Indexed OCR Text

Pages 381-400

- ٣٨١ -
بنحوه من حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم أنه صلى
الله عليه وسلم أمرهم أن يمشوا بين الركنين . ولا معارضة بين الحديثين ، فإنهما قضيتان ،
فالرمل فى جميع الأشواط الثلاثة كان فى حجة الوداع ، والمشى بين الركنين كان فى عمرة
الحديبية، لأنهم إذا كانوا بين الركنين لانقع عليهم أعين المشركين ، وفعلَ ذلك رِفْقً بهم،
لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلَّد فى الجهات التى تقع عليهم فيها أعين المشركين ،
حين جلسوا لهم .
باب الدعاء فى الطواف [٢: ١١٩]
١٨١٢ - عن عبد الله بن السائب قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
ما بين الركنين: (٢٠١:٢ ربنا آتِنا فى الدُّنيا حَسَنةً، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذابَ
النارِ) )).
وأخرجه النسائى .
١٨١٣ - وعن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا طاف فى الحج
والعمرة ، أوّلَ ما يَقْدَمُ ، فإنه يَسْعَى ثلاثةَ أطواف، ويمشى أربعاً، ثم يصلى سجدتين)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
باب الطواف بعد العصر [٢: ١١٩ ]
١٨١٤ - عن جُبّير بن مُظهِمٍ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تمنعوا أحداً
١٨١٤ - قلت : استدل به الشافعى على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهى فيها عن
الصلاة فى سائر البلدان ، واحتج له أيضاً بحديث أبى ذر، وقوله ((إلا بمكة))، فاستثناها
من بين البقاع .
١٨١٤ - قال المنذرى (١): وفيه دليل على أن الصلاة جائزة بمكة فى الأوقات المنهى عنها فى سائر
البلدان ، ومنع بعضهم ذلك لعموم النهي ، وتأول الحديث على معنى الدعاء ، وهو بعيد.
(١) هكذا فى الأصل، وليس هذا من كلام المنذرى ، فلعل صحته ((قال الخطابي)).

- ٣٨٢ -
يطوف بهذا البيت ويصلى أىَّ ساعةٍ شاء ، من ليلٍ أو نهار» .
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حديث جبير بن مطعم حديث حسن
صحيح .
باب طواف القارن [ ٢: ١١٩ ]
١٨١٥ - عن جابر بن عبد الله قال: « لم يَظُفِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا أصحابُه بين
الصفا والمروةِ إلا طوافاً واحداً، طوافَهُ الأول)).
وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتى الطواف من بين الصلوات، وقال : إذا كان
الطواف بالبيت غير محظور فى شىء من الأوقات ، وكان من سنة الطواف أن تصلى الركعتان
بعد ، فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهى عنه .
وقد تأول بعضهم الصلاة فى هذا الحديث على معنى الدعاء، ويشبه أن يكون
هذا معنى الحديث عند أبى داود ، ويدل على ذلك ترجمته الباب بالدعاء فى الطواف .
قال ابن القيم : وقد روى ابن حبان فى صحيحه عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (( من طاف بالبيت أسبوعاً لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى، إلا حط
الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة)). وأخرج النسائى عن عبد الله
بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من طاف بالبيت أسبوعاً، فهو كعدل رقبة)).
وهذه الأحاديث عامة فى كل الأوقات ، لم يأت ما يخصها ويخرجها عن عمومها ، وقد روى
الترمذى فى الجامع من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته
أمه)). قال : وفى الباب عن أنس وابن عمر ، وحديث ابن عباس غريب . وسألت محمداً عن
هذا الحديث ؟ فقال : إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله ، قال أيوب السختانى : وكانوا
يقولون : عبد الله بن سعيد بن جبير أفضل من أبيه .
١٨١٥ - قال ابن القيم : اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أن على كل منهما طوافين وسعيين ، روي ذلك عن على وابن مسعود ، وهو قول

- ٣٨٣ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٣١٨٩
٠
سفيان الثورى، وأبى حنيفة ، وأهل الكوفة ، والأوزاعى، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد
الثانى: أن عليها كليهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً ، نص عليه الإمام أحمد فى رواية ابنه
عبد الله ، وهو ظاهر حديث جابر هذا.
الثالث : أن على المتمتع طوافين وسعيين ، وعلى القارن سعى واحد ، وهذا هو المعروف عن
عطاء، وطاوس، والحسن ، وهو مذهب مالك والشافعى ، وظاهر مذهب أحمد . وحجتهم:
حديث عائشة ، وقد تقدم، وذكرنا ما قيل فيه. وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنه
طاف طوافين، وسعى سعيين)) من رواية على وابن مسعود وعبدالله بن عمر وعمران بن حصين
ولا يثبت شيء منها. والذين قالوا: لابد للمتمتع من سعيين، تأولوا حديث جابر بتأويلات
مستكرهة جداً:
فقال بعضهم: ((طوافاً واحداً)) أي طوافين على صفة واحدة، فالوحدة راجعة إلى صفة
الطواف ، لا إلى نفسه ! وهذا فى غاية البعد ، وسياق الكلام يشهد ببطلانه. وقال البيهقى:
أراد به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا قارنين خاصة، فإنه صلى الله عليه وسلم كان
مفرداً ، وأمر أصحابه أن يحلوا من إحرامهم إلا من ساق الهدى ، فاكتفى هو وأصحابه
القارنون بطواف واحد ! وهذا بعيد جداً، فإن الذين قرنوا من أصحابه كلهم حلوا بعمرة إلا
من ساق الهدي من سائرهم، وهم آجاد يسيرة ، لم يبلغوا العشرة ولا الخمسة ، بل الحديث
ظاهر جداً فى اكتفائهم كلهم بطواف واحد بين الصفا والمروة ، ولم يأت لهذا الحديث معارض
إلا حديث عائشة، وقد ذكر بعض الحفاظ أن تلك الزيادة من قول عروة ، لا من قولها ....
وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتع بسعى واحد . روى الإمام أحمد فى مناسك ابنه
عبد الله عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول: ( ألقارن
والمفرد والمتمتع يجزيه طواف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة)) ولكن فى صحيح البخارى(١)
عن عكرمة عن ابن عباس: ((أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار
وأزواج النى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهلنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدى، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة.
"وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدى فإنه لا يحل له حق يبلغ الهدى محله، ثم
أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فاذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ».
(١) فى باب قول الله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام.

