياضُ الثياب شديدُ سوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثَرُ السَّرِ ، ولا يَعرِفُه منا أحدٌ ، حتى جلَس إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَرُ كبنيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على نَخِذَيه، وقال: يامحمد، أخبرنى عن الإسلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلامُ: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤْنىَ الزكاةَ ، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إِن استطعتَ إليه سبيلا. قال: صدقتَ، قال: فَجِينًا له: يسألُهُ ويُصَدِّقه، قال: فأخبرنى عن الإيمان ، قال : أن تُؤْمِنَ بالله، وملائكته، وكُتُبُه، ورُسُله، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر الإيمان: أوجبَ البراءة. وليس كسائر ما يقع فيه الخلاف من أصول الأحكام وفروعها التى موجباتها العمل فى أن شيئاً منها لا يوجب البراءة ، ولا يوقع الوحشة بين المختلفين . فقد جاء فى هذا الحديث التفريق بين الإسلام والإيمان . فجعل الإسلام في العمل، والإيمان فى الكلمة ، على ضد ما قاله الزهرى فى حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: الذى ذكرناه فى الباب، فقال («يرى الإسلام الكلمة، والإيمان العمل)). قلت : وهذا عندى تفصيل لجملةٍ كلها شىء واحد . وليس بتفريق بين شيئين مختلفين . وقد روينا فى باب قبل هذا عن ابن عباس رضى الله عنهما (( أن وَفْدَ عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمرهم بالإيمان ، ثم قال : أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم)). فضم هذه الأعمال إلى كلمة الشهادة ، وجعلها كلها إيماناً . ٢ ٥ - مختصر المنن - ج ٧ - ٦٦ - خيره وشره . قال: صدقت، قال: فأخبرنى عن الإحسان . قال: أن تعبدَ الله كأنّك تراه، فان لم تراه فإنه يراك. قال: فأخبرنى عن الساعة، قال: ما المسؤل عنها بأعلَمَ من السائل. قال: فأخبرنى عن أمارَّها قال: أن تلدَ الأمةُ رَبَّتَهَا ، وأن تَرَى الْفَةَ المُراة العالَةَ رعاءَ الشَّاءِ يَتطاولُون فى البنيان. قال: ثم انطلقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثم قال: ياعمرُ، تَدْرِى مَنِ السائلُ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريلُ، أتا كم يُعَلِّمُكُمْ دِينَكم» وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وهذا يبين لك: أن اسم الإيمان قد يدخل على الإسلام ، واسم الإسلام : يدخل على الإيمان . وذلك : لأن معنى الإيمان : التصديق، ومعنى الإسلام: الاستسلام. وقد يتحقق معنى القول بفعل الجوارح. ثم يتحقق الفعل ويصح بتصديق القلب نِيَّةً وَزيمة . وجماع ذلك كله : الدين ، وهو معنى قوله (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). وأما قوله ((ما الإحسان)) فإن معنى الإحسان ههنا: الإخلاص. وهو شرط فى صحة. الإيمان والإسلام معاً. وذلك : أن من وصف الكلمة وجاء بالعمل من غير نية وإخلاص لم يكن محسناً ، ولا كان إيمانه فى الحقيقة صحيحاً كاملاً. وإن كان دمه فى الحكم محقوناً. وكان بذلك فى جملة المسلمين معدودا . ويحكى عن سفيان بن سعيد الثورى ، أنه كان يقول فى الإيمان : قول ومعرفة وعمل ونية . وأحسبه تأول هذا المعنى ، واعتبره بالحديث . وكان أحمد بن حنبل يزيد فيها شرطاً خامساً، وهو السنة . فيقول فى الإيمان « قول ومعرفة ، وعمل ونية ، وسُنة)) . - ٦٧ - ٤٥٣١ - وعن يحيي بن يَعْمَرَ وَحُميدٍ بن عبد الرحمن، قالا ((لَقِيْنَا عبد الله بن عمر فذ کرناله القدر ، وما یقولون فیه ۔۔فذكر نحوه ، زاد - قال: وسأله رجلٌ من مُزَيْنَة، أو جُّهَيْنَة ، فقال: يارسول الله، فيما نعملُ: أفى شىءٍ قد خلا ، أو مضَى أو شىءٍ يُستأنف الآن؟ قال: فى شىء قد خلا ومضى ؛ فقال الرجل : أو بعضُ القوم : ففيمَ العمل ؟ قال: إنَّ أَهلَ الجنةِ يُبَتَّرون لعملِ أهلِ الجنة ، وإنَّ أهل النار يُبَسَّرون لعمل أهل النار)) ٤٥٣٢ - وعن ابن يعمر - بهذا الحديث يزيد وينقص - قال ((فما الإسلام؟ قال : إقامُ الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحُجُّ البيتِ ، وصوم شهر رمضان ، والاغتسال من الجنابة )) قال أبو داود: علقمةُ مُرْجِئ. هذا آخر كلامه قلت: واسم (( الإسلام )) يشتمل على هذه الخصال كلها . ألا تراه يقول ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) وقد قال سبحانه (٣: ١٥ إن الدين عند الله الإسلام )؟ . وقوله (( وأن تلد الأمة ربتها)) معناه: أن يتسع الإسلام ويكثر السبى، ويستولد الناس أمهات الأولاد. فتكون ابنة الرجل من أمته فى معنى السيدة لأمها . إذ كانت مملوكة لأبيها . وملك الأب راجع فى التقدير إلى الولد . وقد يحتج بهذا من يرى بيع أمهات الأولاد . ويمتل فى أنهن إنما لا يبعن إذا مات السادة. لأنهن قد يَصِرْنَ فى التقدير ملكاً لأولادهن، فيعتقن عليهم. لأن الولد لايملك والدته ، وهذا على تخريج قوله (( وأن تلد الأمة ربتها)) وفيه نظر. و ((العالة)) الفقراء، واحدهم ((عائل)) يقال: عال الرجل يعيل: إذا افتقر. وعال أهَلَهُ يعولهم: إذا مارَ أهله، وأعال الرجل يعيلُ : إذا كثر عياله . - ٦٨ - وعلقمة - هذا - هو راوى هذا الحديث، وهو علقمة بن مَرتد الحضرمى الكوفى. وقد اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج بحديثه . ٤٥٣٣ - وعن أبى ذَرٍّ وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا (( كان رسول الله صلى الله عليه يجلسُ بِينَ ظَهْرَى أصحابه، فيجىء الغريبُ، فلا يَذْرِى: أَثُهُمَ هو؟ حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تَجْلَ له مجلسًا يَعْرِفُهُ الغريبُ إذا أتاه، قال فبَيْنا له دُكَّانً من طِينٍ، جلس عليه، وكُنَّا نجلسُ يجَنَبَيْهِ - وذكرَ نحو هذا الخبر .. فأقبلَ رجلٌ ، فذكرَ هَيْئَتَه، حتى سَلَّم من طَرَفِ السَّمَاطِ ، فقال: السلامُ عليك يامحمدُ ، قال: فردَّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم)) . وأخرجه النسائى مختصراً . وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة بتمامه من حديث أبى هريرة وحده. ٤٥٣٤ - وعن ابن الدَّيْلَمى، قال: ((أتيت أُبَىَّ بن كعبٍ ، فقلت له : وَقَعَ فى نفسى شىء من القَدَر، حدِّثْني بشىءٍ، لعلَّ الله أن يُدْهِبَهُ من قلبى، فقال: لو أَنَّاله عَذَّبَ أهْلَ ◌َُوَاته وَأَهْلَ أَرْضِهِ: عَذَّبِهِم وهو غَيْرُ ظالمٍ لهم ، ولو رَجَهُم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل ◌ُحدٍ ذهباً فى سبيل الله ما قَبِه اللهُ منك، حتى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وتَعلَمَ أنَّ مَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك وما أخطأُكَ لم يكنْ لِيُصِيبَك، ولو مُتَّ على غير هذا لدخلت النار، قال : ثم أتيتُ عبدَ الله بن مسعود، فقال مثل ذلك ، قال: ثم أتيتُ حُذَيْهَةَ بن اليمانِ، فقال مثل ذلك ، قال : ثم أتيتُ زيدبن ثابتٍ، فَدَّثني عن النبى صلى الله عليه وسلم مثل ذلك)). - ٦٩ - وابن الديلمى: هو أبو بُشْر - بالسين المهملة والباء المضمومة - ويقال بشر: بالشين المعجمة وكسر الباء. والأول : أصح. واسمه عبد الله بن فيروز . وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده أبوسنان : سعيد بن سنان الشيبانى . وثقه يحيى بن معين وغيره. وتكلم فيه الإمام أحمد وغيره . ٤٥٣٥ - وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تُجالسوا أهلَ القَدَرِ، ولا تفاتحوم)). ٤٥٣٦ - وعن أبى حَفْصَة - وهو حُبيش الحَيْشِي الشامى - قال: قال عبادة بن الصامت لابنه «يا ◌ُنَىَّ، إنكُ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإيمان حتى تَعْلَمَ أَنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ أولَ ما خلقَ اللهُ القَلَمُ، فقال له: اكْتُبْ، قال: ربِّ، وماذا أكتبُ ؟ قال: اكتُبْ مقادير كُلِّ شىء حتى تقوم الساعة. يا بنَىَّ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هُذَا فليس مِنِّى)». ٤٥٣٧ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((اخْتَجَّ آدمُ وموسى ، فقال موسى: يا آدم، أنتَ أبونا خُنْتَنَا (١) وأخْرَجْتَنَا مِن الْبَّةَ ، ٤٥٣٧ - قال الشيخ : قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه معنى الإجبار والقهر العبد على ماقضاه وقدره ، ويتوهم أن فَلَج آدم فى الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه . وليس الأمر فى ذلك على مايتوهمونه . وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأ كسابهم، وصدورها عن تقدير منه ، وخلق لها خيرها وشرها . (١) بها مش الأصل: هكذا وقع ههنا ((خنتنا)) من الخيانة. والمحفوظ ((خيبتنا)) من الخيبة . - ٧٠ - فقال آدم : أنت موسى ، اصطفاكَ الله بكلامه ، وخَطَّ لك التوراةَ بيده، تَومُنى على أمرِ قَدَّرَه الله علىَّ قبلَ أن يخلقنى بأربعين سنة؟ فَجَّ آدمُ موسى)) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ٤٥٣٨ - وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنَّ موسى قال: ياربِّ، أَرِنا آدمُ الذى أخرجنا ونفسَه من الجَنَّةَ، فأراه الله آدمَ، فقال: أنتَ أبونا آدمُ ؟فقال له آدم: نعم، فقال: أنتَ الذى تَفَخَ الله فيك من رُوحه، وَعَلَّك الأسماءِ كُلَّهَا، وأمرَ الملائكة فسجدوا لك؟ قال : نعم ، قال: فما ◌َلَك على أن أخرجتنا ونفسَك من الجنة ؟ فقال له آدم : ومَنْ أنت؟ قال : أنا موسى ، قال: أنت نَبِىُّ فِى إسرائيلَ الذى كلك الله من وراء الحجاب ، لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم، قال: أما وجدتَ و(القدر)) اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر، كما أن الهدَم والقَبَض والنشر: أسماء لما صدر عن فعل الهادم والقابض والناشر، يقال: قدّرت الشىء، وقدّرت: خفيفة وثقيلة - بمعنى واحد . والقضاء فى هذا معناه الخلق، كقوله عز وجل (٤١ : ١٢ فقضاهن سبع سموات فی یومین) أی خلقهن . ٠ وإذا كان الأمر كذلك: فقد بقى عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد، وتقديم إرادة واختيار . فالحجة إنما تلزمهم بها ، واللائمة تلحقهم عليها . وجماع القول فى هذا الباب: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدما بمنزلة الأساس . والآخر بمنزلة البناء . فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه . وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى صلوات الله عليهما: أن الله سبحانه إذ كان قدٍ على من آدم أنه يتناول الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يَرُدَّ على الله فيه ، وأَن يبطله بعد ذلك ؟ . - ٧١ - أنَّ ذلك كان فى كتاب الله قبلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: نعم، قال: فيمَ تَلُومُنى فى شىء سَبَق من الله تعالى فيه القضاء قبّلُ ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : فيَّ آدمُ موسى، فَجَّ آدم موسى)). ٤٥٣٩ - وعن مسلم بن يسار الجهنى ((أنَّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه سُئل عن هذه الآية (٧: ١٧٢ وإذ أخذَ رَبَّك من بنى آدم من ظهورهم، قال: قرأ القَعْنى الآيةَ - فقال عمر : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها . فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عَزَّ وجل خلق آدم، ثم مَسَح ◌َظَهْرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذَرِّيةً ، فقال : خلقت هؤلاء للجنَّةِ ، وبعملٍ أهل الجنَّة يعملون، ثم مَسَحَ ظهره فاستخرج منه ذرِّيّةً ، فقال: خلقت هؤلاء النار، وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : يارسول الله، ففيْمَ العملُ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله وبيان هذا فى قول الله سبحانه (٢: ٣٠ وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة) فأخبر قبل كَوْن آدم : أنه إنما خلقه للأرض ، وأنه لا يتركه فى الجنة حتى ينقله عنها إليها . وإنما كان تناوله من الشجرة سبباً لوقوعه إلى الأرض التى خلق لها وللكون فيها خليفة ووالياً على من فيها . فإنما أولى آدم عليه السلام بالحجة على هذا المعنى . ودفع لائمة موسى عن نفسه على هذا الوجه. ولذلك قال: (( أتلومني على أمر قدره الله علىَّ قبل أن يخلقنى؟)). فإن قيل : فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلا ؟ قيل : اللوم ساقط من قبل موسى ، إذ ليس لأحد أن يعير أحداً بذنب كان منه ، لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء. وقد يروى ((لا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنكم أرباب ، وانظروا إليها كأنكم عبيد». ولكن اللوم لازم لآدم من قبل الله سبحانه ، إذ كان قد أمره ونهاه . فخرج إلى معصيته، وباشر المنهى عنه ، ولله الحجة البالغة سبحانه . لا شريك له . - ٧٢ - بعمل أهل الجنة ، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة ، فيُدْخِلَه به الجنة ، وإذا خلق العبدَ للنار استعملَه بعمل أهل النار ، حتى يموتَ على عمل من أعمال أهل النار . فيدخله به النار )» وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : هذا حديث حسن . ومسلم بن يسار : لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم فى هذا الاسناد-بين مسلم بن يسار وبين عمر - رجلاً. وقال أبو القاسم، حمزة بن محمد الكنانى: لم يسمع مسلم بن يسار - هذا - من عمر. رواه عن نُعيم عن عمر. وقال ابن الحذَّاء: وقال أهل العلم بالحديث: إن مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر بن الخطاب . إنما يرويه عن نعيم بن ربيعة عن عمر ، يشيرون إلى الحديث الذى بعده . وقال ابن أبى خَيْئمة : قرأت على يحيي بن معين : حديث مالك هذا عن زيد بن أبى أُنَيْسَة. فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يعرف. وقال أبو عمر بن عبد البر النمرى: هذا حديث منقطع بهذا الإسناد . لأن مسلم بن يسار - هذا- لم يلق عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبينهما فى هذا الحديث نعيم بن ربيعة. وهذا أيضاً- مع هذا الإسناد .- لا تقوم به حجة. ومسلم بن يسار وقول موسى صلى الله عليه وسلم - وإن كان منه فى النفوس شبهة ، وفى ظاهره متعلق لاحتجاجه بالسبب الذى قد جُعل أمارة لخروجه من الجنة - فقول آدم فى تعلقه بالسبب الذى هو بمنزلة الأصل: أرجح وأقوم ، والفلج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح ، كما يقع بالبرهان الذى لا معارض له . والله أعلم . - ٧٣ - - هذا - مجهول. قيل: إنه مدنى. وليس بمسلم بن يسار البصرى. وقال أيضاً: وجملة القول فى هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم. لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعاً غير معروفين بحمل العلم. ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره . ٤٥٤٠ - وعن مسلم بن يسار، عن نُعيم بن رَبيعة، قال (( كنت عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه - بهذا الحديث، وحديثُ مالك أتمٌ)). يريد الحديث الذى قبله . ٤٥٤١ - وعن أبيّ بن كعب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه. وسلم ((الغلامُ الذى قَتَله الْضِرُ: طُبِعَ كافراً، ولو عاش لأرْهَقَ أبويه ◌ُفيانً وكُفْراً ». وأخرجه مسلم والترمذى . ٤٥٤٢ - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله (٨:١٨ وأما الغلامُ فكان أبواه مؤمنين): ((وكان طُبِعَ يومَ طُبعَ كافراً » . ٤٥٤٣ - وعنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَبْصَرَ الْخَضِرُ غلاماً يَلْسَبَ مع الصِّبيان، فتناولَ رأسَه فَقَلَعَهُ (١)، فقال موسى (١٨: ٨٤ أقْتَلْتَ نفساً زكية - الآية)). وهذا الفصل مذكور فى أثناء الحديث الطويل . وقد أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. هكذا أخرجه أبوداود. ولفظ البخارى ومسلم ((فأخذ الخضرُ برأسه فاقتلعه