Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
قرآن ، فاذهب فائتِ بها ، قال سهل: فتلاعَنّا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فلما فَرَغا قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها ، فطلقها عويمر ثلاثاً،
قبل أن يأمره النبى صلى الله عليه وسلم - قال ابن شهاب: فكانت تلك سُنّة المتلاعنَيْنِ)).
وقال فى النوع الآخر (١٧ : ٨٥ ويسألونك عن الروح؟ قل: الروح من أمر ربى)
( ٧٩: ٤٢ - ٤٤ يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى
ربك منتهاها ) وعاب مسألة بنى إسرائيل فى قصة البقرة لما كان على سبيل التكلف ،
لما لا حاجة بهم إليه ، وقد كانت الغُنية وقعت بالبيان المتقدم فيها. وكل ما كان من المسائل
على هذا الوجه فهو مكروه، فإذا وقع السكوت عن جوابه ، فإنما هو زجر وردع للسائل،
وإذا وقع الجواب فهو عقوبة وتغليظ :
وفى قوله ((هى طالق ثلاثاً)» دليل على أن إيقاع التطليقات الثلاث مباح ، ولو كان
محرماً، لأشبه أن يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فى ذلك ، ويبين بطلانه لمن
بحضرته ، لأنه لا يجوز عليه أن يجرى بحضرته باطل ، فلا ينكره ولا يرده .
وقد يحتج به من يرى أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان ، حتى يفرق بينهما الحكام ،
وذلك أن الفرقة لو كانت واقعة بينهما لم يكن للتطليقات الثلاث معنى .
وقد يحتج بذلك أيضاً من يرى الفرقة بنفس اللعان على وجه آخر ، وذلك أن الفرقة لو لم
تكن واقعة باللعان لكانت المرأة فى حكم المطلقات ثلاثاً .
وقد أجمعوا على أنها ليست فى حكم المطلقات ثلاثاً ، تحل له بعد زوج ، فدل على أن
الفرقة واقعة قبل. ويشبه أن يكون إنما دعاه إلى هذا القول أنه لما قيل له (( لا سبيل لك
عليها))، وجد من ذلك فى نفسه فقال: ((كذبتُ عليها إن أمسكتها ، هى طالق ثلاثاً))،
يريد بذلك تحقيق ما مضى من الفرقة وتوكيده .
وقوله ((فكانت سنة المتلاعنين )) يريد التفريق بينهما .
وقد اختلف فى الوقت الذى يزول فيه فراش المرأة ، وتقع فيه الفرقة ، فقال مالك
والأوزاعي : إذا التعن الرجل والمرأة جميعاً وقعت الفرقة ، وروى ذلك عن ابن عباس .
م ١١ - مختصر الن

- ١٦٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة .
٢١٥٣ - وعن عباس بن سهل عن أبيه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعاصم بن
عَدِيّ : أمْسِكْ المرأة عندك حتى تَلِدَ )) .
فى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه .
٢١٥٤ - وعن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدى قال: ((حضرتُ لعانهما عند
النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا ابنُ خمس عشرة سنةً ، وساق الحديث ، قال فيه : ثم
خرجتْ حاملاً، فكان الولد يُدعَى إلى أمه)).
٢١٥٥ - وعن الزهرى عن سهل بن سعد ، فى خبر المتلاعنين ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((أبْصِرُوهَا ، فإن جاءت به أدْعَجَ العينين ، عظيم الألْيتين، فلا أراه
إلا قَدْ صَدْق، وإن جاءت به أُحْيِيِر كأنه وَحَرَةٌ (١)، فلا أَراه إلا كاذباً، قال : فجاءت به
على النعت المكروه )).
٢١٥٦ - وعنه عن سهل بن سعد، فى هذا الخبر، قال: ((فطلقها ثلاث تطليقات عند ..
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صُنِعَ عند
وقال الشافعى : إذا التعن الرجل وقعت الفرقة ، وإن لم تكن المرأة التعنت بعد .
وقال أصحاب الرأى : الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم بينهما، بعد أن يتلاعنا معاً .
٢١٥٥ - قال الشيخ (( الوحرة)) دويبة، وجمعها وحر ، ومنه قيل: فلان وَحِرُ الصدر ، إذا
دبت العداوة فى قلبه ، کدبيب الوحر .
٢١٥٦ - قوله ((فأنهذه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) يحتمل وجهين:
أحدهما : إيقاع الطلاق وإنفاذه، وهذا على قول من زعم أن اللعان لا يوجب الفرقة ».
وأن فراق العجلانى امرأته إنما كان بالطلاق، وهو قول عثمان البَتِّى .
(١) ((وحرة)) بفتحات - هى دوبية حمراء تلتزق بالأرض
٠ ٣٠

- ١٦٣ -
النبى صلى الله عليه وسلم سُنَّةً ، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فمضَتِ السُّنة بعدُ فى المتلاعبين أن يُفَرَّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً ».
٢١٥٧ - وعنه عن سهل بن سعد، قال مسدد: قال: ((شهدت المتلاعنين على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا ابن خمس عشرة، فَفَرَّقَ بينهما رسول الله صلى الله عليه.
وسلم حين تلاعَنَا، وتم حديث مسدد ، وقال الآخرون: إنه شهد النبى صلى الله عليه وسلم
فَرَّقَ بين المتلاعنين ، فقال الرجل: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها )).
قال أبو داود : لم يتابع ابنَ عيينة أحدٌ على أنه فرق بين المتلاعنين .
[ قال البيهقى : ويعنى بذلك : فى حديث الزهرى عن سهل بن سعد ، لا ما رويناه
عن الزبيدى عن الزهرى . يريد: أن ابن عيينة لم ينفرد بها . وقد تابعه عليها الزييدى .
والوجه الآخر : أن يكون معناه : إنفاذ الفرقة الدائمة المتأبدة ، وهذا على قول
من لا يراها تصلح للزوج بحال ، وإن أكذب نفسه فيما رماها به . وإلى هذا ذهب
الشافعى ومالك والأوزاعى والثورى ويعقوب وأحمد وإسحق ، وشهد لذلك قوله
(( ولا يجتمعان أبداً)).
وقال الشافعى: إن كانت زوجته أمةً فلاعنَها ، ثم اشتراها ، لم تحل له إصابتها ، لأن
الفرقة وقعت متأبدة ، فصارت كحرمة الرضاع .
ومذهب أبى حنيفة ومحمد بن الحسن : أنه إذا أكذب نفسه ثبت النسب ، ولحقه الولد.
وفيه دليل على أن الزوج إذا طلقها قبل اللعان لم يكن ذلك مانعاً من وجوب اللعان
عليه . وقال الحسن والشعبى والقاسم بن محمد ، فى الرجل يقذف زوجته ثم يطلقها ثلاثاً:
أن يلاعنها ، وإليه ذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل ، وذلك أن القذف كان
وهى زوجة .
وقال أصحاب الرأى : لا حد ، ولا لعان فى ذلك، وهو قول حماد بن أبي سليمان ،
وحکی عن الثوری .

