Indexed OCR Text
Pages 421-440
- ٤٢١ - أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فلميستأذنْهُ، فإن أذن له فَلْيَحْتَلِبَ وليشرب وإن لم يكن فيها فَلْيُصَوِّتْ ثلاثًا ، فإن أجابه فليستأذنه، وإلا فليَحْتَلِبَ وليشربْ، ولا يحمل». وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن هذا شىء قد ملَّكه النبى صلى الله عليه وسلم إياه ، فهو له مباح ، لا يلزمه له قيمة . وذهب أكثر الفقهاء إلى أن قيمته لازمة له ، يؤديها إليه إذا قدر عليها . لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( لا يحلُّ مال امرىء مسلم إلا بطيبة نفس منه)). وكان قد اختلط فى آخر عمره ، وسماع يزيد بن هرون منه في حال اختلاطه . وأعل حديث سمرة بالاختلاف فى سماع الحسن منه . وهاتان العلتان - بعد صحتهما - لا يخرجان الحديثين عن درجة الحسن المحتج به فى الأحكام عند جمهور الأمة . وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد فى إحدى الروايتين عنه . وقال الشافعى : وقد قيل : من مر بحائط فليأ كل ، ولا يتخذ خنة . وروى فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم تخالفه . والكتاب والحديث الثابت : أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه . والحديث الذي أشار إليه الشافعى: رواه الترمذى من حديث يحي بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( من دخل حائطاً فليأ كل ولا يتخذ خبنة (١))) قال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحي بن سليم أخبرنا قتيبة أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: من أصاب منه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه )» ثم قال : هذا حديث حسن . فاختلف الفقهاء فى القول بموجب هذه الأحاديث . فذهبت طائفة منهم إلى أنها محكمة ، وأنه يسوغ الأكل من الثمار ، وشرب اللبن لضرورة وغيرها . ولا ضمان عليه. وهذا [المشهور عن أحمد ] (٢) (١) الخبنة - بضم الخاء وسكون الباء الموحدة ونون مفتوحة - ما تحمله الانسان فى حضنك. مأخوذ من خبن الثوب إذا طواه . (٢) ما بين المربعين كان بياضاً بالأصل. - ٤٢٢ - وأخرجه الترمذى ، وقال: حسن صحيح غريب. وذكر أن على بن المدينى قال : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وقال : وقد تكلم بعض أهل الحديث فى رواية الحسن عن سمرة . وقالت طائفة : لا يجوز له شىء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض فى ذمته . وهذا المنقول عن مالك والشافعى وأبى حنيفة ، واحتج لهذا القول بحجج : إحداها : قوله تعالى (٤: ٢٩ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والتراضى منتف فى هذه الصورة . الثانية : الحائط والماشية لو كانا ليتيم ، فأكل منهما ، كان قد أكل مال اليتيم ظلماً ، فيدخل تحت الوعيد . الثالثة : ما خرجاه فى الصحيحين من حديث أبى بكرة : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى. خطبته فى حجة الوداع (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا، فى بلدكم هذا، فى شهركم هذا» ومثله فى صحيح مسلم عن جابر . الرابعة: ما فى الصحيح عن أبى هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ، وعرضه )). الخامسة: ما رواه البيهقى بإسناد صحيح من حديث ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فى حجة الوداع - فذكر الحديث ، وفيه - : ولا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس» . السادسة : ما رواه مسلم فى صحيحه: عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه قام، فقال : لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته ، فيكسر باب خزانته ؟ - الحديث )). السابعة : أن هذا مال من أموال المسلم ، فكان محترماً كسائر أمواله . قال الأولون : ليس فى شىء مما ذكرتم مايعارض أحاديث الجواز ، إلا حديث ابن عمر، فإنه فى الظاهر مخالف لحديث سمرة . وسيأتى بيان الجمع بينهما إن شاء الله. أما قوله تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) فلا يتناول محل النزاع . فإن هذا أكل بإباحة الشارع ، فكيف يكون باطلاً ؟ وليس هذا من باب تخصيص العام فى شىء ، بل هذه الصورة لم تدخل فى الآية ، كما لم يدخل فيها أكل الوالد مال ولده . وأيضاً : فلأنه إنما يدل على تحريم الأكل بالباطل الذى لم يأذن فيه الشارع ولا المالك ، فإذا وجد الإذن الشرعى ، أو الإذن من المالك ، لم يكن باطلا . ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك . فما أذن فيه الشرع أحل مما أذن فيه المالك . ولهذا كانت الغنائم من أحل - ٤٢٣ - المكاسب وأطيها ، ومال الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب ، وإن لم يأذن له الولد . وأيضاً فإنه من المستحيل أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيما حرمه الله ومنع منه . فعلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلاً . وبهذا خرج الجواب عن الدليل الثانى، وهوكونه مثل مال اليتيم ، مع أن قوله تعالى ١٠:٤١ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً - الآية) يدل على أنه إنما يستحق الوعيد . من أكلها أ كلاً غير مأذون فيه شرعاً ، فأما ما أذن فيه الشارع منها فلايتناوله الوعيد. ولهذا كان للفقير أن يأكل منها أقل الأمرين من حاجته، أو قدر عمله، ولم يكن ذلك ظلماً ، لإذن الشارع فيه . وهذا هو بعينه الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» فإن التحريم يتناول مالم يقع فيه الإذن من الشارع ولا من المالك، وأما ما أذن فيه منهما ، أو من أحدهما ، فليس بحرام . ولهذا ينتزع منه الشقص المشفوع فيه بغير رضاه ، لإذن الشارع ، وينتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب ، إما مجاناً ، على أحد القولين ، أو بالمعاوضة ، على القول الآخر . ويكره على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق وغير ذلك . وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناة من هذه النصوص ، بل النصوص لم تتناولها ، ولا أريدت بها قطعاً . وأما حديث ابن عمر: (( لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه)) حديث صحيح متفق على صحته . وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد فى جواز احتلاب الماشية للشرب . ولا خلاف فى مذهبه: أنه لا يجوز احتلابها لغيره، وهو كالخبنة فى الثمار، فمنعه فى إحدى الروايتين ، أخذاً بحديث ابن عمر ، وجوزه فى الأخرى، أخذاً بحديث سمرة . ومن رجح المنع قال : حديث ابن عمر أصح . فإن حديث سمرة من رواية الحسن عنه ، وهو مختلف فى سمعه منه . وأما حديث ابن عمر : فمن رواية الليث وغيره عن نافع عنه . ولا ريب فى صحته . قالوا : والفرق بينه وبين الثمرة : أن اللبن مخزون فى الضرع ، تكزن الأموال فى خزاتها ولهذا شبهها النبى صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن استخراجها من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها . وهذا بخلاف الثمرة ، فإنها ظاهرة بادية فى الشجرة غير مخزونة. فإذا صارت إلى الخزانة حرم الأكل منها إلا بإذن المالك . قالوا : وأيضاً فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طيبها . لأن العيون تراها ، والنفوس شديدة الميل إليها . ولهذا جوز النبى صلى الله عليه وسلم فيها المزابنة فى خمسة أوسق أو دونها فى العرايا لما تكوا إليه شهوتهم إليها ، وأنه لا ثمن بأيديهم ، بخلاف اللبن ، فإنه لا يرى ولا تشتد الشهوة إليه ، كاشتدادها إلى الثمار . قالوا : وأيضاً ، فالثمار لا صنع فيها للآدمى بحال ، بل هى خلق الله سبحانه ، لم تتولد من. كسب آدمى ولا فعله، بخلاف اللبن . فإنه يتولد من عين مال المالك، وهو العلف . وإن - ٤٢٤ - كانت سائمة ، فلابد من قيامه عليها ورعيه إياها، ولابد من إحالته لها كل وقت. وهذا - وإن كان فى الثمار - إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جداً. فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم، فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير . فهى بالمباحات أشبه من ألبان المواشى ، إلا أن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن حكم المباحات المشتركة التى يسوغ أكلها ونقلها ، فعمل الشبه فى الأكل الذى لا يجحف بالمالك دون النقل المضر له . فهذه الفروق - إن صحت - بطل إلحاق الثمار بها فى المنع . وكان المصير إلى حديث المنع فى اللبن أولى ، وإن كانت غير مؤثرة ، ولافرق بين البابين ، كانت الإباحة شاملة لهما . وحينئذ فيكون حديث النهى متناولاً للمحتلب غير الشارب، بل محتلبه كالمتخذ خبنة من الثمار. وحديث الإباحة متناول للمحتلب الشارب فقط ، دون غيره . ويدل على هذا التفريق: قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث سمرة: ((فليحتلب وليشرب ولا يحمل)» فلو احتلب للحمل كان حراماً عليه. فهذا هو الاحتلاب المنهى عنه فى حديث ابن عمر . والله أعلم . ويدل عليه أيضاً : أن فى حديث المنع ما يشعر بأن النهى إنما هو عن نقل اللبن ، دون شربه. فإنه قال: (( أيحب أحدكم أن تؤنى مشربته فيكسر باب خزانته فينثل طعامه؟)) ومما يدل على الجواز: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: من أصاب منه من ذى حاجة غير متخذ خبنة ، فلا شيء عليه)) وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو، ومحمد بن عجلان احتج به مسلم . والحديث حسن ، أخرجه أهل السنن . فإن قيل: فهذا دليل على جواز أكل المحتاج ، ونحن نقول : له أن يأكل عند الضرورة وعليه القيمة، وقوله: ((لا شىء عليه)) هو نفى للعقوبة لا للغرم. فالجواب: أن هذا الحديث روي بوجهين: أحدهما: ((وإن أكل بفيه، ولميأخذ فيتخذ خبنة ، فليس عليه شىء )). وهذا صريح فى أن الآكل لا شىء عليه، وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة . ولهذا جعلهما قسمين . واللفظ الثانى قوله : ((ومن أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه. ومن خرج بشىء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة )) . وهذا صريح فى أن الأكل منه لحاجة لا شىء عليه ، وأن الضمان إنما يجب على المخرج منه غير ما أكله . والمنازعون لا يفرقون ، بل يوجبون الضمان على الآكل والمخرج معاً ، ولا يفرقون فيه بين المحتاج وغيره . -- ٤٢٥ - وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه ، والنص صريح فى إبطاله . فالحديث حجة على اللفظين معاً. فإن قيل : فالجوزون لا يخصون الإباحة بحال الحاجة، بل يجوزون الأكل للمحتاج وغيره فقد جمعوا بين ما فرق الشارع بينه ؟ قيل : الحاجة المسوغة للأكل أعم من الضرورة، والحكم معلق بها، ولا ذكر للضرورة فيه، وإنما الجواز دائر مع الحاجة ، وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة، فإنها الحاجة إلى أكل الرطب ، ولا تعتبر الضرورة اتفاقاً ، فكذلك هنا . وعلى هذا : فاللفظ قد خرج مخرج الغالب . وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقاً . ومما يدل على الجواز أيضاً : حديث رافع بن عمرو الذى ذكره أبو داود فى الكتاب ، وقد صححه الترمذى . ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة أوجه . أحدها : أن النى صلى الله عليه وسلم أطلق له الأكل ، ولم يقل: كل إذا اضطررت، واترك عند زوال الضرورة ، كما قال تعالى فى الميتة ، وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم للذى سأله عن ركوب هديه: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً)). الثانى : أنه لو كانت الإباحة إنما هى لأجل الضرورة فقط لثبت البدل فى ذمته، كسائر الأموال ، والنبي صلي الله عليه وسلم لم يأمره ببدل ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع . الثالث : أن لفظ الحديث فى كتاب أبى داود ليس فيه للضرورة ذكر، فإِنه قال: «ياغلام لم ترمى النخل ؟ قال: آ كل. فقال: لا ترم النخل، وكل ما سقط)) فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل، فأباح له الساقط ، ومنعه من الرمى، لما فيه من كثرة الأذى . ورواه الترمذى، ولفظه قال: (( يارافع لم ترمى نخلهم؟ قال قلت: يا رسول الله الجوع. قال: لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله)) فهذا اللفظ ليس معارضاً الأول . وكلاهما يدل على إباحة الأكل ، وأن الإباحة عند الجوع أولى . ومما يدل على الجواز أيضاً: حديث عباد بن شرحبيل ، وقد ذكره أبو داود فى الباب ، وهو صحيح الإسناد ، والاستدلال به فى غاية الظهور . وقد تكلف بعض الناس رده بأنه لم يحدث به عن أبى بشر إلا جعفر بن إياس ، وهذا تكلف بارد . فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تغمز قناتهم . وتكلف آخرون ما هو أبعد من هذا . فقالوا : الحديث رواه ابن ماجة والنسائى . ولفظه: (( فأقره النبى صلى الله عليه وسلم، فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام )). قالوا : فالمأمور له بالوسق هو الأنصارى صاحب الحائط ، وكان هذا تعويضاً من النبى صلى الله عليه وسلم له عن سنبله ، وهذا خطأ بين . فإن المأمور له بالوسق إنما هو آكل السنبل عباد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه . والنبي صلى الله عليه وسلم رد إليه ثوبه، ١ - ٤٢٦ - ٢٥٠٧ - وعن عَبَّاد بن شرحبيل، قال ((أصابتنى سَنَةٌ. فدَخَلْتُ حائطاً من حيطان ٢٥٠٧ - ((السنة)) المجاعة تصيب الناس. و (( الساغب)) الجائع. وأطعمه وسقاً . ولفظ أبى داود صريح فى ذلك، فإنه قال: ((فرد على ثوبى وأعطاني وسقاً)) ومما يدل على الجواز أيضاً : ما رواه الترمذي: حدثنا ابن أبى الشوارب حدثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من دخل حائطاً فليأ كل ، ولا يتخذ خبنة)) وهذا الحديث - وإن كان معلولا - قال الترمذى فى كتاب العلل الكبير له: سألت مهداً عن هذا الحديث؟ فقال يحي بن سليم يروى أحاديث عن عبيد الله يهم فيها . تم كلامه . وقال يحيى بن معين : هذا الحديث غلط . وقال أبو حاتم الرازى: يحيي بن سليم هذا محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به . وقال النسائى : ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمرو - ولكن لو حاكمنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم ، لكان هذا الحديث حجة على قولهم . لأن يحي بن سليم من رجال الصحيحين ، وهو لو انفرد بلفظة أو رفع أو اتصال وخالفه غيره فيه لحكموا له ، ولم يلتفتوا إلى من خالفه ، ولو كان أوثق وأكثر، فكيف إذا روى مالم يخالف فيه ؟ بل له أصول ونظائر . ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة ، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتباراً لا اعتماداً . والله أعلم . فإن قيل : ثما تصنعون بالحديث الذى رواه أبو عبيد القاسم بن سلام فى الغريب عن ابن جريج عن عطاء قال: ((رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن يأكل منه، ولا يتخذ خبنة)) وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث. قيل : هذا من المراسيل التى لا يحتج بها ، فضلاً عن أن يعارض بها المسندات الصحيحة. ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث ، بل منطوقه يوافقنا ، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر فى ذلك ، وهذا حق ، والمفهوم لاعموم له ، بل فيه تفصيل ومما يدل على الجواز أيضاً : حديث أبى سعيد ، وقد تقدم ، وإسناده على شرط مسلم . ورواهابن حبان فى صحيحه. وأما تعليل البيهقى له بأن سعيداً الجريرى تفرد به، وكان قد اختلط فى آخر عمره ، والذى رواه عنه يزيد بن هرون، وإنما روى عنه بعد الاختلاط - جوابه من وجهين . أحدهما : أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هرون على روايته . ذكره البيهقى أيضاً . وسماع حماد منه قديم . الثانى : أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوى ممن لا يميز حديث الشيخ صحيعته من سقيمه . وأما يزيد بن هرون وأمثاله إذا رووا عن رجل قد وقع فى حديثه بعض الاختلاط - ٤٢٧ - المدينة ، فَفَرَكْتُ سُنْبَلاً، فأكلتُ، وَحَمَلْتُ فى ثوبى ، فجاء صاحبُه فضربنى، وأخذ توبى، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مَا عَلَّمْتَ إذْ كَانَ جَاهِلاً ، ولا أطْعَمْتَ إذ كان جائعاً، أو قال: ساغبا، وأمر، فردَّ علىّ ثوبى، وأعطانى وَسْقاً، أو نِصْفَ وَسْقٍ، من طعام)) . وأخرجه النسائى وابن ماجة. وقد قيل : إنه ليس لعباد بن شرحبيل اليشكرى الغُبَرَى سوى هذا الحديث ، وذكر أبو القاسم البغوى : أنه سكن البصرة . وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثاً ، لم يحدث به غير أبى بشر - جعفر بن إياس - وذكر هذا الحديث. ٢٥٠٨ - وعن رافع بن عمرو الغفارى، قال « كنت غلاماً أرمى ◌َخْلَ الأنصار، فأُتِىَ بى النبيُّ صلى الله عليه وسلم. فقال: يا غُلاَم، لم تَرْمِى النخل؟ قال: آ كلُ، قال: فَلاَ تَرْم النَّخْل، وكل ما يسقُطُ من أسفلها، ثم مسح رأسه، فقال: الَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنُه)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن غريب . باب فيمن قال: لا يحلب [٢: ٣٤٤] ٢٥٠٩ - عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا يَحْلُبنَّ أحدٌ مَاشَةَ أَحَدٍ بغير إذنه، أيُحِبُّ أحدكم أن تُؤْنَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرُ خِزَانَتُهُ فِيَنْتَثَلَ طعامه؟ فإنما ◌َخْزِن لهم ضُروعُ مواشيهم أطِمَتَهُمْ، فلا يَحْلُبَنَّ أَحَدُ ماشية أحَدٍ إِلاَّ ياذنهِ ». وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم عذره بالجهل ، حين حمل الطعام فلام صاحب الحائط أن لم يطعمه ، إذ كان جائعاً . ٢٥٠٩ - (( المشربة)) كالغُرفة يرفع فيها المتاع والشىء. وقوله ((ينتثل)) معناه: يستخرج، ويقال لما يخرج من تراب البئر إذا حُفرت: نَثيل . ومن هذا قولهم: تَثَلَ الرجلُ كِنانته: إذا صبها على الأرض، فأخرج ما فيها من النّبل. وفى هذا إثبات القياس، والحكم للشىء بحكم نظيره . فإنهم يميزون حديثه وينتقونه . هذا مع أن حديثه موافق لأحاديث الباب ، كأحاديث سمرة ورافع بن عمرو وعبد اله بن عمر وعباد بن شرحبيل . وهذا يدل على أنه محفوظ، وأن له أحادً . ولهذا صححه ابن حبان وغيره . - ٤٢٨ - وأخرجه البخارى ومسلم . باب فى الطاعة [٢: ٣٤٤] ٢٥١٠ - عن ابن جريج قال: (٤ : ٥٩ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) عبد الله بن قيس بن عَدِيٍّ، بعثه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فى سَرِيَّةَ، أَخْبَرَ نيه یعلی ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى . ٢٥١١ - وعن على: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَبْشاً، وَأَمَّرَ عليهم رجلا (١) وأمرهم أن يسمعوا له ويُطيعوا، فأجََّجَ ناراً، وأمرهم أن يَقْتَحِّموا فيها ، فأبى وفيه دليل على أن الشاة المبيعة إذا كان لها لبن مقدور على حلبه فإن للبن حصة من الثمن وهذا يؤيد خبر المصَرَّة . ويثبت حكمها فى تقويم اللبن. وفيه دليل على أن السارق إذا سرق من الطعام ما يبلغ قيمته ربع دينار قطع . ء واللبن وغيره من رَطْب الطعام ويابسه فى ذلك سواء، إذا أخذه من حرز . ٢٥١١ - قلت: هذه القصة، وما ذكر فيها من شأن النار والوقوع فيها : يدل على أن المراد به طاعة الولاة ، وأنها لا تجب إلا فى المعروف ، كالخروج فى البعث إذا أمر به الولاة ، ٢٥١١ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله: وقد استشكل قوله صلى الله عليه وسلم « ما خرجوا منها أبداً، ولم يزالوا فيها )) مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظناً منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم ، وكانوا متأولين . والجواب عن هذا: أن دخولهم إياها معصية فى نفس الأمر . وكان الواجب عليهم أن لا (١) هذا الرجل أمير الجيش: هو أبو حذافة، عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى القرشى. وهو المذكور في الحديث الذى قبل هذا . وقال فيه: عبد الله بن قيس، نسبه إلى جده. أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وشهد فتح مصر ومات بها. وقبر فى مقبرتها فى خلافة عثمان اهـ. من هامش المنذرى. - ٤٢٩ - قومٌ أن يدخلوها ، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: لَوْ دَخَلُوها، أو دَخَلَوا فيها، لم يزالوا فيها ، وقال : لاطاعة فى معصية الله، إنما الطاعة فى المعروف)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. ٢٥١٣ - وعن عبد الله - وهو ابن عمر - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال ((السَّمْعُ والطّاعة على المرء المسلم فيما أحَبَّ وكَرِهِ، مالم يُؤْمر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية، فلاَ سمع ولا طاعة )) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة . ٢٥١٣ - وعن عُقبة بن مالك قال ((بعث النبى صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَسَلَّحَت رجلا والنفوذ لهم فى الأمور التى هى طاعات ، ومعاون للمسلمين ومصالح لهم . فأما ما كان فيها معصية، كقتل النفس المحرمة وما أشبهه ، فلا طاعة لهم فى ذلك . وقد يفسر قوله ((لا طاعة فى معصية الله)) تفسيراً آخر: وهو أن الطاعة لا تَُّ لصاحبها، ولا يُخْلَص إذا كانت مَشوبة بالمعصية ، وإنما تصح الطاعات مع اجتباب المعاصى . يبادروا وأن يتثبتوا حتى يعلموا : هل ذلك طاعة الله ورسوله أم لا ؟ فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت ولا نظر ، فكانت عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها .. وقوله: (( أبداً)) لا يعطى خلودهم فى نار جهنم ، فان الاخبار إنما هو عن نار الدنيا . والأبد كثيراً ما يراد به أبد الدنيا. قال تعالى فى حق اليهود (٩٥:٢ ولن يتمنوه أبداً) وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت فى النار ويسألون ربهم أن يقضى عليهم بالموت . وقد جاء فى بعض الروايات ((أن هذا الرجل كان مازحاً)) وكان معروفاً بكثرة المزاح. والمعروف أنهم أغضبوه، حتى فعل ذلك . وفي الحديث دليل أن على من أطاع ولاة الأمر فى معصية الله كان عاصياً ، وأن ذلك لا يمهد له عذراً عند الله، بل إنم المعصية لا حق له، وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها. وعلى هذا بدل هذا الحديث ، وهو وجهه . وبالله التوفيق . - ٤٣٠ - منهم سيفاً، فلما رجع قال: لو رأيتُ ما لاَمَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: أعجزتم إذْ بَعَثْتُ رجلا، فلم يمضٍ لأَمْرِى: أن تجعلوا مكانه من يمضى لأمرى؟ )» ذكر أبو عمر النَّعَرى وغيره: أن عقبة - هذا - روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً . باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته [٢: ٣٤٥] 1 ٢٥١٤ - عن أبى ثعلبة الخُشَنى قال ((كان الناس إذا نزلوا منزلا - قال عمرو: كان الناسُ إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا - تفرقوا فى الشّعاب والأودية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ تَفَرَّقَكُمْ فى الشعاب والأودية إنما ذُلِكُم من الشيطان . فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بُسِط عليهم ثوب لَعَمَّهُمْ )) . وأخرجه النسائى . ٢٥١٥ ۔ وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهنى، عن أبيه، قال « غزوتُ مع نبی الله صلى الله عليه وسلم غزوةً كذا وكذا ، فَضَيَّقَ الناس المنازلَ، وقطعوا الطريق، فبعث نبى الله صلى الله عليه وسلم مُنَادِيا ينادى فى الناس: مَنْ ضَيِّق منزلاً، أو قطع طريقاً ، فلا جهادَ له)). سهل بن معاذ: ضعيف . وفيه أيضاً: إسماعيل بن عياش، وفيه مقال باب فى كراهية تمنى لقاء العدو [٢: ٣٤٦] ٢٥١٦ - عن سالم أبى النَّضر قال ((كتب إليه عبدُ الله بن أبى أوفَى، حين خرجَ إلى الْجُرُورِيَّةِ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى بعض أيامه التى لقى فيها العدو - قال: يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لقاء العدوِّ، وسَلُوا الله تعالى العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا ٢٥١٦ - قلت: معنى ((ظلال السيوف)) الدنو من القِرْن حتى يَعْلُوَه ظِلُّ سيفه، لا يولىِّ - ٤٣١ - أن الجنةَ تحت ظلال السيوف. ثم قال: اللّهُمْ مُنْزِلَ الكتاب، يُجْرِى السَّحاب، وهَازِمَ .الأحْزَاب، اهْزِمْهُمْ، وانْصُرْنا عليهم)). وأخرجه البخارى ومسلم . باب مايُدعَى عند اللقاء [٢: ٣٤٦] ٢٥١٧ - عن أنس بن مالك، قال ((كان رسولُ الله صل الله عليه وسلم إذا غَزَا قال: اللّهُمْ أَنْتَ عَضُدِى وَنَصِيرِى، بك أَخْولُ، وبك أَصُولُ، وبك أقاتل)). وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن غريب. باب فى دعاء المشركين [٢: ٣٤٦] ٢٥١٨ - عن ابن عون، قال ((كتبتُ إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين عند القتال؟ فكتب إلىَّ: أن ذلك كان فى أول الإسلام ، وقد أغارَ نَبِىُّ الله صلى الله عليه وسلم على بنى المُصْطَلِقِ، وهم غَارُون، وأنعامُهم تُسْقَى على الماء ، فقتل مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَى سَبْيَهُمْ، وأصاب يومئذ جُوَيْرِيَةَ بنت الحارث ، حدثنى بذلك عبد الله، وكان فى ذلك الجيش)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. عنه ولا يَفِرُّ منه. وكل شىء دنا منك فقد أظلَّك. كقول الشاعر: ورَّقَت المنيَةَ، فهى ظِلٌّ على الأفران، دانيةُ الجناح ٢٥١٧ - قوله ((أحول)) معناه: أحتال. قال ابن الأنبارى : الخول معناه فى كلام العرب: الحيلة، يقال: ما للرجل خَوْل، وماله محالة ، قال: ومنه قولك (( لا حول ولا قوة إلا بالله )) أى لا حيلة فى دفع سوء ، ولا قوة فى درك خير إلا بالله . وفيه وجه آخر : وهو أن يكون معناه : المنع والدفع ، من قولك : حال بين الشيئين : إذا منع أحدهما عن الآخر. يقول: لا أمنع ، ولا أدفع إلا بك . 