Indexed OCR Text

Pages 41-60

-- ٣٩ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
باب فى الغلول إذا كان يسيراً يتركه الامام، ولا يحرق رحله [٣: ٢١ ]
٢٥٩٧ - عن عبد الله بن عمر قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة
أمر بلالاً، فنادى فى الناس. فيجيئون بغنائمهم، فُيُخَمِسه ويقسمه. فجاء رجل بعد
ذلك بزمام من شَعَر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة ، فقال: أسمعتَ
بلالاً نادى ثلاثاً؟ قال: نعم. قال: فما منعك أن تجىء به؟ فاعتذر، فقال: كُنْ أنت تجىء
به يوم القيامة ، فلن أقبله عنك)) .
[ كان هذا فى اليسير، فما الظن بما فوقه؟ (١)] .
باب فى عقوبة الغالِّ [٣: ٢١]
٢٥٩٨٠ - عن صالح بن محمد بن زائدة قال ((دخلت مع مَسْلَمة أرض الروم ، فأتي برجل
قد غَلَّ ، فسأل سالماً عنه؟ فقال: سمعت أبى يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبى صلى الله
٢٥٩٨ - قلت : أما تأديبه عقو بته فى نفسه على سوء فعله: فلا أعلم بين أهل العلم فيه خلافاً .
وأما عقو بته فى ماله : فقد اختلف العلماء فى ذلك .
فقال الحسن البصرى : يحرق ماله إلا أن يكون حيواناً أو مصحفاً .
وقال الأوزاعى: يحرق متاعه ، وكذلك قال أحمد وإسحق، قالوا: ولا يحرق ما غَلَّ:
لأنه حق الغانمين يردُّ عليهم . فإن استهلكه غرم قيمته .
٢٥٩٨ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله: وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث،
وزاد فيه ((واضربوا عنقه)) بدل ((واضربوه)) قال عبد الحق: هذا حديث يدور على صالح
بن محمد، وهو منكر الحديث ضعيفه. لا يحتج به ، ضعفه البخارى وغيره . انتهى .
(١) زيادة من عون المعبود.

- ٤٠ -
عليه وسلم ، قال: إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه، واضربوه . قال: فوجدنا
فى متاعه مصحفاً، فسأل سالماً عنه؟ فقال: بِعْهُ، وتصدق بثمنه)).
وأخرجه الترمذى، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال: سألت محمداً
- يعنى البخارى - عن هذا الحديث ؟ فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة ، وهو
أبو واقد الليٹی ، وهو منکر الحدیث. قال محمد ۔ یعنی البخاری ۔۔ وقد روى فى غير
حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الغالِّ ، فلم يأمر فيه بحرق متاعه . هذا
آخر كلامه.
وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأيمة . وقد قيل : إنه تفرد به .
وقال البخارى: وعامة أصحابه يحتجون بهذا فى الغلول . وهذا باطل ليس بشىء.
وقال الدار قطنى: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد. قال: وهذا حديث لم يتابع
عليه. ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
٢٥٩٩ - وعن صالح بن محمد ، قال (( غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبد الله
بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فعلّ رجل متاعاً؟ فأمر الوليدُ بمتاعه فأحرق . فطيف به ،
ولم يعطه سهمه )) .
قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين ، رواه غير واحد : أن الوليد بن هشام حَرَّق.
رَحْل زياد بن سعد ، وكان قد غَلَّ وضر به .
وقال الأوزاعى: يحرق متاعه ، الذى غزا به وسرجه وإكافه . ولا يحرق دابته ولا
فقته ، إِن کانت معه ، ولا سلاحه، ولا ثيابه التى عليه .
وقال الشافعى: لا يحرق رَحْله ، ولا يُعاقَبُ الرجل فى ماله . إنما يعاقب فى بدنه . جعل.
الله الحدود على الأبدان . لا على الأموال .
وإلى هذا ذهب مالك . ولا أراه إلا قول أصحاب الرأى .
ويشبه أن يكون الحديث عندهم معناه الزجر والوعيد ، لا الإيجاب . والله أعلم.

- ٤١ -
٢٦٠٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغالِّ وضربوه)) .
قال أبو داود: وزاد فيه على بن بَخْر عن الوليد، ولم أسمعه منه ((ومنعوه سهمه)»
٢٦٠١ - وعن سمرة بن جندب قال (( أما بعد ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : من كتم غالاً فإنه مثله ))
وأخرجه من حديث عمرو بن شعيب : قوله
باب فى السلَب يعطى القاتل [٢٢:٣]
٢٦٠٢ - عن أبى قتادة الأنصارى قال ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عام
حُفَين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جَولة ، قال: فرأيتُ رجلا من المشركين قد علا رجلا
من المسلمين ، قال : فاستدرتُ له ، حتى أتيته من ورائه ، فضربته بالسيف على حَبْل عانقه
فأقبل علىّ ، فضَمَّى ضمّةً وجدتُ منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت ، فأرسلنى ، فلحقت.
٢٦٠٢ - قلت (( حبل العاتق)) وَصْلة مابين العنق والكاهل.
وقوله ((لاها الله إذاً)) هكذا يروى والصواب ((لاها الله ذا)) بغير ألف قبل الذال،
ومعناه فى كلامهم: لا والله ، يجعلون الهاء مكان الواو. ومعناه: لا والله لا يكون ذا:
((والمخرف)) بفتح الميم: البستان، يريد حائط نخل يُخترف منه الثمر، فأما المخرف
- بكسر الميم - فالوعاء الذى يُخترف فيه الثمر .
وقوله ((تأثلته)) معناه: تملكته، فجعلته أصل مال. وأثَلَةَ كل شىء : أصله ويقال:
تأثل ملك فلان: إذا كثر.
وفيه من الفقه : أن السلب لا يخمس ، وأنه يجعل للقاتل قبل أن يقسم الغنيمة. وسواء.
كان الإمام قاله ونادى به قبل الوقعة، أو لم يفعل ذلك ، وسواء بارز القاتل المقتول أو لم
٢٦٠٠ - قال ابن القيم رحمه الله، وعلة هذا الحديث: أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن
شعيب ، وزهير هذا ضعيف : قال البيهقى: وزهير هذا يقال : هو مجهول ، وليس بالمكى .
وقد رواه أيضاً مرسلاً .