- ٣٨٤ -
١٨١٦ - وعن عائشة: (( أن أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه لم
يطوفوا حتى رَمُوا الجَمْرَة ».
وأخرجه النسائى .
١٨١٧ - وعنها: «أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافُك بالبيت وبين الصفا والمروة
يكفيك لحجتك وُمرتك)» .
قال الشافعى: كان سفيان ربما [ قال (١): عن عطاء عن عائشة، وربما] قال: غن
فقد تم حجنا، وعلينا الهدى. كما قال الله تعالى (١٩٦:٢ فما استيسر من الهدي. فمن لم يجد
فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم ) إلى أمصاركم ، الشاة تجزىء، جمعوا سكين فى
عام بين الحج والعمرة ، فان الله أنزله فى كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأباحه للناس غير
أهل مكة )) وذكر باقى الحديث. فهذا صريح فى أن المتمتع يسعى سعيين ، وهذا مثل حديث
عائشة سواء، بل هو أصرح منه في تعدد السعى على المتمتع ، فإن صح عن ابن عباس ما رواه
الوليد عن الأوزاعى عن عطاء، فلعل عنه فى المسألة روايتين ، كما عن الإمام أحمد فيها
روايتان .
وفى مسائل عبد اللّه قال: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة ؟ قال : إن طاف
طوافين فهو أجود ، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس ، قال : وإن طاف طوافاً واحداً فهو
أعجب إلى، واحتج بحديث جابر . وأحمد فهم من حديث عائشة قولها (( فطاف الذين أهلوا
بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا مر منى بحجهم»
أن هذا طواف القدوم ، واستحب في رواية المروزى وغيره للقادم من عرفة ، إذا كان متمتعاً
أن يطوف طواف القدوم . ورد عليه بعض أصحابه ذلك، وفهم من حديث عائشة أن المراد به
طواف الفرض ، وهذا سهو منه ، فان طواف الفرض مشترك بين الجميع ، وعائشة أثبتت
للمتمتع مانفته عن القارن ، وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة ،
والله أعلم ..
١٨١٦ - قال ابن القيم رحمه الله: وفى الصحيحين عن جابر: (أن النبى صلى الله عليه وسلم قال
لعائشة لما طافت بالكعبة وبالصفا والمروة : حللت من حجك وعمرتك جميعاً ؛ قالت :
يا رسول الله، إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت ، قال : فاذهب بها
ياعبد الرحمن ، فأعمرها من التنعيم)).
(١) الزيادة من السنن .

- ٣٨٥ -
عطاء (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعائشة)). هذا آخر كلامه. وقد أخرجه مسلم فى
صحيحه من حديث طاوس بن كيسان عن عائشة ، ومن حديث مجاهد بن جّبْر عن
عائشة ، معناه .
باب الملتزم [١٢٠:٢]
١٨١٨ - عن عبد الرحمن بن صفوان قال: (( لما فتح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكة ،
قلت : لأُلْبَسَنَّ ثيابى ، وكانت دارى على الطريق ، ولأنظرنَّ كيف يصنعُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فانطلقتُ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابُهُ،
قد اسْتَمُوا البيت من الباب إلى الحَطيم ، وقد وضعوا خُدُودهم على البيت، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم وَسَطهم ».
فى إسناده يزيد بن أبى زياد ، ولا يحتج به ، وذكر الدار قطنى أن يزيد بن أبى زياد
تفرد به عن مجاهد .
١٨١٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: ((طفتُ مع عبد الله، فلما جئنا دُبرَ الكعبة
قلت: ألا تعوَّذ؟ قال: نعوذ بالله من النار ، ثم مضى ، حين استلم الحجر، وأقام بين
الركن والباب، فوضع وجهه وصَدْره وذراعيه وكَمَّيه، هكذا ، وبسطهما بَسْطاً ، ثم قال:
هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله )).
وأخرجه ابن ماجة ، وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب . وروى عنه هذا الحديث
١٨١٨ - قال ابن القيم رحمه الله: وروى البيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالمليزم))، وفى البنهقى
أيضاً عن ابن عباس: ( أنه كان يلزم ما بين الركن والباب ، وكان يقول: ما بين الركن
والباب يدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه)).
وأما الحطيم فقيل فيه أقوال : أحدها : أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم، وقيل : هو
جدار الحجر ، لأن البيت رفع وترك هذا الجدار محطوماً ، والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه ،
وهو الذى ذكره البخارى فى صحيحه، واحتج عليه بحديث الإسراء، قال: « بينا أنا نائم فى
الحطيم - وربما قال: فى الحجر))، قال: وهو حطيم بمعنى محطوم، كقتيل بمعنى مقتول.
(٢٥ - مختصر السنن ج٢)

