Indexed OCR Text
Pages 261-280
- ٢٦١ - وأخرجه مسلم والترمذى . وقد كان (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال)) وفى إراقته إضاعته . فعلم: بذلك أن معالجته لا تطهره، ولا ترده إلى المالية بحال . وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه . وإليه ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل . وكره ذلك سفيان وابن المبارك . وقال مالك: لا أحب لمسلم ورث خمراً أن يحبسها حتى يُخللها . ولكن إن فدت خمر حتى تصير خلاً لم أرَ بأكله بأساً . وقيل لابن المبارك: كيف يتخذ الخل بأن لا يأثم الرجل ؟ قال : أُنظر خلاً نقياً فصبَّ عليه قدرَ ما لا يغلبه العصير ، فان غلبه العصير لم يغل . وقال أحمد نحواً من ذلك ، وقال: ما يعجبنى أن يكون فى بيت الرجل المسلم خمر. ولكن يصب على العصير من الخل حتى يتغير . ورخص فى تخليل الخمر ومعالجتها : عطاء بن أبى رباح ، وعمر بن عبد العزيز .. وإليه ذهب أبو حنيفة . وشبهه بعضهم بدباغ جلد الميتة ، وقال: هو محرم ، يستباح بالعلاج ويستصلح له . فكذلك الخمر . وهذا غير مشبه لذلك . وإنما يجوز القياس مع عدم النص. وههنا نص من السنة . وقد منع منه . وفى الدباغ نص سنة رخص فيه ، ودعا إليه . فالواجب علينا متابعة كل منهما، وترك قياس أحدهما على الآخر . وقد فرق العلماء فى الحكم بين أشياء تتغير بذاتها ، وبين ما يصير منها إلى التغير بفعل فاعل ، كالرجل يموت حتف أنفه فيرثه ابنه ، ولو قتله الابن لم يرثه . وقد حرم الله صيد الحرم فى الحرم ، فلو خرج الصيد فأخذ فى الحل جازاً كله . ولو أخرجه مخرج فذبحه خارج الحرم لم يحل . ٣٥٢٩٠٣٥٢٨ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد أخرج البخارى ومسلم فى الصحيحين عن أنس قال ((إن الخمر حرمت، والخمر يومئذ: البسر، والتمر)) - ٢٦٢ - الخمر مما هو ؟ [٣: ٣٦٧] ٣٥٢٩ - عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنَّ مِنَ الْمِنَبِ خَمْراً، وإنَّ مِنَ التَّرِ خَمْراً، وإنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْراً، وإن من الْبَرِّ ◌َخْراً، وإن من الشعير خمرا )» ٣٥٢٩ - قال الشيخ: فيه تصريح من النبى صلى الله عليه وسلم بما قاله عمر رضى الله عنه ، وأخبر عنه فى الحديث الأول: من كون الخمر من هذه الأشياء، وليس معناه ن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها. وإنما جرى ذكرها خصوصاً، لكونها معهودة فى ذلك الزمان . فكل ما كان فى معناها من ذُرة وسُلْت ولُبِّ نمرة ، وعُصارة شجرة فحكمه حكمها . كما قلناه فى الربا . ورددنا إلى الأشياء الأربعة المذكورة فى الخبر كلَّ ما كان فى معناها من غير المذكور فيه . وفى صحيح مسلم: عن أنس قال ((لقد أنزل الله الآية التى حرم فيها الخمر ، وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر)» وفى صحيح البخارى: عن أنس قال (( حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر ) وفى صحيح البخارى أيضاً: عن ابن عمر قال ((نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ الخمسة أشربة ، ما فيها شراب العنب)) وأخرجه مسلم أيضاً . وفى الصحيحين أيضاً عن أنس قال (( كنت أسقى أباعبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب فضيخ زهو وتمر ، فجاء هم آت ، فقال: إن الحمر قد حرمت ، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها)» وفى لفظ: قال عبد العزيز بن صهيب قلت لأنس ((ماهو ؟ قال: بسر ورطب (١))) وفى لفظ فى الصحيحين عن أنس ــ وسألوه عن الفضيخ - فقال ((ما كان لنا خمر غير فضيحكم هذا الذى تسمونه الفضيخ ، إنى لقائم أسقى أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من - (١) فى كتاب الأشربة من صحيح البخارى: القائل لأنس. هو سليمان التيمى والد معتمر، فال لأنس (( ماشرابهم)» وحديث أنس من رواية عبد العزيز بن صهيب رواه البخارى فى تفسير سورة المائدة. وليس فيه سؤاله لأنس . - ٢٦٣ - وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: غريب. هذا آخر كلامه. وفى إسناده: إبراهيم بن المهاجر البَجَلِي الكوفى. وقد تكلم فيه غير واحد من الأيمة . ٣٥٣٠ - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن الخمر من العصير ، والزبيب، والتمر ، والحنطة، والشعير، والذُّرة، وإنى أنها كم عن كل مُسْكِرٍ)) فى إسناده: أبو جرير، عبد الله بن الحسين الأزدى الكوفى، قاضى سجستان. وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الرازى . واستشهد به البخارى . وتكلم فيه غير واحد . وقد أخرج البخارى ومسلم فى الصحيحين (( أن عمر رضى الله عنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر ، وهى من خمسة أشياء : من العنب والتمر ، والحنطة، والشعير، والعسل. والخمر: ما خامر العقل - الحديث)) أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فى بيتنا ، إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ فقلنا: لا. فقال: إن الخمر قدحرمت ، فقال: يا أنس أرق هذه القلال. قال: فما