- ٤,٢ -
عمر بن الخطاب، فقلت: ما بالُ الناس ؟ قال: أمرُ الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس
· رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من قتل قتيلا له عليه بَيِّنَة فله سَلَبه . قال: فقمت.
ثم قلت: من يشهد لى؟ ثم جلست، ثم قال : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه . قال :
فقمت، ثم قلت: من يشهد لى؟ ثم جلست . ثم قال ذلك الثالثة، فقمت . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالَكَ يا أبا قتادة؟ فاقتصصتُ عليه القصة . فقال رجل
من القوم : صدق يا رسول الله، وسلبُ القتيل عندى، فأرضِهِ منه . فقال أبو بكر
الصديق : لاها اللهِ إذن ، نعمدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ الله ، يقاتل عن الله وعن رسوله فنعطيك
يبارزه. لأن هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم شرع، كقوله ((للفارس
سهمان وللراجل سهم)» فسواء قاله الإمام يوم الحرب أو لم يقله . فإن الحكم به ماض،
والعمل به واجب .
وقد اختلف الناس فى السلب .
فقال قوم : السلب للقاتل ، سواء قتل القتيل مقبلاً أو مديراً، بارزه أو لم يبارزه ، نادى
به الإمام أو لم يناد. كانت الحرب قائمة أولاً. وعلى أى جهة قتل فالسلب لقاتله، على
ظاهر الحديث . وهو قول جماعة من أصحاب الحديث ، وإليه ذهب أبو ثور .
وقال الشافعى: انما يكون السلب للقاتل إذا قتل والحرب قائمة ، والمشرك مقبل غير
مدير. لأنه عطية أعطاها إياه لبلائه فى الحرب. فأما من أجهز على جريح: فلا معنى لتخصيصه
بالعطاء من غير بلاء كان منه، وسواء عنده بارز أو لم يبارز، نادى الإمام به أو لم يناد .
وقال أحمد : إنما یعطی السلب من بارز فقتل قِرْ نه، دون من لم يبارز .
وقال مالك: لا يكون السلب له إلا بإذن الإمام. ولا يكون ذلك من الإمام إلا على
وجه الاجتهاد .
وعن أبى حنيفة أنه قال: إذا قتل الرجل وأخذ سلبه فإنه لا ينبغى للامام أن يُنَقِّه إياه
لأنه صار فى الغنيمة .
وعن يعقوب: أنه قال: إذا قال الإمام: من قتل قتيلا فله سَلَبه. ومن أسر أسيراً فله
سلبه: فهو جائر. وهذا هو النفَل . فأما إذا لم ينفله الإمام فلا نفل .

- ٤٣ -
سَلَبَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صَدَق، فَأَعْطِهِ إِيَّه. قال أبو قتادة: فأعطانيه
فِعْتُ الدِّرع، فابتعتُ تَخْرَفَاً فى بنى سَلِمةِ. فإنه لأولُ مالِ تَأْثَّلْتُهُ فى الإِسلام» .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة .
٢٦٠٣ وعن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ - يعنى يومَ
حنين - (( من قتلَ كافراً فله سَلَبُهُ. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا، وأخذ أسْلاَ بَهُمْ.
ولقى أبو طلحة أمَّ سُليم ، ومعها خِفْجَر، فقال: يا أُمَّ سليم ، ما هذا معكٍ ؟ قالت : أردتُ
واللهِ إن دنا مِنِىَّ بعضُهم أْبَعَجُ به بطنَه، فأخبر بذلك أبو طلحةَ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم )) .
"وأخرج مسلم قصة أم سُليم فى الخِجر بنحوه.
واختلفوا فيما يستحقه القاتل من السلب.
فقال الأوزاعى : له فرسه الذى قاتل عليه ، وسلاحه ، وسرجه ، ومنطقته وخاتمه ،
،وما كان فى سرجه وسلاحه من حلية . ولا يكون له الهِمْيان. فإن كان مع العِلْج دراهم
أو دنانير ليس مما يَتزين به لحربه. فلا شى له من ذلك. وهو مغنم للجيش.
وقال الشافعى : للقاتل كل ثوب عليه . وكل سلاح، ومنطقته ، وفرسه الذى هو راكبه
أو ممسكه. فأما التاج والأسوار من الذهب والفضة وماليس من آلة الحرب: فقد علق
القول فيها ، وقال: إن ذهب ذاهب إلى أنها من سلبه، كان مذهباً . وإن ذهب إلى
خلافه کان وجهاً .
وقال أحمد بن حنبل فى المنطقة، فيها الذهب والفضة. هى من السلب . وقال فى الفرس
ليس من سلبه، وسئل عن السيف ؟ فقال: لا أدرى .
وقيل للأوزاعى : يسلبون حتى يتركوا عراة؟ فقال: أبعد الله عورتهم . وكره
الثورى أن يتركوا عراة .

