Indexed OCR Text

Pages 221-240

- ٢٢١ -
فى إِسناده : محمد بن إسحاق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه .
وإذا كان السارق يقطع فى ربع دينار فلان يقطع بالدينار أولى .
باب ما لا قطع فيه [٤ : ٢٣٧]
٤٢٢٣ - عن محمد بن يحيى بن حَبَّن «أنَّ عَبْدًا سرَقَ وَدِيًّا من حائط رَجُلِ ،
فغرسه فى حائط سَيِّده، خرج صاحب الوَدِىّ يلتمس وَدِيَّهُ ، فوجده ،
فاسْتعدَى عَلَى العَبْد مَرْوان بن الحكم، وهو أمير المدينة يومئذ، فسجنَ مروانَ
العبد، وأراد قطع يده، فانطلَقَ سَيّد العبد إلى رافع بن خديج، يُسائِله عن ذلك،
فأخبره: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا قَطْعَ فِى ◌َر ولا كَثَرٍ.
فقال الرجل: إن مروان أخذ غلامى.، وهو يريد قطع يده، وأنا أحبُّ أن تمشى
وقد روى ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه .
قلت : وهذا حكم تنفيذ ، وليس فى موضع التحديد ، لأنه إذا كان السارق مقطوعاً
فى ربع دينار، فلأن يكون مقطوعا فى دينار أولى، وكذلك إذا قطع فى ثلاثة دراهم يبلغ
قيمتها ربع دينار. فهو بأن يُقطعَ فى عشرة دراهم أولى .
وقال ابن أبى ليلى وابن شُبرمة: لا تقطع الخمس(١) إلا فى خمسة دراهم.
وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، خلاف الرواية الأولى.
٤٠٢٣ - ((الودى)) صغار النخل، واحدتها: وَدِيَّة. و ((الكَثَرَ)) ◌َُّار النخل.
ومعنى ((الثمر )) فى هذا الحديث: ما كان معلقاً بالنخل قبل أن يُجَدَّويحرز.
وتأوله الشافعى قال: حوائط المدينة: ليست بحرز، وأكثرها يُدخل من جوانبها .
ومن سرق من حائط شيئاً من تمر معلق لم يقطع . فإذا آواه الجرينُ قطع ، ولم يفرق بين
الفاكهة والطعام والرطب، وبين الدراهم والدنانير، وسائر الأمتعة فى السارق إذا سرق منها
شيئاً من حرز أو غير حرز، فبلغت قيمته ما يقط عه البد . فإنه مقطوع .
(١) أى الخمس الأصابع. كنيابها عن اليد
------
:

- ٢٢٢ -
معى إليه ، فتخبره بالذى سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشي معه
رافع بن خديج حتى أتى مروان بن الحكمَ، فقال له رافع: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: لاقطع فى تمر ولا كَثَر. فأَمر مروان بالعبد فأرسل)).
٤٢٢٤ - وفى رواية، قال: ((جلده مروان جَلْداتٍ وخلى سبيله)).
وأخرجه النساتى مختصراً .
وذكر الشافعى رضى الله عنه فى القديم : أنه مرسل ، يعني بين محمد بن
يحي ورافع بن خديج. حدث به الإمام الشافعى عن سفيان بن عيينة عن يحي
بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج
عن النبى صلى الله عليه وسلم موصولا .
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة موصولاً مختصراً كذلك .
وذكر اليزيدى: أن الإمام مالك بن أنس وغيره رضى الله عنهم لم يذكروا
فيه عن واسع بن حبان .
وحَبَّان : بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف نون .
٤٢٢٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص،
وقال مالك فى الثمر مثل قول الشافعى.
وقال أبو حنيفة بظاهر حديث رافع بن خديج، فأسقط القطع عمن سرق ثمراً أو كَثَّاً
من حرز، أو غير حرز. وقاس عليهما سائر الفواكه الرطبة، واللحوم، والجبون والألبان،
والأشربة ، وسائر ما كان فى معناها .
٤٢٢٥ - قلت : هذا يؤيد ماذهب إليه الشافعى فى معنى الحديث الأول، ويليق أن الجال
لاتختلف فى الأموال من جهة أعيانها، لكن تفترق من جهة مواضعها التى تؤويها وتحرزها.
وأما ((الخبنة)) فهو ما يحمله الرجل فى ثوبه ، ويقال: أصل الخبنة : ذَلاذِل الثوب.

