Indexed OCR Text
Pages 341-360
- ٣٤١ - ١٧٤٠ - وعن خَلَّد بن السائب الأنصارى عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتانى جبريلُ عليه السلام، فأمرنى أن آمر أصحابى ومَنْ معى أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ، أو قال: بالتلبية، يريد أحدهما)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى : حسن صحيح . باب متى تُقُطع التلبية [٢: ٩٩] ١٧٤١ - عن الفضل بن عباس: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَّى حتى رَتَى ◌َجْرَة العَقَبَة )). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وفى لفظ البخارى ومسلم: (( لم يزل يُلتّى حتى بلغ الجمرة)) ٠ فذهب الشافعى وغيره من العلماء إلى أنه يقطع التلبية مع أول حصاة ، على ظاهر هذا اللفظ ، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقطع التلبية حتى يرمى الجمرة بأسرها بسبع حصيات، على ظاهر اللفظ الآخر، وقولِ جابر بن عبد الله فى الحديث الطويل: ((ورماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة)»، وفى حديث ابن مسعود نحوه . وذلك يؤيد ما ذهب إليه الشافعى وغيره . ١٧٤٢ - وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: ((غَدَونا مع رسول الله صلى الله ١٧٤٠ - قلت : يحتج به من يري التلبية واجبة . وهو قول أبى حنيفة ، وقال: من لم يلب لزمه دم ، ولا شىء عند الشافعى على من لم يلب . ١٧٤١، ١٧٤٢ - قلت: ذهب عامة أهل العلم فى هذا إلى حديث الفضل بن عباس، دون حديث ابن عمر، وقالوا: لايزال يلبى حتى يرمى جمرة العقبة، إلا أنهم اختلفوا : فقال بعضهم : يقطعها مع أول حصاة ، وهو قول سفيان الثورى ، وأصحاب الرأى، وكذلك قال الشافعى . - ٣٤٢ - عليه وسلم من مِنِّى إلى عَرفات، منَّا الْمَتِى، ومنا المكَبْرَ ». وأخرجه مسلم بنحوه . باب متى يقطع المعتمر التلبية [٢: ١٠٠] ١٧٤٣ - عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يُلِّى المعتمر حتَّى يَسْتَكم الحَجَرَ)» وذكر أنه روى عن ابن عباس موقوفاً. وأخرجه الترمذى وقال: صحيح. هذا آخر كلامه . وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وقد تكلم فيه جماعة من الأيمة . باب المحرم يؤدب [غلامه] (١) [٢: ١٠٠] ١٧٤٤ - عن أسماء بنت أبى بكر قالت ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُجّاجاً، حتى إذا كُنَّا بِالْعَرْجُ(٢) نزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَنَزلنا، فجلستْ عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلست إلى جنب أبى، وكانتْ زِمَالَهُ أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدةً ، مع غلام لأبى بكر، فجلسَ أبو بكر يَنْتَظَر أن يَطْلُعَ عليه ، فطلع، وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك ? قال: أضلته البارحَةَ، فقال أبو بكر: جير واحدٌ تُضِلَّه؟ قال: فطفِقَ يضربه ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتبسَّمَ ، ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع ؟ ! - قال ابن أبى رِزْمة : فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟! ويتبسم)) وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده : محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . وقال أحمد وإسحق : يلبى حتى يرمى الجمرة ثم يقطعها . وقال مالك : يلبى حتى تزول الشمس يوم عرفة ، فإذا راح إلى المسجد قطعها . وقال الحسن: يلبى حتى يصلى الغداة من يوم عرفة ، فإذا صلى الغداة أمسك عنها. وكره مالك التلبية لغير المحرم، ولم يكرهها غيره . (١) الزيادة من السنن (٢) العرج: قرية جامعة من عمل الفرع - بضم العين - على أيام من المدينة - ٣٤٣ - باب الرجل يحرم فى ثيابه [٢: ١٠٠] ١٧٤٥ - عن صفوان بن يَعْلَى بن أمية عن أبيه: ((أن رجلاً أتى النبى صلى الله عليه وسلم وهو بالجِرَّانَّهَ ، وعليه أَثَرَ خَلُوقٍ ، أوقال: صُفرةٍ، وعليه جُبَةً، فقال: يارسول الله، كيف تأمر نى أن أصنع فى عمرتى؟ فأنزل الله تبارك وتعالى على النبى صلى الله عليه وسلم الوحى، فلما سُرِّىَ عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ قال: اغسل عنك أثر الحاوق، [ أو قال: أثر الصفرة * واخلع الجبة عنك، واصنع فى عمرتك ماصنعتَ فى حجك ](١))). ١٧٤٦ - وفى رواية: ((فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اخلع جبتك، فخلعها من رأسه)). ١٧٤٧ - وفى رواية: ((فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزِعَها تَزْعًا ، ويغتسل مرتين أو ثلاثًاً)). ١٧٤٥ - ١٧٤٧ - قلت : فيه من الفقه أن من أحرم وعليه ثياب مخيطة من قميص وجبة ونحوها ؛ يكن عليه تمزيقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم . وقد روى عن إبرهيم النخعى أنه قال : يشقه . وعن الشعبى قال: يمزق ثيابه . قلت : وهذا خلاف السنة ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمره بخلع الجبة وخلعها الرجل