Indexed OCR Text

Pages 301-320

- ٢٩٩ -
٠ ٣٠١٢ - وعن عائشة قالت ((لما أرادوا غَسْلَ النبى صلى الله عيه وسلم قالوا: والله ما ندرى
أُجَرِّدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه، كما نجرد موتانا ، أم نغسله وعليه ثيابه ؟
فلما اختلفوا ألقى اللهُ عليهم النومَ ، حتى ما منهم رجلٌ إلا وذَقْنَهُ فى صدره، ثم كلهم
مُكَلِّمٌّ من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبى صلى الله عليه وسلم وعليه
ثيابُه ، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلوه وعليه قميصه ، يصبون الماء فوق
القميص ، ويَدْلُكونه بالقميص دون أيديهم ، وكانت عائشة تقول: لو استقبلتُ من أمرى
ما استدبرتُ ما غَسَّله إلا نساؤه)».
وأخرج ابن ماجة منه قول عائشة: (( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسله
إلا نساؤه)).
وأخرج ابن ماجة فى سننه من حدیث ◌ُریدة بن الحُصیب رضی الله عنه قال ((لما
أخذوا فى غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل : لا تنزعوا عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه)).
قال الدار قطنى : تفرد به عمرو بن يزيد عن علقمة . هذا آخر كلامه .
وعمرو بن يزيد - هذا - هو أبو بردة التميمي، ولا يحتج به .
وفى إسناده محمد بن إسحق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه .
باب كيف غسل الميت؟ [٣: ١٦٦ ]
٣٠١٣ - عن محمد بن سيرين، عن أم عطية قالت ((دخل علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين تُوُفَّيت ابنته ، فقال: اغسِلْنَها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتُنَّ
٣٠١٣ - (( الحقو)) الإزار.
وقوله (( أشعرنها إياه )) يريد: اجعلنه شعاراً لها . وهو الثوب الذى يلى جسدها .
وفيه: أن عدد الغسلات وتر ، وأن من السُنة: أن يكون فى آخر الماء شىء من
الكافور، وأن يغسَّل الميت بالسِّدر، أو بما فى معناه من أشْنان ونحوه ، إذا كان على بدنه
شىء من الدَّرَن ، أو الوسخ .

- ٣٠٠ -
ذلك، بماء وسِدْرِ ، واجعلنَ فى الآخرةِ كافوراً، أو شيئاً من كافور ، فإذا فَرَغْتُنَّ فَآَذِّنْنِى.
فلما فرغنا آذنّاه، فأعطانا حَقْوَه. فقال: أَشْعِرَْها إياه )).
وفى رواية (( يعنى إزاره)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة .
وابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - هذه - هى زينب زوج أبى العاص بن الربيع .
وهی أ کبر بناته صلی الله عليه وسلم . هذا هو أكثر المروى.
وذكر بعض أهل السِّير: أنها أم كلثوم . وقد ذكره أبو داود فيما بعد .
وفى إسناده مقال. والصحيح: الأول ، لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله
عليه وسلم غائب بيدر .
٣٠١٤ - وعن حَقْصَة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت ((مَشَطْفَاهَا ثلاثة قرون)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٣٠١٥ - وعن حفصة أيضاً عنها، قالت (( وضَفَرْنَا رأسها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها
مُقَدَّمَ رأسها وقَرْنَيْهَا )) .
وأخرجه مسلم، ولفظه («فضفرنا شعرها ثلاثة قرون: قَرْنَيها، وناصيتها )).
٣٠١٦ - وعن حفصة أيضاً عنها ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهن - فى غسل.
ابنته - ابْدَأْنَ بِيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ منها)».
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٣٠١٧°- وفى رواية: (( أو سبعاً، أو أكثر من ذلك، إن رَأَيْتُنَّهُ)).
وأخرجها البخارى ومسلم والنسائى .
٣٠١٨ - وعن محمد بن سيرين (( أنه كان يأخذ الغسلَ عن أمّ عطية: يغسل بالسِّدر مرتين
والثالثة: بالماء والكافور)).
٣٠١٥ - تريد ثلاثة قرون ((والضفر)) أصله الفَتْل.
وفيه دليل : على أن تسريح لحية الميت مستحب .

- ٣٠١ -
قال بعضهم : ليس فى غسل الميت حديث سوى حديث أم عطية ، غير أنها سنة
ماضية فى الشرع .
باب فى الكفن [٣: ١٦٨ ]
٣٠١٩ - عن جابر بن عبد الله عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه خطب يوماً. فذكر
رجلاً من أصحابه قُبِض، فكُفِّنَ فى كفنٍ غيرِ طائلٍ، وقُبر ليلاً، فرجَرَ النَُّّ صلى الله
عليه وسلم أن يقبَرَ الرجلُ بالليل، حتى يصلَّى عليه، إلا أن يُضطر إنسان إلى ذلك، وقال
النبى صلى الله عليه وسلم: إذا كَفَّنَ أحدكم أخاه فَلْيُحَسِّنْ كَفْنَهُ))
وأخرجه مسلم والنسائى
وأخرج الترمذى وابن ماجة من حديث أبى قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ((إذا ولى أحدكم أخاه فليُحَسِّن كفنه)).
٣٠٢٠ - وعن عائشة، قالت «أدرِجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ثوب حِبَرَةٍ ،
ثم أُخِّر عنه)) .
وسيأتى فى حديث عائشة بعد هذا ما يوضحه .
٣٠٢١ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
((إِذَا تُوُفِّىَ أحدُ كم، فوجدَ شيئاً، فليُكَّن فى ثوب حِبَرَةٍ »
٣٠٢٢ - وعن عائشة، قالت «كُفَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ثلاثة أثواب يمانيةٍ
بيض ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة)).
٣٠٢٢٠ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: وقد حمل الشافعى قولها ((ليس فيها قميص
ولا عمامة)) على أن ذلك ليس فى الكفن بموجود، وأن عدد الكفن ثلاثة أثواب .
وحمله مالك على أنه ليس بمعدود من الكفن ، بل يحتمل أن يكون الثلاثة الأثواب زيادة
على القميص والعمامة .
وقال ابن القصار : لا يستحب القميص ولا العمامة عند مالك فى الكفن ، ونحوه عن
أبي القاسم قال: وهذا خلاف ماحكى متقدمو أصحابنا - يعنى: عن مالك

