Indexed OCR Text
Pages 421-440
- ٤٢١ - معقل : قد علمتَ أن علىَّ حجة ، فانطلقا يمشيان ، حتى دخلا عليه ، فقالت : يارسول الله،. إنَّ علىَّ حجة ، وإن لأبى معقل بَكْرًا، قال أبو معقل: صدَقَتْ، جَعَلْتُهُ فى سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَعْطِهَا، فَلْتَحُجُّ عليه، فإنه فى سبيل الله ، فأعطاها البَكْرَ ، فقالت: يارسول الله، إنى امرأة قد كَبِرتُ وسقمت ، فهل من عمل يُجزىء عنى من حجتى ؟ قال : عمرة فى رمضان تَجْزِى حجة )» . وأخرجه النسائى. وأخرجه الترمذى وابن ماجة مختصراً ((عمرة فى رمضان تعدل حجة)» وقال الترمذى: وحديث أم معقل حسن غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه . وقد روى من حديث أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى معقل ، هو الأسدى . وحديث أم معقل فى إسناده رجل مجهول . وفى إسناده أيضاً إبرهيم بن مهاجر بن جابر المجلى الكوفى ، وقد تكلم فيه غير واحد . وقد اختلف على أبى بكر بن عبد الرحمن فيه، فروى عنه كما ههنا ، وروى عنه عن أم معقل بغير واسطة ، وروى عنه عن أبى معقل ، كما ذكرناه. وقد أخرج البخاري ومسلم فى صحيحيهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلٍ لامرأة من الأنصار - سماها ابن عباس فنسيت اسمها -: (( ما منعك أن تحجى معنا؟ قالت : لم يكن لنا إلا ناضحان ، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح ، وترك لنا ناضحاً تنضح عليه . قال: فإذا جاء رمضان فاعتمرى، فإن عمرة فيه تعدل حجة))، ولفظ البخارى: ((فإن عمرة فى رمضان حجة))، أو نحواً مما قال. وسماها فى رواية لمسلم ((أم سِغان)). وفيه قال: ((فعمرة فى رمضان نقضى حجة ، أو حجة معى)) . ١٩٠٦ - وعن يوسف بن عبد الله بن سلامٍ عن جدته أمٍ معقل قالت: ((لما حَجَّ رسول الله - ١٩٠٥ قلت: فيه من الفقه جواز إحباس الحيوان . وفيه أنه جعل الحج من السبيل ، وقد اختلف الناس فى ذلك ، وكان ابن عباس لايرى بأساً أن يعطى الرجل من زكاته فى الحج، وروى مثل ذلك عن ابن عمر ، وكان أحمد وإسحق يقولان: يعطى من ذلك فى الحج، وقال سفيان وأصحاب الرأى والشافعى: لاتصرف الزكاة إلى الحج، وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون. -- ٤٢٢ -- صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوداع ، وكان لنا جمل، نجدله أبو معقل فى سبيل الله، وأصابتا مرض، وهلك أبو معقل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من حتجّه جئته ، فقال : يا أُمَّ معقل، مامنعك أن تخرجى معنا ؟ قالت: لقد تهيأنا، فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذى نحج عليه، فأوصى به أبو معقل فى سبيل الله، قال: فَهَلاَّ خَرَجْتِ عليه؟ فإن الحج فى سبيل الله، فأما إذا فاتتك هذه الحجة معنا ، فاعتمرى فى رمضان ، فإنها كتجة ، فكانت تقول: الحج حج، والعمرَةُ عمرة، وقد قال هذا لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أدرى ألِيَ خاصة؟)). فى إسناده محمد بن إسحق. وقال النمرى: أم طُليق لها صحبة، حديثها مرفوع: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة)»، فيها نظر. وقال أيضاً: أم معقل الأنصارية هى أم طليق ، لها کتیتان . ١٩٠٧٠ - وعن بكر بن عبد الله عن ابن عباس قال: ((أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقالت امرأة لزوجها: أحجَّتِى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندى ما أُحِجُّك عليه، قالت: أحِجَّتِى على ◌َملك فلان، قال: ذاكِ حَبِيس فى سبيل الله عز وجل ، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتى تقرأ عليك السلام ورحمة الله ، وإنها سألتنى الحج معك، قالت: أحجنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما عندىُ ما أُعِجُّك عليه، فقالت : أحجنى على جملك فلان ، فقلت : ذاك حبيس فى سبيل الله؟ قال : أما إنك لو أحْجَجْتها عليه كان فى سبيل الله، قال: وإنها أمرنى أن أسألك ما يعدل حجة معك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقْرِئها السلام ورحمة الله وبركاته، وأمحبوها أنها تعدل حجة ، يعنى عمرة فى رمضان)). وقد أخرج النسائى نحوه مختصراً من رواية أبى معقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ذكر العمرة فى رمضان. وأخرجه ابن ماجة مختصراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: («همرة فى رمضان تعدل حجة))، وقد تقدم الكلام عليه . قال بعضهم: ميه جواز تحييس الحيوان، وفيه أنه يجعل الحج من السبيل. وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فقال الثورى والشافعى وأصحاب الرأى: لاتصرف الزكاة إلى الحج، وسهم السبيل عندهم النزاة ، وكان - ٤٢٣ - أحمد بن حنبل وإسحق يقولان: يعطى من ذلك فى الجيع. ١٩٠٨ - وعن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين، عمرة فى ذى القعدة) وعمرة فى شوال )) . ١٩٠٨٠ - قال ابن القيم رحمه الله: لم يتكلم المنذرى على هذا الحديث، وهو وهم ، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر فى شوال قط، فإنه لاريب أنه اعتمر عمرة الحديبية، وكانت فى ذى القعدة، ثم اعتمر من العام القابل عمرة القضية ، وكانت في ذي القعدة ، ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم ، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف، ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة ، وكانت فى ذى القعدة ، ثم اعتمر مع حجته عمرة قرنها بها، وكان ابتداؤها فى ذى القعدة ، وسيأتى حديث أنس بعد هذا فى أن عمره صلى الله عليه وسلم كلها كانت فى ذى القعدة . وقد روى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا ثلاثاً، إحداهن فى شوال ، واثنتين في ذى القعدة». وهذا مرسل عند جميع رواة الموطأ . قال ابن عبد البر: وقد روي مسنداً عن عائشة ،وليس رواته مسنداً ممن يذكر مع مالك -في صحة النقل . وقال ابن شهاب: (( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، اعتمر عام الحديية، فصده الذين كفروا فى ذى القعدة سنة ست ، واعتمر من العام المقبل فى ذى القعدة سنة سبع، آمناً هو وأصحابه، ثم اعتمر العمرة الثالثة فى ذى القعدة سنة ثمان ، حين أقبل من الطائف من الجعرانة)). وروى معمر عن الزهرى: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعاً)، فذكر مثل هذا، وكذلك فى حديث عبد الله بن عمرو وغيره ، وكذلك ذكر موسى بن عقبة ، وزاد: («ومنهن واحدة مع حجته))، وكذلك قال جابر: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، كلهن في ذى القعدة، إحداهن زمن الحديبية ، والأخرى في صلح قريش ، والأخرى فى برجعته من الطائف ومن حنين - من الجعرانة) وهذا لا يتاقض ماروي الثورى عن جعفر عن أبيه عن جابر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجيج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ملهاجر، معها عمرة))، فإن جابراً أراد عمرته المفردة التى أنشأ لها سفراً لأجل العمرة، ولا يناقض هذا أيضا حديث ابن عمر «أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين» كما سيأتى بعد هذا : فإن كان هذا محفوظا عن عائشة ((أنه اعتمر فى شوال، فلعله عرض لها فى ذلك ماعرض لابن - ٤٢٤ - ١٩٠٩ - وعن مجاهد قال: ((سُئِلَ ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: مرتين ، فقالت: عائشة: لقد على ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثاً، سوى التى قربها بحجة الوداع)». وأخرجه النسائى . وأخرجه ابن ماجة مختصراً بنحوه . ١٩١٠ - وعن ابن عباس قال: ((اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعَ عُمَرٍ، عمرةً الحديبية لم والثانية حين تواطؤُوا على عمرةٍ قابل، والثالثة من الجعِرَّانة، والرابعة التى قرن مع حجته )) . وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وقال الترمذى: غريب ، وذكر أنه روى مرسلاً. ١٩١١ - وعن أنس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عُمَرٍ، كلهن فى ذى القَعدة ، إلاَّ التى مع حجته - قال أبو داود: أنقنت من ههنا من هدبة، وسمعته من أبى الوليد(١) ولم أضبطه ـ زمن الحديبية، أو من الحديبية، [وعمرة القضاء] فى ذى القعدة، وعمرة الجوِرَانة، حيث قسم غنائم حُفْنٍ فى ذى القعدة، وعمرة مع حجته)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذي . عمر من قوله (( إنه اعتمر في رجب »، وان لم يكن محفوظاً عن عائشة كان الوهم من عروة أو من هشام . والله أعلم، إلا أن يحمل على أنه ابتدأ إحرامها في شوال، وفعلها فى ذى القعدة، فتفق الأحاديث كلها . والله أعلم. ١٩٠٠ - قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن حزم : صدقت عائشة ، وصدق ابن عمر ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر منذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة مفردة، إلا اثنتين، كما قال ابن عمر، وهما عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة عام حنين، وعدت عائشة وأنس إلى هاتين. العمرتين عمرة الحديبية التى صد عنها، والعمرة التى قرنها بحجته ، فتألفت أقوالهم ، وانتفى التعارض عنها . ثم قال الشيخ ابن القيم رحمه الله بعد قول المنذري: وذكر بعضهم: أن رسول الله صلى. اللّه عليه وسلم خرج معتمراً فى رمضان - إلى أن قال المنذري: وكان ابتداء خروجهم لها فى رمضان -: وهذا لا يصح، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج فى رمضان إلى مكة إلا فى غزاة الفتح ، ولم يعتمر فيها . (١) حدبة بن خالد، وأبو الوليد الطيالسى: شيخا أبى داود. - ٤٢٥ - باب المُهلَّة بالعمرة تحيض فيدركها الحج، فتنقض عمرتها، وتهل بالحج هل تقضى عمرتها؟ [٢: ١٥٤] ١٩١٢ - عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر عن أبيها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن: يا عبد الرحمن، أَرْدِفْ أُختَكَ عائشة، فأعْمِرْها من التنعيم ، فإذا هَبَظْتَ بها من الأكّة فَلْتُحْرِمْ ، فإنها عْرَةٌ مُتَقَبَّلة». قال أبو بكر أحمد بن عمرو البزار: ولا نعلم روت حفصة عن أبيها إلا هذا الحديث . هذا آخر كلامه . وقد أخرج البخارى والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن. أوس عن عبد الرحمن بن أبى بكر: (( أن النبي صلي الله عليه وسلم ، أمره أن يعر عائشة. من التنعيم )) ١٩١٣ - وعن مُحَرِّش الكعبى قال: ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم الجمِرَّانة، فجاء إلى المسجد، فركع ما شاء الله، ثم أحرم ، ثم استوى على راحلته، فاستقبل بَطنَ سَرِفَ ، حتى لقى طريق المدينة ، فأصبح بمكة كبائتٍ )) . وأخرجه الترمذى والنسائى أتم منه. وقال الترمذى : حسن غريب ، ولا نعرف لمخرّش الكعبى عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث . وقال أبو عمر النمرى : روى عنه حديث واحد ، وذكر هذا الحديث . باب المقام فى العمرة [١٥٥:٢] ١٩١٤ - عن مجاهد عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام فى عُمْرَةٍ القضاء ثلاثاً ». وذكر البخارى نحوه تعليقاً . وأخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما فى الحديث الطويل من حديث أبى إسحق السَّبيعى عن البراء بن عازب: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة فى عمرة القضاء ثلاثاً )) . - ٤٢٦ - باب الإفاضة فى الحج [٢: ١٥٦ ] ١٩١٥ - عن ابن عمر: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أفاضَ يوم النحر، ثم صلى الظهر بمنی ، یمنی راجعاً )». وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بنحوه، ولفظ البخارى مختصر . ١٩١٥- قال ابن القيم: هكذا قال ابن عمر، وقال جابر فى حديثه الطويل: «ثم أفاض إلى البيت. فصلى بمكة الظهر))، رواه مسلم. وقالت عائشة: ((أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها)) الحديث ، وسيأتى. فاختلف الناس فى ذلك، فرجحت طائفة، منهم ابن حزم وغيره ، حديث جابر، وأنه على الظهر بمكة . قالوا : وقد وافقته عائشة، واختصاصها به وقربها منه ، واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به ، أمر لا يرتاب فيه . قالوا: ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة وحلق رأسه، وخطب الناس ، ونحر مائة بدنة هو وعلى ، وانتظر حتى سلخت ، وأخذ من كل بدنة بضعة ، فطبخت ، وأكلا من لمها . قال ابن حزم: وكانت حجته فى آذار ، ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ، ثم يرجع إلى منى ، ووقت الظهر باق . وقالت طائفة ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره : الذى يرجح أنه إنما صلى الظهر منی ، اوجوه : ٠ أحدها : أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه فى إمامة الناس بمنى إماما يصلى بهم الظهر ، ولم ينقل ذلك أحد . ومحال أن يصلى بالمسلمين الظهر بمنى نائب له، ولا ينقله أحد. فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف، لما صلى بهم الفجر فى السفر، ونيابة الصديق لما خرح صلى الله عليه وسلم يصلح بين بنى عمرو بن عوف، ونيابته فى مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة، لأن إمامهم الراتب، الذى كان مستمراً على الصلاة قبل ذلك وبعده ، هو الذى کان یسلی بهم . الثانى: أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين، فكان يتعين عليهم الإنملم ، ولم يقل لهم النبى صلى الله عليه وسلم (( أنموا صلاتكم فإنا قوم سفر ؟ كما قاله فى غزاة الفتح. الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتى الطواف، ولا سما والناس يصلونهما معه، ١ -٤٢٧- ١٩١٦ - وعن أم سلمة قالت: « كانت ليلتى التي يصير إلىّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسأٍ مساء يوم النحر، فصار إلىَّ، فدخل علىَّ وَهْب بنُ زَمْعَة ، ومعه رجل من آل أبى أُمية مُتَقَتِصَيْنِ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب: هل أفَضْتَ أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال. أنْزِ ع عنك القميصَ، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائى الظهر . وأما صلاته بمنى والناس خلفه ، فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلاً ، لا سيما وهو صلى الله عليه وسلم كان إمام الحاج الذى لا يصلى لهم سواء ، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفراداً، ولا يقيم لهم من يصلى بهم؟ هذا فى غاية البعد . وأما حديث عائشة فقد فهم منه جماعة - منهم المحب الطبرى وغيره - أنه صلى الظهر بمنى، ثم أفاض إلى البيت بعد ماصلى الظهر، لأنها قالت: (( أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى )». قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل ، كما قال جابر، ثم رجع إلى منى فرأى قوماً لم يصلوا فصلى بهم ثالثة ، كما قال ابن عمر ، وهذه حرفشة فى العلم ، وطريقة يسلكها القاصرون فيه ، وأما حول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك ، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان ، الذى هو عرضة البشر، ومن له إلمام بالسنة ومعرفة بحجته صلى الله عليه وسلم ، يقطع بأنه لم يصل الظهر فى ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات ، بل ولا مرتين، وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده، صلى الله عليه وسلم. وفهم منه آخرون - منهم ابن حزم وغيره - أنه أفاض حيثٌ صلاها بمكة . وفى نسخة من نسخ السنن (( أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع)) وهذه الرواية ظاهرة فى أنه صلاها بمكة، كما قال جابر، ورواية ((حين)) محتملة للأمرين والله أعلم. ١٩١٦ - قال ابن القيم : هذا الحديث يرويه ابن إسحق عن أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة ، يحدثانه عن أم سلمة ، وقال أبو عبيدة : وحدثنى أم قيس بنت محصن ، وكانت جارة لهم، قالت: (( خرج من عندى عكاشة بن محصن فى نفر من بنى أسد ، متقمصاً ، عشية يوم النحر ، ثم رجعوا إلى عشاء، وقمصهم على أيديهم يحملونها ، فقلت : أى عكاشة ، مالكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال : أخبرتنا أم قيس كان هذا يوماً رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما أحرمنا منه إلا ما كان من النساء ، حتى نطوف بالبيت ، فاذا أمسينا ولم نظف جعلنا قمصنا على أيدينا )) وهذا يدل على أن الحديث محفوظ ، فان أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه ، وعن أم قيس . - ٤٢٨ - قيصه من رأسه ، ثم قال: ولمَ يارسول الله؟ قال: إنَّ هذا يومٌ رُخْصَ لكم إذا أنْتُمْ رَمَيْثُم الجمرة أن تَحلوا، يعنى، من كل ما حرمتم منه إلا النساء ، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيتَ صِرْثُم حُرُماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة ، حتى تطوفوا به )). فى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . ٠ ١٩١٧ - وعن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أخَّرَ طوافَ يوم النحر إلى الليل )) (١) . وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى : حديث حسن. وقد تقدم الكلام على حديث عائشة هذا مستوَى . ١٩١٨ - وعن ابن عباس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يَرْمُل فى السُّبْعِ الذى أفاض فيه)). وأخرجه النسائي وابن ماجة . وقد استشكله الناس ، قال البيهقى: وهذا حكم لاأعلم أحداً من الفقهاء يقول به. ثم. كلامه . وقد روى أبو داود عن عقبة عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس: (( أن النى صلى الله عليه وسلم أخر طواف يوم النجر إلى الليل))، وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، وقال الترمذى: حديث حسن ، وأخرجه البخارى تعليقاً . وكأن رواية أبى داود له عقب حديث أم سلمة استدلال منه على أنه أولى من حديث أم سلمة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل قبل طوافه بالبيت ، ثم أخره إلى الليل . لكن هذا الحديث وهم ، فان المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهاراً بعد الزوال، كما قاله جابر وعبد الله بن عمر وعائشة، وهذا أمر لايرتاب فيه أهل العلم بالحديث، وقد تقدم قول عائشة ((أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الظهر)) من رواية أبى سلمة، والقاسم عنها. قال البيهقى : وحديث أبى سلمة عن عائشة أصح. وقال البخارى: فى سماع أبى الزبير من عائشة نظر ، وقد سمع من ابن عباس . ١٩١٧ - قال ابن القيم: ويمكن أن يحمل قولها ((أخر طواف يوم النحر إلى الليل)) على أنه أذن فى ذلك ، فنسب إليه ، وله نظائر . (١) رواه أحمد فى المسند ٢٦١١، ٢٦١٢. - ٤٢٩ - باب الوداع [ ٢٠: ١٥٧] ١٩١٩ - عن ابن عباس قال: ((كان الناسُ ينصرفون فى كل وَجْه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حتى يكونَ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ بابِيتِ ». . وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة . باب الحائض يخرج بعد الإفاضة [ ٢: ١٥٧ ] ١٩٢٠ - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر صَفِيَّةَ بنْتَ حُبٍَّ ، فقيل: إنها قد حاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعَلَّهَا حَابِسَتُنَا؟ فقالوا: يارسول الله، إنها قد أفاضت، فقال: فَلاَ ، إذن )). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث الزهرى عن عروة وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ، بمعناه . ١٩٢١ - وعن الحرث بن عبد الله بن أوس قال: (( أتيت عمر بن الخطاب، فسألته عن ١٩٢٠ - قلت: طواف الإفاضة هو الذى يدعى طواف الزيارة، وهو الواجب الذى لا يتم الحج إلا به . وفيه دليل على أن طواف الوداع ليس بواجب، وأوجبوا على من تركه دماً ، إلا الحائض ، فإنها إذا تركته لم يلزمها شىء. وفيه دليل: على أن الطواف لا يصح من الحائض ، وأنها لا تدخل المسجد ، ولا تقرب " البيت . ١٩٢١ - قوله: ((أربت)) دعاء عليه، كأنه يقول: سقطت آرابه ، وهى جمع إرب ، وهو العضو . قلت: وهذ على سبيل الاختيار فى الحائض، إذا كان فى الزمان نفَس ، وفى الوقت مهلة، فأما إذا أعجلها السير كان لها أن تنفر من غير وداع ، بدليل خبر صفية. وممن قال إنه لاوداع على الحائض: مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحق ، وهو قول أصحاب الرأى، وكذلك قال سفيان . - ٤٣٠٠ - المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ؟ ثم تحيض قال: لِيَكُنْ آخِرُ عهدها بالبيت ، قال : فقال الحرث: كذلك أفتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فقال عمر: أُرِبْتَ عن يَدَيْكَ (١)! سألْتَنِى عن شىء سألتَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكَيْمَا أَخَالِف!)). وأخرجه النسائى. والإسناد الذى أخرجه به أبو داود والنسائى حسن . وأخرجه الترمذى بإسناد ضعيف ، وقال : غريب . باب طواف الوداع [ ٢: ١٥٨] ١٩٢٢ - عن عائشة قالت: ((أحرَمْتُ من التّفْعِيمِ بُعُمْرَةٍ، فدخلت فَقَضَيْتُ عمرنى، وانتظربى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأ بْطَح حتى فَرَغْتُ وأمر الناس بالرحيل ، قالت: وأتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم البيت ، فطاف به ، ثم خرج )). ١٩٢٣ - وعنها قالت: «خرجتُ معه، تعنى مع النبى صلى الله عليه وسلم، فى النَّفْرِ الآخِر، فنزل الْمُحَصَّب - فى هذا الحديث - قالت: ثم جئته بسَحَرٍ، فأذّن فى أصحابه بالرحيل، فارتحل ، فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف مُتَوحِهاً إلى المدينة ». ١٩٢٤ - وعن عبد الرحمن بن طارق أخبره عن أمه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جازَ مكاناً من دار يَعْلَى - نسبه عبيد الله - يعنى ابنَ أبى يزيد - استقبل البيت فدعا» . وأخرجه النسائى. وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير فى ترجمة عبد الرحمن بن طارق بالإسناد الذى خرجاه به ، وقال: وقال بعضهم : عبد الرحمن عن عمه عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح . (١). أربت)) بكسر الراء المهملة - اختلف فى تفسيره فقيل: معناه: ذهب ما فى يديك حتى تحتاج ، حكاه الهدوى ، وضعفه غيره. وقيل: سقطت آرابك، أى أعضاؤك ، ثم أراد اليدين خاصة ، وقيل: معناه سقطت أنت من أجل مكروه يصيب يديك من قطم أو وجع. فامن)» .. ((عن بداً )) بمعنى باء السببية. وقيل: هو كناية عن الحجالة وقد جاء فيه « ربت. ، وأخرى « لاام ؟. « خررچ، من بين بدیك » وفي أخرى ( أنه رى «خررت من ينيك)» وفى أخرى «خرون يديك» وفى أخرى («أخرر من . من يدك)) ام من هامش المنذرى . - ٤٣١ - باب التحصيب [٢: ١٥٨ ] ١٩٢٥ - عن عائشة قالت: ((إنما نزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصَّبَ ليكون أَسْمَحَ لخروجه، وليس سُنَّةً، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ١٩٢٦ - وعن أبي رافع - وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: (( إ يأمرنى أن أنزله، ولكن ضَرَبْتُ قُبَّتَهُ، فنزله، قال مسدد: وكان على ثَقَلِ (١) النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال عثمان - وهو ابن أبى شيبة - يعنى فى الأبطح)). وأخرجه مسلم . ١٩٢٧ - وعن أسامة بن زيد قال: ((قلت يا رسول الله، أين تنزلُ غداً ؟ فى حجته ، قال: هل ترك لنا عَقيل (٢) منزلاً؟ ثم قال: نحن نازلون بَخَيْفِ بنى كِتانة، حيث فاسمَتْ قُرَيْشٌ (٣) على الكفر - يعنى المحصب - وذلك أن بنى كنانة حالفت قريشاً على بنى هاشم ، أن لا يُنا كحوهم ، ولا يُؤْوُوهم، ولا يبايعوهم)». قال الزهرى: والخّيْفُ: الوادى. وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة . ١٩٢٨ - وعن أبى هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، حين أراد أن يَنْفِرِ من منى -: نحن نازِلُونَ غَداً)) - فذكر نحوه، لم يذكر أوله، ولا ذكر: الخِيْف الوادى. ١٩٢٥ - قلت: التحصيب إذا نفر الرجل من منى إلى مكة للتوديع، أن يقيم بالشعب الذى يخرجه إلى الأبطح، حتى يهجع بها من الليل ساعة، ثم يدخل مكة، وكان هذا شيئاً يُفُعلِ ثم ترك. (١) (( ثقل)) بفتح الثاء المثلثة والقاف - أى: متاع المسافر وحشمه. (٢) هو عقيل بن أبى طالب . (٣) تحالفوا على إخراج النبى صلى الله عليه وسلم وبنى هاشم، وبنى المطلب، من مكة إلى خيفه بن كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، فيها كثير من أنواع الباطل والنى، فأرسل الله على مصحيفتهم الأرضة فأكلتها إلا المواضع التى فيها ذكر الله تعالى، ثم أخبر الله حوله بذلك، فأخبر به كما قال النى النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، فأخبر أبو طالب قريشا بذلك، خدام صلى الله عليه وسلم سقط فى أيديهم . - ٤٢٢ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى مطولاً . ١٩٢٩ - وعن ابن عمر: ((كان يَهْجَعُ هَجْعةً بالبطحاء، ثم يدخل مكة ، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)). وأخرجه البخارى بمعناه أتم منه . وأخرج مسلم نحوه . ١٩٣٠ - وعنه: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم صلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هَجَع بها هجعة، ثم دخل مكة ، وكان ابن عمر يفعله)). باب فيمن قَدَّم شيئاً قبل شىء فى حجته [ ٢: ١٥٩] ١٩٣١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسـ فى حَجَّة الوداع بمنّى يسألونه، فجاءه رجل فقال: يارسول الله، إنى لم أشعُرْ، فَحَلَقْتُ قبل أن أذبح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذبح ولا حرج، وجاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله، لم أشْعُرْ، فنحرتُ قبل أن أربى، قال: ارْمٍ، ولا حرج، قال : فما سئل يومئذ عن شىء قُدِّمٍ أو أُخِرٍ إلا قال: اصنع، ولا حرج)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ١٩٣٢ - وعن أسامة بن شريك قال: (( خرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم حاجًا ، فكان