- ٢٢,٣ -
رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنه سئل عن الثمر المعلَّق.
فقال: مَنْ أَصَابَ بِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً ، فلا شَىْءٍ عَلَيْهِ ،
وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شيئًاً
بعد أن يُؤْوِيَهُ الْجِرِينُ فَبَلَغَ تَمن الحَجَنَّ فعليه القطع )).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه. وقال الترمذى : حسن.
وقد تقدم الكلام عَلَى عمرو بن شعيب رضى الله عنه .
وتقدم الكلام عَلَى العقوبة فى الأموال فى باب الزكاة .
باب القطع فى الخلسة والحيانة [٤: ٢٣٨]
٤٢٢٦ - عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ، وَمَنِ أَنْهَبَ نُهَةَ مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا)).
و ((الجرين)) البَيْدَر. وهو حرز الثمار وما كان فى مثل معناها، كما كان المراح
حرز الغنم .
وإنما تحرز الأشياء على قدر الإمكان فيها ، وجريان العادة فى الناس فى مثلها.
ويشبه أن يكون إنما أباح اذى الحاجة الأ كل منه ، لأن فى المال حق العشر . فإذا
أدته الضرورة إليه أكل منه ، وكان محسوباً لصاحبه مما عليه من الصدقة ، وصارت يده
فى التقدير كيد صاحبها لأجل الضرورة.
فأما إذا حمل منه فى ثوب أو نحوه : فإن ذلك ليس من باب الضرورة ، إنما هو من
باب الاستحلال؛ فيغرم ويعاقب، إلا أنه لا قطع، لعدم الحرز. ومضاعفة الغرامة نوع من
الردع والتنكيل .
وقد قال به غير واحد من الفقهاء . وقد بينا أقاويلهم فى ذلك فى باب الزكاة .
٤٢٢٦ - ٤٢٢٧ - قلت: أجمع عامة أهل العلم على أن المختلس والخائن لا يقطعان. وذلك

-- ٢٢٤ -
٤٢٢٧ - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَيْسَ عَلَى
الخان قطعٌ ))
٤٢٢٨ - وفى رواية: ((ولا على المختَلِسِ قَطْعٌ)).
قال أبو داود: هذان الحديثان لم يسمعهما ابن ◌ُريج من أبى الزبير . وبلغنى
ـك
عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات .
قال أبو داود : وقد رواهما المغيرة بن مسلم عن أبى الزبير عن جابر ، عن
النبى صلى الله عليه وسلم . هذا آخر كلامه .
وحديث المغيرة بن مسلم - الذى ذكره أبو داود معلّقًا - وقد أخرجه
النسائى فى سننه مسنداً .
وياسين الزيات - هو أبو خلف ياسين بن معاذ الكوفى - وأصله: يمامى.
٠
لا يحتج بحديثه .
والمغيرة بن مسلم - هو السراج خُراسانى - كنيته: أبو سلمة . قال ان
معين : صالح الحديث صدوق .
أن الله سبحانه إنما أوجب القطع على السارق ، والسرقة إنما هي أخذ المال المحفوظ سراً
عن صاحبه ، والاختلاس غير محترز منه فيه .
وقد قيل : إن القطع إنما سقط عن الخائن. لأن صاحب المال قدأعان على نفسه فى ذلك
باتمانه إياه . وكذلك المختلس.
وقد يحتمل أن يكون إنما سقط القطع عنه لأن صاحبه قد يمكنه رفعه عن نفسه
بمجاهدته وبالاستغاثة بالناس، فإذا قَصَّرَ فى ذلك ولم يفعل صار كأنه أتى من قبل نفسه .
وحكى عن إياس بن معاوية أنه قال : يقطع المختلس .
ويحكى عن داود أنه كان يرى القطع على من أخذ مالاً لغيره ، سواء أخذه من حرز
أو غير حرز، وهذا الحديث حجة عليه .
:

- ٢٢٥ -
وقال أبو داود الطيالسى : حدثنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقاً مسلماً .
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح .
ولفظ الترمذى والنسائى ((لَيْسَ عَلَى خانٍ ولا مُْتَهِبٍ ولا مختلس قطعٌ)).
ولفظ ابن ماجة فى موضع (( من انتهب نهبة مشهورة فليس منا ))
وفى موضع ((لا يُقُطع الحان ولا المنتهِب ولا المختلس)».
وقال أبو عبد الرحمن النسائى: وقد رَوى هذا الحديث عن ابن جريج :
عیسی بن یونس ، والفضل بن موسى ، وابن وهب ، ومحمد بن رہیسة . ومخلد بن
يزيد ، وسلمة بن سعيد. فلم يقل أحد منهم فيه: حدثنى أبو الزبير، ولا أحسبه
سمعه من أبى الزبير . والله أعلم. هذا آخر كلامه.
وقد صححه الترمذى من حديث ابن جريج عن أبي الزبير .
وهذا يدل على أنه تَحَقَّق اتصالَه، وقد حَدَّث به عن أبى الزبير المغيرةُ
بن مسلم، وأشار إليه أبو داود، كما قدمناه. وأشار إليه أيضاً الترمذى .
والمغيرة بن مسلم: صدوق.
باب من سرق من حرز [٢٤٠:٤]
٤٢٢٩ - عن صفوان بن أمية رضي الله عنه، قال: ((كنتُ نائماً فى المسجد
عَلىّ تَخميصة لى، ثمنُ ثلاثين درهما، فجاء رجل، فاختلسها منى، فَأُخذَ الرجُلُ ،
٤٢٢٩ - قلت: فى هذا دليل على أن الحرز معتبر فى الأشياء، حسماتعارفه الناس فى حرز مثلها .
وذلك: أن النائم فى المسجد الذى ينتابه الناس ، ولا يُحجب عن دخوله أحد : لا يقدر
من الاحتراز والتحفظ فى ثوبه على أكثر من أن يبسطه فينام عليه ، أو يتوسده فيضع
أسه عليه، أَو يَشُدُّ طرفاً منه فى طرف يديه، إلى نحو ذلك من الأمور، فإذا اغتاله مفتالٌ
م ١٥ - مختصر السنن - ج ٦