- ١٦٤ -
وذكر البيهقى بعد هذا حديث ابن عمر: (( فرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوى
بنى عجلان)). والمراد من هذا: أن الفرقة لم تقع بالطلاق . ومعنى التفريق تبينه صلى الله
عليه وسلم الحكم لإيقاع الفرقة، بدليل قوله (قبل أن يأمره صلى الله عليه وسلم بذلك))](١).
٢١٥٨ - وعنه عن سهل بن سعد، فى هذا الحديث: ((وكانت حاملاً، فأنكر حملها ،
فكان ابنها يدْغى إليها ، ثم جرت السُّنة فى الميراث أن يرثُها وترثَ منه ما فرض الله
عز وجل لها)) .
٢١٥٩ - وعن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: ((إنّا لَلَمْلَةَ جمعةٍ فى المسجد إذ دخل
رجل من الأنصار المسجد، فقال: لو أنَّ رجلاً وجدَ مع امرأته رجلاً، فتكلّم به جَدْ تُمْوَه،
أو قَتَلَ قتلتموه، وإن (٢) سكتَ سكت على غَيظٍ ، والله لأسألنَّ عنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فلما كان من الغدِ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: لو أن رجلاً
وجد مع امرأته رجلاً فتكلم به جلدتموه ، أو قَتَلَ قتلتموه، أو سكَت سَكَتَ على غيظٍ ؟
فقال: اللَّهُمَّ افْتَحْ ، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان ( ٢٤ : ٦ والذين يرمون أزواجهم
ولم يكن لهم شهداء) هذه الآية ، فابتلى به ذلك الرجلُ من بين الناس، فجاء هو وامرأته
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلاعنا : فشهد الرجلُ أَرْبَعَ شهاداتٍ بالله إنه لمن
الصادقين ، ثم لَعَن الخامسة عليه إن كان من الكاذبين ، قال : فذهبتْ لتلتعن ، فقال لها
٢١٥٩ - قوله ((اللهم افتح)) معناه: اللهم احكم، أو بين الحكم فيه، والفتّاح: الحاكم،
ومنه قوله تعالى (٣٤: ٢٦ ثم يفتح بيننا بالحق، وهو الفتاح العليم).
وفى قوله (( لعلها أن تجىء به أسود جعداً)) دليل على أن المرأة كانت حاملاً ، وأن
اللعان وقع على الحمل .
(١) هذه الزيادة من عون المعبود، نقلها عن المنذرى على قوله: ((لم يتابع ابن عيينة)). وليست
موجودة بنختنا ، ولابد منها فزدناها .
(٢) فى السنن ((فإن)).

- ١٦٥ -
النبى صلى الله عليه وسلم: مَهْ، فأبتْ، ففعلتْ، فلما أدبرا قال: لَعَلَّهَا أن تجىء به أسودَ
جَعْداً ، فجاءت به أسود جعداً )).
وأخرجه مسلم وابن ماجة .
٢١:٦٠ - وعن عكرمة عن ابن عباس: ((أن هِلَالَ بن أمية قَذَفَ امرأته عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم بِشَرِيكِ بن سَحْمَاء، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: البِّنَةَ، أو حَدٌّ فى
ظهرك، فقال: يارسول الله، إذا رأَى أحدُنا رجلاً على امرأته يلتمس البيّنة ؟ فجعل النبى
صلى الله عليه وسلم يقول: البينةَ، وإلاَّ فَحَدّ فى ظهرك، فقال هلال: والذى بعثك بالحق
إلى لصادق، ولَيُنْزِ لَنَّ الله عز وجل فى أمرى ما يُبْرِىء ظهرى من الحد، فنزلت (٢٤:
٦-٩ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - قرأ حتى بلغ - من الصادقين)،
فانصرف النبى صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليهما ، فجاءا، فقام هلال بن أمية ، فشهد ،
والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما من تائب؟ ثم
وممن رأى اللعان على نفى الحمل : مالك والأوزاعى وابن أبى ليلى والشافعى .
وقال أبو حنيفة : لا يلاعن بالحمل ، لأنه لا يدرى ، لعله ريح .
٢١٦٠ - قال الشيخ: فيه من الفقه أن الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ثم تلاعنا ، فإن
اللعان يسقط عنه الحد ، فيصير فى التقدير ذكره المقذوف به تبعاً لا يعتبر حكمه، وذلك لأنه
صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية: (( البينةَ أو حدٌّ فى ظهرك))، فلما تلاعنا لم يعرض
الهلال بالحد ، ولا روى فى شىء من الأخبار أن شريكاً بن سحماء عفا عنه ، فعلم أن الحد
الذى كان يلزمه بالقذف سقط عنه بالعان، وذلك لأنه مضطر إلى ذكر ما يقذفها به ، لإزالة
الضرر عن نفسه، فلم يحمل أمره على القصد له بالقذف وإدخال الضرر عليه .
وقال الشافعى: وإنما يسقط الحد عنه إذا ذكر الرجل وسماه فى اللعان ، فإن لم يفعل
ذلك حد له .
وقال أبو حنيفة : الحد لازم له ، وللرجل مطالبته به .
وقال مالك : يحد للرجل ويلاعن الزوجة .