سألوا عنها ، ولا راجعوها بعد خبر الرجل (١)) فهذه النصوص الصحيحة الصريحة فى دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب فى اسم الخمر في اللغة التى نزل بها القرآن ، وخوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف فى إثبات تسميتها خمراً بالقياس ، مع كثرة النزاع فيه. فإذ قد ثبت تسميتها خمراً نصا ، فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحداً . فهذه طريقة قريبة منصوصة سهلة ، تريح من كلفة القياس فى الاسم ، والقياس فى الحكم. ثم إن محض القياس الجلى يقتضى التسوية بينهما ، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذى لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره وهنا المعنى بعينه فى سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها فى ذلك تفريق بين المتماثلات، وهو باطل ، فلو لم يكن فى المسألة إلا القياس لكان كافياً فى التحريم. فكيف؟ وفيها ما ذكرناه من النصوص التى لامطعن فى سندها ، ولا اشتباه فى معناها، بل هى صحيحة صريحة. وبالله التوفيق . (١) رواه البخارى فى تفسير سورة المائدة، وليس فيه ((أبا أيوب)) - ٢٦٤ - ٣٥٣١ - وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((الخمرُ مِنْ هاتين الشجرتين - يعنى النخلةِ ، والْعِنَبَةِ)» وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٣٥٣١ - قال الشيخ: هذا غير مخالف لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير . وإنما وجهه ومعناه: أن معظم ما يتخذ من الخمر إنما هو من النخلة والعنبة . وإن كانت الخمرقد تتخذ أيضاً من غيرهما . وإنما هو من باب التأكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين ، لضراوته ، وشِدة سَوْرته . وهذا كما يقال: الشبع فى اللحم، والدَّفْء فى الوبر، ونحو ذلك من الكلام . وليس فيه نفى الشبع عن غير اللحم ، ولا نفى الدفء عن غير الوبَرَ ، ولكن فيه التوكيد لأمرهما، والتقديم لهما على غيرهما فى نفس ذلك المعنى . والله أعلم. ٣٥٣١ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وحديث ابن عمر: رواه أحمد فى مسنده، وابن ماجة وتوجه الدار قطنى . وحديث عبد الله بن عمرو: رواه أحمد والنسائى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ولا يصح حمل هذه الأحاديث على القليل من القدر المسكر ، لأن صريح الحديث يرده، لقوله فى حديث عائشة « ما أسكر الفرق منه ثملء التكاف منه حرام)، فهذا صريح في أن الشراب إذا كان إنما يسكر منه بالفرق ملء الكاف منه حرام ، مع أنه لا يحصل به سكر . وهذا مراد الأحاديث، فان الاسكار إنما يحصل بالمجموع من الشراب الذى يقع به السكر ، ومن ظن أنه إنما يقع بالشربة الأخيرة فقد غلط ، فان الشربة الأخيرة إنما أثرت السكر بانضمامها إلى ما قبلها ، ولو انفردت لم تؤثره ، فهى كاللقمة الأخيرة فى الشبع، والمصة الأخيرة فى الرى ، وغير ذلك من المسببات التى تحصل عند كمل سبها بالتدريج شيئاً فشيئاً . . فاذا كان السكر يحصل بقدر معلوم من الشراب كان أقل مايقع عليه الاسم منه حراما ، لأنه قليل من الكثير المسكر ، مع القطع بأنه لا يسكر وحده ، وهذا فى غاية الوضوح . - ٢٦٥ - باب النهى عن المسكر [٣: ٣٦٨] ٣٥٣٢ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كلُّ مسكرٍ خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يُدْمِنُهَا لم يشربها فى الآخرة )) وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى . وحديث النسائى مختصر. ٣٥٣٢ - قال الشيخ: قوله ((كل مسكر خمر )) يتأول على وجهين. أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد فيه السكر من الأشربة كلها ، ومن ذهب إلى هذا زعم أن الشريعة: أن تحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما لها أن تضع الأحكام ٤ بعد أن لم تكن . والوجه الآخر : أن يكون معناه: أنه كالخمر فى الحرمة ، ووجوب الحد على شار به ، وإن لم يكن عين الخمر، وإنما ألحق بالخمر حكماً ، إذ كان فى معناها . وهذا كما جعل النبَّاش فى حكم السارق، والمتلوط فى حكم الزانى، وإن كان كل واحد منهما يختص فى اللغة باسم غير الزنى وغير السرقة . وقوله (( من مات وهو يشرب الخمر يدمنها)) فإن مدمن الخمر: هو الذي يتخذها ويعاقرها وقل النضر بن شميل: من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر، وإن لم يتخذها . وقوله (( لم يشربها فى الآخرة)) معناه: لم يدخل الجنة. لأن شراب أهل الجنة خمر إلا أنه لا غَوْل فيها ولا نَزْف. ٣٥٣٢ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: وفى صحيح مسلم عن جابر (( أن رجلا قدم من جيشان - وجيشان من اليمين - فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب . يشربونه بأرضهم من الذرة ، يقال له: المزر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مسكر هو ؟ قال : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن شرب المسكر: أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يارسول الله، وما طينة الخبال؟ قال : عرق أهل النار ، أو عصارة أهل النار )) وفى مسند الإمام أحمد عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( كل مسكر حرام» ورواه النسائي والترمذى وابن ماجة، وقال الترمذى : صحيح . - ٢٦٦ - ٣٥٣٣ - وعن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((كل مُخَّرِّ خمرٌ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب مُسْكرا ◌ُخِسَتْ صلاته أربعين صباحا ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعةَ كان حَقًّا على الله أن يَسْقَيه من طِينة الخبال. قيل: وما طينة الجبال يارسول الله؟ قال: صديدُ أهل النار، ومَنْ سقاه صغيراً لا يَعْرِفُ حلالَه من حرامِهِ كان حقًّا على الله أن يَسقيه من طينة الخبال » ٣٥٣٤ - وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما أسكر كثيره فقليله حرام )» ٣٥٣٤ - قال الشيخ : هذا أوضح البيان أن الحرمة شاملة لأجزاء المسكر ، وأن قليله ككثيره فى الحرمة . والإسكار فى هذا الحديث - وإن كان مضافاً إلى كثيره - فإن قليله مسكر على سبيل التعاون كالزعفران يُطرح اليسير منه فى الماء ، فلا يصبغه حتى إذا مُدَّ بجزء بعد جزء منه فإذا كثر ظهر لونه، وكان الصِّغ والتلوين ، مضافاً إلى جميع أجزائه على سبيل التعاون . وتأوله بعضهم تأولا فاسداً، فقال: إنما وقعت الإشارة بقوله ((فقليله حرام)» إلى. الشَّربة الآخرة، أو إلى الجرعة التى يحدث السكر عقيب شربها . لأن الفعل إنما يضاف إلى سببه ، وسبب السكر: هو الشربة الآخرة التى حدث السكر على أثرها لأن ما تقدمها منه حين السكر معدوم . قلت : وهذا تأويل فاسد إذا كان مستحيلاً فى العقول وشهادات المعارف : أن يعجز كثير الشىء عما يقدر عليه قليله . وفى سنن ابن ماجة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( كل مسكر حرام)) قال ابن ماجة : هذا حديث المصريين ، رواه من حديث أيوب بن هانىء عن مسروق عنه وفى سنن ابن ماجة أيضاً عن يعلى بن شداد بن أوس قال : سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( كل مسكر حرام على كل مؤمن)) قال ابن ماجة : وهذا حديث العراقيين . - ٢٦٧ - وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب من حديث جابر . هذا آخر كلامه. وفى إسناده: داود بن بُكَير بن أبى الغُرات الأشجعى ، مولاهم ، المدنى . سئل عنه يحيى بن معين ؟ فقال: ثقة . وقال أبو حاتم الرازى : لا بأس به ، ليس بالمتين . هذا آخر كلامه. وقد روى هذا الحديث من رواية على بن أبى طالب ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو ، وعائشة ، وخَوَّات بن جبير . وحديث سعد بن أبى وقاص: أجودها إسنادا . فان النسائى رواه فى سننه عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلى . وهو أحد الثقات، عن الوليد بن كثير، وقد احتج به البخارى ومسلم فى الصحيحين، عن الضحاك بن عثمان - وقد احتج به مسلم فى صحيحه - عن بكير بن عبد الله بن الأُشَجِّ عن عامر بن سعد بن أبى وقاص . وقد احتج البخارى ومسلم بهما فى الصحيحين . وقال أبو بكر البزار : وهذا الحديث لا نعلم يروى عن سعد إلا من هذا الوجه .. ورواه عن الضحاك، وأسنده جماعة عنه ، منهم الدراوردى والوليد بن كثير، ومحمدبن جعفر بن أبى كثير المدنى . هذا آخر كلامه . وتابع محمد بن عبد الله بن عمار أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج . وهو ممن اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج به . ٣٥٣٥ - وعن عائشة رضى الله عنها. قالت ((سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْبِتْعِ ؟ فقال: كلُّ شرابٍ أسكرَ حرامٌ )) ولو كان الأمر على مازعموه ، لكان لقائل أن يقول : إن الله حرم علينا شيئاً لم يجعل لنا طريقاً إلى معرفة عينه. لأن الشارب لا يعلم متى يقع السكر به ، ومن أى أجزاء الشراب يحدث فيه ؟ وهذا فاسد لا وجه له، ولو توهمنا الجزاء الآخر مشروباً مفرداً عن غيره غير مضاف ولا مجموع إلى ما تقدمها. لم يتوهم وجود السكر فيه حين انضم إلى سائر الأجزاء توهمنا وجوده ، فعلمنا أن السكر إنما حصل بمجموع أجزائه . والله أعلم . - ٢٦٨ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٣٥٣٦ - وفى رواية: ((والبتع: نبيذ العسل، كان أهل اليمن يشربونه)). ٣٥٣٧ - وعن دَيْلم الحميرى، قال («سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسولُ الله، إنَّا بأرضِ باردةٍ، نُمَالجُ فيها عملاً شديدا، وإنا نَتَّخِذُ شرابا من هذا القمح، نَتَقَّوَّى به على أعمالنا، وعلى بَرْد بلادنا. قال: هل يُسْكرِ؟ قلت: نعم ، قال: فاجتنبوه. قال: قلت : فإن الناس غير تاركيه ، قال: فان لم يتركوه فقاتلوهم )» فى إسناده : محمد بن إسحاق بن يسار. وقد تقدم الكلام عليه . ٣٥٣٨ - وعن عاصم بن كليب ، عن أبي بردة ، عن أبى موسى - وهو الأشعرى - قال («سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شَراب من العسل، فقال: ذاك الْبِتْعُ. قلت: وينتبذون من الشعير والذَّرة؟ فقال: ذاك المِزْرُ. ثم قال: أخْبِرْ فَوْمَكَ: أنَّ كلَّ. مُسْكِرٍ حَرَامٍ» وقد أخرجه البخارى ومسلم بنحوه من حديث سعيد بن أبى بردة عن أبيه ٣٥٣٩ - وعن الوليد بن عبدة ، عن عبد الله بن عمر « أن نیَّ الله صلى الله عليه وسلم نهى ٠ عن الخمر والميسر، والكُوبَةِ، والْغُبَيْرَاء، وقال: كلُّ مسكر حرام» الوليد بن عبدة - بالعين المهملة المفتوحة ، وبعدها باء بواحدة مفتوحة أيضا - قال أبو حاتم الرازى : هو مجهول . وقال ابن يونس فى تاريخ المصريين : وليد بن عبدة مولى ٣٥٣٥ - قال الشيخ (( البقع)) شراب يتخذ من العسل، وفى هذا إبطال كل تأول يتأوله أصحاب تحليل الأنبذة فى أنواعها كلها ، وإفساد قول من زعم أن القليل من المسكر مباح . وذلك: أنه سئل عن نوع واحد من الأنبذة . فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فدخل فيه القليل والكثير منها . ولو كان هناك تفصيل فى شىء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يبهمه ، والله أعلم . ٣٥٣٨ - قال الشيخ: ((الميسر)) القمار، و ((الكوبة)) يُفسَّر بالطبل. ويقال: هو الفرد ويدخل فى معناه: كل وتَرَ وَمِزْهَر، فى نحو ذلك من الملاهى والغناء. - ٢٦٩ - عمرو بن العاص . روى عنه يزيد بن أبى حبيب، والحديث معلول . ويقال : عمرو بن الوليد بن عبدة ، وذكر له هذا الحديث. وذكر أن وفاته سنة مائة . وهكذا وقع فى رواية الهاشمى: عبد الله بن عمر. والذى وقع فى رواية ابن العبد عن أبى داود : عبد الله بن عمرو . وهو الصواب. ٣٥٤٠ - وعن شهر بن حوشب، عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت ((نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كلّ مُسْكر ومُفَتٍِّ))(١) شهر بن حوشب : وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وتكلم فيه غير واحد والترمذى : يصحح حديثه . ٣٥٤١ - وعن عائشة رضى الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الْفَرَقُ فِلِ ه الكَفِّ منه حرام )» وأخرجه الترمذى . وقال : هذا حديث حسن . قال أبو عبيد ((الغبيراء)) هى السُّكُرْكة، تعمل من الذّرة شراب تصنعه الحبشة . وفى قوله ((كل مسكر حرام)) دليل على تحريم الوضوء بالنبيذ المسكر. ٣٥٤٠ - قال الشيخ ((المفتر)) كل شراب يورث الفتور والخدَر فى الأطراف. وهو مقدمة السكر، نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. والله أعلم. ٣٥٤١ - قال الشيخ: ((الفرق)) مكيلة تَسَع ستة عشر رطلاً . وفى هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر . وفيه حجة على من زعم أن الإسكار لا يضاف إلى الشراب ، لأن ذلك من فعل الله سبحانه . (١) قد ذكر الشيخ شمس الحق فى عون المعبود (ج ٣ ص ٣٧٠ - ٣٧٩) كلاما نقيا فى بيان المفتر ماهو ، واستطرد للكلام على الحشيشة والأفيون ونحوهما من كل ما يستعمله سقطة الناس للتخدير والإسكار ، وذكر إجماع العلماء على تحريمه . - ٢٧٠ - والأمر كماذكره . فان رواته جميعهم محتج بهم فى الصحيحين، سوى أبى عثمان عمرو ۔ ويقال: عمر - بن سالم الأنصارى، مولاهم المدنى، ثم الخراسانى. وهو مشهور، ولى القضاء مرو ، ورأى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس . وسمع من القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق ، وعنه روى هذا الحديث . روى عنه غير واحد. ولم أر لأحد فيه كلاما . باب فى الداذىّ [٣: ٣٧٩] ٣٥٤٢ - عن مالك بن أبى مريم، قال (( دخلَ علينا عبدُ الرحمن بن غَيِم . فتذاكرنا الطّلاء، فقال: حدثنى أبو مالك الأشعرى : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ من أمتى الخمر، يُسمُّونها بغير اسمها)» قلت : والأمر وإن كان صحيحاً فى إضافة الفعل إلى الله عز وجل ، فإنه قد يصح أن يضاف إلى الشراب، على معنى أن الله تعالى قد أجرى العادة بذلك ، كما أن إضافة الإشباع إلى الطعام، والإرواء إلى الشراب: صحيح، إذ كان قد أجرى الله العادة به . ٣٥٤٢ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: ولفظ حديث ابن ماجة - الذى أشار إليه المنذرى ((ليشرين ناس من أمتى الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات ، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير ) وقد أخرج ابن ماجة أيضاً من حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبى أمامة ، يرفعه (( لا تذهب الليالى والأيام حتى يشرب طائفة من أمتى الخمر ، يسمونها بغير اسمها» وأخرجه أيضاً من حديث ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة عن النبى صلى الله عليه وسلم . وقال البخارى فى صحيحه(١): باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن (١) للحافظ ابن حجر فى الفتح (ج ١٠ ص ٤١ - ٢٤٣ بحث قيم فى رد كلام ابن حزم على هذا الحديث ودعواه عدم نهوضه للاحتجاج على تحريم المعازف والغناء ، لأنه معلق، وليس متصلا ، ثم استطرد الحافظ إلى الكلام على معلقات البخارى كلاما نفياً فراجعه . - ٢٧١ - وأخرجه ابن ماجة أتم من هذا . وفى إسناده: حاتم بن حُريث الطائى الحمصى ، سئل عنه أبو حاتم الرازى ؟ فقال . شيخ . وقال يحي بن معين : لا أعرفه . قيس الكلاعى قال حدثنى عبد الرحمن بن غنم الأشعرى قال: حدثنى أبو عامر ، أو أبو مالك الأشعرى، والله ما كذبنى، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (( ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر(١) والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم تأتيهم الحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غداً ، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة )) وقد طعن ابن حزم وغيره فى هذا الحديث، وقالوا : لا يصح ، لأنه منقطع لم يذكر البخارى من حدثه به، وإنما قال ((وقال هشام بن عمار)) وهذا القدح باطل من وجوه. أحدها : أن البخارى قد لقى هشام بن عمار ، وسمع منه ، فاذا روى عنه معنعناً حمل على الاتصال اتفاقا، لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال ((قال هشام)) لم يكن فرق بينه وبين قوله ((عن هشام)) أصلا. الثانى : أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولا، قال الاسماعيلى فى صحيحه : أخبرنى الحسن حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه ، والحسن هو ابن سفيان . الثالث : أنه قد صح من غير حديث هشام ، قال الاسماعيلى فى الصحيح : حدثنا الحسن حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا بشر حدثنا ابن جابر عن عطية بن قيس قال : قام ربيعة الجرشى فى الناس، فذكر حديثاً فيه طول. قال: فاذا عبد الرحمن بن غنم ، فقال: يميناً حلفت عليها ، حدثنى أبو عامر أو أبو مالك الأشعرى، واللّه يمينا أخرى : حدثى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ليكونن فى أمتى قوم يستحلون الخمر -وفى حديث هشام الخمير والحرير - وفى حديث دحيم: الخز والحرير والخمر والمعازف - فذكر الحديث)) ورواه (١) قال الحافظ فى الفتح (١٠: ٤٤) ((الحر)) ضبطه ابن ناصر بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة وهو الفرج ، وكذا هو فى معظم الروايات من صحيح البخارى ، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره . وأغرب ابن التين فقال: إنه عند البخارى بالمعجمتين، وقال ابن العربى: هو بالمعجمتين تصحيف، وإنما رويناه بالمهملتين، وهو الفرج، والمعنى: يستحلون الزنا ـ إلى أن قال: وحكى عياض فيه تشديد الراء . والتخفيف هو الصواب ، وقيل: أصله بالياء بعد الراء حذفت، وذكره أبو موسى فى ذيل الغريب فى (( ح ر)) وقال: هو بتخفيف الراء، وأصله ((حرح)) بكسر أوله وتخفيف الراء بعدها مهملة أيضا، ويجمع على أحراح . - ٢٧٢ - ٣٥٤٣ - وعن سفيان الثورى - وسئل عن الداذىّ - فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ من أُمَّتِى الخمر يُسمُّونها بغير اسمها (١))) قال أبو داود : وقال سفيان الثورى : الداذى : شراب الفاسقين . باب فى الأوعية [٣: ٣٨٠] ٣٥٤٤ - عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم، فالا ((نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدبَّاء، والْحَنْتَمِ، وَالمزَنَّتِ، والنَغَيرِ ». ٣٥٤٣ - قال الشيخ: ((الدباء)) القرع. قال أبو عبيد: قد جاء تفسيرها فى الحديث عن أبى بكرة: أنه قال (( أما الدباء: فإنا معاشر ثقيف كُنَّا بالطائف نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب، ثم ندفنها حتى تَهْدِر، ثم تموت)). وأما ((النقير)) فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرُون أصل النخلة ، ثم ينبذون الرطب والبُسْر، ويدعونه حتى يهدر، ثم يموت . عثمان بن أبى شيبة حدثنا زيد بن الحباب قال : أخبرني معاوية بن صالح حدثنى حاتم بن حريث عن مالك بن أبى مريم قال (( تذاكرنا الطلاق، فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم ، فقال : حدثنى أبو مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث بلفظه)) الرابع : أن البخارى لو لم يلق هشاماً ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث فى صحيحه وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم يذكر الواسطة بينه وبينه: إما لشهرتهم وإما لكثرتهم فهو معروف مشهور عن هشام تغنى شهرته به عن ذكر الواسطة . الخامس : أن البخارى له عادة صحيحة فى تعليقه، وهى حرصه على إضافته الحديث إلى من علقه عنه إذا كان صحيحاً عنده، فيقول ((وقال فلان)» و«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» وإن كان فيه علة قال «ويذكر عن فلان» أو «ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» ومن استقرأ كتابه علم ذلك، وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام ، فهو محيح عنده . السادس: أنه قد ذكره محتجاً به، مدخلاله فى كتابه الصحيح أصلا لا استشهاداً ، فالحديث صحيح بلا ريب . (١) هذا الحديث لم يذكره المنذرى لأنه ليس من رواية اللؤلؤى - ٢٧٣ - وأخرجه مسلم والنسائى . ٣٥٤٤ - وعنه قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول ((حَرَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيذَ الَجَرُّ [. خرجت فزعاً من قوله: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر(١)] فدخلتُ على ابن عباس ، فقلتُ: أما تسمعُ ما قال ابن عمر؟ قال: وما ذاك؟ قلت : قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجرّ ، قال: صَدَقَ، حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر. قلت : ما الجرُّ؟ قال: كل شىء يُصنع من مَدَرٍ)). وأخرجه مسلم والنسائى. ٣٥٤٥٠ - وعن أبى جمرة - وهو نصر بن عمران الضُبَعِى - قال: سمعت ابن عباس يقول ((قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيسِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا هذا الحىّ من ربيعة، قد حال بيننا وبينك كفارُ مُضَرَ، ولسنا تَخْلُصُ إليك إلا فى شهر حرامٍ ، فمرنا بشىء نأخذُ به، وندعو إليه مَنْ وراءنا، قال: آمُرُ كم بأربع وأنها كم، وأما ( الختم)) نجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر . وأما (( المزفت)) فهذه الأوعية التى فيها الزفت . قلت : وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضَراوة يشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها ، فيكون على غرر من شربها . وقد اختلف الناس فى هذا . فقال قائلون: كان هذا فى صلب الإسلام. ثم نسخ بحديثُ بريدة الأسلمى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((كنتُ نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا فى كل وعاء ، ولا تشربوا مسكراً)) وهذا أصح الأقاويل . وقال بعضهم: الخَظْر باق . وكرهوا أن ينتبذوا فى هذه الأوعية . وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحق، وقد روى. ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهما . (١) زيادة من السنن شرح عون المعبود. م ١٨ - مختصر الق - ج . - ٢٧٤ - عن أربع : الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله، وعَقَد بيده واحدة - وقال مُسَدَّد: الإيمان بالله، ثم فسرها لهم: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة، وأن تُؤَدُّوا الخمس مما غَنِمْتُمْ، وأنها كُم عن الدبَّاءِ وَالْخْتَِ وَالمُزَفَّتِ وَالْمُغَيَّر - وقال ابن عبيد - وهو محمد - النّقير، مكان المقير - وقال مسدد: النقير والمقير، ولم يذكر المزفَّت)». وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى . ٣٥٤٦ - وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس ((أنها كم عن النَّير، والمقَيّر، واَلْنْتَمَ، والدُّباء، والمزادة المجْبُوبَةَ، ولكن أُشْرَبْ فِى سِقَائِكَ وَأَوْكِهْ)). وأخرجه مسلم والنسائى. ٣٥٤٧ - وعن عكرمة وسعيد بن المسيّب، عن ابن عباس - فى قِصَّة وفد عبد القيس - قالوا ((فِيمَ نشربُ يا نبى الله؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكُمْ بِأسْقِيَةِ الْأَدَمِ التى يُلاَثُ عنى فواهها)» وأخرجه النسائى مسنداً ومرسلا . وقد أخرج مسلم فى الصحيح حديث أبى سعيد الخدرى فى وفد عبد القيس ، وفيه «فقلت : ففيم نشرب ، يا رسول الله ؟ قال : فى أسقية الأدم التى يُلاث على أفواهها )). ٣٥٤٨ - وعن أبى القَمُوصِ زيدٍ على، قال: حدثنى رجل كان من الوفد الذين وَفَدوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم من عبد القيس، يَحْسِبُ عَوْفٌ: أن أسمه قيسُ بن النعمان ، ٣٥٤٦ - قال الشيخ: قوله (( اشرب فى سقائك، وأوكه)) إنما قال ذلك من أجل أن السقاء الذى يُشْدُّ ويُوكَى: جِلْدٌ رقيق. فإذا حدثت فيه الشدة تقطّع وانشقّ. فلم يَخْفَ على صاحبه أمره، وهذه الأوعية صلبة متينة ، يتغير فيها الشراب ويشتد ، فلا يشعر صاحبها بذلك . وأما المزادة المحبوبة: فهى التى ليست لها عزلاء من أسفلها تتنفس منها ، فالشراب. قد يتغير فيها، ولا يشعر به صاحبها . - ٢.٧٥ - فقال: (( لا تشربوا فى نَقَير، ولا مُزْفَّت، ولا دُبَّاء، ولا حَنْتَمَ، واشربوا فى الجلد المُوكا عليه ، فإن اشتدَّ فا كْسِرِوه بالماء، فإن أعيا كم فأهْرِ يقُوه)). ٣٥٤٩ - وعن ابن عباس، أن وفد عبد القيس قالوا ((يا رسول الله، فيم ◌َشْربُ؟ قال: لا تشربوا فى الدّاء، ولا فى المزفت، ولا فى الفقير، وانتبذوا فى الأسقية . قالوا: يا رسول الله ، فإن اشتد فى الأسقية؟ قال: فَصُبُّوا عليه الماء . قالوا: يا رسول الله ، فقال لهم فى الثالثة، أو الرابعة: أهريقوه، ثم قال: إن الله حَرَّم على - أو حَرَّمَ - الخمر، والميسر والكُوبَةَ ، قال: وكل مسكر حرام)). قال سفيان - وهو الثوري - : فسألت على بن بَذِيْمَةَ عن الكوبة؟ قال : الطبل .. ٣٥٥٠ - وعن على رضي الله عنه: قال ((نهانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ الدباء والختم والفقير والجِعَةِ». وأخرجه النسائى . ٣٥٥١ - وعن ابن بريدة - وهو عبد الله ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بِهِنَّ: نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها . فإن فى زيارتها تَذْكِرةً ، ونهيتكم عن الأشربة: أن تشربوا إلا فى ظروف الأدَم ، فاشربوا فى كل وِعاء، غَيْرَ أن لا تشربوا مُسْكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحى : أن تأكلوها بعد ثلاث، فَكُلُوا، واستمتعوا بها فى أسفاركم)) . وأخرجه مسلم والنسائى بمعناه. وأخرج مسلم والترمذى : فصل الظروف فى جامعه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه . وأخرج ابن ماجة فى سننه هذا الفصل أيضاً ، وقال فيه : عن ابن بريدة عن أبيه . ولم يسمه . ٣٥٥٠ - قال الشيخ : قال أبو عبيد: الجمعة : نبيذ الشعير. - ٢٧٦ - ٣٥٥٢ - وعن جابر بن عبد الله، قال «لمّا نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الأوعية قال : قالت الأنصارُ: إنه لا بُدَّ لنا، قال: فَلاَ، إذَنْ)). وأخرجه البخارى والترمذى وابن ماجة . ٣٥٥٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال « ذَكَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأوعية: الدبّاءَ والختم والمزفتَ والفقير، فقال أعرابى: إنه لاظُرُوفَ لنا، فقال: اشْرَبُوا مَاحَلَّ» ٣٥٥٤ - وفى رواية «اجتنبوا ما أسكر)). وأخرجه البخارى ومسلم بمعناه. وفيه ((فأرخص لهم فى الجرِّ غير المزفت)). ٣٥٥٥ - وعن أبى الزبير، عن جابر قال «كان يُنْبذُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى سِقَاءِ، فإذا لم يجدوا سِقاء نُبِذَ لَّهُ فى تَوْرٍ من حِجارَة)). وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة . باب فى الخليطين [٣٨٣:٣] ٣٥٥٦ -عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنَّهُ نَهَى: أن يُنْتَبذ الزبيبُ والتمر جميعاً، ونهى أن ينتبذ الْبُسْرُ والرُّطَبُ جميعاً». ٣٥٥٦ - قال الشيخ : قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين ، وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكراً، قولاً بظاهر هذا الحديث. ولم يجعلوه معلولاً بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس . وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحق وعامة أهل الحديث ، وهو غالب مذهب الشافعى . وقالوا: من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة ، فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة ، كان آثماً من جهتين . أحدهما : شرب الخليطين . والآخر : شرب المسكر . ورخص فيه سفيان الثورى وأبو حنيفة وأصحابه . وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعاً، لأن أحدهما يشد صاحبه. - ٢٧٧ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٣٥٥٧ - وعن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه ((أنه نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط البُسْرِ والتمر ، وعن خليط الزَّهْوِ والرطب، وقال: انتبذوا كل واحد على حدة )). وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة مسندا . ٣٥٥٨ - وعن أبى سَلَمة بن عبد الرحمن عن أبى قتادة عن النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث. وأخرجه مسلم والنسائى . ٣٥٥٩ - وعن ابن أبى لَيْلىَ - وهو عبد الرحمن - عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال ((نهى عن البلَح والتمر، والزبيب والتمر)) وأخرجه النسائى . ٣٥٦٠ - وعن كَبْشَة بنت أبى مريم، قالت ((سألت أم سلمة: ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ينهَى عنه؟ قالت: كان ينهانا: أنْ نَعْجُمَ النَّوَى طَبْخًا، أو تَخْلِطَ إلزبيب والتمر )). فى إسناده: ثابت بن عمارة، وقد وثقه يحيى بن معين ، وأثنى عليه غيره. وقال أبو حاتم الرازى : ليس عندى بالمتين . ٣٥٦١ - وعن امرأةٍ من بنى أسَدٍ، عن عائشة رضي الله عنها (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُنْتَبَذُ له زبيبٌ، يُلْقَى فيه تمر، أو تمرٌ فَيُلْقَى فيه الزبيب ». امرأة من بنى أسد : مجهولة . ٣٥٦٠ - قال الشيخ: قوله ((أن نعجُم النوى)) تريد أن تبلغ به النضيج إذا طبخنا التمر فعصدناه ، يقال: عجمت النوى : أعجمه عجباً: إذا لُكْتَه فى فيك، وكذلك إذا أنت طبخته أو أنضجته . ويشبه أن يكون: إنما كره ذلك من أجل أنه يفسد طعم الثمر أو لأنه علف الدواجن ، فتذهب قوته إذا هو نضج . - ٢٧٨ - ٣٥٦٢ - وعن صَفِية بنت عطية، قالت ((دخلتُ مع نسوة من عبد القيس على عائشة ، فسألناها عن التمر والزبيب؟ فقالت: كُنْتُ آخذُ قَبْضَةً من تمر وقبضة من زبيب ، فألقيه فى إناء، فأمْرُسُه، ثم أسقيه النبيَّ صلى الله عليه وسلم)) . فى إسناده: أبو بحر : عبد الرحمن بن عثمان البَكْراوى البصرى، ولا يحتج بحديثه. باب نبيذ البسر [ ٣: ٣٨٤] ٣٥٦٣ - عن جابر بن زيد وعكرمة ((أنهما كانا يكرهان البسر وحده، ويأخذان ذلك عن ابن عباس، وقال ابن عباس: أخشى أن يكون المُزَّاءَ الذى نْهِيَتَ عبدُ القيس ، فقلت لقتادة: ما المُزَّاءِ؟ قال: النبيذ فى الْخْنَّ والمزفت)) باب فى صفة النبيذ [٣: ٣٨٤] ٣٥٦٤ - عن عبد الله بن الدیلی ، عن أبيه - وهو فيروز الدیلی - قال « أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا: يا رسول الله، قد علمتَ مَنْ نحنُ ، ومن أين محن ؟ فإلى ٣٥٦٢ - قال الشيخ: قولها ((أمرسه)) تريد أنها تدلُكُهُ بأصابعها فى الماء، والمرس، والمرث: معنى واحد . وفيه : حجة لمن رأى أن لا بأس بانتباذ الخليطين . ٣٥٦٣ - قال الشيخ: قد فسر قتادة ((المزاء)) وأخبر (( أنه النبيذ فى الحنتم والمزفت)) وذكره أبو عبيد فقال: ومن الأشربة المسكرة: شراب يقال له: المزاء (١). ولم يفسره بأكثر من هذا. وأنشد فيه الأخطل : بئس الشُّحاةُ، وبئس الشَّرب شُرْبهم إذا جرت فيهم المُزَّاء والسَّكَرَ ٣٥٦٤ - قال الشيخ: ((الشنان)) الأسقية من الأدم وغيرها. واحدها: شَ، وأكثر (١) قال فى النهاية : المزاء فعلاء - بظم العاء وفتح العين مشددة - من المزازة، أو فعال - بضم الفاء وفتح العين مشددة - من المز: الفضل. وفى اللسان: المزاء الخمر اللذيذة الطعم، سميت بذلك للذعها الان . وقيل : اللذيذة المقطع . وقال أبو حنيفة: المزة والمزاء - بضم الميم فيهما - الخمر التى تلذع اللسان وليست بالحامضة. قال الأخطل يعيب قوماً: بئس الصحاة - البيت. والصحاة: جمع صاح، ضد السكران . ٠ - ٢٧٩ - من نحن ؟ قال: إلى الله وإلى رسوله. فقلنا: يا رسول الله ، إنَّ لنا أعنابا، ما نصنع بها؟ قال: زَبُِّوهَا. قلنا: ما نصنع بالزبيب؟ قال: انْبِذُوه على غَدائكم، واشربوه على عَشائكم، وانبذوه على عَشائكم واشر بوه على غدائكم، وانبذوه فى الشِّنَانِ ، ولا تنتبذوه فى الْقُلَلِ ، فإنه إذا تأخَّرَ [عن](١) قَصْرِهٍ صار خَلَّ)). وأخرجه النسائى . ٣٥٦٥ - وعن الحسن ، عن أمه عن عائشة رضى الله عنها، قالت ((كان يُنْبَذُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى سِقاء، يُوكأ أعلاه، وله عَزْلاَء، يُنْبَذُ غْدْوَةَ فيشربه عِشاء، وَيُلْبَذُ عِشاء فيشر به غُدْوَةً)). وأخرجه مسلم والترمذى . ٣٥٦٦ - وعن عمرة، عن عائشة رضى الله عنها (( أنها كانت تَنْبِذُ للنبي صلى الله عليه وسلم غُدْوَةً فإذا كان من العَشِىّ فَتَعَثَّى شَرِبَ على عَشائه، وإن فَضَّل شىءٍ، صَبَبْتُهُ، أو فَرَّغْتُه، ثم ننْبذ له بالليل، فإذا أصبح تَعدَّى ، فشرب على غدائه ، قالت: يُغْسَلُ السقاء غُدوةً وعشية، فقال لها أبى: مرتين فى يوم؟ قالت: نعم)). ٣٥٦٧ - وعن ابن عباس ، قال (( كان يُنْبَذُ للنبي صلى الله عليه وسلم الزبيبُ، فيشربه اليومَ ، والغَد ، وبعد الغد، إلى مَسَاء الثالثة، ثم يأمر به فيُسْقَى الخدمَ، أو يُهْرَاقُ)) وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة قال أبو داود : معنى (( يسقى الخدم)) يبادر به الفساد. ما يقال ذلك : فى الجلد الرقيق ، أو البالى من الجلود . والقُلل: الجرار الكبار. واحدتها: قُلَّة، ومنه الحديث ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبئاً )). ٣٥٦٥ - قال الشيخ: ((العزلاء)) فم المزادة. وقد يكون ذلك للسقاء من أسفله. ويجمع على العزالى . (١) زيادة من السنن - ٢٨٠ - باب فى شراب العسل [٣: ٣٨٦] ٣٥٦٨ - عن عُبيد بن عمير، قال: سمعت عائشة رضى الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تخبر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينبَ بنتِ جَحْشٍ ، فيشرب عندها عَسَلاً، فَتَوَاصَيْتُ أنا وحفصةُ: أيتُنَا ما دخل عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلتقل: إنى أجد ريح مَغَافِيرَ ، فدخل على إحداهن ، فقالت له ذلك ، فقال: بَلْ شَربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، وَلَنْ أعود له. فنزلت (٦٦: ١ لم تُحْرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لك تَبْتَغِى - إلى - إن تُتُوبا إلى الله) لعائشة وحفصة رضى الله عنهما (٦٦: ٣ وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثاً) لقوله: بل شربتُ عسلا)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى ٣٥٦٩ - وعن عروة، عنها، قالت (( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْخَلْواء وَالْعَسَل - فذكر بعض هذا الخبر - وكان النبى صلى الله وسلم يشتد عليه أن يُوجدَ منه الريح، وفى الحديث - قالت سودة: أكَلْت مَغَافير؟ قال: بل شربت عسلا، سَقَتْنِى حَفْصَةُ. فقلت: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، نَبْتٌ من نَبْتِ النحل)) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ، مختصراً ومطولا . باب فى النبيذ إذا غلى [٣: ٣٨٨] ٣٥٧٠ - عن أبى هريرة، قال «علمتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَصُومُ، ٣٥٦٨، ٣٥٦٩ - قال الشيخ: وفى الحديث: قالت سودة «بل أكلت مغافير، قال: بل شربت عسلاً. سقتنى حفصة. فقالت: جَرسَتْ نحلُهُ الْمُرْقُطَ)). ((والمغافير)) واحدها: مغفور، ويقال له أيضاً: مغثور، والفاء والثاء يتعاقبان كما قالوا : فوم وثوم ، وجَدَث وجدف ، وهو شىء يتولد من العُرْفط ، حلو كالناطف ، وريحه منكر ، والعرفُط شجر له شوك . وقوله ((جرست نحله العرفط )) أى أكلت ، ويقال النحل : جوارس . وفى هذا الحديث : دليل على أن يمين النبى صلى الله عليه وسلم إنما وقعت فى تحريم العسل ، لا فى تحريم أم ولده مارية القبطية . كما زعمه بعض الناس .