- ٢٢٦ -
فأتى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به ليقطع، قال: فأتيته، فقلت:
أَتَقْطَعه من أجل ثلاثين درهماً ؟ أنا أبيعه، وأنسئه ثمنها، قال: فَهَلاَّ كانَ هذا
قبل أن تأتينى به؟)).
٤٢٣٠ - وفى رواية: (( نام صفوان»
٤٢٣١ - وفى رواية: ((أنه كان نائماً. نجاء سارق، فسرق خميصة من
تحت رأسه)).
٢٤٣٢ - وفى رواية قال: ((فاسْتَلَّه من تحت رأسه، فاستيقظ ، فصاح به ،
فأُخذ السارقُ، نجىء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم)).
وأخرجه النسائى وابن ماجة .
فذهب به: كان سارقً له من حرز يجب عليه ما يجب على سارق الأموال من الخزائن المستوثق
منها بالأغلاق والأقفال .
وفى معناه: من وضع نفقته فى كُمه فطَرَّه (١) إنسان، فإنه سارق يقطع يده، كما لو
أخذها من صندوق ، أَو خزانة . وكذلك هذا فيمن وضع ثوبه بين يديه واستنقع فى ماء
فأخذه آخذ على وجه السرقة .
ويدخل فى ذلك: من أخرج متاعاً من جوالق، أَو حَلَّ بعيراً من قطار، أو أخذ
متاعاً من فسطاط مضروب ، أو من خيمة ضربها صاحبها، فنام فيها أو على. بابها . فهذا
كله حرز .
وإنما يُنظر فى هذا الباب إلى سيرة الناس وعاداتهم فى إحراز أنواع الأموال على
اختلاف أما كنها . فكل ما كان مأخوذاً من حرز مثله وكان مبلغه ما يجب فيه القطع
وجب قطع يد سارقه .
واحتج من رأى أن المتاع المسروق لا قطع فيه. إذا ملكه السارق قبل أن يرفع إلى
الإمام، بقوله صلى الله عليه وسلم ((فهلا كان هذا قبل أن تأتينى به )).
(١) الطرار: هو المعروف اليوم بالنشال .

- ٢٢٧ -
باب فى القطع فى العارية إذا جحدت |٢٤١:٤
٤٢٣٣ - عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أَنَّ امرأةً مخزومية كانت تستعير المتاع
فتجحَدُه، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بها فَقُطِعَتْ بُدُها)).
وقد تقدم هذا الحديث مستقصّ .
قال أبو داود : رواه جُويرية ، عن نافع عن ابن عمر ، أو عن صفية بنت
أبى عبيد - زاد فيه: ((وأن النبى صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فقال: هَلْ مِن
امرأة تائبة إلى الله عز وجل ورسوله؟ - ثلاث مرات - وتلك شاهدة، فلم تقم،
ولم تتكلم»
قالوا : فقد دل هذا على أنه لو وهبه منه، أو أبرأه من ذلك، قبل أن يرفعه إلى الإمام
سقط عنه القطع .
واختلف الفقهاء فى هذا .
فقال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل : لا يسقط عنه القطع ، وإن وهب منه المتاع ،
أو باعه منه ، أو أبرأه .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا رد السرقة إلى أهلها قبل أن يُرفع إلى الإمام ثم أتى به
الإمام ، فشهد عليه الشهود : لم يقطع.
وقال أبو حنيفة: إذا وهب له السرقة . وأحسبه لا يُفَرِّق بين ذلك كان قبل رفعه
إلى الإمام أو بعده .
٤٢٣٣ - قلت : مذهب عامة أهل العلم: أن المستعير إذا جَحد العارية لم يقطع . لأن الله
سبحانه إنما أوجب القطع على السارق . وهذا خائن ليس بسارق .
وفى قوله (( لا قطع على الخائن)» دليل على سقوط القطع عنه .
وذهب اسحق بن راهوية إلى إيجاب القطع عليه. قولاً بظاهر الحديث .
وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم شيئاً يدفعه ، يعنى حديثَ المخزومية.
--- --