- ١٦٦ -
قامت فشهدت ، فلما كان عند الخامسة : أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، وقالوا
لها : إنها موجبة، قال ابن عباس: فَتَلَكَّأَّت، ونكَصَتْ، حتى ظنًّا أنها سترجع ،
فقالت : لا أفضَحُ قومى سائرّ اليوم ، فمضت ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أَبْصِرُوهَا،
فإن جاءت به أكمل العينين، سابع الأليتين ، خَدَلَّجَ الساقين . فهو لشريك بن سحماء ،
فجاءت به كذلك ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله لكان
لى ولها شأن)).
قال أبو داود : وهذا مما تفرد به أهل المدينة .
وأخرجه البخارى والترمذى وابن ماجة ..
٢١٦١ - وعن كليب - وهو ابن شهاب - عن ابن عباس: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم
أمر رجلاً ، حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا ، أن يضع يده على فيه عند الخامسة ، يقول :
إنها مُوجِبة)).
وأخرجه النسائى .
وفى قوله (البينة وإلا حد فى ظهرك)): دليل على أنه إذا قذف زوجته ثم لم يأت بالبيئة
ولم يلاعن، كان عليه الحد . وقال أبو حنيفة: إذا لم يلتعن الزوج فلا شيء عليه .
وفى قوله عند الخامسة (( إنها موجبة)): دليل على أن اللعان لا يتم إلا باستيفاء عدد
الخمس ، وإليه ذهب الشافعى .
وقال أبو حنيفة: إذا جاء بأكثر العدد باب عن الجميع .
وقوله (( الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل من تائب؟ )) فيه دليل على أن البينتين إذا
تعارضتا تهاترتا وسقطتا.
وفيه دليل على أن الإمام إنما عليه أن يحكم بالظاهر ، وإن كانت هناك شبهة تعترض
وأمور تدل على خلافه ، ألا تراه يقول ((لولا مامضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن)) !.
((والخدلج الساقين)) هو الغليظهما .

- ١٦٧ -
٢١٦٢ - وعن عكرمة عن ابن عباس قال: (( جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين
تاب الله عليهم ، فجاء من أرضه عِشاء، فوجد عند أهله رجلاً ، فرأى بعينيه ، وسمع بأذنيه،
على ◌َهِجْهُ حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ،
إنى جئت أهلى عشاء ، فوجدت عندهم رجلاً ، فرأيت بعينى، وسمعت بأذنى، فكره
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتدّ عليه ، فنزلت (٢٤ : ٦ والذين يرمون
أزواجهم ولم يكن، لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم) الآيتين كلتيهما، فَسُرِّىَ عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَبْشِرْ يا هلال، قد جعل الله عز وجل لك فَرَجاً
ومخرجاً ، فال هلال: قد كنتُ أرجو ذاك من ربى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَرْسِلُوا إليها، فجاءت، فَتَلَا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكَّرها، وأخبرهما أن
عذاب الآخرة أشدَّ من عذاب الدنيا ، فقال هلال : والله لقد صدقتُ عليها، فقالت :
كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعِنوا بينهما ، فقيل لهلال: اشهدْ، فشهد
أربعَ شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل [له](١): ياهلال، اتق الله،
فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التى توجب العذاب ، فقال :
والله لا يُعذّبنى الله عليها، كما لم يَجلدنى عليها ، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان
من الكاذبين، ثم قيل لها : اشهدى ، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ،
٢١٦٢ - قال الشيخ : وفيه من الفقه بيان أن اللعان فسخ ، وليس بطلاق ، وأنه ليس
للملاعنة على زوجها سكنى ولا نفقة . وإليه ذهب الشافعى .
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن : اللعان تطليقة بائنة ، ولها السكنى والنفقة فى العدة .
قال الشيخ : وفيه بيان أن من رمى الملاعنة أو ولدها ، فإن عليه الحد . وهو قول
أكثر العلماء.
وقال أصحاب الرأى : إن كان جرى اللعان بينهما بالقذف لا على نفى الولد ، فإن قاذفها
بحد، وإن كان لاعنها على ولد نفاه لم يكن على الذی یقذفها حد .
(١) الزيادة من السنن .

- ١٦٨ -
فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقى الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن
هذه الموجبة التى توجب عليكِ العذاب، فتلكَّأْت ساعةً ، ثم قالت : والله لا أفضحُ قومى،
فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرَّق رسول الله صلى الله
عليه وسلم بينهما ، وقضى أن لا يُدْعَى ولدُها لأب، ولا تُرْتَى ولا يُرْعَى ولدها ، ومن رماها
أو رمى ولدها فعليه الحد ، وقضى أن لا بَيْتَ لها عليه ، ولا قوتَ ، من أجل أنهما يتفرقان
من غير طلاق ولا متوفّى عنها ، وقال: إن جاءت به أُصَيْهب ، أُرَيْصِحَ انيج، خْش
الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جَعْداً، جماليًا، خدلَّج الساقين، سابغ الأليتين،
فهو الذى رُميت به ، فجاءت به أورق جعداً جماليًّا، خدلَّج الساقين، سابع الأليتين، فقال
وقال أبو عبيد القاسم بن سَلَاّم، بعد أن حكى هذا المذهب عنهم : وحجتهم فيه
أن قالوا: معها ولد لا أب له ، قالوا: فإن مات ذلك الولد كان على من يرميها بعده
الحد ، وتعجب أبو عبيد من سقوط الحد وثبوته لحياة رجل ووفاته !! وقال : لا يصح فى
رأى ولا نظر .
وفيه دلالة على جواز الاستدلال بالشبه .
وفيه بيان أن ما لا يجوز الاستدلال به لا يحكم به ، إذا كان هناك ما هو أقوى منه.
فى الدلالة على ضد موجبه ، ولو كان للشبه ههنا حكم لوجب عليها الحد إذا جاءت به على
النعت المكروه .
وفيه من العلم أن التحلية بالنعوت المعيبة إذا أريد بها التعريف لم تكن غيبة يأثم.
بها قائلها .
و((الأصيهب)) تصغير الأصهب، وهو الذى يعلوه صُهبة، وهى كالشقرة. و(«الأريصح)»
تصغير الأرصح، وهو خفيف الأليتين ، أبدلت السين منه صاداً ، وقد يكون أيضاً تصغير
الأرصع ، أبدلت عينه حاء . قال الأصمعى : الأرصع الأرسح .
و ((الأتييج)» تصغير الأتبج، وهو الناتىء الثبج. والثبج: ما بين الكاهل ووسط
الظهر. و((الحمش)) الدقيق الساقين. و ((الخديج)) العظيم الساقين. و(الجمالى)) العظيم