- ٤٤ -
باب فى الإمام يمنع القاتل السلَبَ ، إن رأى
والفرسُ والسلاح من السلب [٢٣:٣]
٢٦٠٤ - عن عوف بن مالك الأشجعى، قال ((خرجت مع زيد بن حارثة فى غَزْوة
مُؤْتَةَ ، ورافقنى مَدَدِىٌّ من أهل اليمن ، ليس معه غيرُ سيفه، فنحرَ رجلٌ من المسلمين.
جَزوراً ، فسأله المددِىُّ طائفةٌ من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كَهيئة الدَّرَق، ومضينا فلقينا
جموعَ الروم ، وفيهم رجلٌ على فرس له أشقرَ عليه سَرْجٌ مُذَهَّب، وسلاح مذهب. نجعل
الرومى يُغْرى (١) بالمسلمين، فقعدَ له المددىُّ خلفَ صَخْرة ، فمرَّ به الرومىُّ فَعَرْقَبَ فرسه ،
فَرَّ ، وعلاه فقتله، وحاز فرسَه وسلاحه ، فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن
الوليد، فأخذ من السلب ، قال عوف: فأتيته ، فقلت : يا خالد ، أما علمتَ أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكنى استكثرتُه، قلت :
لَرُدَّنَّهُ إليه ، أو لأُعَرَّفَنْكَهَا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأبى أن بردًّ عليه ، قال
٢٦٠٤ - قوله ((يغرى بالمسلمين)) معناه: شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري الفَرِئَّ:
إذا كان يبلغ فى الأمر ، وأصل الفَرْى : القطع .
وقوله ((لأعرفنكها)) يريد لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك، قال الفراء : العرب.
تقول للراجل إذا أساء إليه رجل ((لأعرفنَّ لك عن هذا)) أى لأجازينك عليه ، تقول هذا،
لمن تتوعده: قد علمت ما علمت ، وعرفت ما صنعت ، ومعناه: سأجازيك عليه ، لا أنك.
تقصد إلى أن تعرِّفه أنك قد علمت فقط، ومنه قول الله عز وجل ( ٦٦ : ٣ عَرَف بعضه
وأعرض عن بعض) قراءة الكسائى بالتخفيف .
وقد روى ذلك أيضاً عن عاصم فى إحدى الروايتين، قال: ومعني ((عرف)) جازى .
قال: ومثله قوله (٢: ١٩٧ وما تفعلوا من خير يعلمه الله) وتأويله: يعلمه الله فيجازي عليه.
وفى الحديث من الفقه : أن الفَرَس من السلب، وأن السلب ما كان قليلا أو كثيراً
(١) يغرى - بالبناء للمجهول - من الإغراء، أى يولع بهم. وفى رواية ((يفرى)) بالفاء. وهى.
التى شرح عليها الخطابى

- ٤٥ -
عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقصصتُ عليه قِصَّة المددى ، وما فعل
خالد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، ما حملك على ما صنعت ؟ قال :
يا رسول الله، استكثرته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، رُدَّ عليه ما أخذتَ
منه . قال عوف: فقلت : دونك يا خالد ، ألم أفِ لك؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: وما ذلكَ؟ قال: فأخبرته ، قال: فغضبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فقال :
يا خالد، لا تردَّ عليه، هل أنتم تاركوا لى أمَرانى؟ لكم صِفْوةُ أُمرِهم، وعليهم كَدَرُهُ)).
وأخرجه مسلم .
باب فى السلب لا يخمس [٣: ٢٤ ]
٢٦٠٥ - عن عوف بن مالك الأشجعى وخالد بن الوليد: (( أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قَضَى بالسلب للقاتل، ولم يخِسّ السلبَ))
فى إسناده اسماعيل بن عياش. وقد تقدم الكلام عليه .
باب من أجاز على جريح مُثْخَنِ يُقَّلُ من سلبه [٣: ٢٤]
٢٦٠٦ - عن أبى عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال ((نَفَّلنى رسول الله صلى الله عليه
وسلم يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أبى جهل ، كان قتله)).
وقد تقدم أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه .
فإنه للقاتل ، لا يخمس ، ألا ترى أنه أمر خالداً برده عليه مع استكثاره إياه، وإنما كان رده
إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل نوعاً من التكبر على معروف، وردعاً له وزجراً،
لئلا يتجرأ الناس على الأيمة ، ولئلا يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم ، وكان خالد مجتهداً فى صنيعه
ذلك، إذ كان قد استكثر السلب، فأمضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهاده ، لما
رأى فى ذلك من المصلحة العامة ، بعد أن كان خَطأه فى رأيه الأول. والأمر الخاص مغمور
بالعام . واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح .
ويشبه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قد عوض المددئَّ من الخمس الذى هو له،
وترضّى خالداً بالصفح عنه، وتسليم الحكم له فى السلب.

- ٤٦ -
باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له [٣: ٢٤ ]
٢٦٠٧ - عن أبى هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثَ أبانَ بنَ سعيد
ابن العاصِ على سَرِيّةٍ من المدينة قِبَلَ نجدٍ ، فقدم أبانُ بنُ سعيد وأصحابُهُ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بخير، بعد فتحها، وَإِنَّ حُزُمَ خَيْلِهِمْ لِيفٌ ، فقال أبانُ: اقسمْ
لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنتَ بها
يا وَبْرُ تحدَّرَ علينا من رأسِ ضالٍ ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اجلس يا أبانُ . ولم
يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
وأخرجه البخارى تعليقا .
٢٦٠٨ - وعنه قال « قدمت المدينة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخییرَ ، حین افتحها ،
وفيه دليل على أن نسخ الشىء قبل الفعل جائز. ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم
أمره بإمساكه قبل أن يرده، فكان فى ذلك نسخ لحكمه الأول ؟
و(( الصفوة)) مكسورة الصاد: خلاصة الشىء، وما صفا منه . إذا أثبت الهاء قلت:
صفوة - بكسر الصاد - وإذا حذفتها قلت : صفو، بفتحها .
٢٦٠٧ - قوله (( أنت بها)) فيه اختصار وإضمار. ومعناه: أنت المتكلم بهذه الكلمة . وكان
ابن عمر يرمى، فإذا أصاب الخصل قال ((أنا بها)) أى أنا الفائز بالإصابة.
((والوبر)» دويبة فى قَدِّ السِّنَّور أو نحوه .
:
((وضال)) يقال: إنه جبل . أو موضع. يريد بهذا الكلام تصغير شأنه،
وتوهين أمره .
وفيه من الفقه: أن الغنيمة لمن شهد الوقعة ، دون من لحقهم بعد إحرازها .
وقال أبو حنيفة : من لحق الجيش بعد أخذ الغنيمة قبل قسمها فى دار الحرب فهو
شريك الفانمين .
وقال الشافعى: الغنيمة لمن حضر الوقعة ، أو كان رِدةالهم. فأما من لم يحضرها فلاشىء
له منها . وهو قول مالك وأحمد .