- ٣٠٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
٣٠٢٣ - وعنها، مثله، زاد « من كُرْسُفٍ، قال: فذكر لعائشة قولهم : فى ثوبين
وبُرْدِ حِبَرَة، فقالت: قد أتى بالبرد، ولكنهم رَدَّه، ولم يكفنوه فيه)) .
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، وقال الترمذى : صحيح .
٣٠٢٤ - وعن مِقْسم، عن ابن عباس، قال: «كُفَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
ثلاث أثواب نَجْرَانِيةِ: اُخلَّة ثوبان. وقميصه الذى مات فيه ))
وفى رواية (( فى ثلاثة أثواب: حُلَّة حمراء، وقميصه الذى مات فيه ))
وأخرجه ابن ماجة
وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وقد أخرج له مسلم فى المتابعات . وقد قال غير واحد
من الأيمة : إنه لايحتج بحديثه .
وقال أبو عبد الله بن أبى صُفْرَة: قولها (( ليس فيه قميص ولا عمامة )) يدل على أن
القميص الذى غسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم نُزِ ع عنه حين كفن . لأنه إنما قيل
((لا تنزعوا القميص)) لسترته، ولا يكشف جسده. فلما ستر بالكفن استغنى عن القميص،
ولو لم ينزع القميص - حين كفن- لخرج عن حد الوتر الذى أمر به النبى صلى الله عليه وسلم
واستحسنه فى غير ما شىء، إشعاراً للتوحيد ، وكانت تكون أربعةً بالثوب المبلول ،
ويُستبشع أن يكفّن على قيص مبلول
فان قيل: فقد روى يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس. قال (( كفن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثلاثة أثواب: قميصه الذى مات فيه وحلة نجرانية))؟
قيل : هذا حديث تفرد به يزيد بن أبى زياد . ولا يحتج به لضعفه . وحديث عائشة
- الذى نفت عنه القميص - أصح . هذا آخر كلامه .
وقولها (( ليس فيها قميص ولا عمامة)) حمله الشافعى على أن ذلك ليس فى الكفن
بموجود، وأن عدد الكفن ثلاثة أثواب
وحمله مالك على أنه ليس بمعدود، بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادة على
القميص والعمامة .

- ٣٠٣ -
وحكى بعضهم عن ابن القصار : أن القميص والعمامة غير مستحب عند مالك . ونحوه
عن ابن القاسم. لقول الشافعى، وقال : وهذا خلاف ماحكى متقدمو أصحابنا ، يعنى عن مالكا
٣٠٢٥ - وعن عامر - وهو الشعبى - عن على بن أبى طالب، قال «لأُغَال لى فى كفن
فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لاَ تَغَالَوْا فى الكفن، فانه يسلب
سلباً سريعاً)»
فى إسناده: أبو مالك ، عمر بن هاشم الجنبى ، وفيه مقال.
وذكر ابن أبى حاتم وأبو أحمد الكرابيسى : أن الشعبىّ رأى على بن أبي طالب.
وذكر أبو بكر الخطيب: أنه سمع منه . وقد روى عنه عدة أحاديث .
٣٠٢٦ - وعن خَبَّاب - وهو ابن الأرَتِّ - قال: ((مصعب بن عمير قُتْل يومَ أحدٍ ، ولم
يكن له إلا نَمِرَةٌ. كنا إذا غَطَّينا بها رأسه خرجتا رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه،
فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: غَطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخِرِ))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى
٣٠٢٧ - وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((خَيْرِ الْكَفَن
اُلَّةَ، وخير الأضحية: الكَبَشَ الأقرن)»
وأخرجه ابن ماجة ، مقتصرا منه على ذكر الكفن .
باب فى كفن المرأة [٣: ١٧١ ]
٣٠٢٨ - عن ليلى بنت قانِفِ الثقفية قالت (( كنت فيمن غَسَّل أمَّ كلثوم بنتَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم عند وفاتها ، فكانَ أولَ ما أعطانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الْحِقَى،
٣٠٢٦ - (( المرة)) ضرب من الأكْسِية.
وفيه من الفقه: أن الكفن من رأس المال ، وأن الميت إذا استغرق كفنه جميع
تركته كان أحق به من الورثة .