- ٣٨٦ -
المتّى بن الصباح، ولا يحتج به ، وقوله ((عن أبيه)) هو شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو،
وقد سمع شعیب من عبد الله بن عمرو على الصحيح، ووقع فی کتاب ابن ماجة عن أبيه عن
جده ، فيكون شعيب ومحمد طاقا جميعاً مع عبد الله .
١٨٢٠ - وعن عبد الله بن السائب: « أنه كان يقود ابنَ عباس، فيقيمه عند الشُّقَّة الثالثة
مما يَلِى الركنَ الذى يلى الحجَر، مما يلي البابَ، فيقول له ابن عباس: أُنبئتَ أنَّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يصلي هُهُنَا؟ فيقول: نعم. فيقوم فيصلى)).
وأخرجه النسائى، وفى إسناده محمد بن عبد الله بن السائب ، روى عن أبيه ، وهو
شبه مجهول .
باب أمر الصفا والمروة [٢: ١٢١ ]
١٨٢١ - عن هشام بن عروة] عن أبيه أنه قال: (( قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسلم - وأنا يومئذ حديث السن - أرأيتٍ قولَ الله تعالى (٢: ١٥٨ إنَّ الصفا والمروةَ من
شَعائِرِ الله) فما أرى على أحدٍ شيئًا أنْ لا يَطَّوَّف بهما ؟ قالت عائشة: كلاً، لو كان كما نقول
١٨٢١ - قال أو سلمان: قد أعلمت عائشة السبب فى نزول الآية بنفى الحرج ، وأن المعنى
فى ذلك لم ينصرف إلى نفس الفعل ، لكن إلى محل الفعل ، وذلك أنهم كانوا يعبدون فى
تلك البقعة الأصنام ، فتحرجوا أن يتخذوها متعبداً لله تعالى.
و((الأنصاب)) - إن كان هذا اللفظ محفوظاً - جمع النَّصُب، وهو ما ينصب من الأصنام
فيعبد من دون الله تعالى، إلا أن فى أكثر الروايات ((الأنصار)).
وكانت عائشة ترى أن السعى بين الصفا والمروة فرض، وإليه ذهب مالك والشافعى
وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه .
وروى عن ابن عباس أنه قال: ((السعى بين الصفا والمروة تطوع»، وكذلك قال
أن سيرين، وإليه ذهب سفيان الثورى وأصحاب الرأى، وقال سفيان : من تركه فعليه
دم، وقال أصحاب الرأى : إن تر که ناسياً خبر بدم .

- ٣٨٧ -
كانت ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) إنما أنزلت هذه الآية فى الأنصار، كانوا يُهِلُّونَ
لمَنَاة، وكانت مناةُ حذوَ قُدِيْدٍ، وكانوا يَتَحَرَّجون أن يَطَّوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء
الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله تعالى (إن الصفا والمروة
من شعائر الله) )).
وأخرجه البخارى ومسلم. وأخرجه أيضاً البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث
الزهرى عن عروة .
١٨٢٢ - وعن عبد الله بن أبى أوفَى: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ، فطاف
بالبيت ، وصَلَى خلف المقام ركعتين، ومعه مَنْ يَستره من الناس ، فقيل لعبد الله: أدخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة؟ قال: لا)) .
١٨٢٣ - وفى رواية: ((ثم أتى الصفا والمروة، فسعى بينهما سبعاً، ثم حلق رأسه)).
وأخرجه البخاري والنسائى وابن ماجة. وأخرجه مسلم مختصراً: (( قلت لعبد الله بن
أبى أوفى صاحبٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت فى
عمرته؟ قال: لا )) ، فقد بين ابن أبى أوفى أن ذلك كان فى عمرته، وقد صح أن النبى صلى
الله عليه وسلم دخل البيت فى حجته (١) ).
١٨٢٤ - وعن كثير بن ◌ُمْهَان: (( أن رجلا قال لعبد الله بن عمر بين الصفا والمروة:
يا أبا عبد الرحمن ، إنى أراك تمشى والناسُ يسعَوْن، قال: إن أمشِ فقد رأيتُ رسول الله
صلى الله عليه وسلم يمشى، وإن أسْعَ ، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ،
وأنا شيخ كبير » .
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح. هذا آخر كلامه.
وفى إسناده عطاء بن السائب، وقد أخرج له البخارى حديثاً مقروناً ، وقال أيوب: هو ثقة،
وتكلم فيه غير واحد .
(١) الذى صح وحققه العلامة ابن القيم فى زاد المعاد - هو أن دخول النبى صلى الله عليه وسلم،
البيت كان عام الفتح فقط، لتطهيره مما كان فيه من طواغيت الجاهلية وأوثانها. أما فى حجته فته
سألته عائشة أن تدخل البيت. فقال لها ((صلى فى الحجر فهو من البيت)). والله أعلم.

- ٣٨٨ -
باب صفة حجة النبى صلى الله عليه وسلم [ ٢: ١٢٢ ]
١٨٢٥ - عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ((دخلنا على جابر بن عبد الله، فلما انتهينا
إليه سأل عن القوم ، حتى انتهى إلىَّ، فقلت: أنا محمد بن على بن حسين، فأهوى بيده
إلى رأسى ، فنزع زِرّى الأعلَى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفَّه بين ثَدْيِىَّ، وأنا
غلامٌ شابٌّ، فقال: مَرْحَباً بك وأهلاً، يابن أخي ، سَلْ عَمَّا شئت، فسألته، وهو أعمى،
وجاء وقت الصلاة، فقام فى نِسَاجَةٍ مُلْتحفاً بها، يعنى ثوباً مُلَّقاً، كُلّما وضعها على مَنْكِبه
رجع طَرَفاها إليه من صغرها ، فصلى بنا ، ورداؤه إلى جنبه على المشْجَبِ ، فقلت : أخبرنى
عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بيده، فعقَد تسعاً ، ثم قال: إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يَحُجَّ، ثم أذَّن فى الناس فى العاشرة : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حاجٌ ، فقدم المدينة بَشَر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ويعملَ بمثل عمله ، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه، حتى
١٨٢٥ - قوله ((مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ثم أذن فى العاشرة )» فيه دليل
أن فرض الحج ليس على الفور والتعجيل، وأنه أمرٌ يدخله المهلة ، ويجوز تأخيره عن أول
وقت وجوبه، ولو كان الأمر به على الفور لم يجزله صلى الله عليه وسلم تركه للحج طول هذه
المدة، وقد كان ظاهراً بالمدينه يمكنه الخروج غير مصدود عنه إلا في بعض الأوقات، فلم يفعل
ذلك إلا فى السنة العاشرة (١) .
(١) أقول: هذا لا يفيد ذلك، وغاية ما تفيده العبارة أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن أقام بالمدينة تسع
سنين أذن فى العاشرة بقصده الحج، وليس هناك تعرض لفرضيته، لا فى السنة الأولى ولا فيما بعدها
إلى السنة التاسعة ، وقد حقق الحافظ ابن القيم فى زاد المعاد أن الحج فرض سنة تسع، وأرسل التى
صلى الله عليه وسلم فى تلك السنة أبا بكر رضى الله عنه فحج بالناس، وحج هو فى العاشرة . فهناك يستدل
أن الحج ليس على الفور، ولو كان على الفور لحج هو صلى الله عليه وسلم وأمر أبا بكر رضى الله عنه
والمستطيعين أن يحجوا، غير أنه قد كان هناك ما يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ويحمله على التأخير
وهو أن المشركين كانوا يحجون عراة ويأتون عند البيت وفى المناسك من الوثنيات الجاهلية ما لا يمكن
لرسول الله صلى الله عليه وسلم السكوت عليه، فتكون حرب فى المسجد الحرام والشهر الحرام أمكن
دفعها ببعث أبى بكر يحج بالناس ويؤذن فيهم بسورة براءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف
بالبيت عريان. والله سبحانه وتعالى أعلم. محمد حامد الفقى .
حم