- ١٦٩ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان لى ولها شأن . قال عكرمة : فكان
بعد ذلك أميراً على مصرٍ (١)، وما يُدعَى لأب)).
فى إسناده عباد، وقد تكلم فيه غير واحد ، وكان قَدَريًّا داعية (٢) .
٢١٦٣ - وعن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: ((قال رسول الله صلى الله عليه.
وسلم للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب ، لاسبيل لك عليها ، قال : يارسول الله،
الخلق ، شبه خلقه بخلق الجمل ، يقال: ناقة جمالية ، إذا شبهت بالفحل من الإبل فى.
عظم الخلق .
٢١٦٣ - قال الشيخ: قوله (( لا سبيل لك عليها))، فيه بيان وقوع الفرقة بينهما باللعان ،
خلاف قول عثمان البتى أن اللعان لا يوجب الفرقة .
وفيه دلالة على أن الفرقة باللعان متأبدة ، ولو كان له عليها سبيل إذا أ كذب نفه.
لاستثناه ، فقال : إلا أن تكذب نفسك، فيكون لك عليها حينئذ سبيل، ولما أطلق.
الكلام دل على تأبيد الفرقة .
وفيه بيان أن زوج الملاعنة لا يرجع عليها بالمهر وإن أقرت المرأة بالزنا أو قامت عليها.
البينة بذلك .
قال الشيخ: وهذا فى المدخول بها، ألا تراه يقول ((فهو بما استحللت من فرجها)»؟"
(١) فى السنن والمنذرى ((مضر)) بالضاد المعجمة. وأنا أرجح أنه تصحيف، لأن رواية الطيالسى :-
أحمد محمد شاكر
(( لقد رأيته أمير مصر من الأمصار)).
(٢) الحديث رواه أحمد فى المسند ٢١٣١ عن يزيد بن هرون عن عباد بن منصور. ويزيد شيخ
شيخ أبى داود فى هذا الاسناد . وفى أوله عن أحمد زبادة ليست هنا . وقد حققت فى شرح المسند صحة
إسناده ، وبينت أن عباد بن منصور ثقة، لقول يحي بن سعيد: ((عباد ثقة ، لا ينبغى أن يترك حديثه
لرأى أخطأ فيه)» يعنى القدر. وبينت أيضاً أنه صرح بسماعه من عكرمة، فى رواية الطيالسى فى مسنده
( رقم ٢٦٦٧) . ثم بينت فى شرح الحديث ٣٣١٦ من مند أحمد أن عباداً لم يكن مدلساً، وأن ما
قل عنه أنه سمع هذا الحديث ((من ابن أبى يحي عن داود بن حصين عن عكرمة)) خطأ فى النقل ،
بتفصيل يرجع إليه هناك. وانظر أيضاً روايات أخر في المسند ٢٢٩٩، ٢٤٦٨، ٣١٠٦، ٣١٠٢،.
أحمد محمد شاكر
٤٠٠١ .

- ١٧٠ -
مالى؟ قال : لا مالَ لك، إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت
كذبت عليها، فذلك أبعدُ لك))(١).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٢١٦٤ - وعنه قال: قلت لابن عمر: ((رجلٌ قذف امرأته؟ قال : فرَّق رسول الله صلى
الله عليه وسلم بين أُخَوى بنى العَجْلان، وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكا
قائب ؟ يرددها ثلاث مرات، فأبيا، ففرق بينهما)) (٢).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بنحوه .
٢١٦٥ - وعن نافع عن ابن عمر: ((أن رجلاً لا عَنَ امرأته فى زمن رسول الله صلى الله
فأما غير المدخول بها فقد اختلف الناس فيها ، فقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: يلاعنها
ولها نصف الصداق . وإليه ذهب مالك والأوزاعى .
وقال الحكم وحماد: لها الصداق كاملاً، وقال الزهرى : يتلاعنان ولا صداق لها .
٢١٦٥ - قال الشيخ : يحتج به من لا يرى البينونة تقع بين المتلاعنين إلا بتفريق الحاكم،
وذلك لإضافة التفريق بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استشهدوا فى ذلك
أيضاً بالفسوخ التى يحتاج فيها إلى حضرة الحكام ، فإنها لا تقع إلا بهم.
وذهب الشافعى إلى أن التفريق بينهما واقع بنفس اللعان ، أو بنفس اللعن ، إلا أنه لما
جرى التلاعن بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضيف إليه التفريق، ونسب إلى فعله ،
كما تقوم البينة إما بالشهادة أو بإقرار المدعى عليه، فيثبت الحق بهما عليه، ثم يضاف الأمر
فى ذلك إلى قضاء القاضى. ولو وجب أن لا تكون التفرقة إلا بأمر الحاكم لوجب أن لا يُنْفَى
الولد عن الزوج إلا بحكم الحاكم ، لأنه قد نسق عليه فى الذكر ، فقيل : فرق رسول الله
صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين ، وألحق الولد بالأم ، فإذا جاز أن يلحق الولد بالأم ،
(١) رواه أبو داود هنا عن أحمد بن حنبل، وهو فى المسند ٤٠٨٧.
(٢) وكذلك رواه أبو داود عن أحمد ، وهو فى المسند ٤٤٧٧.
أحمد محمد شاكر
أحمد محمد شاكر

- ١٧١ -
عليه وسلم ، وانتقَى من وَلدها ، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وألحق
الولد بالمرأة )) (١).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب إذا شك فى الولد [٢: ٢٤٥]
٢١٦٦ - عن أبى هريرة قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من بنى فَزارة،
فقال: إن امرأتى جاءت بولد أسودَ ، فقال: هل لك من إبل ؟ قال: نعم ، قال: ما ألواُها؟
قال: ◌ُمر، قال: فهل فيها من أوْرَقَ! قال: إن فيها لَوُرْقاً، قال: فَأَنَّى تُراه؟ قال: عسى
أن يكون نَزَعه عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق)).
وينقطع نسبه عن الأب من غير صنع للحاكم فيه ، جاز أن تقع الفرقة بينهما من غير صنع له
فيه . والله أعلم .
قال: وإنما معنى قوله ((فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين )) أى بين
أن الفرقة وقعت بينهما باللعان .
٢١٦٦ - قال الشيخ: هذا القول من السائل تعریض بالريبة ، كأنه يريد نفى الولد بحكم النبى
صلى الله عليه وسلم، فإن الولد للفراش، ولم يجعل خلاف الشبه واللون دلالة يجب الحكم بها.
وضرب له المثل بما يوجد من اختلاف الألوان فى الإبل ، وفحلُها ولقاحُها واحد .
وفى هذا إثبات القياس ، وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث اشتبها واحد .
وفيه دليل على أن الرجل إذا ولدت له امرأته ولداً، فقال: ليس منى ، لم يصر
قاذفاً لها بنفس هذا القول ، لجواز أن يكون ليس منه، لكن لغيره بوطء شبهة، أو من
زوج متقدم .
وفيه دليل على أن الحد لايجب فى المكانى (٢)، وإنما يجب بالقذف الصريح.
(١) رواه أبو داود عن القعنى عن مالك عن نافع، ورواه أحمد ٤٥٢٧ عن عبد الرحمن بن مهدى
أحمد محمد شاكر
عن مالك ، وهو فى الموطأ ٢ : ٩٠.
(٢) جمع مكنية ، من الكناية .