1 - ٤٣٢ -- ٢٥١٩ - وعن أنس ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يُغير عند صلاة الصبح، وكان يَتَسَمْع. فإذا سمع أذاناً أمْسَكَ ، وإلا أغار)). وأخرجه مسلم والترمذى . قال الشافعى فى هذا الحديث : إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغير حتى يصبح : ليس لتحريم الإغارة ليلا أو نهاراً، ولا غارِّين، وفى كل حال ، ولكنه على أن يكون يُبْصِر مَنْ معه كيف يغيرون؟ احتياطاً أن يؤتوامن كمين ، ومن حيث لا يشعرون. وقد تختلط الحرب، إذا أغاروا ليلا، فيقتل بعض المسلمين بعضاً . ٢٥٢٠- وعن عصام المزنى، عن أبيه، قال «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية فقال: إذَا رَأْيتم مسجداً ، أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)). وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حسن غريب. ٢٥١٩٠ - قلت : فيه من الفقه : أن إظهار شعار الإسلام فى القتال ، وعند شَنَّ الغارة ، يُحقَن به الدم. وليس كذلك حال السلامة والطمأنينة التى يتسع فيها معرفة الأمور على حقائقها ، واستيفاء الشروط اللازمة فيها . وفيه دليل على أن قتال الكفار من غير إحداث الدعوة جائز. وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فى ذلك فى باب قبل هذا . وقال الشافعى فى هذا الحديث : إنما کان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُغِيرحتى يصبح، ليس لتحريم الغارة ليلاً أو نهاراً، ولا غارّين وفى كل حال، ولكنه على أن يكون يبصر من معه كيف يغيرون؟ احتياطاً أن يؤتوا من كمين، ومن حيث لا يشعرون. وقد يختلط أهل الحرب إذا أغاروا ليلاً ، فيقتل بعض المسلمين بعضاً . قلت : وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى المصْطَلِقِ وهم غَارُون ، وأنعامهم على الماء تُسقى، وقد ذكره أبو داود فى هذا الباب. وقال لأسامة («أغِرْ على أُبنَى صباحاً، وحَرِّق)) فدل على إباحة البيات والإيقاع بهم وهم غارُّون . وقال سلمة اعتمد الأكوع ((أمَر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه، فغزونا ناساً مَنْ المشتركينِ، فَبَيَّتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمِتْ أمِتْ)). - ٤٣٣ - باب المكَرِ في الحرب [٢: ٣٤٧] ٢٥٢١ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (( الحرب خْدَعَة)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. ٢٥٢٢ - وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها، وكان يقول: الحرب خَدْعة )). باب فى البيات [٢: ٢٤٧ ] ٢٥٢٣ - عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال ((أمَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه، فَغَزَوْنا ناساً من المشركين ، فَبَيَّتْنَاهُمْ فقتلناهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أَمِتْ ، أمِتْ ، قال سلمة: فقتلتُ بيدى تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين)) وأخرجه النسائى وابن ماجة . ٢٥٢٢ - قوله ((ورَّى بغيرها)) معنى التورية: أن يريد الإنسان الشىء فيظهرُ غيره. وقوله ((الحرب خدعة)) معناه : إياحة الخداع فى الحرب ، وإن كان محظوراً فى غيرها من الأمور . وهذا الحرف يروى على ثلاثة أوجه ((خَدْعة)) بفتح الخاء وسكون الدال، و (( خُدْعة)) بضم الخاء وسكون الدال، و ((خُدَعة)) الخاء مضمومة والدال مفتوحة وأصوبها (( خَدْعة)) بفتح الخاء . أخبرنى أبو رجاء الغنوى عن أبى العباس أحمد بن يحيى، قال: (( خَدْعة)) بفتح الخاء : بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم . قلت: معنى الخدعة: أنها هى مرة واحدة، أى إذا خُدع المقاتل مرة واحدة لم يكن له إقالة، ومن قال ((خُدْعة)) أراد الاسم، كما يقال: هذه لُعبة، ومن قال (( خُدَعة)) يفتح الدال- كان معناه: أنها تخدع الرجال وتمنّهم، ثم لا تفى لهم، كما يقال: رجل لُعَبة: إذا كان كثير التلقب بالاشياء. م. ٢٨ - ـة صـالـ - ٤٣٤ - باب فى لزوم الساقة [٣٤٧٠٢] ٢٥٢٤ - عن جابر بن عبد الله قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّفُ فى المسير، فَيُزْجِى الضَّعيف، ويُرْدِف، ويدعو لهم)) . باب على ما يقاتل المشركون؟ [٣٤٧:٢] ٢٥٢٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أُمِرْتُ أن أَقَاتِلْ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى )). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٢٥٢٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنلا إله إلا الله ، وأن محمداً عبدُه ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا ، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يُعَلُّوا صَلاَتَنَا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمَتْ علينا دمَاؤهم وأموالهم، إلا بحقها : لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)). وأخرجه البخارى تعليقاً . وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن صحيح غريب من هذا الوجه . ٢٥٢٧ - وفى رواية ((أمرت أن أقاتل المشركين)) بمعناه. ٢٥٢٨ - وعن أسامة بن زيد، قال « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إلى اُْرَقَاتٍ ، فَنَذِرُوا بنا، فهربوا، فأدركنا رجلا ، فلما غَشَيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه ٢٥٢٤ - قوله ((يزجى)) أى يسوق بهم، يقال: أزجيت المطية إذا حَقَتْها فى السُّوق. ٢٥٢٨ - فيه من الفقه: أن الكافر إذا تكلم بالشهادة ، وإن لم يصف الإيمان، وجب الكفُ عنه، والوقوف عن قتله، سواء كان بعد القدرة عليه أو قبلها . وفى قوله (( هلا شققت عن قبله ؟)) دليل على أن الحكم إنما يجرى على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه . 4 - ٤٣٥ - حتى قتلناه، فذكرته النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: مَنْ لَك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فقلت: يارسول الله، إنما قالها مخافة السلاح، قال: أَفَلاَ شَفَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، حتى تعلمَ : مِنْ أجل ذلك قالها أم لا ؟ مَنْ لَكَ بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ فما زال يقولها حتى وددت أنى لم أُسلم إلا يومئذ)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي . ٢٥٢٩ - وعن المقداد بن الأسود، قال ((يارسول الله، أرأيتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلاً من الكفار، فقاتلنى، فضرب إحدى يدىَّ بالسيف، ثُمَّ لاَذَ مِنَّى بشجرة، فقال: أسلمت لله ، أَفَأَ قْتُلُهُ يارسول الله ، بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَتَقْتُلُهُ ، فقلت : يارسول الله ، إنه قطع يدى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، فإن قتلته فإنه منزلتك قبلَ أن تقتلَه، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كمته التى قال)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . وفيه أنه لم يلزم [ أسامة ] مع إنكاره عليه الدية. ويشبه أن يكون المعنى فيه : أن أصل دماء الكفار الإباحة ، وكان عند أسامة : أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيداً من القتل ، لامصدقاً به . فقتله على أنه كافر مباح الدم. فلم تلزمه الدية ، إذا كان فى الأصل مأموراً بقتاله ، والخطأ عن المجتهد موضوع . ويحتمل أن يكون قد تأول فيه قول الله (٤٠: ٨٥ فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وقوله فى قصة فرعون (١٠: ٩١ الآن وقد عصيت قبلْ وكنتَ من المفسدين؟ ) فلم يُخّصِهم إظهار الأيمان عند الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم . ٢٥٢٩ - قلت : الخوارج ومن يذهب مذاهبهم فى التكفير بالكبائر: يتأولونه على أنه. بمنزلته في الكفر. وهذا تأويل فاسد. وإنما وجهه: أنه جعله بمنزلته فى إباحة الدم . لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدم بحق الدين . فإذا أسلم فقتله قاتل ، فإن قاتله مباح الدم بحق القصاص . 1 - ٤٣٦ - ٢٥٣٠ - وعن جرير بن عبد الله، قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة إلى خَتْعَم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرعَ فيهم القتل ، قال: فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأمر لهم بنصف العَقْل ، وقال: أَنَا برئ من كلٍّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا: يارسول الله، لم؟ قال: لاَرَاءَى نَارَاهُمَا )). ٢٥٣٠ - قلت: إنما أمر بنصف العَقْل، ولم يكمل لهم الدية - بعد علمه بإسلامهم - لأهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهرانى الكفار . فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره . فسقط حصة جنايته من الدية . وأما اعتصامهم بالسجود فإنه لا يُمحِّص الدلالة على قبول الدين . لأن ذلك قد يكون منهم فى تعظيم السادة والرؤساء ، فعذروا لوجود الشبه . وفيه دليل على أنه إذا كان أسيراً فى أيديهم فأمكنه الخلاص والانفلات منهم لم يحل له المقام معهم ، وإن خَلّفوه فحلف لهم أن لا يخرج : كان الواجب أن يخرج ، إلا أنه إن كان مكرها على اليمين لم تلزمه الكفارة ، وإن كان غير مكره كانت عليه الكفارة عن يمينه . وعلى الوجهين جميعاً : فعليه الاحتيال للخلاص ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير، ولْيُكِّر عن يمينه)). وقوله ((لا تراءى ناراهما)) فيه وجوه. ٢٥٣٠ - قال ابن القيم رحمه الله: قال بعض أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم ، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهر انى الكفار ، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره . وهذا حسن جداً . والذى يظهر من معنى الحديث : أن النار هى شعار القوم عند النزول وعلامتهم ، وهى تدعو إليهم ، والطارق يأنس بها ، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالهم . فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة ، فإِنها إنما توقد فى معصية الله ، ونار المؤمنين - ٤٣٧ - وأخرجه الترمذى والنسائى. وذكر أبو داود : أن جماعة رووه مرسلا. وأخرجه الترمذى أيضاً مرسلا، وقال: هذا أصح. وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل - يعنى ابن أبى خالد - لم أحدها : معناه: لا يستوى حكماهما . قاله بعض أهل العلم . وقال بعضهم : معناه: أن الله قد فرق بين دارى الإسلام