- ٣٨٩ -
أنينا ذا الخليفة، فولدت أسماء بنتُ عُمْس محمدَ بن أبى بكر، فأرسَلَتْ إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم : كيف أصنع؟ قال : اغتسلى واستَذْفِرِى (١) ثوبٍ وأخْرِمى، فصلَّى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى المسجد ، ثم ركب القَصْواء، حتى إذا استوت به ناقته على البَيْداء،
قال جابر : نظرت إلىمدّ بصرى ، من بین یدیه من را کبٍ وماشٍ ، وعن يمينه مثل ذلك،
وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا،
وعليه ينزل القرآن ، وهو يَكْلَمُ تأويله، فما عمل به من شىء عملنا به ، فأهلّ بالتوحيد :
لَبِّيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك
لك، وأهلَّ الناس بهذا الذى يُهِلَّون به ، فلم يَرُدَّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً منه ، ولزم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تلبيته ، قال جابر: لسنا نَغْوِى إلا الحجّ ،
وفى قوله لأسماء، وهي نفساء لم تتعلَّ من نفاسها: ((اغتسلى واستثفرى)) دليل على أن من
سنة المحرم الاغتسال ، وأن الحائض إذا أرادت الإحرام اغتسلت له كالطاهر . ومعلوم أن
الاغتسال لا يصح من النفساء، ولكن أمرها أن تفعل ذلك اقتداء بالطواهر أو تشبهاً بهن؛
والتشكل بأشكال العبادات ممن لا تصح منه العبادة موجود فى مواضع من الأصول، وقد
أمر صلى الله عليه وسلم الأسلميين بصوم بقية النهار من يوم عاشوراء، وكانوا مفطرين صدر
ذلك اليوم ، والصبي مأمور بالصلاة ، وهى غير لازمة ، وقد يصلى المصلوب على الخشبة
والمحبوس فى الحش أو نحوه ، وإذا قدر على الصلاة أعادها (٢).
و ((الاستثفار)) أن تحتجز بثوب وتشده على موضع الدم ليمنع السيلان، وهو مشبه
بَثَفَرَ الدابة .
و ((القصواء)) اسم ناقته، وسميت قصواء لما قطع من أذنها ، يقال: قصوت الناقة
فهى مقصوة وقصواء . وكان القياس أن يقال فى الذكر: أقصى، فلم يقولوه، وإنماجاء فى نعت
المؤنث خاصاً .
(١) هى بمعنى ((الاستثفار)) التى فى رواية الخطابى.
(٢) ليس فى الاعادة نص، والله بقول (١٦:٦٤ فاتقوا الله ما استطعتم) ويقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه مااستطعتم)) وهؤلاء قد صلوا على قدر ما استطاعوا وإنّة أعلم

- ٣٩٠ -
لَسنا نعرفُ العمرة، حتى إذا أتينا البيتَ معه استلم الركن، فرَمَل ثلاثًا ، ومشى أربعاً ، ثم
تقدَّم إلى مقام إبرهيم فقرأ (٢: ١٢٥ وأَّخِذوا من مقام إبرهيم مصلّى) فجعل المقام بينه وبين
البيت، قال: فكان أبى يقول : قال ابن نُفَيل وعثمان: ولا أعلمه ذكره [ إلا ] (١) عن
النبى صلى الله عليه وسلم، قال سليمان : ولا أعلمه إلا قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقرأ فى الركعتين بـ (قل هو الله أحد) وبـ (قل يا أيُّها الكافرون) ثم رجع إلى
البيت ، فاستلم الركن ، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ (٢: ١٥٩ إن الصفا
والمروةَ من شعائر الله) نبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفًا، فَرَقَِ عليه حتى رأى البيتَ ،
فَكبر الله ووحَّدَهُ ، وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيى
ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أُنْجَزَ وَعْده، ونَصَر عبده،
وهَزَم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك ، وقال مثل هذا، ثلاث مرات ، ثم نزل إلى
المروةُ، حتى إذا انْصَبَّتْ قدماه رَمَل فى بَطْن الوادى، حتى إذا صَعِدَ مَشَى ،
حتى أتى المروة ، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا ، حتى إذا كان آخر
الطواف على المروة ، قال: إنى لو استقبلتُ من أمرى ما اسْتَدْبَرْتُ لم أسُقِ
الهَدْىّ، وجعلتُها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هَدْى فَلَيَحْلِلْ، وليجعلها عمرة ،
وفى قوله لما قرأ (٢: ١٥٩ إن الصفا والمروة من شعائر الله) ((نبدأ بما بدأ الله به))،
دليل على أنه قد اعتبر تقديم المبدأ بذكره فى التلاوة فقدمه، وأن الظاهر فى حق الكلام أن
المبدوء بذكره مقدم فى الحكم على ما بعده.
وفيه دليل على أن الطائف إذا بدأ بالمروة على الصفا كان ذلك الشوط ملغَى غير معتد به.
وقوله ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة)) إنما هو استطابة
لنفوس أصحابه، لئلا يجدوا فى أنفسهم أنه يأمرهم بخلاف ما يفعله فى نفسه.
وفيه بيان جواز الأمرين جميعاً ، وأنه لولا ماسبق من سوقه الهدى لحلّ معهم ، إلا أن
السنة فيمن ساق الهدى أن لا ينحره إلا بمنى، وقد تقدم الكلام فى هذا الباب ، وهل كان
(١) زيادة من سنن أبي داود .