- ٣٠٤ -
ثم الدِّرْع، ثم الخمار، ثم الِلْحَقة، ثم أُدرجَتْ بعدُ فى الثوب الآخر، قالت: ورسولَ الله
صلى الله عليه وسلم جالسٌ عند الباب ، معه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا )
فى إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار. وقد تقدم الكلام عليه
وفيه أيضا من ليس بمشهور. والصحيح : أن هذه القصة إنما كانت لزينب بنت.
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم الكلام على ذلك . وهذا وقع فى الرواية
الحقى : بكسر الحاء مقصور . ولعلها أن تكون لغة فى الحقو.
باب المسك للميت [٣: ١٧١ ]
٣٠٢٩ - عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه («أطْيَبُ طيبكم
المسك )).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى .
باب التعجيل بالجنازة [٣: ١٧٢ ]
٣٠٣٠ - عن الحصين بن وَحْوَح ((أن طلحةَ بن البَرَاء مَرِض، فأتاه النبيُّ صلى الله عليه
وسلم يعوده، فقال: إنى لا أرى طلحةَ إلا قد حَدَثَ فيه الموتُ، فَآذنونى به، وعَجِّلوا ، فانهٍ
لا ينبغى الجيفة مسلم أن تُحَس بين ظَهْرَىْ أهْلِهِ »
قال أبو القاسم البغوى : ولا أعلم روى هذا الحديثَ غير سعيد بن عثمان البَلَوِىِّ. وهو
غريب . هذا آخر كلامه .
والحصين بن وحوح : أنصارى له صحبة
ووحوح : بفتح الواو وسكون الحاء المهملة ، وبعدها واو مفتوحة وحاء مهملة أيضا.
وطلحة بن البراء : أنصاری له صحبة

- ٣٠٥ -
باب فى الغسل من غسل الميت [٣: ١٧٣ ]
٣٠٣١ - عن عائشة، أنها حدثت (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع:
من الجنابة، ويوم الجمعة ، ومن الحجامة ، وغسل الميت))
٣٠٣١ - قلت : لا أعلم أحداً من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت ، ولا الوضوء
من حمله.
ويشبه أن يكون الأمر فى ذلك على الاستحباب .
وقد يحتمل أن يكون المعنى فيه : أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نَضْحٌ من
رشاش الغَسول، وربما كان على بدن الميت نجاسة . فإذا أصابه نَضْحُه - وهو لا يعلم
مكانه - كان عليه غسل جميع البدن ، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذى أصابه النجس
من بدنه .
٣٠٣١ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: وقال الإمام أحمد، فى رواية أبى داود :
حديث مصعب هذا ضعيف ، يعنى حديث عائشة ، وقال الترمذى : قال البخارى : حديث عائشة
فى هذا الباب ليس بذاك ، وقال ابن المنذر: ليس فى هذا حديث يثبت ، وقال الإمام أحمد :
وحديث أبى هريرة موقوف ، وسيأتي .
وقال الشافعى فى رواية البويطى : إن صح الحديث قلت بوجوبه .
وقال فى رواية الربيع : وأولى الغسل عندى أن يجب- بعد غسل الجنابة- الغسل من غسل
الميت ، ولا أحب تركه بحال - ثم ساق الكلام إلى أن قال: وإنما منعنى من إيجاب الغسل من
غسل الميت: أن فى إسناده رجلا لم أقع من معرفة تثبت حديثه إلى يومى هذا على ما يقنعنى ،فان
١٠ وجدت من يقنعنى من معرفة تثبت حديثه أوجبته، وأوجبت الوضوء من مس الميت مفضيا
إليه ، فانهما فى حديث واحد .
وقال فى غير هذه الرواية : وإنما لم يقو عندى: أنه يروى عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه
عن أبى هريرة، ويدخل بعض الحفاظ بين أبى صالح وبين أبى هريرة : اسحق مولى زائدة .
وقيل : إن أبا صالح لم يسمعه من أبى هريرة ، وليست معرفتى بإسحق - مولى زائدة -
مثل معرفتى بأبى صالح ، ولعله أن يكون ثقة ، وقد رواه صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة .
٢ ٢٠ - مختصر السنن - ج ٤

- ٣٠٦ -
قال أبو داود : حديث مصعب - يعنى هذا الحديث - فيه خصال ليس العمل عليه
وقال الخطابي : وفى إسناد الحديث مقال.
وقد قيل: معنى قوله ((فليتوضأ)) أى ليكُنْ على وضوء، ليتهيَّاً له الصلاة على الميت،
والله أعلم .
وفى إسناد الحديث مقال .
وقال الإمام أحمد فى رواية أبى داود: يجزئه الوضوء، قال أبو داود: أدخل أبو صالح بينه
وبين أبى هريرة فيه: إسحق مولى زائدة، قال: وحديث مصعب ضعيف . هذا آخر كلامه .
وهذا الحديث له عدة طرق .
أحدها : سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة .
الثانى : سهيل عن أبيه عن إسحق مولى زائدة عن أبى هريرة .
الثالث : عن يحيى بن أبي كثير عن إسحق عن أبى هريرة .
الرابع : عن يحي عن أبى إسحق عن أبى هريرة
الخامس : عن يحي عن رجل من بنى ليث عن أبى إسحق عن أبى هريرة
السادس : عن معمر عن أبى إسحق عن أبيه عن حذيفة .
السابع : عن أبى صالح عن أبى سعيد .
الثامن : عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة ، مرفوعا وموقوفا . قال البيهقى.
رحمه الله : والموقوف أصح.
التاسع : زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعا .
العاشر : عمرو بن عمير عن أبى هريرة مرفوعاً .
الحادى عشر: صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة مرفوعاً، ذكرها البيهقى . وقال : إنما
يصح هذا الحديث عن أبى هريرة موقوفا .
وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ .
وقد روى أبو داود عن على بن أبى طالب أنه اغتسل من تجهيزه أباه ومواراته .
قال البيهقى : وروينا ترك إيجاب الغسل منه عن ابن عباس فى أصح الروايتين عنه، وعن
ابن عمر، وعائشة، ورويناء أيضاً عن سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن
مالك . هذا آخر كلامه .
وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب .
أحدها : أن الغسل لايجب على غاسل الميت ، وهذا قول الأكثرين.