- ٤٧ -
فسألتهُ أن يُسْهِمَ لى، فتكلم بعضُ وَلَدِ سعيد بن العاص، فقال: لا تُسهم له يارسول الله
قال : فقلت : هذا قاتلُ ابن قَوْقَل ، فقال سعيد بن العاص: ياعجباً لوَبْرٍ تَدَلَّى علينا من
قَدَوم ضالٍ، يُعَيِّنى بقتلِ امرىٍ, مسلم، أكرمهُ الله على يدىَّ، ولم يُهَتّى على يديه»
وأخرجه البخارى. وقال فيه ((فقال ابن سعيد بن العاص)) وهذا هو الصحيح .
قال أبو بكر الخطيب : هكذا روى أبو داود هذا الحديث عن حامد بن يحيى ، وقال
فيه ((فقال سعيد بن العاص)) وإنما هو (( ابن سعيد بن العاص)) واسمه أبان . وهو
الذی قال « لا تسهم له يا رسول الله)) هذا آخر كلامه.
ووقع فى هذا الحديث ((أن أبا هريرة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسهم له،.
وأن ابن سعيد بن العاص قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تُسْهم له)) .
وفى الحديث الذى قبله (( أن أبان بن سعيد هو الذى سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يقسم له . وأن أبا هريرة القائل: لا تقسم له)).
وذكر أبو بكر الخطيب: أن الصحيح (( أن أبا هريرة هو السائل لرسول الله صلى الله.
عليه وسلم )) .
٢٦٠٩ - وعن أبى موسى - وهو الأشعرى - قال ((قدمنا، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين افتتح خيبر، فأسْهم لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قَسَم لأحدٍ غابَ عن فتح
خَيْبَر منها شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا أصحابَ سفينتنا جعفراً وأصحابه . فأسهم لهم معهم ))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى مختصراً ومطولا .
وكان الشافعى يقول: إن مات قبل القتال فلا شىء له ولا لورثته، وإن مات بعد.
القتال وقبل القَسْم كان سهمه لورثته .
وكان الأوزاعى يقول: إذا أدرب قاصداً فى سبيل الله أسهم له ، شهد القتال أو لم يشهد
وقوله (( أدرب)) يريد دخل الدرب.
٢٦٠٩ - قلت: يشبه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم من الخمس الذى هو حقه
دون حقوق من شهد الوقعة

- ٤٨ -
٢٦١٠ - وعن ابن عمر، قال ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام - يعنى يوم بدر -
فقال: إن عثمان انطلق فى حاجة الله وحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنى أبايع له.
فضرب له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ولم يضربْ لأحدٍ غابَ غيره )).
قال بعضهم: هذا خاص لعثمان رضى الله عنه. لأنه كان يُرِّض ابنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((حاجة الله وحاجة رسوله )) يريد
بذلك حاجة عثمان فى حق الله . وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله سبحانه
(٢٧:٣٦ إن رسولکم الذى أرسل إلیکم مجنون) وإنما هو رسول الله إليهم.
باب فى المرأة والعبد يُحْذَيَان من الغنيمة [٣: ٢٦]
٢٦١١٠ - عن يزيد بن هرمز، قال: ((كتب نَجْدَة إلى ابن عباس، يسأله عن كذا .
وعن أشياء، وعن المملوك: أَلَّهُ فى الفَىء شىء ؟ وعن النساء: هل كُنَّ يَخْرِجْنَ مع النبى
صلى الله عليه وسلم؟ وهل لهنَّ نصيبٌ؟ فقال ابن عباس: لولا أن يأتى أُمْمُوقَةً، ما كتبتُ
إليه، أما الملوك: فكان يُحِذَى. وأما النساء: فقد كُنَّ يداوين الجرحى ويَسْقِينَ المال))
وقد روى (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا موسي وأصحابه بإذن أهل الحديبية.
ولم يتخلف عن خبير أحد من أهل الحديبية )).
٢٦١٠ - قلت: هذا خاص لعثمان رضى الله عنه. لأنه كان مُمُرِّض ابنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم . وهو معنى قوله (( حاجة الله وحاجة رسوله)) يريد بذلك حاجة عثمان فى حق الله
وحق رسوله . وهذا كقوله سبحانه (٣٦: ٢٧ إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون)
وإنما هو رسول الله إليهم .
ومن احتج بهذا فى وجوب القَسم لمن لحق الجيش قبل القسم ، فهو غير مصيب . وذلك
أن عثمان رضى الله عنه كان بالمدينة . وهذا القائل لا يقسم لمن كان فى المصر. فلا موضع
لاستدلاله فيه .

- ٤٩ -
٢٦١٢ وعنه قال ((كتب نجدةُ الحَرورىّ إلى ابن عباس، يسأله عن النساء: هل كُنَّ
يَشْهَدَنَ الحربَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل كان يضربُ لهنَّ بسَهْم ؟ قال:
فأنا كتبتُ كتابَ ابن عباس إلى نجدة: فقد كُنَّ يحضُرنَ الحرب مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فأما أن يُضْربَ لهنَّ بسهمٍ فلا ، وقد كان يُرْضَخُ لهن)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى مختصراً ومطولاً .
ونجدة : بفتح النون، وسكون الجيم ، وبعدها دال مهملة وتاء تأنيث .
والحرورية : نسبة إلى مذهب الحرورية . ونسبوا لذلك لأنهم اجتمعوا بحروراء الموضع
المشهور على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به فنسبوا إليه. وهو يُمَدُّ ويقصر
وهو بفتح الحاء المهملة وبعدها راء مضمومة مهملة ، وواوساكنة ، وبعدها رأء مهملة أيضاً
مفتوحة .
٢٦١٣ - وعن حَشْرَج بن زياد، عن جَدَّته أمّ أبيه ((أنها خرجت مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى غزوة خيبر، سادسَ سِتِّ نِسْوَةٍ . فبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
فبعث إلينا ، فجئنا، فرأينا فيه الغضبَ، فقال: مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ وَبِإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟
فقلنا: يا رسول الله، خرجنا نغْزِلُ الشَّعَرَ، وُنُعين فى سبيل الله، ومعنا دواء للجرحَى،
وتُناوِلُ السهامَ، ونَسْفِى السَّويق، فقال: قُمْنَ ، حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهمَ لنا،
كما أسهم للرجال ، قال: فقلتُ لها: يا جَدَّةُ، وما كان ذلك؟ قالت: تمراً))
٢٦١٣ - قلت : قد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النساء والعبيد والصبيان لا يسهم لهم . وإنما
يرضخ لهم، إلا أن الأوزاعى قال: يسهم لهن. وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث . وإسناده
ضعيف، لا تقوم الحجة بمثله . وقد قيل أيضاً : إن المرأة إذا كانت تقاتل أسهم لها ، وكذلك
المراهق إذا قوى على القتال أسهم له .
٢٦١٣ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: ويحتمل قولها ((أسهم لنا كما أسهم
للرجال )» أنها تعنى به أنه أشرك بينهم فى أصل العطاء، لا فى قدره . فأرادت أنه أعطانا مثل
ما أعطى الرجال ، لا أنه أعطاهن بقدرهم سواء. والله أعلم.
١١ ٠٤-١٠
٤٠ -

- ٥٠ -
وأخرجه النسائى .
وجدة حشرج: هى أم زياد الأشجعية . وليس لها فى كتابيهما سوى هذا الحديث .
وذكر الخطابى: أن الأوزاعى قال: يسهم لهن. قال: وأحسبه ذهب إلى هذا
الحديث . وإسناده ضعيف . لا تقوم الحجة بمثله . هذا آخر كلامه .
وحشرج: بفتح الهاء المهملة، وسكون الشين المعجمة ، وبعدها راء مهملة مفتوحة وجيم.
٢٦١٤ - وعن عمیر مولی آبی اللحم قال « شهدت خیبر مع سادتی، فكلموا فىّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم، فأمر بى ، فَقُلِّدْتُ سيفاً، فإذا أنا أجُرُّه، فأخبرَ أنىِّ مملوك، فأمر لىه.
من خُرْ نِيَّ المتاع(١))) .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: حسن صحيح. قد تقدم الكلام على
آبی اللحم .
٢٦١٥ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله - قال (( كنت أمِيحُ أصحابى الماء يوم بدر))
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يرضخ للنساء من الغنيمة، وإنما يرضخ لهن من خمس
الخمس سهم النبى صلى الله عليه وسلم. وقد روى فى هذا الحديث أنها قالت (( أسهم لنا تمراً)».
والتمر طعام . وليس الطعام كسائر الأموال .
وقال مالك بن أنس: لا يسهم النساء، ولا يرضخ لهن شيئاً .
٢٦١٥ - (المايج)) هو الذى ينزل إلى أسفل البئر، فيملأ الدلو، ويرفعها إلى الماتح. وهو الذى
ينزع الدلو.
٢٦١٥ - قال ابن القيم رحمه الله: الأعلى للأعلى، والأسفل للأسفل . ونظيره فى ذلك : الجنازة
بالكسر السير، والجنازة بالفتح للميت . قال بعضهم: من ذلك الدجاج بالفتح للديكة والدجاج
بالكسر للإناث.
(١) خرثى - بضم الخاء وسكون الراء المهملة وثاء مثلثة وياء نسبة - متاع البيت وسقطه كالقدور
والفرش ونحوها . وبهامش المنذرى : قال الطحاوى : يشبه أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة .
وقال غيره : يشبه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم إنما أعضاهن من الخمس الذى هو حقه دون حقوق من.
شهد الوقعة . والله أعلم. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم أعطى أبا موسى وأصحابه باذن أهل الحذيبية ..
ولم يتخلف عن خيبر أحد من أهل الحديبية .

- ٥١ -
المايح: بالياء آخر الحروف: هو الذى يكون أسفل البئر ملاًّ الدلو. وذلك إذا قلَّ
ماؤها . والماتح : بالتاء ثالث الحروف: هو المستقى من أعلى البئر. وكلاهما بالحاء المهملة .
باب فى المشرك يُسهم له [٣: ٢٧ ]
٢٦١٦ - عن عائشة - قال يحيى - وهو ابن معين - ((إن رجلا من المشركين لحقَ بالنبى
صلى الله عليه وسلم ليقاتلَ معه ، فقال: ارجع، ثم اتفقا - يعنى مسدداً ويحيى ابن معين -
فقال : إنَّا لا نَسْتِعِينُ بِشْرِكٍ)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه .
باب فى سُهْمَان الخيل [٣: ٢٧ ]
٢٦١٧ - عن ابن عمر ((أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أسْهَمَ لرجل ولفَرَسِه ثلاثة
أسهم : سَهَمَا له، وسهمين لفرسه».
وأخرجه البخارى ومسلم الترمذى وابن ماجة .
ولفظ مسلم والترمذى (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم فى النقل للفرس سهمين.
وللراجل سهماً)».
ولفظ البخارى: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه
سهماً )).
وفى لفظ آخر (( قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل
سهماً )).
٢٦١٧ - قلت: قوله ((سهماً له)) اللام فى هذه الإضافة لام التمليك.
وقوله ((وسهمين لفرسه)) عطف على الكلام الأول، إلا أن اللام فيه لام
التسبيب .
وتحرير الكلام: أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم: سهما له ، وسهمين لأجل فرسه .
أى لفَنائه فى الحرب ، ولما يلزمه من مؤنته، إذ كان معلوماً أن مؤنة الفرس متضاعفة على
مؤنة صاحبه ، فضوعف له العرض من أجله، وهذا قول عامة العلماء ، إلا أن أبا حنيفة