- ٣٩١-
فلَّ الناس كلهم وقَصَّروا ، إلا النبى صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هَدْى ، فقام
سُراقة بن جُعْشَمٍ؛ فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله
صلى الله عليه وسلم أصابعه فى الأخرى ، ثم قال : دخلت العمرة فى الحج هكذا ،
مرتين، لاَ بَلْ لِأَبَدِ أَبَدِ، لاَ، بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ ، قال: وقدم علىٌّ من اليمن ببدْن النبى صلى
الله عليه وسلم، فوجد فاطمة رضى الله عنها ممن حلَّ ، ولبست ثياباً صَبيغاً، واكتحلت ،
فأنكر علىٌّ ذلك عليها ، وقال: مَنْ أمرك بهذا ؟ قالت: أبي، قال: فكان على
يقول بالعراق : ذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَرِّشاً على فاطمة فى الأمر الذي
صَفَعَنْهُ ، مستفتياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الذى ذَكَرَتْ عنه، فأخبرتُهُ أنى أنَكَرْتُ
ذلك عليها ، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، فقال: صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، ماذا قلتَ جِين
فَرَضْتَ الحج؟ قال: قلت : اللهم إنى أُهِلُّ بما أَهَلّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
فإنّ معى الهدىَ، فَلاَ تَخْلِلْ ، قال: وكان جماعةُ الهدى الذى قَدِمَ به علىّ من اليمن ، والذى
أتى به النبى صلى الله عليه وسلم من المدينة مائةً، فحلَّ الناسُ كُلُهم، وقضَّروا إلا النبى صلى
الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، قال: فلما كان يومُ التّرْوِيَةَ وَوَجْهُوا إلى مَنّ أهَلُّوا
بالحج ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء
والصبح، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبَّةٍ له من شَعَرٍ، فضربت بنيِرَةَ،
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تَشُكُّ قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف
ذلك فسخًا لإحرامهم فى الحج، أو كان الإحرام وقع مبهماً على انتظار القضاء ونزول الوحى
فيه؟ فأغنى ذلك عن إعادته ههنا .
وقول سراقة (( ألعامنا هذا أم للأبد؟)) يدل على وجوب العمرة، وأولا وجوب أصله
لما توهموا أنه يتكرر، ولم يحتاجوا إلى المسألة عنه .
وقوله (( دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)) قد تقدم ذكره، وقلنا: إن المراد به
دخولها فى قت الحج، وكانت قريش لانعتمر إلا فى أشهر الحج، وقيل: دخل أفعالها فى
أجزاء أفعال الحج، فاتحدنا فى العمل، فلا يطوف القارن أكثر من طواف واحد لهما،
وكذلك السعى، كما لا يحرم لهما إلا إحراماً واحداً .

- ٣٩٢ -
عند المشعر الحرام بالمزْدَلِة ، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قدضُرٍ بَتْ له بنَمِرَةَ، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس
أمر بالقَصْواء فرُحِلَت له ، فركب حتى أتى بَطْن الوادى، فخطب الناس فقال: إن دماءكم
وأموالكم عليكم حرام، حرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، ألا إنّ كلّشيء من
أمر الجاهلية تحت فَدَعَىَّ موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وأول دم أضعه دماؤنا :
دَمُ - قال عثمان: دم ابن ربيعة . وقال سليمان: دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وقال.
بعض هؤلاء: كان مُسْتَرْضَعاً فى بنى سعد، فقتلته هذيل - ورِبَا الجاهلية موضوع، وأول
رباً أضعه رِبَانًا : رِبا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ، اتقوا الله فى النساء ؛ فإنكم
أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإنَّ لكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْن
فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإن فَعَلْنَ فَاضْر بوهن ضرباً غير مُبَرِّحٍ ، ولهن عليكم رزقهن
وكسوتهن بالمعروف، وإنى قد تركت فيكم مَا لَنْ تَضِلّوا بعده، إن اعتصمتم به: كتابَ الله،
وأنّم مسؤولون عنى ، فما أنّم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بَلَغْتَ وأدَّيت ، ونصحت ، ثم قال
يإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينْكُتُها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ، اللهم
اشهد، ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب
القَصْوَاءَ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرات ، وجعل حَبْل المُشاة بين
يديه، فاستقبل القبلة ، فلم يزال واقفاً حتى غَرَ بَت الشمس،وذهبت الصفرة قليلاً، حين غاب
وقوله فى وضع دماء الجاهلية ورباهم ، فإنما بدأ فى ذلك بأهل بيته ، ليعلم أنه حكم عام فى
جماعة أهل الدين، ليس لأحد فيه ترفيه ولا ترخيص .
وفيه دليل على أن الإسلام یلقی الماضي من أحكام الكفر بالعفو ، والباقى بالرد، وهو باب
کبیرمن العلم، وقد أشبعت بيانه فی کتاب البيوع .
وقوله ((استحللتم فروجهن بكلمة الله )) فيه وجوه . أحسنها أن المراد به قوله (٢٢٩:٢
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).
وقوله (( إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه )) فإن معناه أن لا يأذن
لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن ، وكان الحديث من الرجال إلي النساء من عادات