- ١٧٢ -
٢١٦٧ - وفى رواية: ((وهو حينئذ يُعرّض بأن ينفيه)).
٢١٦٨ - وفى رواية: ((إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكره)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وهذا الرجل هو ضمضم بن
قتادة ، ذكره عبد الغنى بن سعيد فى كتاب الغوامض ، وقال فيه : ولد له مولود من امرأة
من بنى عجل ، وقال فيه أيضاً : فقدم عجائزُ من بنى عجل ، فأخبرنَ أنه كان للمرأة جدة
سوداء . وإسناده غريب جدًّا .
باب التغليظ فى الانتفاء [٢: ٢٤٦]
٢١٦٩ - عن عبد الله بن يونس عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة: أنه سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول، حين نزلت آية المتلاعنين: «أيّما امرأةٍ أدخلت على قوم مَنْ ليْس
منهم ، فليست من الله فى شىء، ولن يُدخلَها الله جنته ، وأيما رجلٍ جحد ولده ، وهو ينظر
إليه ، احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين )) .
وأخرجه النسائي وابن ماجة . وقال البخارى: وعبد الله بن يونس، عن سعيد المقبرى ،
وروى عنه يزيد بن الهادِ: يعرف بحديث واحد . وقال ابن أبى حاتم : عبد الله بن يونس
يعرف بحديث واحد عن سعيد عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم. وذكر هذا
الحديث . روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد ، سمعت أبى يقول ذلك .
باب فى ادّعاء ولد الزنا [٢: ٢٤٦ ]
٢١٧٠ - عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لامساعاةَ في
الإسلام، مَنْ ساعَى فى الجاهلية فقد لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ ، ومن ادَّعَى ولداً من غير رِشْدَةٍ . فلا
يَرَثُ ولا يُورَثُ)) (١).
٢١٧٠ - قال الشيخ: ((المساعاة)) الزنا، وكان الأصمعى يجعل المساعاة فى الإماء ، دون الحرائر،
وذلك لأنهن يسعين لمواليهن ، فيكتسبن لهم بضرائب كانت عليهن ، فأبطل صلى الله عليه
(١) رواه أحمد فى المسند ٣٤١٦.

- ١٧٣ -
فى إسناده رجل مجهول .
٢١٧١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم
فَضَى أَنَّ كل مُسْتَلْحَق استُلحِقِ بعد أبيه الذى يُدعَى له ادعاه ورثته ، فقضى أن كل
من كان من أمةٍ يملكها يومَ أصابها ، فقد لحق بمن استلحقه ، وليس له مما قسم قبله من
وسلم المساعدة فى الإسلام، ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان منها فى الجاهلية ، وألحق
النسب به ، ويقال: هذا ولد رِشدة ورَشدة ، لغتان .
٢١٧١ - قال الشيخ : هذه أحكام وقعت فى أول زمان الشريعة ، وكان حدوثها مابين الجاهلية
وبين قيام الإسلام ، وفى ظاهر هذا الكلام تعقد وإشكال، وتحرير ذلك وبيانه : أن
أهل الجاهلية كانت لهم إماء تساعين ، وهن البغايا اللواتى ذكرهن اللهتعالى فى قوله (٣٣:٢٤
ولا تُكْرهوا فتياتكم على البغاء) إذ كان ساداتهن يلمون بهن، ولا يجتنبوهن، فإذا جاءت
الواحدة منهن بولد ، وكان سيدها يطؤها ، وقد وطئها غيره بالزنا ، فربما ادعاه الزانى
وادعاه السيد ، فحكم صلى الله عليه وسلم بالولد لسيدها ، لأن الأمة فراش له كالحرة ،
ونفاه عن الزاني . فإِن دُعى للزانى مدة ، وبقى على ذلك إلى أن مات السيد ، ولم يكن ادعاه
٢١٧١ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم : قال بعضهم : هذه أحكام وقعت فى أول زمن الشريعة
- إلى أن قال - ثم ذكر الاستلحاق - قال الشيخ شمس الدين : وليس كما قال ، فإن هذا
القضاء إنما وقع بالمدينة المنورة بعد قيام الإسلام ومصيرها دار هجرة . وقد جعله النی صلى الله
عليه وسلم على صور :
الصورة الأولى: أن يكون الولد من أمته التى فى ملكه وقت الإصابة ، فإذا استلحقه لحق به
من حين استلحقه ، وما قسم من ميراثه قبل استلحاقه لم ينقض ، ويورث من المستلحق ، وما
كان بعد استلحاقه من ميراث لم يقسم ورث منه نصيبه ، فإنه إنما تثبت بنوته من حين استلحقه ،
فلا تنعطف على ما تقدم من قسمة المواريث ، وإن أنكره لم يلحق به ، وسماه أباه على كونه يدعى
له ويقال إنه منه، لا أنه أبوه فى حكم الشرع، إذ لو كان أباه حكما لم يقبل إنكارهله ولحق به .
الصورة الثانية : أن يكون الولد من أمة لم تكن فى ملكه وقت الإصابة ، فهذا ولد زنا ،
لا يلحق به ولا يرثه، بل نسبه منقطع منه. وكذلك إذا كان من حرة قد زنى بها ، فالولد غير