- ٥٢ -
قال : فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له
فرس ، فله سهم .
ولفظ ابن ماجة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر الفارس ثلاثة أسهم :
للفرس سهمان . والراجل سهم)).
٢٦١٨ - وعن أبى عمرة، عن أبيه، قال ((أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعةَ نَفَرٍ
ومعنا فرسٌ ، فأعْطَى كُلَّ إنسان مِنَّا سهماً. وأعطى الفرس سهمين)).
فى إسناده: المسعودى. وهو عبد الرحمن بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. وفيه مقال.
وقد استشهد به البخارى .
٢٦١٩ - وعن رجل من آل أبى عَمْرة، عن أبى عمرة - بمعناه - إلا أنه قال ((ثلاثة
نفر، زاد : فكان للفارس ثلاثة أسهم)).
باب من أسهم له سهماً [٣: ٢٨]
٢٦٢٠ - عن ◌ُجَمِّع بن جارية الأنصارى-وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن- قال «شهدنا
اُلُدَ يْبِيَةَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناسُ يَهُزُّونَ الأباعِرَ
فقال بعضُ الناس لبعضٍ : ما للناس ؟ قالوا : أُوحِیَ إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فخرجنا مع الناسِ نُوجِفُ، فوجدنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته ، عند كُرَاع
الْغَمِيم ، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم (٤٨: ١ إنَّ فتحنا لك فتحاً مبيناً) فقال رجل:
قال : الفارس سهمان، وحكى أنه قال: لا أفضل بهيمة على مسلم . وخالفه صاحباه، فكانا
مع جماعة العلماء
قلت : وقد روى هذا الحديث من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فقال
فيه ((الفارس سهمان، وللراجل سهم)) وعبيد الله أحفظ من عبد الله، وأثبت باتفاق
أهل الحديث كلهم .
٢٦٢٠ - قوله ((يهزون)) أى يحركون رواحلهم، والهز: كالضغط للشىء؛ وشدة الاعتماد عليه.
والإيجاف: الركض والإسراع. يقال: وجف البعير وجيفاً، وأوجفه راكبه إيجافاً .

- ٥٣ -
يا رسول الله، أفتحٌ هو؟ قال: نعم، والذى نَفُْ مُحَمَّدٍ بَيَدِهِ ، إنَّهُ لَفَتْحٌ. فَقُسِتْ
خَيرُ على أهل الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانيةَ عشر سهماً، وكان
الجيشُ ألفاً وخمسمائة ، فيهم ثلاثمائة فارسٍ، فأعطَى الفارسَ سهمين، وأعطى الراجل سهماً))
" قال أبو داود : وحديث أبى معاوية أصح. والعمل عليه ، وأرى الوهم فى حديث
مُجَمِعْ من قال (( ثلاثمائة فارس )) وكانوا مائتى فارس .
وحديث أبى معاوية - الذى أشار إليه - هو حديث ابن عمر الذى ذكره فى أول
الباب الذى قبله .
وقال الامام الشافعى : مجمع بن يعقوب - يعنى راوى هذا الحديث - شيخ لا يعرف.
وقال البيهقى : والذى رواه مجمع بن يعقوب باسناده - فى عدد الجيش وعدد الفرسان -
قد خولف فيه .
ففى رواية جابر وأهل المغازى: ((أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة. وهم أهل الحديبية))
وفى رواية ابن عباس وصالح بن كَيْسان ويُسَير بن يسار (( أن الخيل مائتا فارس.
وكان للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم . ولكل راجل سهم)»
باب فى النفل [٣: ٢٩]
٢٦٢١ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ ((مَنْ فَعَلَ
كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النََّلِ كذا وكذا - قال: فتقدم الفِتْيَانُ ، ولزم المشْيَخَةِ الرَّاياتِ،
فلم يَبْرِحُوها ، فلما فتحَ اللهُ عليهم قال المشيخة : كُنَّا رِدْءًا لكم، لو انهزمتم لَفِئْتُمْ إلينا ،
فلا تذهبوا بالمَغْمَ ونَبْقَى، فأبى الفتيان ، وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا،
٢٦٢١ - قلت: (( النفل)) مازاد من العطاء على القدر المستحق منه بالقسمة . ومنه النافلة،
" وهى الزيادة من الطاعة بعد الفرض. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل الجيوش
والسرايا ، تحريضاً على القتال، وتعويضً لهم عما يصيبهم من المشقة والكآبة . ويجعلهم
أسوة الجماعة فى سهمان الغنيمة . فيكون مايخصهم به من النفل كالصلة والعطية المستأنفة.
ولا يفعل ذلك إلا بأهل الغناء فى الحروب ، وأصحاب البلاء فى الجهاد .