- ٢٢٨ -
ورواه ابنُ غَنْج(١) عن نافع عن صفية بنت أبى عبيد قال فيه ((فَشُهدَ عليها))
قال البيهقى : والحديث الذى يروى عن نافع فى هذه القصة : كما روى
معمر مختلف فيه على نافع. فقيل : عنه عن ابن عمر . أو عن صفية بنت أبى عبيد.
وقيل عنه : عن صفية بنت أبى عبيد. وحديث الليث أولى بالصحة . كما ذكرنا
من توابعه . والله أعلم.
يريد بحديث معمر : هذا الحديث الذى فى أول هذا الباب .
وقد تقدم أيضاً .
ويريد بحديث الليث: الحديث الذى تقدم، وفيه (( التى سرقت ))
ويريد بتوابعه : الأحاديث التى جاءت مصرحاً فيها بالسرقة .
وقد تقدم ذلك فى باب فى الحد يشفع فيه . والله عز وجل أعلم .
٤٢٣٤ - وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ((استعارتِ امرأةٌ - تَعْنى حُلياً - على
أَلْسِنَةِ أُنَسٍ يُعْرَفُونَ، ولاتُعْرَف هى، فباعته، فَأُخِذَتْ ، فأتى بها النبيُّ صلى الله
عليه وسلم ، فأمر بقطع يدما ، وهى التى شَفَع فيها أسامةُ بن زيد، وقال فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال)).
وأخرجه النسائى .
قلت : وهذا الحديث مختصر . وليس مستقصَى لفظه وسياقه . وإنما قُطعت المخزومية
لأنها سرقت. وذلك بَيْنٌ فى حديث عائشة رضى الله عنها ، الذى رواه أبو داود فى باب
قبل هذا .
(١) هو محمد بن عبد الرحمن بن غنج المدنى، نزيل مصر . روى عنه الليث بن سعد نحو
ستين حديثاً . قال أبو حاتم : صالح الحديث . وقال ابن حبان فى الثقات : حدث عن نافع
بنسخة مستقيمة . له فى مسلم حديث ابن عمر فى المخابرة فقط. اهـ تهذيب.
:

- ٢٢٩ -
٤٢٣٥ - وعنها قالت: ((كانت امرأةٌ مخزومية تستعير المتاع وَجْحَده، فأمر
النبى صلى الله عليه وسلم بقطع يدها - وقَصَّ نحو حديث قتيبة عن الليث عن
ابن شهاب، زاد -: فقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها)).
وقد تقدم .
باب فى المجنون يسرق، أو يصيب حدا [٢٤٣:٤]
٤٢٣٦ - عن عائشة رضى الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((رُفِعَ الْقَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ النَّائِمِ حتى يستيقظ، وعن المُبْتَلَى حتى بيراً ، وعن
الصبى حتى يكبر )).
وأخرجه النسائى وابنماجة .
٤٢٣٥ - قولها ((أهمهم شأن المرأة المخزوميه التى سرقت)) يفصح بالسرقة. ويصرح بذكرها
ويثبت أنها سبب القطع. لا جحد العارية. وإنما ذكرت الاستعارة والجحد فى هذه القصة
تعريفاً لها بخاص صفتها. إذ كانت كثيرة الاستعارة، حتى عرفت بذلك، كما عرفت
بأنها مخزومية ، إلا أنها لما استمر بها هذا الصنيع ترقّت إلى السرقة . وتجرأت حتى سرقت،
فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بقطعها .
وقد روى مسعود بن الأسود عن النبى صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال ((سرقت
قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
قلت : وبيان هذا الحديث فى حديث عائشة رضى الله عنها من رواية الليث عن ابن
شهاب عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنما هلك من كان
قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه . وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد . وَأَيُمُ الله لو أن فاطمة بنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعت يدها)).
أفلا تراه يتمثل بالسرقة ، ويذكرها مرة بعد أخرى؟.
وفى ذلك بيان لما قلناه .
وإنما خلا بعض الروايات عن ذكر السرقة : لأن القصد إنما كان فى سياق هذا

- ٢٣٠ -
٤٢٣٧ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: ((أُتِىَ عمر مجنونة قد زَنَتْ،
فاستشار فيها أناساً. فأمر بها عمرُ أن ترجم، فمَرَّ بها عَلَى عليّ بن أبى طالب،
رضوان الله عليه، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا : مجنونةُ بنى فلان زَنَتْ، فأمر بها
عمر أن ترجم، قال: فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمتَ
أن القلم قد رُفِع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يَبْراً، وعن النائم حتى يستيقظ ،
وعن الصبى حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تَرْجَم ؟ قال: لا شىء،
قال: فَأَرْسِلْهاَ، قال: فَأَرْسَلَهَا، قال: تجعل ◌ُيُكَبِّر)).
٤٢٣٨ - وفى رواية ((حتى يعقل))، وقال: عن المجنون ((حتى يفيق، قال: فجعل
عمر ◌ُكَبِّ)).
٤٢٣٩ - وفى رواية عن ابن عباس، قال: ((مُرّ علي علىّ بن أبى طالب رضى الله
عنه - بمعنى عثمان، يعنى: ابن أبى شيبة - قال: أَوَمَا تذَكرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى الله عليه وسلم قال: رُفِع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله ،
الحديث إلى إبطال الشفاعة فى الحدود ، والتغليظ لمن رام تعطيلها . ولم تقع العناية بذكر
السرقة وبيان حكمها، وما يجب على السارق من القطع. إذا كان ذلك من العلم المشهور
المستفيض فى الخاص والعام . وقد أتى ما يجب على السارق من القطع . إذ كان قد أتى
الكتاب على بيانه. فلم يضر ترك ذكره والسكوت عنه ههنا . والله أعلم .
٤٢٣٧ - قلت : لم يأمر عمر رضى الله عنه برجم مجنونة مطبق عليها فى الجنون. ولا يجوز أن
يخفى هذا عليه، ولا على أحد ممن بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت ◌ُجَنُّ مرة، وتفيق أخرى
فرأى عمر رضى الله عنه: أن لا يُسقط عنها الحد لما يصيبها من الجنون . إذ كان الزنا منها فى
حال الإفاقة، ورأى على رضى الله عنه أن الجنون شبهةٌ يُدرأ بها الحدعمن يبتلى به. والحدود
تدرأ بالشبهات . فلعلها قد أصابت ما أصابت وهى فى بقية من بلائها . فوافق اجتهاد عمر
رضى الله عنه اجتهاده فى ذلك. فدرأ عنها الحد . والله أعلم بالصواب .