والكفر. فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار فى بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها . وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام . وفيه وجه ثالث - ذكره بعض أهل اللغة - قال : معناه لا يَتْسِم بسِمَة المشرك ، ولا يتشبه به فى هَدْيه وشكله. والعرب تقول ((ما نار بعيرك؟)) أى ما سمته (١). ومن هذا قولهم (( نارها نِجارها)) يريدون: أن مِيسَمها يدل على كُومها وعُتُقها (٢). ومنه قول الشاعر : تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران ، وهذا شأنهما ؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله ، المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة. وقد روى النسائى من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال ((قلت: يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن - لأصابع يديه - أن لا آتيك، ولا آتى دينك، وإنى كنت امرءاً لا أعقل شيئاً إلا ما علمنى الله ورسوله. وإنى أسألك بوجه اللّه: بم بعثك ربنا إلينا؟ قال: بالإسلام. قلت : وما آيات الإِسلام؟ قال : أن تقول: أسلمت وجهى إلى الله وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة . كل المسلم على المسلم محرم ، أخوان نصيران ، لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى المسلمين)). وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» وفى المراسيل لأنى داود عن مكحول عن النبى صلى الله عليه وسلم (( لا تتركوا الذرية إزاء العدو)). (١) السمة: العلامة. كانوا يعلمون إبلهم بالكى بالنار فى موضع تمتاز به عن غيرها مما ترعى معها. (٢) جمع كوماء . والمكوم: بفتح الكاف والواو - عظم السنام وضخامته. إذا كانت الناقة سمينة. والعلق : - بضم العين والتاء - جمع عتيقة. وهى الكريمة الأصل. - ٤٣٨ - يذكروا فيه جريراً. وذكر عن البخارى أنه قال : الصحيح مرسل، ولم يخرجه النسالى إلا مرسلا. باب فى التولّى يوم الزحف [٢: ٣٤٩] ٢٥٣١ -عن ابن عباس، قال «نزلت (٨: ٦٩ إن يَكُنْ منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين) فشقَّ ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم أن لا يغِرَّ واحدٌ من عشرة، ثم إنه جاء تخفيف، فقال (الآن خَفِّف الله عنكم) قرأ أبو تَوْبة إلى قوله ( يغلبوا مائتين ) قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العِدّة نقص من الصبر بقدر ماخَفَّف عنهم)). وأخرجه البخارى . ٢٥٣٢ - وعن عبد الله بن عمر ((أنه كان فى سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فَخَاص الناسُ حَيْصةً. فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا : كيف نصنع ؟ وقد فررنا من الزَّحْف ، وبُؤْنا بالغضب ، فقلنا: ندخل المدينة، فنتَثَبَّت فيها لنذهب ، ولايرانا أحد، قال: فدخَلنا، فقلنا: لو عَرضنا أنْفُسَنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فإن كانت لنا توبةٌ أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا ، قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج ◌ُنا إليه ، فقلنا: نحن الْفَرَّارون ، فأقبل إلينا ، فقال : لا ، بل أنتم الكرَّرون(١). قال: فَدَنَوْنَا فقبّلنا يده، فقال: أنا فِئَةُ المسلمين)). سَقَوا آبَالهم بالفار والنار قد تَشفى من الأُوار حتى يريد: أنهم يعرفون الكرام منها بسماتها ، فيقدمونها فى السقى على اللئام . ٢٥٣٢ - يقال ((حاص الرجل)) إذا حاد عن طريقه، أو انصرف عن وجهه إلى جهه أخرى . وقوله (( أنتم العكارون)) يريد: أنّم العائدون إلى القتال، والعاطفون عليه، يقال: عَكَرَتُ على الشىء: إذا عطفت عليه ، وانصرفت إليه بعد الذهاب عنه ، وأخبرنى ابن الزَّيبقى حدثنا الكُديمى عن الأصمعى ، قال : رأيت أعرابياً يَغْلى ثيابه ، فيقتل البراغيث ، ويترك القمل. فقلت: لم تصنع هذا ؟ قال: أقتل الفرسان. ثم أعَكِّر على الرجَّالة. (١) كذا فى المنذوى. وفى السنن ((العكارون)) وعليها شرح الخطابي. - ٤٣٩ - وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حسن ، لا نعرفه إلا من حديث یزید بن أبي زياد. هذا آخر كلامه . ويزيد بن أبى زياد: تكلم فيه غير واحد من الأيمة . ٢٥٣٣ - وعن أبى سعيد - وهو الخدرى - قال ((نزلتْ فى يوم بَدْرِ (٨: ١٦ وَمَنْ يُؤَلَّهِمْ يومَئذٍ دُبُرُه) . وأخرجه النسائي . آخر السفر الأول من مختصر السنن؛ يتلوه فى السنمر الثاني إن شاء الله: فى الأسير یکره علی الکفر . نجز تعليقا على يدى العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن أقش الحراني . عفا الله عز وجل عنهما . والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وحسبنا الله ونعم الوكيل . وقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا فئة المسلمين)) يمهد بذلك عذرهم. وهو تأويل قوله تعالى (٨: ١٦ أو متَحَيِّزاً إلى فئة ) وإلى هنا تم الجزء الثالث بتوفيق الله تعالى ويتلوه إن شاء الله الجزء الرابع وأوله : باب فى الأسير يكره على الكفر والله الموفق والمعين على الإتمام والحمد لله وحده. وصلى الله وسلم على خير عباده وصفوة رسله محمد وآ له