- ٥٤ -
فأنزل الله (١:٨ - ٥ يسألونك عن الأنفال؟ قل الأنفال الله - إلى قوله - كما أخْرجَكَ رَبُّك
من بيتك بالحقِّ، وإنَّ فريقاً من المؤمنين الكارهون) يقول: فكان ذلك خيراً لهم،
فكذلك أيضاً فأطيعوني ، فإنى أعلمُ بعاقبة هذا منكم)»
: وأخرجه النسائى.
٢٦٢٢ - وفى رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر (( مَنْ قَتَل قَتِيلاً فله
كذا وكذا ، ومن أسرَ أسيراً فله كذا وكذا)).
٢٦٢٣ - وفى رواية ((فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواء))
٢٦٢٤ - وعن مُصْعب بن سعد - وهو ابن أبى وقاص - عن أبيه، قال ((جئتُ إلى
النی صلي الله عليه وسلم يوم بدرٍ بسیفٍ. فقلت : يا رسول الله ، إن الله قد شَفَى صدرى
اليوم من العدوِّ. فَهَبْ لى هذا السَّيْفَ، قال: إن هذَا السَّيْفَ لَيْسَ لى وَلاَ لَكَ.
فذهبتُ، وأنا أقول: يُعْطَاهُ اليومَ مَنْ لَمْ يُبْل بَلاَتَى ، فبينا أنا ، إذ جاءني الرسول.
فقال : أجب ، فظننتُ أنه نزل فىَّ شىء بكلامى، جئتُ ، فقال لى النبى صلى الله عليه
وسلم : إنك سألتنى هذا السيف ، وليس هو لى، ولا لك، وإن الله قذ جعله لى ، فهو لك
ثم قرأ ( يسئلونك عن الأنفال؟ قل الأنفال لله والرسول .. إلى آخر الآية).
قال أبو داود : قراءة ابن مسعود ( يسئلونك عن النَّفَلِ).
وأخرجه مسلم مطولا بنحوه وأخرجه الترمذى والنسائى.
وقد اختلفت مذاهب العلماء فى هذا الباب ، وفى تأويل ماروى فيه من الأخبار.
فكان مالك بن أنس لايرى النفل، ويكره أن يقول الإمام : من قاتل فى موضع كذا ،
أو قتل من العدو عدداً فله كذا ، أو يبعث سرية فى وجه من الوجوه فيقول: ما غنمتم
من شىء فلكم نصفه، ويكره أن يقاتل الرجل ويسفك دم نفسه في مثل هذا .
وأثبت الشافعى النفل ، وقال به الأوزاعى وأحمد بن حنبل .
وقال الثورى: إذا قال الإمام : من جاء برأسٍ فله كذا ، ومن أخذ شيئاً فهو له . ومن
جاء بأسیر فله كذا ــ جاز.

- ٥٥ -
باب فى نقل السرية تخرج من العسكر [٣: ٣١]
٢٦٢٥ - عن ابن عمر، قال « بعثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى جيش قِبَلَ نَجْدٍ،
واْثُمِثَتْ سَرِيَّةً من الجيش، فكان سُهْمَانُ الجيش اثنى عشر بعيراً ، ونفل أهلَ السرية
بعيراً بعيراً، فكانت سُهْمَانُهم ثلاثة عشر، ثلاثة عشر)).
٢٦٢٦٠ - وعنه قال (( بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد ، خرجتُ معها،
فأصبنا نَعَماً كثيراً، فنفَّلنا أميرُنا بعيراً بعيراً لكل إنسان ، ثم قدمنا على رسول الله
٢٦٢٥٠ - قلت : في هذا من الفقه: أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة. فإنها
تكون مشتركة بينهم وبين الجيش. لأنهم رِدْء لهم.
واختلفوا فى هذه الزيادة التى هى النفل ، من أين أعطاهم إياها؟ .
فكان ابن المسيب يقول: إنما ينفل الإمام من الخمس ، يعنى سهم النبى صلى الله
عليه وسلم . وهو خمس الخمس من الغنيمة.
وإلى هذا ذهب الشافعى وأبو عبيد .
وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يضعه حيث أراه الله عز وجل فى مصالح أمر
: الدين ومعاون المسلمين .
قال الشافعى: فإذا كثر العدو، واشتدت شوكتهم ، وقلَّ من بإزائهم من المسلمين نفَّ
منه الإمام ، اتباعاً للسنة . وإذا لم يكن ذلك لم ينقل.
وقال أبو عبيد: الخمس مفوّض إلى الإمام، ينفل منه إن شاء ، ومن ذلك قول
النبى صلى الله عليه وسلم ((مالى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود
علیکم)) .
وقال غيره : إنما كان النبى صلى الله عليه وسلم ينفلهم من الغنيمة التى يغنمونها، كما
نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة .
قلت : وعلى هذا دل أكثر ماروى من الأخبار فى هذا الباب .
٢٦٢٦٠ - قلت: فى هذا بيان واضح أن النفل إنما أعطاهم إياه من جملة الغنيمة ، لا من الخمس
الذى هو سهمه ونصيبه .

- ٥٦ -
صلى الله عليه وسلم، فقسم بيننا غنيمتنا. فأصاب كلَّ رجل منا اثنا عشر بعيراً، بعد الخمس ،
وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى أعطانا صاحبُنا ، ولا عاب عليه ما صنع ،
فكان لكل رجل منا ثلاثةَ عشر بنَفَله ))
٢٦٢٧ - وعنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَرِيَّةً، فيها عبد الله بن عمر، قِبَلَ
تجد ، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سُهْمَاً مُهُمْ اثنى عشر بعيراً، ونقَّلُوا بعيراً بعيراً، فلم
يُغَيِّره رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه .
٢٦٢٨ - وعنه، قال «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية، فبلغت سهْمَانُنَا.
اثنى عشر بعيراً، ونَفَلنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بصيراً ».
٢٦٢٩ - وفى رواية (( ونقّلْنَا بعيراً بعيراً - لم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم)).
وأخرجه مسلم .
٢٦٣٠ - وعنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يُفَقَُّ بَعْضَ من يبعثُ من
السرايا لأنفسهم خاصَّة النقلَ سِوَى قَسْ عامَّة الجيش، والخمس فى ذلك واجب كله)»
٢٦٣١ - وعن عبد الله بن عمر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر فى
ثلاثمائة وخمسةَ عشَرَ (١) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ إنهم حُفَاةٌ ، فَأْحِلْهُمْ
وظاهر حديث ابن عمر: أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس، كما نفلهم السلب قبل
الخمس ، وإلى هذا ذهب أبو ثور .
(١) هكذا قال ههنا ((فى ثلاثمائة وخمسة عشر)) وقال ابن اسحق -- بعد تسمية البدريين -
تجميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار ، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره :
ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا : من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا . ومن الأوس واحدوستون رجلا ..
ومن الخزرج : مائة وسبعون رجلا . وذكر موسى بن عقبة فى مغازيه : أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر
رجلا من قريش والأنصار . وحكى أيضاً عن موسى بن عقبة: أنهم كانوا ثلاثمائة وستة عشر. وأخرج
البخارى فى صحيحه عن البراء بن عازب قال (( كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، بعدة أصحاب
طالوت الذين جاوزوا معه النهر. وما جاوزه معه إلا مؤمن)) وقال قتادة : كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر.
وكانت وقعة بدر فى السنة الثانية من الهجرة فى يوم الجمعة السابع عشر من رمضان . وفرغ منها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقب شهر رمضان. و((بدر)) اسم ماء سمى باسم صاحبه بدر بن
مجدد بن النضر بن كنانة . وقيل : بل هو رجل من بنى ضمرة، سكن هذا الموضع فنسب إليه .
وقيل ((بدر)) اسم بثر حفرها بدر الغفارى. اهـ من هامش المنذرى