- ٢٣١ -
ء
وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبى حتى يحتلم ؟ قال : صدقت ، قال :
تخلّى عنها)).
وأخرجه النسائى .
٤٢٤٠ - وعن أبى ظبيان - وهو حصين بن جُندب - رضى الله عنه ، قال:
((أُتِى عمرُ بامرأة قد ◌َرَتْ، فأمر برجها، فمر على رضى الله عنه، فأخذها ، خلّى
سبيلها، فأخْبِر عمر رضى الله عنه بذلك، فقال: ادعُوا لِ عليًّا، فجاء علىّ رضى الله
عنه ، فقال: يا أمير المؤمنين ، لقد علمتَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
رُفِعَ القلم عن ثلاثة : عن الصبى حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن
المعتوه حتى يبرأ . وإن هذه مَعْتُوهة بنى فلان، لعل الذى أتاها أتاها وهى فى
بلائها ، فقال عمر: لا أدرى، فقال علىّ: وأنا لا أَدرى)).
وأخرجه النسائى .
وفى إسناده: عطاء بن السائب . قال أيوب: هو ثقة. وأخرج له البخارى
حديثاً مقرونًا بأبى بشر جعفر بن أبى وَحْشِيَّة. وقال يحيى بن معين: لا يحتج
بحديثه. وقال الإمام أحمد: من سمع منه قديماً فهو صحيح. ومن سمع منه حديثا
لم يكن بشىء ، ووافق الإمامَ أحمد على هذا ابنُ معين وغيره وسمع منه قديمًا
شعبةُ وسفيانُ ، وسمع منه حديثًا جرير بن عبد الحميد وغيره . وهذا الحديث
من رواية جرير عنه .
وأخرجه النسائى من حديث أبى حَصِين عثمان بن عاصم الأسدى عن
أبى ظبيان عن علىّ قولَه. وقال: وهذا أولى بالصواب من حديث عطاء بن السائب.
وأبو حصين أثبتُ مِن عطاء بن السائب .
1

- ٢٣٢ -
٤٢٤١ - وعن أبى الضُّحى: وهو مسلم بن صُبَيح - عن على رضى الله عنه عن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((رُفِع القلم عن ثلاثة: عَن النائم حتى يستيقظ ،
وعن الصَّبِى حَتَّى يحتلم ، وَعَنِ المجنون حتى يعقل )»
هذا منقطع. أبو الضحى : لم يدرك على بن أبى طالب .
قال أبو داود: رواه ابن جريج عن القاسم بن يزيد عن علي رضى الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم، زاد فيه: ((وَالخَّرف ))
وهذا الذى ذكره مُعلقاً ، أخرجه ابن ماجة مسندا .
وهو أيضاً منقطع . لأن القاسم بن يزيد لم يدرك على بن أبى طالب
رضى الله عنه .
٤٢٤١ - ٤٢٤٢ - قلت : اختلف أهل العلم فى حد البلوغ الذى إذا بلغه الصبى أقيم عليه الحد.
فقال الشافعى: إذا احتلم الغلام، أو بلغ خمس عشرة سنة . فإن حكمه حكم البالغين
فى إقامة الحد عليه . وكذلك الجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة أو حاضت .
وأما الإنبات: فإنه لا يكون حداً للبلوغ. وإنما يُفْصَل به بين أهل الشرك، فيقتل
مقاتليهم ، ويترك غیر مقاتليهم بالإنبات.
وقال الأوزاعى وأحمد بن حنبل، فى بلوغ الغلام خمس عشرة سنة ، مثل قول الشافعى .
وقال أحمد واسحق : الإنبات بلوغ ، يقام به الحد على من أنبت .
وحكى مثل ذلك عن مالك بن أنس فى الإنبات .
فأما فى السن: فإنه قال: إذا احتلم الغلام أو بلغ من السن ما لا يتجارزه غلام إلا احتلام
فحكمه حكم الرجال . ولم يجعل الخمس عشرة سنة حداً فى ذلك .
وقال سفيان: سمعنا أن الْخُلم أدناه أربع عشرة. وأقصاه ثمان عشرة سنة. فإذا جاءت
الحدود أخذناباقصاها .
أ