- ١٧٤ -
الميراث، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه ، ولا يلحق إذا كان أبوه الذى يُدعَى له
أنكره، وإن كان من أمَة لم يملكها، أو من حُرَّة عاهَر بها ، فإنه لا يُلحق به ولا يرث،
وإن كان الذى يُدعَى له هو ادّعاه، فهو ولد زِنْيَةٍ، من حُرَّة كان أو أمة)).
فى حياته ولا أنكره، ثم ادعاه ورثته بعد موته واستلحقوه فإنه يلحق به ، ولا يرث أباه،
ولا يشارك إخوته الذين استلحقوه فى ميراثهم من أبيهم، إذا كانت القسمة قد مضت قبل
أن يستلحقه الورثة . وجعل حكم ذلك حكم مامضى فى الجاهلية ، فعفا عنه، ولم يردَّ إلى حكم
الإسلام . فإن أدرك ميراثاً لم يكن قد قسم إلى أن ثبت نسبه باستلحاق الورثة إياه ، كان
شريكهم فيه ، أسوة من يساويه فى النسب منهم ، فإن مات من إخوته بعد ذلك أحد ،
ولم يخلف من يحجبه عن الميراث، ورثه. فإن كان سيد الأمة أنكر الحمل وكان لم يَدَّعه ،
فإنه لا يلحق به ، وليس لورثته أن يستلحقوه بعد موته . وهذا شبيه بقصة عبدٍ بن زَمْعَة
وسعد بن مالك ودعواهما فى ابن أمّة زمعة ، فقال سعد : ابنُ أخي عهد إلىَّ فيه اخى ، وقال
عبدبن زمعة: أخى، وُلد على فراش أبى، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش،
فصار ابناً لزمعة . وسنذكر هذا الحديث فى موضعه من هذا الكتاب ، ونورده هناك شرحاً
و بياناً ، إن شاء الله تعالى .
لاحق به ، ولا يرث منه ، وإن كان هذا الزاني الذى يدعى الولد له ، يعنى أنه منه ، قد ادعاه لم
تفد دعواه شيئاً ، بل الولد ولد زنا، وهو لأهل أمه ، إن كانت أمة فمملوكة لمالكها، وإن.
كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها ، دون هذا الزانى الذى هو منه .
وقوله فى أول الحديث (( استلحق بعد أبيه الذى يدعى له)) ادعاه ورثة الأب ههنا ، هو
الزانى الذى منه الولد ، وسماه أباً تسمية مقيدة بكون الولد منه ، ولهذا قل (الذی يدعى له)) ،
يعنى يقال: إنه منه ويدعى له فى الجاهلية أنه أبوه، فإذا ادعاه ورثة هذا الزانى فالحكم ماذكر.
ونظير هذا القضاء : قصة سعد بن أبى وقاص ، وعبد بن زمعة فى ابن أمة زمعة ، فان ورثة عتبة.
وهو سعد، ادعى الولد أنه من أخيه ، وادعى عبد أنه أخوه ، ولد على فراش أبيه، فألحقه.
النبى صلى الله عليه وسلم بمالك الأمة، دون عتبة. وهو تفسير قوله ((وإن كان من أمة لم يملكها
أو من حرة عاهربها فإنه لا يلحق به ولا يرث)» وسيأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى.

- ١٧٥ -
٢١٧٢ - وفى رواية: ((وهو ولد زنا لأهل أمِّه من كانوا، حرةً أو أمة، وذلك فيما
استُلحق فى أول الإسلام ، فما اقتُسم من مال قبل الإِسلام فقد مضى)) .
وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب . وروى عن عمرو هذا الحديث محمد بن راشد
المكحولى، وفيه مقال (١).
باب فى القافة [٢: ٢٤٧ ]
٢٢٧٣ - عن عائشة قالت: (( دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال مسدد ، وابن.
٢١٧٣ - قال الشيخ: فيه دليل على ثبوت أمر القافة، وصحةٌ لقولهم فى إلحاق الولد. وذلك أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُظهر السرور إلا بما هو حق عنده، وكان الناس قد ارتابوا
بأمر زيد بن حارثة وابنه أسامة ، وكان زيد أبيض، وجاء أسامة أسود ، فلما رأى الناس فى
ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعُه، فلما سمع هذا القول
من ◌ُجَزِّز فرح به وسُرِّىَ عنه .
وممن أثبت الحكم بالقافة: عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء ومالك والأوزاعى والشافعى
وأحمد وعامة أهل الحديث .
وقد يتمسك به من يقول : الأمة لا تكون فراشاً ، وإنما يلحق الولد للسيد بالدعوى ،
لا بالفراش ، كقول أبى حنيفة، لقوله « من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن
استلحقه» فإنما جعله لاحقاً به بالاستلحاق، لا بالإصابة، ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا
وأصرح، فى كون الأمة تصير فراشاً ، كما تكون الحرة ، يلحق الولد بسيدها بحكم الفراش ، كما
يلحق بالخرة ، كما سيأتي. وليس فى حديث عمرو بن شعيب أنه لا يلحق ولده من أمته إلا
بالاستلحاق ، وإنما فيه أنه عند تنازع سيدها والزانى فى ولدها ، يلحق بسيدها الذى استلحقه
دون الزانى ، وهذا مما لا نزاع فيه ، فالحديثان متفقان. والله أعلم.
(١) محمد بن راشد المكحولى: ثقة، ومن تكلم فيه تكلم من أجل رأيه. والبخارى ترجمه فى
الكبير ج ١ ق ١ ص ٨١ ولم يذكر فيه جرحاً. وعمرو بن شعيب صحيح الحديث . فهذا الاسناد
أحمد محمد شاكر
صحيح .

- ١٧٦ -
السرح: يوماً مسرورًا، وقال عثمان: تُعْرَفُ أسارير وجهه - فقال: أىْ عَائشةُ، ألم
تَرَىْ أَن ◌ُجَزِّزًا المُدْلِى رأى زيداً وأسامة قد غَطَّيا رؤوسهما بقطيفة، وبدت أقدامهما،
فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ؟)).
٢١٧٤ - وفى رواية: ((تَبْرُقُ أساريرُ وَجْهه)):
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
قال أبو داود : كان أسامة أسود، وكان زيد أبيض .
باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا فى الولد [٢: ٢٤٨ ]
٢١٧٥ - عن عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: ((كنت جالساً عند النبى صلى الله
عليه وسلم، فجاء رجل من أهل اليمن ، فقال: إنّ ثلاثةَ نَفَرَ من أهل اليمن أنَوْا عليًّا
يختصمون إليه فى ولد ، وقد وقعوا على امرأة فى طُهْرٍ واحد، فقال لاثنين : طيبا بالولد لهذا،
فعليا (١) ، ثم قال لاثنين : طيبا بالولد لهذا ، فعليا، ثم قال لاثنين : طيبا بالولد لهذا ، فعليا ،
وقال أهل الرأى فى الولد المشكل يدعيه اثنان : يقضى به لهما . وأبطلوا الحكم
بالقافة .
واختلفت أقاويلهم فى ذلك . فقال أبو حنيفة : يلحق الولد برجلين ، وكذلك
· بامرأتين . وقال أبو يوسف : يلحق برجلين ، ولا يلحق بامرأتين.
وقال محمد: يلحق بالآ باء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بأم واحدة.
واختلف القائلون بالقافة إذا قالت إن الولد منهما جميعاً .
قال الشافعى: إذا كان الولد كبيراً قيل له: انتسب إلى أيهما شئت. وقال أبو ثور:
يلحق بهما ، يرثهما ويرثانه ، وقاله عمر .
وقوله (( تعرف أسارير وجهه)) قال أبو عبيد: الأسارير الخطوط فى الوجه والجبهة .
٢١٧٥ - قال الشيخ : فيه دليل على أن الولد لا يلحق بأكثر من أب واحد .
(١) بالتحتانية، من غلا القدر غلياناً، أى صاحا. وفى بعض النسخ ((غلبا)) بالباء الموحدة.