- ٥٧ -
الَّهُمَّ لَهُمْ عُرَاةٌ، فَاكْسُهُمْ، الَّهُمَّ إِنَّهُمْ حِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ. تفتح الله له يوم بدر،
فانقلبوا ، حين انقلبوا ، وما منهم رجل إلا قدرجع بجمل أو جملين، واكتوا، وشبعوا)).
باب فيمن قال: الخمس قبل النفل [٣: ٣٣]
٢٦٣٢ - عن حبيب بن مَسْلَمة الفِهْىِّ أنه قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُنَفِّ الثلث بعد الخمس)».
وأخرجه ابن ماجة .
٢٦٣٣ - وعنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث.
بعد الخمس ، إذَا قَفَلَ )»
٢٦٣٤ - وعن مكحول - وهو أبو عبد الله الشامى - قال («كنت عبداً بمصر لامرأةٍ من
بنى هُذيل، فأعتقتنى، فما خرجتُ من مصر وبها عِلمٌ إلا حَوْيتُ عليه فيما أُرَى ، ثم
أتيتُ الحجاز، فما خرجت منها وبها على إلا حويتُ عليه فيما أُرَى ، ثم أتيتُ العراقَ، فما
خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أَرَى، ثم أتيت الشام فَغَرْبَلْتُهَا، كلُّ ذلك.
أسأل عن النَّفَ ، فلم أجد أحداً يخبرنى فيه بشىء، حتى لقيتُ شيخاً يقال له : زياد.
٢٦٣٢ - قلت: وفى هذا الحديث: أنه أعطاهم ذلك بعد أن خمس الغنيمة. فيشبه - والله أعلم.
أن يكون الأمران معاً جائزين ، وفيه أنه قد بلغ بالنفل الثلث .
وقد اختلف العلماء فى ذلك .
فقال مكحول والأوزاعي : لا يجاوز بالنفل الثلث.
وقال الشافعى: ليس فى النفل حدّ لا يجاوز. وإنما هو إلى اجتهاد الإمام .
٢٦٣٤ - قلت : أخبرنى الحسن بن يحيى عن ابن المنذر - وروى هذا الحديث - ثم قال قد
قيل : إن النبى صلى الله عليه وسلم إنما فرق بين البدأة والقفول، حتى فَضَّل إحدى العطيتين.
على الأخرى، لقوة الظّهر عند دخولهم ، وضعفه عند خروجهم . لأنهم - وهم داخلون - أنشط
وأشهى للسير، والإمعان فى بلاد العدو وأجم ، وهم عند القفول تضعف دوابهم . وهم

- ٥٨ -
ابن جارية التميمى، فقلت له : هل سمعت فى النفل شيئاً ؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة
الفِهْىَّ يقول: شهدت النبى صلى الله عليه وسلم نقَلَ الربع فى الْبُدْأَةِ، وَالثَّلُثَ فى
الرَّجْعَةِ)).
وأخرجه ابن ماجة بمعناه.
أفكر بعضهم أن تكون لحبيب هذا صحبة . وأثبتها له غير واحد . وقد قال فى
.حديثه هذا ((شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) كنيته: أبو عبد الرحمن،
.وكان يسمى حبيب الروم ، لكثرة مجاهدته الروم .
باب فى السرية [٣ : ٣٤]
:٢٦٣٥ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأْ دِمَاؤُهُمْ: يَسْعَى بذِمِّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقْصَاهُمْ، وَهُمْ.
يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدَّ مُشِدَّهُمْ على مُضْعِفِيهِمْ، ومُتَسَرِّعُهم على قاعدهم، لا يُقْتَلُ
مؤمن بكافر (١) ، ولا ذو عهد فى عهده )) .
أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم ، لطول عهدهم بهم، وحبهم الرجوع إليهم. فتُرى
: أنه زادهم فى القفول لهذه العلل .
قلت : كلام ابن المنذر فى هذا ليس بالبين . لأن فحواه : يوهم أن معنى الرجعة : هو
القفول إلى أوطانهم ، وليس هو معنى الحديث .
((والبدأة)) إنما هى ابتداء سفر الغزو، إذا نهضت سَرية من جملة العسكر، فأوقعت بطائفة
العدو . فما غنموا كان لهم منه الربع، ويَشركهم سائر العسكر فى ثلاثة أرباعه . فإن قفلوا
من الغَزاة ثم رجعوا ، فأوقعوا بالعدو ثانية ، كان لهم مما غنموا الثلث. لأن نهوضهم بعد
القَفْل أشق، والخطر فيه أعظم :
٢٦٣٥٠ - قلت: قوله ((تتكافأ دماؤهم)) معناه: أن أحرار المسلمين دماؤهم متكافئة فى
وجوب القصاص والقَوَد لبعضهم من بعض، لا يُفَضَّل منهم شريف على وضيع . فإذا كان
(١) بهامش المنذري: قوله ((لا يقتل مؤمن بكافر)) قد أخرجه البخارى فى صحيحه من حديث على
ابن أبى طالب