- ٣٠٧ -
٣٠٣٢ - وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ غَسَّلَ الميت
فليغتسل ، ومن حمله فليتوضأ )»
وأخرجه من حديث اسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة بمعناه .
وقال: هذا منسوخ ، سمعت أحمد بن حنبل ، وسُئل عن الغسل من غسل الميت ؟
فقال : يجزيه الوضوء . هذا آخر كلامه .
وقد أخرجه الترمذى وابن ماجة من حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن
أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من غسَّل ميتا فليغتسل)) ولفظ
الترمذى (( مِنْ غسله الغسلُ. ومن حمله الوضوء)) يعنى الميت . وقال الترمذى: حديث
حسن . وقد روى عن أبى هريرة موقوفا . هذا آخر كلامه .
وقد رواه أيضا من حديث حذيفة بن اليمان . وفى إسناده من لا يُحتج به .
وقد اختلف فى اسناد هذا الحديث اختلافا كثيرا . وقال أحمد بن حنبل وعلى
بن المدينى: لا يصح في هذا الباب شىء. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم في (( من غسل ميتاً
فليغتسل )) حديثاً ثابتاً . ولو ثبت لزمنا استعماله .
وقال الشافعى فى البويطى: إن صح الحديث قلت بوجو به.
باب فى تقبيل الميت [٣ :١٧٣ ]
٣٠٣٣ - عن عائشة، قالت ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقُبَّ عثمان بن مظعونِ
وهو ميت ، حتى رأيت الدموع تَسيل)).
الثاني : أنه يجب . وهذا اختيار الجوزجاني ، ویروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهرى،
وهو قول أبى هريرة، ويروى عن على .
الثالث: وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم . وهو رواية عن الإمام أحمد لحديث
على (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أمره بالغسل)) وليس فيه أنه غسل أبا طالب ، مع أنه من
رواية ناجية بن كعب عنه ، وناجية لا يعرف أحد روي عنه غيرأبى إسحق ، قاله ابن المدينى وغيره
٣٠٢٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وابن حبان يصحح لعاصم، ومن طريقه محمح حديث (سبق
رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل، وجعل بينهما محللا)) وذكره فى الضعفاء.

- ٣٠٨ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وفى حديث ابن ماجة ((على خديه )) وقال الترمذى :
حسن صحيح. هذا آخر كلامه .
وفى إسناده : عاصم بن عبد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب . وقد تكلم فيه غير واحد
من الأيمة .
باب الدفن بالليل [ ٣: ١٧٤ ]
٣٠٣٠ - عن جابر بن عبد الله، قال «رأى ناس ناراً فى المقبرة ، فأتوها ، فإذا رسول الله
٣٠٣٤ - قال ابن القيم رحمه الله: هذه النار كانت للإضاءة، ولهذا ترجم عليه أبو داود
الدفن بالليل .
قال الإمام أحمد : لا بأس بذلك ، وقال: أبو بكر دفن ليلا، وعلى دفن فاطمة ليلا .
وحديث عائشة ((سمعنا صوت المساحى من آخر الليل فى دفن النبى صلى الله عليه وسلم )»
وممن دفن ليلاً : عثمان ، وعائشة ، وابن مسعود . ورخص فيه عقبة بن عامر ، وابن
المسيب، وعطاء، والثورى، والشافعى، وإسحق. وكرهه الحسن وأحمد فى إحدى الروايتين
وقد روى مسلم فى صحيحه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوماً ، فذكر رجلاً من
أصحابه قبض ، فكفن فى كفن غير طائل ، ودفن ليلاً ، فزجر النبى صلى الله عليه وسلم أن
يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ))
والآثار فى جواز الدفن بالليل أكثر .
وفى الترمذى ، من حديث الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس (( أن النى صلى الله
عليه وسلم دخل قبراً ليلاً ؛ فأسرج له بسراج، فأخذه من قبل القبلة ، وقال : رحمك الله ،
إن كنت لأواهاً تلاء للقرآن ، و کبر عليه أربعاً » قال : وفى الباب عن جابر، ويزيد بن ثابت
وهو أخو زيد أ كبر منه ، قال : وحديث ابن عباس: حديث حسن . قال: ورخص أكثر
أهل العلم في الدفن بالليل ، وقد نزل النبى صلى الله عليه وسلم فى قبر ذى البجادين ليلا .
وفى صحيح البخارى: أن النى (سأل عن قبر رجل ، فقال: من هذا ؟ قالوا : فلان ، دفن
البارحة فصلى عليه »
وهذه الآثار ا كثر وأشهر من حديث مسلم .
وفى الصحيحين عن ابن عباس قال «مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده

- ٣٠٩ -
صلى الله عليه وسلم فى القبر ، وإذا هو يقول: ناولونى صاحبكم. وإذا هو الرجل الذى
كان يرفع صوته بالذكر )) .
باب فى الميت يحمل من أرض إلى أرض [٣: ١٧٤ ]
٣٠٣٥ - عن جابر بن عبد الله، قال ((كُنَّا حملنا القتلَى يومَ أُحدٍ، لندقهم، فجاء منادِي
النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم: أن تدفنوا القتلَى
فى مضاجعهم ، فرددنام)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة: وقال الترمذى. حسن صحيح.
باب في الصفوف على الجنازة [ ٣: ١٧٤ ]
٣٠٣٦ - عن مالك بن هُبيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَامِنْ مُسْلِم
يموت فَيُصَلِّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صفوفٍ مِنْ الْسْلِينَ إلّ أَوْ جَبَ - قال: فكان مالك إذا
استقلَّ أهلَ الجنازة جَزَّأهم ثلاثة صفوف، للحديث)) .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن صحيح .
باب اتباع النساء الجنائز [٣: ١٧٥ ]
٣٠٣٧ - عن أم عطية، قالت ((يُهِينَا أن نتبع الجنائز، ولم يُعْزمْ علينا)).
وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة .
فمات بالليل ، فدفنوه ليلاً ، فلما أصبح أخبروه. فقال: ما منعكم أن تعلمونى؟ فقالوا: كان
الليل ؛ وكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشق عليك، فأتى قبره ، فصلى عليه ))
قيل : وحديث النهى محمول على الكراهة والتأديب .
والذى ينبغى أن يقال فى ذلك - والله أعلم - : أنه متى كان الدفن ليلاً لا يفوت به شىء
من حقوق الميت والصلاة عليه ، فلا بأس به ، وعليه تدل أحاديث الجواز ، وإن كان يفوت
بذلك حقوقه والصلاة عليه، وتمام القيام عليه، نهى عن ذلك ، وعليه يدل الزجر ، وبالله التوفيق

- ٣١٠ -
باب فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها [٣: ١٧٥ ]
٣٠٣٨ - عن أبى هريرة - يرويه - قال (( مَنْ تِبَعَ جنازة فصلّى عليها فله قيراطٌ ، ومن
تبعها حتى يُفْرَغَ منها فله قيراطان، أصغرهما: مثل أحد ، أو أحدهما : مثل أحد)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه .
٣٠٣٩ - وعن عامر بن سعد بن أبى وقاص ((أنه كان عند ابن عمر، إذ طلع
خَّاب صاحب المقصورة ، فقال: ياعبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة ؟ أنه
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَى عليها
- فذكر معنى حديث سفيان - فأرسل ابن عمر إلى عائشة، فقالت: صدق أبو هريرة)).
وأخرجه مسلم بمعناه أتم منه .
٣٠٤٠ - وعن ابن عباس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((مَامِنْ مُسْلِم
يموتُ، فيقُومُ عليه أرْ بعونَ رجُلاً، لاَ يُشْرِ كُونَ بِاللهِ شَيْئاً، إلاَّ شُفِّعوا فيه)).
وأخرجه مسلم أتم منه . وأخرجه ابن ماجة بنحوه .
وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث عائشة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال .
(( ما من ميت يصلى عليه أمَّة من المسلمين يبلغون مائةً، كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعوا فيه)).
وأخرجه الترمذى والنسائى .
وفى لفظ الترمذى («مائة فما فوقها)».
وقد تقدم حديث مالك بن هبيرة ، وفيه (( فيصلى عليه ثلاثة صفوف )).
قال بعضهم: وجه اختلاف هذا العدد: أنها أجوبة لسائل سأل عن ذلك . ولعله لو
سُئل عن أقل لأجاب بمثله. وقد يكون الثلاثة الصفوف أقل من أربعين . والله أعلم بمراد
نبيه صلى الله عليه وسلم .
باب فى النار يتبع بها الميت [٣: ١٧٦ ]
٣٠٤١ - عن رجل من أهل المدينة ، عن أبيه ، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه
وسلم، قال ((لاَ تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَار)) .

- ٣١١ -
٣٠٤٢ - وفى رواية (( ولا يُمْشَى بين يديها)).
فى إسناده : رجلان مجهولان .
باب القيام للجنازة [٣: ١٧٦ ]
٣٠٤٣ - عن عامر بن ربيعة - يبلغ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا رَأْ يُمْ
الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّكم، أو تُوضَعَ )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
٣٠٤٤ - وعن ابن أبى سعيد الخدرى - وهو عبد الرحمن - عن أبيه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إِذَا تَبِعْتُمْ الجَنَازَةَ فَلاَ ◌َجْلِسُواْ حَتَّى تُوضَعَ)).
وقد أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف عن أبی سعید بنحوه .
وأخرجه مسلم من حديث أبى صالح السمان عن أبى سعيد .
قال أبو داود : روى هذا الحديث الثورى عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال فيه
(( حتى توضع بالأرض)) ورواه أبو معاوية عن سهيل قال ((حتى توضع فى اللَّحْدِ))
وسفيان أحفظُ من أبى معاوية .
٢٠٤٥ - وعن جابر- وهو ابن عبد الله - قال ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ مَرَّت
"بنا جنازة، فقام لها ، فلما ذهبنا لنحمل إذا هى جنازة يهودى ، فقلنا: يارسول الله ، إنما هى
جنازة يهودى، فقال: إنَّ الْمَوْتَ فَزَع، فإذَا رَأيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا)).
٣٠٤٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وحديث أبى معاوية رواه ابن حبان فى صحيحه، ولفظه
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع فى اللحد ، أو
تدفن )» شك أبو معاوية .
ويدل على أن المراد بالوضع: الوضع بالأرض عن الأعناق حديث البراء بن عازب « خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد بعد ،
جلس النبى صلى الله عليه وسلم، وجلسنا معه)) وهو حديث صحيح، وسيأتى إن شاء الله تعالى