- ٣٩٣ -
القرص، وأردَفَ أسامة خلفه ، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شَفَقَ للقصواء الزّمام،
حتى إن رأسها ليصيبُ مَوْرِكَ رَحْله، وهو يقول بيده اليمنى: السكينةَ أيها الناس ، السكينة
أيها الناس: كما أتى حَبْلاً (١) من الحبال أرخى لها حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة ، نجمع بين
المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين - قال عثمان: ولم يُسَبِّح بينهما شيئاً، ثم اتفقوا - ثم
اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح -
قال سليمان : بنداء وإقامة، ثم انفقوا ـ ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فَرَقِيَ
عليه - قال عثمان وسليمان: فاستقبل القبلة ، فحمد الله، وكبره، وهلله، زاد عثمان: ووَحَّده ـ
فلم يزال واقفً حتى أسفر جدًّا، ثم دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل أن تطلع الشمس،
وأردف الفضل بن عباس ، وكان رجلاً حسن الشعر، أبْيَضَ وسيماً ، فلما دفع رسول الله
صلى الله عليه وسلم مرّ الُّن يَجْرِ ين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يده على وجه الفضل ، وصرف الفضلُ وجهه إلى الشق الآخر ، وحوَّل رسول الله
صلى الله عليه وسلم يده إلى الشق الآخر ، وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر ،
حتى أتى مُحَتِيراً، فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى الذى يخرجك إلى الجمرة الكبرى،
حتى أنى الجمرة التى عند الشجرة، فرماها بسبع حَصَيَاتٍ ، يكتِر مع كل حصاة ، بمثل حصى
الخَذْف، فرمى من بطن الوادى ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُنْخَر،.
فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر عليًّا فنحر ما غَبَرَ - يقول: مابقى - وأشركه فى هَديه، ثم
العرب، لايرون ذلك عيباً ولا يعدونه ريبة ، فلما نزلت آية الحجاب وصارت النساء مقصورات
نهى عن محادثتهن والقعود إليهن ، وليس المراد بوطء الفرش ههنا نفس الزنا ، لأن ذلك
محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو كان المراد به الزنا لكان
الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم، دون الضرب الذى ليس
بمبرح .
وفيه من الفقه : أن صلاتى الظهر والعصر ◌ُجمعان بعرفة بأذان واحد وإقامتين ، وكذلك
المغرب والعشاء تجمعان بالمزدلفة مثل ذلك .
وفيه أن السنة أن يقف الإمام بالموقف إلى أن تغرب الشمس ثم يفيض .
(١) الحبل - بالحاء المهمله - التل من الرمل.

- ٣٩٤ -
أمر من كل بدنة ببَضْعة، فجعلت فى قدْر، فطُبخت، فأ كلا من لحمها وشربا من مَرّقها -
قال سليمان: ثم ركب - ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت ، فصلى بمكة
الظهر، ثم أبى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: امزِعوا بني عبد المطلب، فلولا
أن يغلبكم الناس على سقايتكم لَنَزَعْتُ معكم، فناولوه دلواً فشرب منه)).
وأخرجه مسلم وابن ماجة بنحوه مطولاً. وأخرجه النسائى مختصراً .
١٨٢٦ - وفى رواية، أدْرَج فى الحديث عند قوله ( واتخذوا من مقام ابراهيم مُصَلَى) قال:
((فقرأ فيهما بالتوحيد و (قل يا أيها الكافرون))).
١٨٢٧ - وفى رواية: ((فصلى المغرب والعَتّمَةَ بأذان وإقامة)».
١٨٢٨ - وعن جابر قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: «قد نحرتُ هُنَا، ومِنى كلها
مَنْحَر ، ووقف بعرفة فقال: قد وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف ، ووقف بالمزدلفة ، فقال:
قد وقفت ههنا ، ومز دلفة كلها موقف )).
١٨٢٩ - وفى رواية ((فانحروا فى رحالكم))
وأخرجه مسلم والنسائى بنحوه .
باب الوقوف بعرفة [١٣٢:٢ ]
١٨٣٠ - عن عائشة قالت: (( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّوْنَ
الحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، قالت: فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله
وقوله ((شنق لها)) معناه كَفَّها بزمامها. و((الحبال)) ما كان دون الجبال فى الارتفاع
واحدها حَبْل .
وفيه أن الدفع من المزدلفة إنما هو قبل طلوع الشمس ، وكان أهل الجاهلية يقفون بها حتى
تطلع الشمسٍ، ويقولون : أشْرِقْ تَبَير، كَيْمَا نغير.
وفيه أن التكبير عند رمي الجمار سنة ، وذلك أن التلبية تقطع عند رميها، فيكون التكبير
بدلاً عنها.
وفيه أن ذبح الرجل نسيكته بيده مستحب .
وقد قيل فى نحر النبى صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثًا وستين بدنة : أنه إنما بلغ بها هذا.
العدد ، لأن سِنَّه كان بلغ عامئذٍ ثلاثاً وستين، لتكون لكل سنة بدنة . والله أعلم.

-٣٩٥-
عليه وسلم أن يأتى عرفات، فيقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى (٢ : ١٩٩ ثم
أفيضوا من حيث أفاض الناس).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
باب الخروج إلى منى [٢: ١٣٢]
١٨٣١ - عن مِقْسم عن ابن عباس قال: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم
التروية، والفجر يوم عرفة ، بمنّى )).
وأخرجه الترمذى بنحوه، وذكر أن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة
أشياء، وعدّها ، وليس هذا الحديث مماعده شُعبة، فعلى هذا يكون هذا منقطعاً. والله عز
وجل أعلم .
١٨٣٢- وعن عبد العزيز بن رفيع قال: ((سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرنى بشيء
عَقَلَتَهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم
التروية؟ قال: بمنى ، قلت: أين صلى العصر يوم النَّفْر؟ قال: بالأبطَح ، ثم قال: افعل كما
٤
يفعل أمراؤك)» .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي .
باب الخروج إلى عرفة [٢٠: ١٣٢]
١٨٣٣ - عن ابن عمر قال: (( غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منی حین صلى الصبح ،
صبيحة يوم عرفة ، حتى أتى عرفة، فنزل بنَمِرَة، وهي منزل الإمام الذى ينزل به بعرفة(١)، حتى
إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهَجِراً ، فجمع بين الظهر والعصر،-
ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة)).
فى إسناده محمد بن إسحق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه .
باب الرواح إلى عرفة [١٣٣:٢]
١٨٣٤ - عن ابن عمر قال: ((لما [أَنْ] قَتَل الحجاجُ ابنَ الزبير أرسل إلى ابن عمر: أيَّةً ساعة
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يروح فى هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذاك رُحْنَا ، فلما أراد
(١) كذا بالغاء: بعرفة. لكن منزل الامام : بعرفة - بالنون - وهى التى بها نمرة. يصلى فيه
الظهر والعصر ، ثم يدفع إلى عرفة . ولابن القيم تحقيق فى هذا فى زاد المعاد .