بيده. فقتله)). (١) فى أصل المنذرى (فقطعه)). - ٧٤ - وفى لفظ للبخارى ((فَأَضْجّعِهِ، ثم ذبحه بالسِّكَّةِ)). وفى كتاب الطبري ((أنه أخذ صخرة. فَتَلغ بها رأسه)) والجمع بينهم متوجه . ٤٥٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال «حَدَّثْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق -: أنَّ خَلْقَ أَحَدُ كُمْ يُجْتَعُ فى بطن أمه أربعين يومً، ثم يكون عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثم يُبعث إليه مَلَكٌ . فَيُؤْمَرُ بأربع كلمات: فيكتبُ رِزْقَه، وأجلَه ، وعمله. ثم يكتبُ شَفِيٌّ أوسعيد، ثم ينفخ فيه الروح ، فإنَّ أحَدَ كم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، أو قِيدَ ذراع ، فِيَسْبِقِ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلها ، وإِنَّ أَحدَ كم ليعملُ بعمل أهلِ النّارِ ، حتى ما يكونَ بينه وينها إلا ذراع ، أو قِيدَ ذراعٍ، فَيَسْبِقُ عليه الكتاب فيعملُ بسلٍ أهل الجنة فيدخلها )). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة . ٤٥٤٠ - وعن عمران بن حُصين، قال: قيلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ٤٥٤٤ - قال الشيخ: قوله ((يجمع فى بطن أمه)) قد رونى فى تفسيره عن ابن مسعود ماحدثناه الأصم : حدثنا السرى بن يحيى حدثنا أبو عبيدة حدثنا عمار بن زريق قال: قلت للأعمش (( ما يجمع فى بطن أمه ؟ قال: حدثنى خيثمة قال: قال عبد الله : أن النطفة إذا وقعت فى الرَّحِم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت فى بَشَرِ المرأة تحت كل ظُفُرٍ وَشَعْر، ثم يمكث أربعين ليلة، ثم ينزل دماً فى الرحم ، فذلك جمعها)). ٤٥٤٥ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث ((كل ميسر لما خلق له)) ثم قال : وقد روى مسلم فى صحيحه عن حذيفة - يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم - قال (يدخل الملك - ٧٥ - ((يا رسول الله، أَعُلَ أهلُ الجنة من أهلِ النار؟ قال: نعم . قال: ففيمَ يعملُ العاملون؟ قال: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِا خُلِقَ لَهُ)). وأخرجه البخارى ومسلم . على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ، أو خمس وأربعين ليلة ، فيقول: يا رب ، أشقى أم سعيد؟ فيكتبان ، فيقول: يا رب ، أذكر أم أثى؟ فيكتبان . ويكتب عمله ، وأثره ، وأجله ، ورزقه. ثم تكتب الصحف . فلا يزاد فيها ولا ينقص)). وفى الصحيحين عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال ((إن الله قد وكل بالرحم ملكا . فيقول : أى رب ، نطفة ؟ أى رب ، علقة ؟ أى رب، مضغة ؟ فاذا أراد الله أن يقضى خلقاً قال الملك : أى رب، ذكر أم أشى ؟ شقى أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل ؟ فيكتب ذلك فى بطن أمه » . وهذا مثل حديث ابن مسعود - حديث الصادق المصدوق - (( أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق فى الطور الرابع)). وحديث حذيفة بن أسيد (١) يدل على أن الكتابة فى الطور الأول . وقد روى حديث حذيفة بلفظ آخر ، يتبين المراد منه ، وأن الحديثين واحد ، وأنهما . متصادقان ، لا متعارضان. فروى مسلم فى صحيحه عن عامر بن واثلة: أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول ((الشقى من شقى فى بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغيره . فأتى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له: حذيفة بن أسيد الغفارى . حدثه بذلك من قول ابن مسعود. فقال : وكيف يشقى بغير عمل ؟ فقال الرجل : العجب من ذلك. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجاهها ولحجمها وعظامها. ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء. ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقضى ربك ماشاء. ويكتب الملك . ثم يقول: يا رب، رزقه؟ فيقضى ربك ماشاء . ويكتب الملك. ثم يخرج الملك بالصحيفة فى يده ، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» وفى لفظ آخر عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنى هاتين يقول ((إن النفطة (١) هو حذيفة بن أسيد بن خالد بن الأغوز بن واقعة بن حرام بن غفار بن مليل، أبو سريحة الغفارى . بايع تحت الشجرة . ونزل الكوفة وتوفى بها. وصلى عليه زيد بن أرقم وكبر عليه أربعاً. روى عنه أبو الطفيل والشعى ، والربيع بن عميلة وحبيب بن حماز. وهو بكنيته شهر. اهـ أسد الغابة - ٧٦ - باب فى ذرارى المشركين [٣٦٥:٤] ٤٥٤٦ - عن ابن عباس - وهو عبد الله - رضى الله عنهما ((أن النبيَّ صلى الله ٤٥٤٦ - قال الشيخ: ظاهر هذا الكلام : يوهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يُقْت السائلَ عنهم، وأنه ردَّ الأمر فى ذلك إلى على الله جَلَّ وَعَزَّ، من غير أن يكون قد جعلهم من المسلمين، أو أُلحقهم بالكافرين . وليس هذا وجه الحديث . تقع فى الرحم أربعين ليلة. ثم يتصور عليها الملك - قال زهير بن معاوية: حسبته قال -: الذى يخلقها. فيقول: يارب، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكراً أو أثي. ثم يقول: يارب ، أسوى أو غير سوى؟ فيجعله الله سوياً، أو غير سوى. ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه ؟ ثم يجعله شقياً أو سعيداً)). وفى لفظ آخر « أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً بإذن الله لبضع وأربعين ليلة)» ثم ذكر نحوه. فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره ، وخلق جلده ولحمه وعظمه . وهذا مطابق لحديث ابن مسعود . فإن هذا التخليق هو فى الطور الرابع ، وفيه وقعت الكتابة . فإن قيل : فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة ؟ . قلت : التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرض لها ، ولا يتعلق بها منخليق ، ولا كتابة ، فإذا بلغت الوقت المحدود ، وجاوزت الأربعين وقعت فى أطوار التخليق ، طبقاً بعد طبق ، ووقع حينئذ التقدير والكتابة ، وحديث ابن مسعود: صريح فى أن وقوع ذلك بعد كونه مضغة بعد الأربعين الثالثة ، وحديث حذيفة فيه : أن ذلك بعد الأربعين، ولم يوقت البعدية ، بل أطلقها ، ووقتها فى حديث ابن مسعود . وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضاً على ذلك . ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة فى حديث حذيفة هى الأربعين الثالثة ، وسمى الحمل فيها نطفة، إذ هى مبدؤه الأول . وفيه بعد ، وألفاظ الحديث تأباه . ويحتمل وجهاً أخر : وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان . فالأول منهما : عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق فى النطفة ، وهو إذا مضى عليها أربعون ، ودخلت فى طور العلقة ، وهذا أول تخليقه . - ٧٧ - عليه وسلم سُئِل عن أولاد المشركين ؟ فقال : اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين)) وإنما معناه: أنهم كفار ملحقون فى الكفر بآ بائهم، لأن الله سبحانه قد على أنهم لو بقوا أحياء حتى يكبروا لكانوا يعملون عمل الكفار . يدل على صحة هذا التأويل: قوله فى حديثعائشة قالت « قلت : يارسول الله. ذرارى والتقدير الثانى والكتابة الثانية: إذا كمل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكراً أو أنثى من الخارج ، فيكتب مع ذلك عمله ورزقه وأجله ، وشقاوته وسعادته . فلا تنافى بين الحديثين ، والحمد لله رب العالمين. ويكون التقدير الأول : تقديراً لما يكون للنطفة بعد الأربعين ، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل. والتقدير الثانى: تقديراً لما يكون للجنين بعد تصويره ، فيقدر معه ذلك ويكتب أيضاً . وهذا التقدير أخص من الأول . ونظير هذا : أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون فى العام لمثله، وهذا أخص من التقدير الأول العام ، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم ، وقد قدر أمرها قبل خلق السموات والأرض ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى ، فإن عمل العام يرفع فى شعبان ، كما أخبر به الصادق المصدوق (( أنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم (١))) ويعرض عمل الأسبوع: يوم الإثنين والخميس ، كماثبت ذلك فى صحيح مسلم ، وعمل اليوم : يرفع فى آخره قبل الليل ؛ وعمل الليل فى آخره قبل النهار . فهذا الرفع فى اليوم والليلة أخص من (١) رواه النسائي عن عمرو بن على الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدى حدثنا ثابت بن قيس أبو الغصن شيخ من أهل المدينة - قال : حدثني أبو سعيد المقبرى قال : حدثنى أسامة بن زيد قال: قلت (( يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)). وأبو الغصن - ثابت بن قيس الغفارى مولاهم المدنى - قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس ، وقال الآجرى عن أبى داود: ليس حديثه بذاك ، وقال الحاكم: ليس بحافظ ولا ضابط ، وقال ابن حبان فى الضعفاء: كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه ، لا يحتج به إذا م يتابعه عليه غيره . - ٧٨ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. المؤمنين؟ فقال: من آبائهم ، فقلت: يارسول الله بلاعمل ؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قلت: يارسول الله، فذرارى المشركين؟ قال: من آبائهم. قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)). الرفع فى العام، وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله ، وطويت صحيفة العمل . وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر . فصلوات الله وسلامه على هادى الأمة ، وكاشف الغمة الذى أوضح الله به المحجة ، وأقام به الحجة ، وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل ، ولله در القائل: أحيا القلوب محمد لما أتى ومضى، فناءت بعده أمناؤ. كالورد راقك ريحه فشممته. وإذا تولى ناب عنه ماؤه وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال: وعرشه على الماء » . وفى صحيحه أيضاً عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)). وفى صحيحه أيضاً عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( كل شىء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز(١))). وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العينين: النظر ، وزنا اللسان : النطق، والنفس: تمني وتشتهى، والفرج: يصدق ذلك أو يكذبه )» . وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ما استخلف الله خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر، وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم الله)). وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ((المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير ، احرص على ما ينفعك (١) العجز: الغباوة وضعف الإدراك، والكيس - بفتح الكاف والسين - النباهة والفطانة وسعة التفكير . - ٧٩ - وقد ذكره أبو داود فى هذا الباب . فقال : حدثنا عبد الوهاب بن بجدة حدثنا بقية حدثنا محمد بن حرب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن أبى قيس عن عائشة رضى الله عنها . واستعن بالله، ولا تعجز ؛ وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فان ((لو)) تفتح عمل الشيطان». وفى صحيحه أيضاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قالت أم حبيبة ((اللهم متغنى بزوجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأبى أبى سفيان، وبأخى معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل منها شىء قبل حله ، ولا يؤخر منها شىء بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب فى النار ، وعذاب فى القبر : كان خيراً لك )» وفى سنن ابن ماجة من حديث عبد الأعلى بن أبى المساور عن الشعبى قال ((لما قدم عدى ابن حاتم الكوفة أتيناه فى نفر من فقهاء أهل الكوفة، فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ياعدى بن حاتم أسلم تسلم ، قلت : وما الإسلام ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله ، وأنى رسول الله ، وتؤمن بالأقدار كلها ، خيرها وشرها ، وحلوها ومرها )) . وفى سننه أيضاً من حديث مجاهد عن سراقة بن جعشم قال: قلت (( يارسول الله ، أنعمل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير ، أم فى أمر مستقبل؟ قال: بل فيما جف به القلم ، وجرت به المقادير ، وكل ميسر لما خلق له )) . وفى صحيح البخارى عن الحسن قال: حدثنا عمرو بن تغلب قال (( أنى النى صلى الله عليه وسلم مال ، فأعطى قوماً ومنع آخرين ، فبلغه أنهم عيبويا، فقال: إنى أعطى الرجل ، وأدع الرجل ، والذى أدع أحب إلى من الذى أعطى، أعطى أقواماً لما فى قلوبهم من الجزع والهلع وأ كل أقواماً إلى ماجعل الله فى قلوبهم من الغنى والخير ، منهم عمرو بن تغلب ، فقال عمرو : ما أحب أن لى بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم )» . وفى الصحيحين من حديث عمران بن حصين قال ((إنى عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم. فقال : اقبلوا البشرى يابنى ميم ، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى ، يا أهل اليمن ، إذ لم يقبلها بنوتميم ، قالوا: قبلنا، جئناك نتفقه فى الدين ، ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان ؟ قال: كان الله، ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب فى الذكر كل شىء ـ الحديث)) وعن ابن عباس: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس رضى الله عنه ((إن - ٨٠ - فهذا يدل على أنه قد أفتى فى المسألة. ولم ينفل الجواب عنها على حسب ماتوعمه مَنْ ذهب إلى الوجه الأول فى تأويل الحديث . فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة ، قال: يارسول الله، خلتين تخلقت بهما، أم جبلت عليهما؟ قال: بل جبلت عليهما، قال: الحمد له الذى جبلنى على خلتين يحهما الله». وقال أبو هريرة رضى الله عنه. قال لى النبى صلى الله عليه وسلم ((جف القلم بما أنت لاق)) رواه البخارى تعليقاً . وفى صحيح مسلم عن طاوس قال : سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كل شىء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز) وذَكر البخارى عن ابن عباس فى قوله تعالى (٢٣: ٦١ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) قال ((سبقت لهم السعادة» وفى الصحيحين : عن همام بن منبه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يأتى ابن آدم النذر بشىء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدر، وقد قدرته له، اُستخرج به من البخيل )) . وفى لفظ للبخارى ((لا يأتى ابن آدم النذر بشىء لم يكن قدر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له ، فيستخرج الله به من البخيل ، فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل)). وفى لفظ فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ((النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن اله قدره له ، ولكن النذر يوافق القدر ، فيخرج بذلك من البخيل ، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج». هذه الأحاديث فى النذر والقدر أدخلها البخارى فى كتاب القدر ؛ وهو إنما يدل على القدر الذى لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته . والكلام فيه إنما هو من غلاة القدرية المنكرين لتقدم العلم والكتاب . وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال: فلا يحتج عليهم بذلك ، والله أعلم . وقد نظرت فى أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هى تقارب خمسمائة دليل ، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنفاً مستقلا(١) ، وبالله عز وجل التوفيق. (١) استوفى ذلك فى كتابه «شفاء العليل فى القضاء والقدر والتعليل)) وتعرض له بتحقيق قيس كذلك فى كتاب «مفتاح السعادة » .