- ٢٣٣ -
باب فى الغلام يُصيب الحد [٢٤٥:٤]
٤٢٤٢ - عن عطية القرظى رضى الله عنه، قال: ((كنتُ من سَبِى بَ قُرْيظَة،
فكانوا ينظرُون. فمن أنبت الشعرَ قُتِلَ ومن لم يُّنْبِت لم يُقْتَل: فكنتُ فِيمن لم
ینبت )»
٤٢٤٣ - وفى رواية، قال: ((فَكَشِفُوا عَانَتِى، فوَجَدُوها لم تَبُّت ، جعلونى
فى السَّی»
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: حسن صحيح.
٤٢٤٤ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم عَرَضه
يوم أحد - وهو ابن أربعَ عَشْرة - فلم يجزه، وعرضه يوم الخَنْدَق - وهو ابن
خمس عشرةَ - فأجازه )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٤٢٤٥ - وعن نافع قال : حَدَّثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال :
((إن هذا لَدٌّ بين الصغير والكبير)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة .
وذهب أبو حنيفه إلى أن حد البلوغ فى استكمال ثمانى عشرة سنة، إلا أن يحتلم قبل ذلك
وفى الجارية: استكمال سبع عشر سنة، إلا أن تحيض قبل ذلك .
قلت : يشبه أن يكون المعنى - عند من فرق بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر حين
جعل الإنبات فى الكافر بلوغاً ، ولم يعتبره فى المسلمين -: هو أن أهل الكفر لا يوقف على
بلوغهم من جهة السن ، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم. لأنهم متهمون فى ذلك لدفع القتل
عن أنفسهم .
فأما المسلمون وأولادهم: فقد يمكن الوقوف على مقادير أسنانهم . لأن أسنانهم محفوظة،
وأوقات المواليد فيهم مؤرخة .

- ٢٣٤ -
وفى حديث البخارى ومسلم والترمذى ((وكتب إلى عُمَّاله: أن يفرضوا
لمن بلغ خمس عشرة ))
وعند مسلم (( وما كان دون ذلك فاجعلوه فى العيال)).
وذكر الترمذى: أن فى حديث ابن عيينة ((هذا حدٌّ بين الذّرية والمقاتلة)»
باب الرجل يسرق فى الغزو: أيقطع؟ [٢٤٦٥٤]
٤٢٤٦ - عن جُنادة بن أبى أمية، قال: (( كنا مع بُسْربن أرطاةَ، فى البحر،
فأتى بسارق يقال له: مِصْدَرٌ، قد سرق بُخْتِيّة ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: لاَ تَقْطَعُ الأَيْذِى فِى السَّفر: ولولا ذلك لقطعته))
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: غريب. وقال فيه: عن بسر
بن أرطاة . قال: ويقال: بسر بن أبى أرطاة أيضاً. هذا آخر كلامه.
٤٢٤٦ - قلت: يشبه أن يكون هذا إنما سرق البُختية فى البر، ورفعوه إليه فى البحر.
فقال عند ذلك هذا القول .
وهذا الحديث - إن ثبت - فإنه يشبه أن يكون إنما أسقط عنه الحد. لأنه لم يكن
إماماً . وإنما كان أميراً أو صاحب جيش. وأمير الجيش لا يقيم الحدود فى أرض الحرب ،
على مذاهب بعض الفقهاء ، إلا أن يكون الإمامَ ، أو يكون أميراً واسع المملكة ، كصاحب
العراق والشام، أو مصر ونحوها من البلدان ، فإنه يقيم الحدود فى عسكره . وهو قول
أبى حنيفة .
وقال الأوزاعى: لا يقطع أمير العسكر، حتى يقفل من الدرب. فإذا قَفَل قطع .
وأما أكثر الفقهاء : فانهم لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها ، ويرون إقامة
72
الحدود على من ارتكبها، كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم فى دار الإسلام
والحرب سواء .

- ٢٣٥ -
وبسر - هذا - بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وبعدها راء مهملة
قريشى عامرى. كنيته: أبو عبد الرحمن. اختلف فى صحبته . وقيل : له صحبة .
وقيل : لا صحبة له . وأن مولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وله
أخبار مشهورة. وكان يحيى بن معين : لا يحسن الثناء عليه . وهذا يدل على أنه
عنده لاصحبة له . والله عز وجل أعلم . وغمزه الدار قطنى .
باب فى قطع النباش [٤: ٢٤٧]
٤٢٤٧ - عن أبى ذر، رضى الله عنه ، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
((يا أبا ذَرّ. قلت: لبيك، يارسول الله وسعديك، قال: كَيْفَ أَنْتَ إذَا أَصَابَ
النَّاسَ مَوْتُ يَكون البيتُ فيه بالوَصِيفِ - يعنى القبرَ - قلت : الله ورسوله
أعلم ، أو ما خارَ الله لى ورسوله ، قال: عَلَيْكَ بالصَّبر. أو قال: تَصْبِرُ))
وأخرجه ابن ماجة .
٤٢٤٧ - قلت: موضع استدلال أبي داود من الحديث : أنه سمى القبر بيتاً . والبيت حِرْزٌ،
والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد .
و ((الوصيف)) العبد. يريد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور، ويشتغل الناس
بأنفسهم عن الحفر لموتاهم ، حتى تبلغ قيمة القبر قيمة العبد .
وقد اختلف الناس فى قطع النباش .
فذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل واسحق : إلى أنه يقطع إذا أخذ من القبر
ما يكون فيه القطع .
وبه قال أبو يوسف . وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبى والنخعى
وقتادة وحماد بن أبى سليمان .
وقال أبو حنيفة وسفيان الثورى : لا قطع عليه .