- ٣٩٩ -
ابن عمر أن يروح، قال: قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت ؟ قالوا: لم تزغ، قال : فلما
قالوا : قد زاغت ، ارتحل )) .
وأخرجه ابن ماجة .
باب الخطبة بعرفة [ ١٣٣:٢]
١٨٣٥ - عن رجل من بنى ضَمْرة، عن أبيه أو عمه قال: (( رأيت رسول الله صلى الله.
عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة )).
فیه رجل مجهول .
١٨٣٦٠ - عن سلمة بن نُبَيْط عن رجل من الحى عن أبيه نبيط: ((أنه رأى النبى صلى الله
عليه وسلم واقفاً بعرفة على بعير أحمر يخطب)) .
وأخرجه النسائي وابن ماجة ، عن سلمة بن نبيط عن أبيه ، ولم يقولا : عن رجل من
الحى. وذكره البخارى فى التاريخ الكبير كذلك (١). وأبوه هو نبيط بن شَرِيط ، له صحبة،
ولأبيه شريط صحبة.
١٨٣٧ -وعن العَدَّاء بن خالد بن هَوْذة قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب
الناس يوم عرفة على بعير ، قائم فى الرِّ كابين ؟
باب موضع الوقوف بعرفة [١٣٣:٢]
١٨٣٨ - وعن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال: ((أنانا ابن مِنْ بَعَ
الأنصاری ونحن بعرفة فى مكان ، یباعده عمرو عن الإمام ، فقال : إنی رسول رسول الله
صلى الله عليه وسلم إليكم ، يقول لكم : قفوا على مشاعركم ، فإنكم على إرث من إرث
أبيكم إبراهيم)).
١٨٣٨ - ((المشاعر)) المعالم، وأصله من قولك: شعرت بالشىء، أى علمته، وليت شعرى
مافعل فلان، أى ليت على بلغه وأحاط به .
يريد قفوا بعرفة خارج الحرم ، فإن إبرهيم هو الذى جعلها مشعراً وموقفًللحاج، وكان
عامة العرب يقفون بعرفة ، وكانت قريش من بينها تقف داخل الحرم، وهم الذين كانوا
(١) التاريخ الكبير ج ٤ ق ٢ ص ١٣٧ - ١٣٨

- ٣٩٧٠-
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذى: حديث ابن مربع الأنصارى
حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، وابن مربع الأنصارى
اسمه يزيد بن مربع الأنصارى، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد . هذا آخر كلامه .
وقال غيره: اسمه عبد الله، وقيل: زيد. ومربع، بكسر الميم وسكون الراء المهملة
وفتح الباء الموحدة وتخفيفها .
باب الدَّفعة من عرفة [٢: ١٣٤]
١٨٣٩ - عن ابن عباس قال: ((أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة،
وعليه السَّكينة، ورَدِيفُه أسامة ، وقال : أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البِرِّ ليس
بإيجاف الخيل والإبل، قال: فما رأيتها رافعة يديها عادِيةً ، حتى أتى جْعاً - زاد وهب،
وهو ابن بيان - ثم أردف الفضلَ بن عباس، وقال: أيها الناس، إن البِرَّ ليس بإيجاف
الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة ، قال: فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منَّى)).
يسمون أنفسهم الخمس ، وهم أهل الصلابة والشدة فى الدين والتمسك به، والحماسة الشدة ،
يقال : رجل أحمس وقوم حمس .
وكانوا يزعمون أنا لا نخرج من الحرم ولا تُخليه، فردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك
من فعلهم ، وأعلمهم أنه شىء قد أحدثوه من قِبَلٍ أنفسهم، وأن الذى أورث إبرهيم من
سنته هو الوقوف بعرفة .
واختلفوا فيمن وقف من عرفة ببطن عُرَنة؟ فقال: الشافعى: لا يجزئه حجه . وقال
مالك : حجه صحيح ، وعليه دم .
١٨٣٩ - قوله (( أفاض)) معناه صدر راجعاً إلى منى ، وأصل الفيض: السيلان، يقال: فاض
الماء إذا سال ، وأفضته إذا أسلته.
((والإيجاف)) الإسراع فى السير، يقال: وجف الفرس وجيفاً، وأوجفه الفارس
إيجافاً، قال الله تعالى (٥٩: ٦ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب).