- ٣١٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. وليس فى حديثهم ((فلما ذهبنا لنحمل)).
٣٠٤٦ - وعن على بن أبى طالب ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فى الجنازة، ثم.
قمد بعدُ )) .
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه .
٣٠٤٧ - وعن عبادة بن الصامت، قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فى
الجنازة، حتى توضع فى اللَّحْدِ ، فَرَّ حَبْرٌ من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبى
صلى الله عليه وسلم ، وقال: اجْلِسُوا، خَالِقُوم )) .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حدیث غریب . و بشر بن رافع لیس
بالقوى فى الحديث . هذا آخر كلامه .
٣٠٤٧ - قال ابن القيم رحمه الله: وهذا هو الذى نحاه الشافعى . قال : وقد روى حديث
عامر بن ربيعة ، وهذا لا يعدو أن يكون منسوخاً ، أو يكون النبى صلى الله عليه وسلم قام لها
لعلة قد رواها بعض المحدثين : من (( أن جنازة يهودى مر بها على النبى صلى الله عليه وسلم ،
فقام لها كراهية أن تطوله ))
وأيهما كان، فقد جاء عن النى صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله، والحجة فى الآخر من
أمره: إن كان الأول واجباً فالآخر من أمره ناسخ ، وإن كان استحباباً فالآخر هو الاستحباب ،
وإن كان مباحا فلا بأس فى القيام ، والقعود أحب إلى ، لأنه الآخر من فعله .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف أهل العلم فى القيام للجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال .
أحدها : أن ذلك كله منسوخ : قيام تابعها ، وقيام من مرت عليه، وقيام المشيع على القبر
قال هؤلاء : وما جاء من القعود : نسخ هذا كله ، وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه .
أحدها : أن شرط النسخ : المعارضة والتأخر ، وكلاهما منتف فى القيام على القبر بعد الدفن
وفى استمرار قيام المشيعين حتى توضع ، وإنما يمكن دعوى النسخ فى قيام القاعد الذى تمر به
الجنازة على ما فيه .
الثاني : أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة فى معناها .
فمنها : حديث عامر بن ربيعة، وهو فى الصحيحين، وفى بعض طرقه ((إذا رأى أحدكم الجنازة.
فان لم يكن ماشياً معها فليقم حتى تخلفه، أو توضع من قبل أن تخلفه)) وفى لفظ ((إذا رأى.
أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه )»

- ٣١٣ -
وقال أبو بكر الهمدانى: ولو صح لكان صريحا فى النسخ ،غير أن حديث أبى سعيد.
أصح وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد .
وذكر غيره أن القيام للجنازة منسوخ بحديث علي بن أبى طالب .
ومنها: حديث أبى سعيد - وهو متفق عليه - ولفظهما ((إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى ..
توضع» وفى لفظ لهما ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يمجلس حتى توضع)) وهو دليل.
على القيام فى المسألتين .
ومنها: حديث جابر فى قيامه لجنازة يهودى، وهو فى الصحيحين ، وتعليله بأن ذلك كراهية.
أن تطوله ، تعليل باطل ، فان النبى صلى الله عليه وسلم علل خلافه.
وعنه فى ذلك ثلاث علل .
إحداها: قوله ((إن الموت فزع)) ذكره مسلم فى حديث جابر، وقال ((إن الموت فزع
فإذا رأيتم الجنازة فقوموا )»
الثانية : أنه قام للملائكة، كما روى النسائى عن أنس (( أن جنازة مرت برسول الله
صلى الله عليه وسلم فقام ، فقيل: إنها جنازة يهودى، فقال: إنما قمنا للملائكة))
الثالثة : التعلیل بكونها نفساً ، وهذا فى الصحيحين من حديث قيس بن سعد ، وسهل بن
حنيف قالا « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة ، فقام ، فقيل : إنه يهودي ،
فقال: أليست نفساً؟)) فهذه هى العلل الثابتة عنه .
وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله ، فلم يأت فى شىء من طرق هذا الحديث الصحيحة .
ولو قدر ثبوتها فهى ظن من الراوى ، وتعليل النبى صلى الله عليه وسلم الذى ذكره بلفظه أولى
فهذه الأحاديث مع كثرتها ومحتها كيف يقدم عليها حديث عبادة مع ضعفه ؟ وحديث على
وإن كان فى صحيح مسلم ، فهو حكاية فعل لا عموم له ، وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ ،
وإنما فيه ((أنه قام وقعد)) وهذا يدل على أحد أمرين .
إما أن يكون كل منهما جائزاً ، والأمر بالقيام ليس على الوجوب ، وهذا أولى من النسخ
قال الإمام أحمد : إن قام لم أعبه ، وإن قعد فلا بأس .
وقال القاضى ، وابن أبى موسى : القيام مستحب ، ولم يرياه منوخاً .
وقال بالتخيير : إسحق وعبد الملك بن حبيب وابن الماجشون .
وبه تأتلف الأدلة . أو يدل على نسخ قيام القاعد الذى يمر عليه بالجنازة ، دون استمرار
قيام مشيعها ، كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه وهو مذهب مالك وأبى حنيفة .