- ١٧٧ -
فقال: أنم شركاء متشا كسون، إِنِّى مُفْرِعٌ بينكم، فمن قَرَع فله الولد (١) ، وعليه
لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم ، فجعله لمن فرع، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى بدت أضراسه ، أو نواجذه )).
وأخرجه النسائى . وفى إسناده الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله الكندى ، ولا
يحتج بحديثه (٢).
٢١٧٦ - وعن عبدٍ خيرٍ عن زيد بن أرقم قال: (( أُتِىَ على رضى الله عنه بثلاثة ، وهو
باليمن ، وقعوا على امرأة فى طُهر واحد ، فسأل اثنين: أتُقِرَّان لهذا؟ قالا: لا ، حتى سألهم
وفيه إثبات القرعة فى أمر الولد ، وإحقاق القارع. وللقرعة مواضع غير هذا : فى العتق،
وتساوى البينتين فى الشىء يتداعاه اثنان فصاعداً، وفى الخروج بالنساء فى الأسفار ، وفى
قسم المواريث وإفراز الحصص بها. وقد قال بجميع وجوهها نفر من العلماء . ومنهم من قال
بها فى بعض هذه المواضع ، ولم يقل بها فى بعض .
وممن ذهب إلى ظاهره إسحق بن راهويه ، وقال : هو السنة فى دعوى الولد ، وقال
به الشافعى قديماً . وقيل لأحمد فى حديث زيد هذا؟ فقال : حديث القافة أحب إلىّ، وقد
تكلم بعضهم فى إسناده .
٢١٧٦ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم: وقال أبو محمدبن حزم: هذا الحديث إسناده صحيح،.
كلهم ثقات ، قال : فإن قيل : إنه خبر قد اضطرب فيه ، فأرسله شعبة عن سلمة بن كهيل عن
الشعبى عن مجهول ، ورواه أبو إسحق الشيبانى عن رجل من حضر موت عن زيد بن أرقم ؟
قلنا : قد وصله سفيان ، وليس هو بدون شعبة ، عن صالح بن حى، وهو ثقة ، عن عبد
خير ، وهو ثقة ، عن زيد بن أرقم . هذا آخر كلامه .
(١) فرع ، بالبناء للفاعل : أى كانت له القرعة ، يقال : فارعه فقرعه ، أى أصابته القرعة دونه .
(٢. هكذا جزم المنذرى فى شأن الأجلح، وهو تسرع أو تهجم، فالأجلح الكندى ثقة، وتكلموا
فى حفظه، وترجمه البخارى فى الكبير ج ١ ق ٢ ص ٦٨ فلم يذكر فيه جرحاً، ثم هو لم ينفرد برواية
أحمد محمد شاكر
هذا الحديث ، فإنه سيأتى عقبه من وجه آخر ، فكل منها يقوى الآخر .
م ١٢ - مختصر ال ..

- ١٧٨ -
جميعاً ، فجعل كما سأل اثنين قالا : لا ، فأقرع بينهم ، فألحق الولد بالذى صارت عليه.
القُرعة ، وجعل عليه ثلثي الدية ، قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فضحك
حتى بدت نواجده )) .
وأخرجه النسائى وابن ماجة. ورواه بعضهم مرسلاً. وقال النسائي : هذا صواب .
وقال الخطابي: وقد تكلم بعضهم فى إسناد حديث زيد بن أرقم . هذا آخر كلامه . ويشبه
أن يكون المراد بذلك الحديث المتقدم ، فأما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات، غير
أن الصواب فيه: الإرسال. والله عز وجل أعلم (١).
وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين :
أحدهما : إلحاق المتنازع فيه بالقرعة ، وهو مذهب إسحق بن راهويه ، قال : هو السنة فى
دعوى الولد ، وكان الشافعى يقول به فى القديم . وذهب أحمد ومالك إلى تقديم حديث القافة
عليه، فقيل لأحمد فى حديث زيد هذا ؟ فقال : حديث القافة أحب إلى . ولم يقل أبو حنيفة
بواحد من الحديثين ، لا بالقرعة ولا بالقافة .
الأمر الثانى : جعله ثلثى الدية على من وقعت له القرعة ، وهذا مما أشكل على الناس ، ولم
يعرف له وجه . وسألت عنه شيخنا ؟ فقال : له وجه، ولم يزد .
ولكن قد رواه الحميدى فى مسنده بلفظ آخر، يدفع الإشكال جملة، قال: «وأغرمه ثلثى
قيمة الجارية لصاحبيه))، وهذا لأن الولد لما لحق به صارت أم ولد، وله فيها ثلثها ، فغرمه قيمة
ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد ، فلعل هذا هو المحفوظ ، وذكر ثلثى دية الولد
وهم، أو يكون عبر عن قيمة الجارية بالدية ، لأنها هى التى يودى بها، فلايكون بينهما تناقض .
والله أعلم (٢) .
(١) إسناد هذا الحديث صحيح رجاله ثقات، وإدعاء أن المرسل أرجح ، دعوى لا دليل عليها.
والرفع زيادة ثقة . بل إن المنذرى لم يذكر إسناد المرسل ، حتى نرى أى الإسنادين أرجح . ثم إن الحديث
أحمد محمد شاكر
من هذا الطريق يؤيد الطريق الذى قبله ، وكفى بكل منهما متابعة للآخر .
(٢) هذا تكلف، ورواية الحميدى، التى أشار إليها ابن القيم، لم نر إسنادها . ولا معنى لرد الحديث
الصحيح بتكلف معنى من رواية تنافيه . والظاهر أن الوجه فيه : أن إلزام من خرجت له قرعة الولد بثلثى
الدية، لأن الولد لم يثبت نسبه من واحد منهم بدليل صحيح أو راجح ، والقرعة فى ذاتها ليست دليلاً على
صحة النسب ، وإنما هى نقطع النزاع فى خصومة لا يملك أحد الخصمين فيها دليلاً . فعلى من استفاد بالقرعة
لحوق الولد به أن يعوض الآخرين ماخسرا، وأقرب تعويض أن يقدر بالدية الكاملة ، فعليه ثلثاها لزميليه .
وأظن أن هذا تعليل جيد أو قريب من الجيد . وأيا ما كان فعلينا أن نقبل الحكم الثابت بالسنة الصحيحة ،
أحمد محمد شاكر
وإن عجزنا عن فهم الوجه الذى يوجه به .
-- -