- ٣٩٨-
١٨٤٠ - وعن كريب أنه سأل أسامة بن زيد: قلت: «أخبرنى كيف فعلم، أو صنعتم،
عَشِيَّةَ رَدِفْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جئنا الشِعِبَ الذي يُنِيخُ الناس فيه
لُمُعَرَّ، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته ، ثم بال ، وما قال [زهير] أهراق
الماء، ثم دعا بالوضوء، فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ جدًّا، قلت: يارسول الله، الصلاةَ ؟
قال : الصلاةُ أمامك، قال: فركب ، حتى قدمنا المزدلفة ، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس
فى منازلهم، ولم يَحلَّوا حتى أقام العشاء وصلى ، ثم حلَّ الناس ، زاد محمد - وهو ابن كثير -
فى حديثه قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَهُ الفضل، وانطلقت أنا فى
سُبَّاقِ قريش على رِجْلىَّ)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
١٨٤١ - وعن على قال: (( ثم أردف أسامةَ، فجعل ◌ُعْنِقِ على ناقته، والناسُ يضربون
الإبل يميناً وشمالاً ، لا يلتفتُ إليهم ، ويقول: السكينة أيها الناس ، ودفع حين غابت
الشمس)) .
وأخرجه الترمذى بنحوه أتم منه . وقال: حسن صحيح ، لا نعرفه من حديث علي إلا
من هذا الوجه .
١٨٤٢ - وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ((سُئل أسامة بن زيد وأنا جالس :
كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير فى حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير
المَفَقَ، فإذا وجدَ فَجْوَةً نَصَّ ، قال هشام : النَّصُّ فوقَ العَنَّقَ )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة .
١٨٤٢ ( العَنَق)) السير الوسيع. و ((النصّ)) أرفع السير، وهو من قولهم: نصصت الحديث
إذا رفعته إلى قائله، ونسبته إليه ، ونصصت العروس إذا رفعتها فوق المِنَصَّة .
و ((الفجوة)) الفرجة بين المكانين.
وفى هذا بيان أن السكينة والتؤدة المأمور بها إنما هى من أجل الرفق بالناس ، لئلا
يتصادموا ، فإذا لم يكن زحام وكان فى الموضع سعة سار كيف شاء.

- ٣٩٩ -
١٧٤٣ - وعن كريب عن أسامة قال: ((كنت رِدْفَ النبى صلى الله عليه وسلم، فلما
وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
١٨٤٤ - وعنه عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: ((دفَعَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم من عرَفَةَ ، حتى إذا كان بالشّعبِ نزل فبال، فتوضأ، ولم يُسبغ الوضوء، قلت له :
الصَّلاَة ؟ فقال: الصلاة أمامك ، فركب، فلما جاء المزدلفة نزلَ ، فتوضأ ، فأسبغ الوضوء،
ثم أقيمت الصلاة ، فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله، ثم أقيمت العشاء
فصلاها، ولم يصل بينهما شيئاً)).
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى .
باب الصلاة يجمع [٢: ١٣٦ ]
١٨٤٥ - عن عبد الله بن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى المغرب والعشاء
بالمزدلفة جميعاً )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
١٨٤٤ - قلت: قوله ((الصلاة أمامك)) يحتج به أصحاب الرأى فيما ذهبوا إليه من إيجاب
الإعادة على من صلاها قبل أن يأتى المزدانة ، ومعناه - عند من ذهب إلى خلاف مدهبهم -
الترخيص والترفيه ، دون العزيمة والإيجاب .
١٨٤٥ - قلت : هذا سنة النبى صلى الله عليه وسلم فى الجمع بين هاتين الصلابين بالمزدلفة
فى وقت الآخرة منهما ، كما سن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة فى وقت الأولى منهما،
ومعناه الرخصة والترفيه، دون العزيمة ، إلا أن المستحب متابعة السنة والتمسك بها .
واختلفوا فيمن فَرَّق بين هاتين الصلاتين ، فصلى كل واحدة منهما فى وقتها أو صلاهما
قبل أن ينزل المزدلفة، فقال أكثر الفقهاء: إن ذلك يجزئه على الكراهة لفعله. وقال أصحاب
الرأى: إن صلاهما قبل أن يأتى جمعاً، كان عليه الإعادة . وحكى نجو من هذا عن سفيان
الثورى ، غير أنهم قالوا: إن فرق بين الظهر العصر أجزأه، على الكراهة لفعله، ولم يروا
عليه الإعادة
٢

- ٤٠٠ -
١٨٤٦ - وفى رواية: «بإقامةٍ إقامةٍ، جَمَعَ بينهما)).
وفى رواية: « صلى كل صلاة بإقامة )).
١٨٤٧ - وفى رواية: «بإقامة واحدة لكل صلاة، ولم يناد فى الأولى، ولم يسبح على
إثر واحدة منهما)) .
وفى رواية: (( ولم يناد فى واحدة منهما )).
١٨٤٨ - وعن عبد الله بن مالك قال: ((صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثاً ، والعشاء
ركعتين، فقال له مالك بن الحرث: ما هذه الصلاة؟ قال: صليتهما مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى هذا المكان بإقامة واحدة )).
وأخرجه الترمذى وقال : حسن صحيح .
١٨٤٨ قلت: اختلف الفقهاء فى ذلك، فقال الشافعى: لا يؤذن، ويصليها بإدامتين، وذلك
أن الأذان إنما سُنَّ لصلاة الوقت ، وصلاة المغرب لم تصلَّ فى وقتها ، فلا يؤذن لها ، كما
لا يؤذن للعصر بعرفة، وكذلك قال إسحق .
١٨٤٨ - قال ابن القيم رحمه الله: وذهب سفيان الثورى وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة
لها، كما جاء فى بعض روايات حديث ابن عمر.
قال ابن عبد البر: وهو محفوظ من روايات الثقات « أن النبى صلى الله عليه وسلم
صلى المغرب والعشاء بجمع باقامة واحدة )) .
قلت : وقد ثبت ذلك عن ابن عباس (« ان النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلاتين بالمزدلفة
بإقامة واحدة)).
وقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين ، وهو مذهب ابن مسعود، وفى صحيح البخارى
من حديث ابن مسعود (( أنه صلى الصلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة ))
قال ابن المنذر : وروى هذا عن عمر رضي الله عنه .
قال ابن عبد البر: ولا أعلم فى ذلك حديثاً مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم بوجه
من الوجوه ، ولكنه روى عن عمر بن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك .
ومذهب إسحق وسالم والقاسم : أنه يصليهما باقامتين فقط، وحجتهم حديث ابن عمر
المتقدم، وهو رواية عن أحمد، ومذهب أحمد والشافعى في الأصح عنه ، وأبى ثور وعبد