- ٣١٤ -
باب الركوب فى الجنازة [٣: ١٧٨]
٣٠٤٨ - عن ثوبان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتِىَ بدايَّةً، وهو مع الجنازة،
فأبى أن يركبها ، فلما انصرف أبى بدابة فركب، فقيل له ، فقال: إنَّ المَلائِكَةَ كَانَتْ
تَمْشِى، فَمْ أكن لِأَرْ كَبَ وَهِمْ يَمِشونَ، فَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ)).
وأخرجه أبو بكر البزار فى مسنده من حديث معمر بن راشد عن يحيى بن أبى كثير.
كما أخرجه أبو داود، وفيه «فلقيه الأول ، فقال: يارسول الله، عرضتُ عليك دابتى
لتركبها ، فأبيت، وعرض عليك فلان دابته،فركبتها؟ قال: إنك عرضت علىّ دابتك
والملائكة تشيّع الجنازة، فلم أكن لأركب، والملائكة تمشى، أما إنك لو عرضتها بعد
ما دفنت لركبتها)).
وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ إلا عن ثوبان بهذا الإسناد ،
وهو حسن الإسناد. ولا تعلم كلاماً جاء به أحد غيره بإسناد متصل. وقد رواه عامى
ابن يَسَّافٍ عن يحيى بن أبي كثير، مرسلا . لم يقل عن أبى سلمة ، ولا ثوبان .
ومعمر : أثبت من عامر بن يساف .
٣٠٤٩ - وعن جابر بن سمرة قال (صلى النبى صلى الله عليه وسلم على ابن الدَّحْدَاح،
ونحن شهود، ثم أتى بفَرسٍ فَعُقِلَ ؛ حتى ركبه، فجعل يَتَوقّصُ به، ونحن نَسْعَى حَوْله )).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى
٣٠٤٩ - ((التوقص)) أن ترفع الفرس يديها وتثبَ به وَثْباً متقاربا. وأصل الوَقْص: الكسر.
الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح ، وأحاديث الترك إنما هو فعل محتمل ، لما ذكرنا
من الأمرين ، فدعوى النسخ غير بينة ، والله أعلم.
وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فقعد على وأبو هريرة ومروان.
وقام أبو سعيد ، ولكن هذا فى قيام التابع، والله أعلم .

- ٣١٥ -
باب المشى أمام الجنازة [٣: ١٧٨ ]
١
٣٠٥٠ - عن سالم - وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه، قال (( رأيت النبى صلى الله
عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضى الله عنهما يمشون أمام الجنازة ))
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة . وقال الترمذى: وأهل الحديث كأنهم يرون
الحديث المرسل فى ذلك أصح. وحكى البخارى قال : والحديث الصحيح : هو هذا - يعنى
المرسل - وقال النسائى: هذا خطأ . والصواب : مرسل .
وقال ابن المبارك : حديث الزهرى فى هذا مرسل : أصح من حديث ابن عيينة
وقد قيل : سفيان بن عيينة من الحفاظ الأثبات . وقد أتى بزيادة على من أرسل ،
فوجب تقديم قوله . وقد تابع ابن عيينة علی رفعه : ابنُ جریچ وزیاد بن سعد وغير واحد
٣٠٥٠ - قلت: أكثر أهل العلم على استحباب المشى أمام الجنازة ، وكان أكثر الصحابة
يفعلون ذلك .
وقد روى عن على بن أبى طالب وأبى هريرة ((أنهما كانا يمشيان خلف الجنازة)).
٣٠٥٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: ومثل هذا - يعنى قول المنذرى: سفيان بن عيينة
من الأثبات الحفاظ ، وقد أتى بزيادة على من أرسل. فوجب تقديمه لا يعبأ به أئمة الحديث
شيئاً ، ولم يخف عليهم أن سفيان حجة ثقة ، وأنه قد وصله ، فلم يستدرك عليهم المتأخرون
شيئاً لم يعرفوه .
وقال آخرون: قد تابع ابن عيينة - على روايته إياه عن الزهرى عن سالم عن أبيه -: يحي
ابن سعيد وموسى بن عقبة وزياد بن سعد وبكر ومنصور وابن جريج وغيرهم ، ورواه عن
الزهرى مرسلاً : مالك ويونس ومعمر ، وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه .
فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث ، وفيه استدراك وفائدة تستفاد .
قال المصححون لارساله : الحديث هو لسفيان، وابن جريج أخذه عن سفيان .
قال الترمذي : قال ابن المبارك : وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان .
قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر : فانها من رواية همام . وقد قال الترمذى
فى الجامع وروی همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان عن
الزهرى عن سالم عن أبيه ، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام ، يعنى أن الحديث لسفيان
وحده ، وروى عنه همام کذلك ، وفى هذا نظر لا يخفى .

- ٣١٦ -
وقال البيهقى، ومن وصله واستقر على وصله ، ولم يختلف عليه فيه - وهو سفيان.
بن عيينه - حجة ثقة .
وقال أبو سليمان: أكثر أهل العلم على استحباب المشى أمام الجنازة . وكان أكثر
الصحابة يفعلون ذلك . وقد روى عن على بن أبى طالب وأبى هريرة : أنهما كانا يمشيان.
خلف الجنازة .
وقال أصحاب الرأى : لا بأس بالمشى أمامها . والمشى خلفها أحبُّ إلينا .
وقال الأوزاعى : هو سَعةٌ ، وخلفها أفضل .
فأما الراكب : فلا أعلمهم اختلفوا فى أنه يكون خلف الجنازة . هذا آخر كلامه .
وقال أصحاب الرأى: لا بأس بالمشى أمامها ، والمشى خلفها أحب إلينا .
وقال الأوزاعي : هو سَعة ، وخلفها أفضل .
فأما الراكب فلا أعلمهم اختلفوا فى أنه يكون خلف الجنازة .
١
فان هماماً قد رواه عن هؤلاء عن الزهرى ، ويبعد أن يكونوا كلهم دلسوه عن سفيان.
ولم يسمعوه من الزهرى . وهذا يحي بن سعيد مع تثبته وإتقانه يرويه كذلك عن الزهرى .
وكذلك موسى بن عقبة ، فلأى شىء يحكم للمرسلين على الواصلين ؟ وقد كان ابن عيينة مصراً
على وصله ، ونوظر فيه فقال : الزهرى حدثنيه مراراً . فسمعته من فيه ، يعيده ويبديه ، عن
سالم عن أبيه .
وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث يوأس عن بن شهاب عن أنس (( أن النبى
صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة)) قال الترمذى: هذا غير
محفوظ . وسألت محمداً - يعنى البخارى - عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ
فيه محمد بن بكر ، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس عن الزهرى (( أن النبى صلى الله عليه
وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة)) قال الزهرى: وأخبرنى سالم « أن أباه كان
يمشى أمام الجنازة )) قال محمد: والحديث الصحيح هو هذا ، هذا آخر كلام البخارى .
وسيأتى بعد هذا حديث ابن مسعود ((الجنازة متبوعة ليس معها من يقدمها)) وأنه
ضعيف؛ وذكر ابن عبد البر من حديث أبى هريرة يرفعه ((امشوا خلف الجنازة)) وفيه
كنانة مولى صفية: لا يحتج به، وذكر أبو أحمد بن عدى عن سهل بن سعد (« أن النبى
صلى الله عليه وسلم كان يمشى خلف الجنازة)) وهو من حديث يحي بن سعيد الحمصي العطار ،
منكر الحديث .