- ٢٣٦ -
وقد تقدم أتم من هذا فى أوائل الجزء السابع والعشرين .
قال أبو داود : قال حماد بن أبى سليمان : يقطع النباش ، لأنه دخل على
الميت بيته .
باب فى السارق يسرق مرارا | ٤ :٢٤٧
L
٤٢٤٨ - عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: ((جىء بسارق إلى النبى
صلى الله عليه وسلم فقال: افْتُلُوه. فقالوا: يارسول الله، إنما سرقَ، فقال:
اقطَعُوه . قال: فقطع ، ثم جىء به الثانية . فقال: اقتلوه . فقالوا : يارسول الله،
٤٢٤٨ - قلت : هذا فى بعض إسناده مقال .
وقد عارض الحديث الصحيح الذى بإسناده وهو (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
لا يحل دمُ امرىء مسلم إلا باحدى ثلاث: كفر بعد إيمان. وزنى بعد إحصان، أو قتل
نفس بغير نفس)) والسارق ليس بواحد من الثلاثة . فالوقوف عن دمه واجب .
لا أعلم أحداً من الفقهاء يبيح دم السارق ، وإن تكررت منه السرقة مرة بعد
٤٢٤٨ - ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: حديث «فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه )
وكلام المنذرى إلى قوله: والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل - ثم قال :
وهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر
وهو المتقدم، ورواه من حديث النضر بن شميل حدثنا حماد حدثنا يوسف عن الحرث بن
حاطب ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلص ، فقال : اقتلوه ، فقالوا : يا رسول الله ،
إنما سرق ، قال : اقطعوا يده . قال : ثم سرق ، فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبى بكر
حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق أيضاً الخامسة ، فقال أبو بكر : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعلم بهذا حين قال : اقتلوه ، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه ، منهم عبد الله بن الزبير
وكان يحب الإمارة ، فقال: أمرونى عليكم، فأمروه عليهم ، فكان إذا ضرب ضربوه ،
حتی قتلوه )»
قال النسائي : ولا أعلم فى هذا الباب حديثاً صحيحاً .

- ٢٣٧ -
إنما سرق، قال: اقطعوه. قال: فقطع، ثم جىء به الثالثة، فقال: اقتلوه. فقالوا:
يارسول الله، إنما سرق، قال: اقطعوه. ثم أتى به الرابعة. فقال: اقتلوه. فقالوا:
يارسول الله ، إنما سرق، قال: اقطعوه. فأتى به الخامسة . فقال: اقتلوه ، قال
جابر: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه، فألقيناه فى بئر، ورمينا عليه الحجارة)).
أخرى ، إلا أنه قد يُخرَّج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه. وهو أن يكون هذا
من المفسدين فى الأرض فى أن للامام أن يجتهد فى تعزير المفسدين ، ويبلغ به ما رأى
من العقوبة . وإن زاد على مقدار الحد وجاوزه . وإن رأى القتل قتل .
ويعزى هذا الرأى إلى مالك بن أنس .
وهذا الحديث - إن كان له أصل - فهو يؤيد هذا الرأى.
وقد يدل على ذلك من نفس الحديث : أنه صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتله لما جىء
به أول مرة. ثم كذا فى الثانية والثالثة والرابعة ، إلى أن قتل في الخامسة .
فقد يحتمل أن يكون هذا رجلاً مشهوراً بالفساد ، مخبوراً بالشر، معلوماً من أمره:
أنه سيعود إلى سوء فعله ، ولا ینتهی عنه حتی ینتهی خبره .
وأما ما ذكره من قتل شارب الخمر بعد الرابعة: فقد قال طائفة من العلماء : إن الأمر
بقتله فى الرابعة متروك بالإجماع ؛ وهذا هو الذى ذكره الترمذى وغيره .
وقيل : هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار «أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقتله فى الرابعة)
وقال الإمام أحمد - وقد قيل له: لم تركته؟- فقال: لحديث عثمان (( لا يحل دم امرىء
مسلم إلا بإحدى ثلاث))
وفى ذلك كله نظر .
أما دعوى الإجماع على خلافه : فلا إجماع .
قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو ((انتونى به فى الرابعة، فعلي أن أقتله»
وهذا مذهب بعض السلف .
وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار: فإنما يتم بثبوت تأخره ، والإتيان به بعد
الرابعة ، ومنافاته للأمر بقتله .
!