الناسُ يأتونه ، فمن قائل: يا رسول الله، سعيتُ قبل أن أطوف، أو قدَّمت شيئاً ١٩٣٠، ١٩٣٢ - قلت: ظاهر هذا الحديث: أنه إذا حلق رأسه قبل أن يذبح ، أو نحر قبل أن يربى، ولا شىء عليه، وإلى هذا ذهب مجاهد وطاوس ، وهو قول الشافعى ، وسواء عندهم فعله ناسياً أو متعمداً . وقال أحمد وإسحق ، فيمن فعل ذلك ساهياً : فلا شيء عليه ، كأنه يرى أن حكم العامد خلاف ذلك، ويدل على صحة ماذهب إليه أحمد قوله فى هذا الحديث ((إنى لم أشعر فحلقت ) . - ٤٣٣ - أو أخرتُ شيئاً، فكان يقول: لا حرج، لا خرج، إلا على رجل اقْتَرَضَ (١) عِرْضَ رجل مسلم وهو ظالم ، فذلك الذى حَرِجَ وهَلَكَ )). وذهب قوم إلى أنه إذا قدم شيئاً أو أخره كان عليه دم . وروى ذلك عن ابن عباس . و به قال سعيد بن جبير وقتادة . وإليه ذهب مالك بن أنس . وتأول بعض من ذهب إلى هذا القول من أصحاب الرأى قوله (( ارم ولا حرج)) على أنه أراد رفع الحرج فى الإثم دون الفدية ،قال: وقد يجوز أن يكون هذا السائل مفرداً، فلا يلزمه دم . وإذا كان متطوعاً بالدم لم يلزمه فى تقديمه وتأخيره شىء . قلت: قوله ((لا حرج)) ينتظم الأمرين جميعاً، الإنم والفدية، لأنه كلام عام ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إما متمتعين أو قارنين، على مادلت عليه الأخبار، والدم على القارن والمتمتع واجب. على أن السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلاً واحداً فقط ، إنما كانوا جماعة، ألا تراه يقول: ((فمن قائل: أخرت شيئاً، أو قدمت شيئً)) وهؤلاء لا يتفق أن يكونوا كلهم مفردين ، فكان هذا الاعتراض غير لازم. وأما قوله ((سعيت قبل أن أطوف)) فيشبه أن يكون هذا السائل لماطاف طواف القدوم قرن به السعى ، فلما طاف طواف الإفاضة لم يُعد السعى، فأفتاه بأن لاحرج، لأن السعى الأول الذى قرنه بالطواف الأول قد أجزأه . فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض ، فالواجب عليه أن يؤخر السعى عن الطواف ، لا يجزئه غير ذلك فى قول عامة أهل العلم ، إلا فى قول عطاء وحده ، فإنه قال : يجزئه ، وهو قول کالشاذ لا اعتبار له . قوله ((اقترض)) معناه اغتاب ، وأصله من القرض وهو القطع . (١) ((اقترض)) بالقاف والضاد - أى عابه وناله، وقطعه بالغيبة ونحوها. (٢٨ - مختصر السنن - ج ٢) - ٤٣٤ - باب فى مكة [٢: ١٦٠ ] ١٩٣٣ - عن كثير بن كثير بن المطّلب بن أبى وَدَاعَة، عن بعض أهله عن جده: (( أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى مما يلى بابَ بنِي سَهمٍ، والناس يَمُرُّونَ بين يديه ، وليس بينهما سُتْرَةٌ، قال سفيان - يعنى ابن عيينة -: ليس بينه وبين الكعبة سترة». وأخرجه النسائى وابن ماجة . وفى إسناده مجهول . وجده : هو المطلب بن أبى وداعة السهمى القرشى ، له صحبة ، ولأبيه أبى وداعة الحرث بن ضُبيرة أيضاً صحبة، وهما من مسلمة الفتح، ويقال فيه صُبيرة - بالصاد المهملة، وبالضاد المعجمة - والأول أشهر . باب تحريم حرم مكة [٢: ١٦٠ ] ١٩٣٤ - عن أبى هريرة قال: « لما فَتَحَ الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ الله حَبَسَ عن ١٩٣٠ - قوله ((إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين)) ثم قوله ((وإنما أحلت لى ساعة من النهار)): يستدل بهما من يذهب إلى أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً)، وتأول غيرهم قوله ((وإنما أحلت لى ساعة من النهار)) على معنى دخوله إياها من غير إحرام ، لأنه صلى الله عليه وسلم دخلها وعليه عمامة سوداء . وقيل: إنما أحلت له فى تلك الساعة إراقة الدم ، دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه . ١٩٣ - قال ابن القيم رحمه الله ((فى حديث اكتبوا لآبى شاه)): فيه أن مكة فتحت عنوة . وفيه تحريم قطع شجر الحرم ، وتحريم التعرض لصيده بالتنفير فما فوقه . وفيه أن لقطتها لا يجوز أخذها إلا لتعريفها أبداً ، والحفظ على صاحبها . وفيه جواز قطن الإذخر خاصة ، رطبه ویابسه . C - ٤٣٥ - مكة الفِيلَ ، وَسلَّطَ عليه رَسولَهُ والمؤمنينَ، وإنما أُحِلَّتْ لِى ساعةً من النهار، ثم هي حرامٌ إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَجرها ، ولا يُغَفَّرُ صَيْدُها ، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلا لِمُنْشِدٍ ، فقام عباس ، أو قال: قال العباس : يا رسول الله، إلا الإذْخِرَ ، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإِذْخِرَ . وزاد فيه ابن المصفى عن الوليد: فقام أبو شاهٍ وقد سأل بعض الملحدين عن هذا ، فقال : لم كان حبس الفيل فى زمان الجاهلية عنها ومنعه منها ، ومن الإفساد والإلحاد فيها ، ولم يمنع الحجاج بن يوسف فى زمان الإسلام عنها ، وقد نصب المنجنيق على الكعبة ، وأضرمها بالنار، وسفك فيها الدم الحرام ، وقتل عبد الله بن الزبير وأصحابه فى المسجد؟ وكيف لم يحبس عنها القرامطة ، وقد سلبوا الكعبة ، ونزعوا حليتها ، وقلعوا الحجر ، وقتلوا العالم من الحاج وخيار المسلمين بحضرة الكعبة ؟ فأجاب عن مسألته بعض العلماء : بأن حبس الفيل عنها فى الجاهلية كان علماً النبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنويهاً بذكر آبائه، إذ كانوا عمّار البيت وسكان الوادى، فكان ذلك الصنيع إرهاصاً للنبوة ، وحجة عليهم فى إثباتها ، فلو لم يقع الحبس عنها والذب عن حريمها لكان فى ذلك أمران : أحدهما : فناء أهل الحرم، وهم الآباء والأسلاف لعامة المسلمين ، ولكافة من قام به الدین . والآخر : أن الله سبحانه أراد أن يقيم به الحجة عليهم فى إثبات نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجعله مقدمة لكونها وظهورها فيهم، فكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عامئذ، وكانوا قوماً عرباً أهل جاهلية، ليست لهم بصيرة فى العلم، ولا تقدمة فى الحكمة، وفيه أن اللاجىء إلى الحرم لا يتعرض له ؛ مادام فيه ، ويؤيده قوله فى الصحيحين فى هذا الحديث: (( فلا يحل لأحد أن يسفك بها دماً )) . وفيه جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه ، وأنه لا يشترط اتصاله به ، ولا نيته ، من أول الكلام . وفيه الإذن فى كتابة السنن، وأن النهى عن ذلك منسوخ. والله أعلم. - ٤٣٦ - رجلٌ من أهل اليمن، فقال: يارسول الله ، اكتبوا لى ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اكتُبُوا لأبى شاه. فقلت للأوزاعى: ما قوله: اكتبوا لأبى شاه؟ قال: هذه الخطبة التى سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى . وإنما كانوا يعرفون من الأمور ما كان دَرْكه من جهة الحس والمشاهدة، فلو لم يجر الأمر فى ذلك على الوجه الذى جرى لم يكن يبقى فى أيديهم شىء من دلائل النبوة تقوم به الحجة عليهم فى ذلك الزمان ، فأما وقد أظهر الله الدين ورفع أعلامه وشرح أدلته وأكثر أنصاره، فلم يكن ما حدث عليها من ذلك الصنيع أمراً يضر بالدين ، أو يقدح فى بصائر المسلمين ، وإنما كان ما حدث منه امتحاناً من الله سبحانه لعباده، ليبلو فى ذلك صبرهم واجتهادهم ، ولينيلهم من كرامته ومغفرته ما هو أهل التفضل به . والله يفعل ما يشاء، وله الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين . وقوله (( لا يعضد شجرها )) معناه لا يقطع ، والعضد : القطع . قلت : وسواء فى ذلك ما غرسه الآدمیون وما نبت من غیر غرس وتنبیت ، لأن العموم يسترسل على ذلك كله ، وهو ظاهر مذهب الشافعى . وسمعت أصحاب أبى حنيفة يفرقون بين ما ينبت من الشجر فى الحرم ، وبين ما ينبته الآدميون ، ويجعلون النهى مصروفاً إلى ما أنبته الله تعالى، دون غيره . ويحكى عن مالك أنه قال : لا شىء على من قطع شيئاً من شجر الحرم ، وهو قول داود، وأهل الظاهر. وأما الشافعى فإنه يرى فيه الفدية . وقوله (( لا ينفر صيدها)) معناه لا يتعرض له بالاصطياد ، ولا يُهاج فينفر، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال : معناه أن يكون الصيد رابضاً فى ظل الشجرة ، فلا ينفره الرجل ، ليقعد فيستظل مكانه . - ٤٣٧ - ١٩٣٥ - وعن طاوس وعن ابن عباس - فى هذه القصة -: «ولا يُخْتَلَى خَلَاَها». وأخرجه البخارى ومسلم . وقوله (( لا تحل لقطتها إلا لمنشد)) فإن المنشد هو المعرّف، تقول: نشدت الضالة إذا طلبتها ، وأنشدتها إذا عرفتها . وقد اختلف الناس فى حكم ضالة الحرم : فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا فرق بينها وبين ضالة الحل ، وكان عبد الرحمن بن مهدى يذهب إلى التفرقة بينها وبين ضالة سائر البقاع، ويقول: ليس لواجدها منها غير التعريف أبداً، ولا يملكها بحال ، ولا يستنفقها، ولا يتصدق بها، حتى يظفر بصاحبها، وكان يحتج بقوله ((لانحل لقطتها إلا لمنشد)) ويحكي عن الشافعى نحوّ من هذا القول. وفى الحديث : دليل على أن كتاب العلم وتدوين أحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخليذها فى الصحف جائز، وقد رويت الكراهة فى ذلك عن بعض السلف . ١٩٣٥ - قلت: ((الخلى)) الحشيش، ومنه سميت الخلاة، وكان الشافعى يقول: لا يُحتَشَرُّ من الحرم، فأما الرعي فلا بأس به . وتفصيل ذلك على مذهبه: أن ينظر إلى الحشيش ، فإن كان يستخلف إذا قطع كان جائزاً قطعه، وكذلك القضيب من أغصان الشجر، وإن كان لا يستخلف لم يجز، وفيه ما يقصه ، ويكره على مذهبه إخراج شىء من أحجار مكة، ومن جميع أجزاء أرضها وتربتها لتعلق حرمة الحرم بها، إلا إخراج ماء زمزم ، فإنه غير مكروه، لما فيه من التبرك والتشفى . وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن : لا يحتش ولا يرعى ، وقول أبى يوسف قريب من قول الشافعى . قلت : فأما الشوك فلا بأس بقطعه ، لما فيه من الضرر وعدم النفع ، ولا بأس بأن ينتفع بحُطام الشجر وما يلي منه ، والله أعلم . - ٤٣٨ - ١٩٣٦ -وعن يوسف بن ماهَك عن أمه عن عائشة قالت: «قلت: يارسول الله ، ألاَ نَبْنِى لك بمنَّى بيتاً، أو بناء، يُطِكَ من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مُنَاخُ من سَبَقَ إليه ». وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن . وفى حديث الترمذى وابن ماجة : عن أمه مُسَيكة ، وذكر غيرهما : أنها مكية . ١٩٣٧ - وعن يَعْلَى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((احتكارُ الطعامِ فى الحَرَّمِ إلحادً فيه)). وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير عن يعَلَى بن أمية أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)). ويشبه أن يكون البخارى عَلَّل المسند بهذا. باب فى نبيذ السقاية [١٦٢:٢] ١٩٣٨ - عن بكر بن عبد الله قال: قال رجل لابن عباس: (( ما بالُ أهلِ هذا البيت، يَسْقون النبيذ، وبَنُوْ عَمِّهِمْ يَسْقُون اللبنَ والعسل والسَّويق؟ أُخْلٌ بهم، أم حاجةٌ ? قال ابن عباس: ما بنا من ◌ُخلِ ، ولا بنا من حاجة، ولكن دخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ١٩٣٦ - قلت: قد يحتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها ، ولا يرى بيعها وعقد الإجارة عليها جائزاً . وقد قيل: إن هذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وللمهاجرين من أهل مكة ، فإنها دار تركوها لله تعالى ، فلم ير أن يعودوا فيها ، فيتخذوها وطناً ، أو يبنوا فيها بناء ، والله أعلم . ١٩٣٦ - قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن القطان: وعندى أنه ضعيف ، لأنه من رواية يوسف بن ماهك ، عن أمه مسیکة ، وهی مجهولة ، لا نعرف روی عنها غیر ابنها . والصواب تحسين الحديث ، فإن يوسف بن ماهك من التابعين ، وقد سمع أم هانىء ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو، وقد روى عن أمه، ولم يعلم فيها جرح ، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث ، وأمه تابعية قد سمعت عائشة . - ٤٣٩ -- على راحلته ، وخَلْفَه أسامةُ بن زيد ، فَدَعَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ، فأتي بنبيذ، فشرب منه، ودفع فَضْلَهُ إلى أسامة، وشرب ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، هكذا فافعلوا، فنحن هكذا لا نريد أن نُغَيّرَ ماقال رسول الله صلى الله عليه وسلم)).(١) وأخرجه مسلم . باب الإقامة بمكة [ ٢: ١٦٢] ١٩٣٩ - عن عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد : ((هل سمعتَ فى الإقامة بمكة شيئاً؟ قال: أخبونى ابنُ الحَضْرَى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للمهاجرين إقامة بعد الصَّدَرَ ثلاثاً فى الكعبة)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة بمعناه. وفى لفظ لمسلم «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نُسكه ثلاثاً )). [باب الصلاة فى الكعبة] (٢) [٢: ١٦٢] ١٩٤٠ - عن نافع عن عبد الله بن عمر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة، هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة الْحَجَبِىُّ، وبلال، فأغلقها عليه ، فمكث فيها ، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج : ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على سِتَّةً أُعْمِدَةٍ، ثم صلى)). ١٩٤١ - وفى رواية: ((ثم صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع)). ١٩٤٢ - وفى رواية: (( ونسيت أن أسأله كم صلى ؟)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى، وقد اختلف فى لفظه على الإمام مالك ، فروى عنه كما ذكره أبو داود: ((عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه))،وأخرجه البخارى كذلك. وقال البيهقى: وهو الصحيح. وروى عنه («عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه))،وأخرجه مسلم (١) رواه أحمد مراراً بأسانيد مختلفة، منها ٢٩٤٦، ٣١١٤، ٣٤٩٠، ٣٥٢٨. (٢) هذا العنوان ليس عند المنذرى . وزدناه من السنن. - ٤٤٠ - وروى عنه: (( عموداً على يمينه وعموداً على يساره )) ، وأخرجه البخارى كذلك. ١٩٤٣ - وعن عبد الرحمن بن صَفوان قال: ((قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة ؟ قال: صلَّى ركعتين)). وعبد الرحمن بن صفوان - هذا - له صحبة ، وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وفيه مقال . : ١٩٤٤ - وعن ابن عباس: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة ، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، قال: فأخرج صورةَ إبرهيم وإسمعيل، فى أيديهما الأزلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاتَلَهُمْ الله، والله لقد علموا ما اسْتَقْسَما بها قَطَّ ، قال : ثم دخل البيت، فكَبَّر فى نواحيه، وفى زواياه، ثم خرج ولم يصل فيه)). وأخرجه البخارى . [باب الصلاة فى الحجر] (١)[١٦٣:٢] ١٩٤٥ - عن علقمة - وهو ابن أبى علقمة - عن أمه عن عائشة أنها قالت: ((كنتُ: أُحِبُّ أن أدخلَ البيت وأصلى فيه ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى ، فأدخلنى فى الحِجْر ، فقال: صَلّى فى الحجر إذا أردتِ دخول البيت ، فإنما هو قطعة من البيت ،. فإن قَوْمَكِ اقتصروا حين بنوا الكعبة ، فأخرجوه من البيت )). وأخرجه الترمذى والنسائى . وقال الترمذى : حسن صحيح ، وعلقمة بن أبى علقمة. هو علقمة بن بلال، هذا آخر كلامه . وعلقمة هذا هو مولى عائشة ، تابعى مدنى ، احتج به البخارى ومسلم ، وأمه حكي البخارى وغيره أن اسمها مرجانة . [باب فى دخول الكعبة](٣) ١٩٤٦ - وعن عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو مسرور، ثم رَجِع وهو كَثيب ، فقال: إنى دخلت الكعبة، ولو استقبلتُ من أمرى ما اسْتَدْبرتُ مادخلتُها، إلى أخاف أن أكونَ قد شقَقْتُ على أُمتى ». وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح . (١) و (٢) العنوان زيادة من السنن.