- ٣١٧ -
(٣٠٥ - وعن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة - قال: وأحسب أن أهل
زياد أخبرونى أنه رفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم - قال ((الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ
وَاشِى يمشى خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيباً مِنْهَا، والسَّقْطُ يُصَلَّى
عَلَيْهِ ، وَيُدْعَى لِوالِدَيْهِ بالمغفرة والرحمة)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن سحيخ. وحديث
ابن ماجة مختصر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الطفل يصلى عليه)) وليس
فى حديثهم (( وأحسب أن أهل زياد أخبرونى)).
باب الاسراع بالجنازة [٣: ١٧٩ ]
٣٠٥٢ - عن أبى هريرة - يَبْلُغَ به النبى صلى الله عليه وسلم - قال ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ،
فانْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وإنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌ تَضَعُونَهُ عَنْ
رِقَابِكُمْ)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
٣٠٥٣ - وعن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه « أنه کان فى جنازة عثمان بن أبى العاص ،
٣٠٥١ - قلت: اختلف الناس فى الصلاة على السِّقط. فروى عن ابن عمر أنه قال (( يصلىّ
عليه ، وإن لم يَسْتَهِلّ)» وبه قال ابن سيرين وابن المسيب.
وقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية : كل ما نفخ فيه الروح وَثَمَّتْ له أربعة
أشهر وعشر: صُلُىِّ عليه .
وقال إسحاق: وإنما الميراث بالاستهلال ، فأما الصلاة: فإنه يصلّى عليه لأنه نسمة
تامة ، قد كتب عليه الشقاء أو السعادة . فلأىِّ شىء يترك الصلاة عليه؟ .
وروى عن ابن عباس أنه قال « إذا اسْتُهِلَّ ورث، وصُلىّ عليه )) .
وعن جابر ((إذا استهل صلى عليه، وإن لم يستهل لم يصلَّ عليه)).
وبه قال أصحاب الرأى . وهو قول مالك والأوزاعى والشافعي .

- ٣١٨ -
وكُنَّا نمشى مَشْياً خفيفاً، فلحقَنَا أبو بَكْرة، فرفع سوطه ، قال: لقد رأيْتُنَا ونحن مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌َمُلُ رَمَلاً)).
٣٠٥٤ - وفى رواية: «فى جنازة عبد الرحمن بن سَمُرة، وقال : حمل عليهم بغلته ،
وأهْوَى بالسوط )).
وأخرجه النسائى
وعيينة : بضم العين المهملة ، وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ، وأخرى مثلها ساكنة
ونون مفتوحة ، وتاء تأنيث .
وأبو بكرة : بفتح الباء الموحدة، وسكون الكاف، اسمه نُفَيَع بن الحرث . ويقال:
ابن مسروح .
وأهوى بالسوط : أماله
والرمل : بفتح الراء وفتح الميم فى الاسم والفعل والماضى : وثب فى المشي ، ليس.
بالشديد مع هز المنكبين . وقيل الرمل: أن يهز منكبيه ولا يسرع . والسرع : أن
يسرع المشى .
وقال الجوهرى : والرمل - بالتحريك -: الهرولة هذا آخر كلامه.
والحبب - بفتح الخاء المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة، وآخره باء أيضا - ضرب
من العدو. وهو أول الاسراع .
وقال الحربى : الحَبَبُ : ضرب من العدو .
وقال الأصمعى : إذا صار السير إلى العدو فهو الحبب، وهو أن يراوح بين يديه .
وقال غيره : إذا راوح بين يديه ورجليه ، يعنى الفرس .
٣٠٥٥ - وعن أبى ماجدة، عن ابن مسعود، قال (( سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن.
المشى مع الجنازة؟ فقال: مَا دُونَ الْخَبَبِ، إِنْ يَكُنْ خيراً تَعَجَّلْ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُنْ
غَيرَ ذلِكَ فُبُعْدًا لِأُهْلِ النار ، والجنازة متبوعة ولا تَتْبع، ليس معها مَنْ تَقَدَّمها )»
وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وحديث ابن ماجة مختصر. وقال الترمذى: هذا حديث.
غريب ، لا نعرفه من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه . وقال : سمعت محمد.
بن اسماعيل - يعنى البخارى - يضعف حديث أبى ماجد - هذا - وقال محمد - معنى.
٠