- ٢٣٨ -
وأخرجه النسائى. وقال: هذا منكر . ومصعب بن ثابت ليس بالقوى
فى الحديث . هذا آخر كلامه .
ومصعب بن ثابت - هذا - هو أبو عبد الله،مصعب بن ثابت بن عبد الله
بن الزبير بن العوام القرشى العدوى المدنى. وقد ضعفه غير واحد من الأيمة .
ويحتمل أن يكون ما فعله - إن صح الحديث - فإنما فعله بوحى من الله سبحانه ،
واطلاع منه على ماسيكون منه . فيكون معنى الحديث خاصاً فيه . والله أعلم .
وقد اختلف الناس فى السارق إذا سرق مرة فقطعت يده اليمنى . ثم سرق مرة
فقطعت رجله اليسرى .
فقال مالك والشافعى واسحق بن راهوية : إن سرق الثالثة : قطعت يده اليسرى ،
وإن سرق الرابعة : قطعت رجله اليمنى ، وإن سرق بعد ذلك : عزر وحبس . وقد حكى
مثل ذلك عن قتادة.
وقال الشعبي والنخعى وحماد بن أبى سليمان والأوزاعي وأحمد بن حنبل : إذا سرق
قطعت يده اليمنى . فان سرق الثانية: قطعت رجله اليسرى . فان سرق الثالثة : لم يقطع .
واسْتُودِ عَ السجن .
وقد روى مثل ذلك عن علي رضى الله عنه .
وأما دعوى نسخه بحديث ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث)): فلا يصح، لأنه
عام . وحديث القتل خاص .
والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتما ، ولكنه تعزير بحسب المصلحة ، فإذا
أكثر الناس من الحمر ، ولم ينزجروا بالحد ، فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل ، ولهذا كان عمر
رضى الله عنه ينفى فيه مرة ، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانین ، وقد جلد فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أربعين .
فقتله فى الرابعة : ليس حداً ، وإنما هو تعزير بحسب المصلحة ، وعلى هذا يتخرج حديث
الأمر بقتل السارق ، إن صح ؛ والله أعلم.
1

- ٢٣٩ -
باب فى تعليق يد السارق فى عنقه [٤: ٢٤٨]
٤٢٤٩ - عن عبد الرحمن بن مُحيريز، قال: ((سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق
اليد فى العنق للسارق: أمِن السنة؟ قال : أُتى رسول الله عليه وسلم بسارق ،
فَقُطِعِت يده، ثم أمر بها، فَعُلِّقَتْ فى عنقه))
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب
لا نعرفه إلا من حديث عمر بن على المقدَمى عن الحجاج بن أرطاة .
وعبد الرحمن بن محيريز - هو أخو عبد الله بن محيريز شامى.
وقال النسائى: الحجاج بن أرطاة ضعيف. لا يحتج بحديثه. هذا آخر كلامه.
والحجاج بن أرطاة: هو النحفى الكوفى. كنيته: أبو أرطاة. وهذا الذى
قاله غير واحد من الأيمة .
قال بعضهم: وكأنه من باب التطويف والإشادة بذكره لیرتدع به . ولو
ثبت لكان حسنا صحيحا . ولكنه لم يثبت .
[ باب بيع المملوك إذا سرق](١) [٢٤٨:٤]
٤٢٥٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((إِذَا سَرَقَ الْمَعْلوكُ فَعْهُ ، وَلوْ بِنَشِّ (٣)).
٤٢٥٠ - فيه دليل : على أن السرقة عيب فى الماليك ، يردون بها . ولذلك وقع الحط من
منه والنقص من قيمته .
وليس فى هذا الحديث دلالة على سقوط القطع عن الماليك إذا سرقوا من غير ساداتهم .
(١) العنوان ليس من رواية اللؤلؤى .
(٢) النش - بفتح النون وتشديد الشين - نصف أوقية. وهو عشرون درهما.
-

- ٢٤٠ -
وأخرجه النسائي وابن ماجة ، وقال النسائى : عمر بن أبى سلمة ليس
بالقوى فى الحديث ، هذا آخر كلامه.
وعمر بن أبى سلمة: هو عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى
وقد وضعه شعبة ويحيى بن معين . وقال أبو حاتم الرازى : لا يحتج به .
باب فى الرجم [٢٤٨:٤]
٤٢٥١ - عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: (٤: ١٥ واللاتى يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ
مِنْ نِسَائكٍ فاستشهدوا عليهن أربعةً منكٍ، فان شهدوا فأمسكوهن فى البيوت
حَتَّى يَتَوَفَاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وذكر الرجلَ بعد المرأة، ثم جمعهما
فقال: (٤: ١٦ واللذان يأتيانها منك فآذوهما، فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما)
فنسخ ذلك بآية الجلد، فقال: ( ٢٤: ٢ الزَّانِيّةُ والزَِّ فَاجْلِدُوا كُلَّ واحدٍ
منهما مائة جلدة )
فى إسناده على بن الحسين بن واقد. وفيه مقال .
٤٢٥٢ - وعن مجاهد، قال: ((السبيل: الحد)).
وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)).
وقال عامة الفقهاء : يقطع العبد إذا سرق .
وإنما قصد بالحديث إلى أن العبد السارق لا يمسك ولا يصحب. ولكن يباع،
ويستبدل به من ليس بسارق .
وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما (( أن العبد لا يقطع إذا سرق)).
وحكى مثل ذلك عن شريح . وسائرُ الناس على خلافه .