- ١٧٩ -
باب فى وجوه النكاح التى كان يتنا كح بها أهل الجاهلية [٢: ٢٤٩]
٢١٧٧ - عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن النكاح كان فى الجاهلية على أربعة
أنحاء : فنكاحٌ منها نكاحُ الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وَلِيَّتَهُ ، فُيُصدقها، ثم
ينكحها . ونكاحٌ آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من طَهْتها: أرسلى
إلى فلان فاستَبْضِعِى منه ، ويعتزلها زوجها ، ولا يمسُّها أبداً، حتى يتبيَّن حملها من ذلك
الرجل الذى تَسْتَبْضِع منه ، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحبَّ، وإنما يفعل ذلك
رغبةً فى تَجابة الولد، فكان هذا النكاح يُسَّى نكاحَ الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع
الرَّهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة كلّهُمْ يصيبها ، فإذا حملت ووضعت ومَرَّ ليال
بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع ، حتى يجتمعوا عندها،
فتقول لهم : قد عرفتم الذى كان من أمركم ، وقد وَلدتُ، وهو ابنك يا فلان، فتسِى من
أحبَّت منهم باسمه ، فيلحق به ولدها . ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على
المرأة ، لا تمتنع ممن جاءها، وهنَّ البغايا، كنَّ يَنْصِبن على أبوابهن رايات، يكنَّ عَلَماً لمن
أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت ووضعت حملها ، جمعوا لها، ودَعَوًا لهم القافَة ، ثم ألحقوا .
ولدها بالذى يَرَوْن، فالْتَاطَهُ ، ودُعى ابنَه ، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمداً صلى الله
عليه وسلم هدَم نكاح أهل الجاهلية كله، إلا نكاح أهل الإسلام اليوم)).
وأخرجه البخارى .
باب الولد للفراش [٢: ٢٤٩ ]
٢١٧٨ - عن عائشة قالت: ((اختصر سعد بن أبى وقاص وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ إلى رسول الله.
٢١٧٧ - قال الشيخ: الطمث دم الحيض . وقولها ((التاطه)) معناه: استلحقه، وأصل اللوط:
الإلصاق .
٢١٧٨ - قال الشيخ : قد ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا يقتنون الولائد، ويضربون عليهن
٢١٧٨ - قال ابن القيم : وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس ، من حيث إن النبى

- ١٨٠ -
صلى الله عليه وسلم فى ابن أمَةِ زمعة ، فقال سعد: أوصانى أخى عُتبة إذا قدمتُ مكة أن
أنظر إلى ابن أمةِ زمعة فأقبضه، فإنه ابنه ، وقال عبدُ بن زمعة: أخى، ابنُ أمة أبى، وُلدَ
الضرائب، فيكتبن بالفجور ، وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد ،
كهو فى النكاح، وكانت زمعةُ أمةً كان يُلَمُّ بها، وكانتله عليها ضريبة ، فظهر بها حمل كان
يظن أنه من عتبة بن أبى وقاص ، وهلك عتبة كافراً لم يسلم، فعهد إلى سعد أخيه أن يستلحق
الحمل الذى بان فى زمعة ، وكان لزمعة ابن يقال له : عبد، فخاصم سعدٌ عبدَ بن زمعة فى الغلام
الذى ولدته الأمة ، فقال سعد: هو ابن أخى، على ما كان عليه الأمر فى الجاهلية ، وقال عبد
بن زمعة : بل هو أخى ، ولد على فراش أبى ، على ما استقر حكم الإسلام ، فقضى به
رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد بن زمعة ، وأبطل دعوى الجاهلية .
قال الشيخ : فيه إثبات الدعوى فى الولد ، كهى فى الأملاك والأموال، وأن الأمة
فراش كالحرة ، وأن للورثة أن يقروا بوارث لم يكن ، وأنهم إذا اجتمعوا على ذلك ثبت
نسبه ، ولحق بأبيهم .
سم
صلى الله عليه وسلم أمر سودة بالاحتجاب منه، وقد ألحقه بزمعة، فهو أخوها، ولهذا قال ((الولد
للفراش)»، قالوا: فكيف يكون أخاها فى الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه ؟ فقال بعضهم : هذا على
سبيل الورع لأجل الشبه الذى رآه بعينه، وقال بعضهم: إنما جعله عبداً لزمعة ، قال : والرواية
((هو لك عبد)» فإنما جعله عبداً لعبد بن زمعة ، لكونه رأى شبهه بعتبة ، فيكون منه غير لاحق
. بواحد منهما ، فيكون عبداً لعبد بن زمعة ، إذ هو ولد زنا من جارية زمعة . وهذا تصحيف
منه، وغلط فى الرواية والمعنى، فإن الرواية الصحيحة ((هو لك ياعبد بن زمعة)) ولو صحت
رواية (( هو لك عبد)) فإنما هى على إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى (١٢: ٢٩ يوسف،
أعرض عن هذا) ولا يتصور أن يجعله عبداً له، وقد أخبره أنه ولد على فراش أبيه، ويحكم النبى
صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش . وهذه الزيادة التى ذكرها أبو داود، وهى قوله «هو
أخوك ياعبد)» ترفع الإشكال، ورجال إسنادها ثقات. ولو لم تأت فالحديث إنما يدل على إلحاقه
. يعبد أخاً له .
وأما أمره سودة، وهى أخته ، بالاحتجاب منه، فهذا يدل على أصل ، وهو تبعيض أحكام