من رأسه، فى يوجب عليه غرامة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ، وتمزيق ١ التوب تضييع له ، فهو غير جائز . وقد يتوهم من لا ينعم النظر أن أمره إياه بغسل أثر الخلوق والصفرة إنما كان من أجل أن المحرم لا يجوزله أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام ، وليس هذا من أجل ذلك، ولكن من قبل أن التضَمَّخ بالزعفران حرام على الرجل، فى حُرْمه وحله . حدثنا ابن الأعرابي حدثنا موسى بن سهل الوشاء حدثنا اسمعيل بن عُلَيَّة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل)). وفى الحديث دليل أن المحرم إذا لبس ناسياً فلا شىء عليه، لأن الناسى فى معنى الجاهل. وذلك أن هذا الرجل كان حديث العهد بالإسلام جاهلاً بأحكامه، فعذره النبى صلى الله عليه وسلم، فر يلزمه غرامة . (١٠) الزيادة من السنن ، وهى تتمة الحديث. - ٣٤٤ - ١٧٤٨ - وفى رواية: ((أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالجِرَّانة، وقد أحرم بعمرة، وعليه حُبَّة، وهو مُصِفِرٌ لِحْيتَهَ ورأسه)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى باب ما يلبس المحرم [٢: ١٠١ ] ١٧٤٩ - عن سالم عن أبيه قال: ((سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميص ، ولا البُرْنُسَ، ولا السراويل ، ولا العمامة، ولا تَوَبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفَرَان، ولا الخُّفَين ، إلا أن لا يجدَ النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبَس الخفين ، ولْيَقْطَعْهما حتى يكونا أسْفُلَ من الكعبين ». . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بنحوه. ١٧٤٩، ١٧٥٠ - قلت: قوله ((لا يلبس البرنس»: دليل على أن كل شىء غطى رأسه، من معتاد اللباس ، كالعمامة والقلانس ونحوهما ، ومن نادره، كالبرنس، أو كالحمل بحمله على رأسه، والمِكْتَل يضعه فوقه، فكل مادخل فى معناه فإن فيه الفدية . وفيه أن المحرم منهى عن الطيب فى بدنه وفى لباسه ، وفى معناه الطيب فى طعامه، لأن بغية الناس فى تطبيب الطعام ، كبغيتهم فى تطييب اللباس . وفيه أنه إذا لم يجد نعلين ووجد خفين قطعهما ، ولم يكن ذلك من جملة مانهى عنه من تضييع المال ، لكنه مستثنى منه . وكل إتلاف من باب المصلحة فليس بتضييع ، وليس فى أمر الشريعة إلا الاتباع . ١٧٤٩ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله : حديث بن عمر هذا فيه أحكام عديدة : الحكم الأول : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس المحرم وهو غير محصور ، فأجاب بما لايلبس لحصره . فعلم أن غيره على الإباحة . ونبه بالقميص على مافصل البدن كله، من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقشين ونحوه. ونبه بالعمامة على كل ساتر الرأس معتاد، كالقبح والطاقية • القلنسوة والكلتة ونحوها، ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعاً، كالغفارة ونحوها . - ٣٤٥ - وقد اختلف الناس فى هذا: فقال عطاء : لا يقطعهما، لأن فى قطعهما فساداً، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وممن قال: يقطع، كما جاء فى الحديث : مالك وسفيان والشافعى وإسحق . . قلت : أنا أتعجب من أحمد فى هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه ، وقلَّت سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه ، إنما رواها ابن عمر ، إلا أن الزيادات مقبولة . وقول عطاء إن قطعهما فساد : يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر ، وإنما الفساد أن يفعل مانهت عنه الشريعة، فأما ما أذن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فليس بفساد . ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل ، كالتبان ونحوه . ونبه بالخفين على مافى معناهما ، من الجرموق والجورب والزربول ذى الساق ونحوه . الحكم الثاني : أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران . وليس هذا لكونه طيباً، فإن الطيب فى غير الورس والزعفران أشد، ولأنه خصه بالثوب دون البدن . وإنما هذا من أوصاف التوب الذى يحرم فيه ، أن لا يكون مصبوغاً بورس ولا زعفران ، وقد نهى أن يتزعفر الرجل ، وهذا منهى عنه خارج الإحرام ، وفى الإحرام أشد . والنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعرض هنا إلا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام الحكم الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم رخص فى لبس الخفين عند عدم النعلين ، ولم يذكر فدية ، ورخص فى حديث كعب بن عجرة فى حلق رأسه مع الفدية ، وكلاهما محظور بدون العذر. والفرق بينهما : أن أذي الرأس ضرورة خاصة لاتعم ، فهى رفاهية للحاجة . وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل ، والمبدل - وهو النعل ـ لافدية فيه، فلا فدية فى بدله ، وأما حلق الرأس فليس بيدل ، وإنما هو ترفه للحاجة ، جبر بالدم . الحكم الرابع : أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه ، فى حديث ابن عمر ، لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبهين بالنعل . فاختلف الفقهاء فى هذا القطع ، هل هو واجب أم لا؟ على قولين : أحدهما : أنه واجب ، وهذاقول الشافعى وأبي حنيفة ومالك والثورى وإسحق وابن المنذر ، - ٣٤٦ - وهذا فى الرجال دون النساء ، فأما النساء فإن حرمهن فى الوجه والكفين . وإذا لبست المرأة القفازين فقد اختلفوا فى ذلك : هل يجب عليها شىء أم لا؟ فذكر أكثر أهل العلم أنه لاشىء عليها، وعللوا حديث ابن عمر بأن ذكر القفازين إنما هو من من قول ابن عمر ، ليس عن النبى صلى الله عليه وسلم. وعلق الشافعى القول فى ذلك ، وقد قال فى المرأة إذا اختضبت : إنه لاشىء عليها ، فإن لفت على يديها خرقة لزمتها الفدية . واختلفوا فيه إذا قطع الخفين : هل يلزمه دم أم لا؟ فقال بعضهم: لاشىء عليه، لأنه صار بذلك فى معنى الفعل ، وقال آخرون: يلزمه الدم ، لأنه لم يأذن له فيه إلا عند عدم النعل . وإحدي الروايتين عن أحمد ، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعهما. وتعجب الخطابى من أحمد فقال : العجب من أحمد فى هذا ! فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه ، وقلت سنة لم تبلغه . وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية . والثانى : أن القطع ليس بواجب ، وهو أصح الروايتين عن أحمد ، ويروى عن على بن أبى طالب ، وهو قول أصحاب ابن عباس ، وعطاء، وعكرمة . وهذه الرواية أصح ، لما فى الصحيحين عن ابن عباس قال: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين )) ، فأطلق الإذن فى لبس الخفين ، ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات ، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة ، فإنه كان معه من أهل مكة واليمين والبوادى من لا يحصيهم إلا الله تعالى ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع . وفى صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)»، فهذا كلام مبتدأ من النبى صلى اللّه عليه وسلم، بين فيه فى عرفات فى أعظم جمع كان له ، أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، ولم يأمر بقطع ولا فتق ، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين ، وتأخير البيان عن وقته ممتنع . - ٣٤٧ - فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة ، وأن الذى شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع ، ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع فإن قيل : حديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق ، والحكم والسبب واحد ، . وفى مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد ، وقد أمر فى حديث ابن عمر بالقطع . فالجواب من وجهين : أحدهما: أن قوله فى حديث ابن عمر ((وليقطعهما )) قد قيل : إنه مدرج من كلام نافع . قال صاحب المغنى : كذلك روي فى أمالى أبى القاسم بن بشران بإسناد صحيح: أن نافعاً قال بعد روايته للحديث: ((وليقطع الخفين أسفل من الكعبين))، والإدراج فيه محتمل، لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالادراج فيه ممكن ، فإذا جاء مصرحاً به أن نافعاً قاله زال الاشكال . ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتى بقطعهما للنساء ، فأخبرته صفية بنت أبى عبيد عن عائشة: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية : فلما أخبرته بهذا رجع)). الجواب الثانى : أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال (( مايلبس المحرم من الثياب))؟ فأجابه بذلك ، وفيه الأمر بالقطع ، وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمروبن دينار روى الحديثين معاً، ثم قال: (( انظروا أيهما كان قبل ))، وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس . وقال الدار قطنى: قال أبو بكر النيسابورى: حديث ابن عمر قبل، لأنه قال: ((نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المسجد)) فذكره، وابن عباس يقول: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات)). فإن قيل : حديث ابن عباس رواه أبوب والثورى وابن عيينة وابن زيد وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ، ولم يقل أحدمنهم ((بعرفات)» غير شعبة ، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد . قيل : هذا عبث، فإن هذه اللفظة متفق عليها فى الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها ، وشعبة حفظها وغيرهلم ينفها، بل هى فى حكم جملة أخرى فى الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولايرد، ولهذا رواها الشيخان. وقد قال على رضي الله عنه: (قطع الخفين، فساد يلبسهما كما ها)) وهذا مقتضى القياس ، فان النبى صلى الله عليه وسلم سوى بين السراويل وبين الخف فى لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل ، ولم يأمر بفتق السراويل، لا فى حديث - ٣٤٨ - ابن عمر ولا فى حديث ابن عباس ولا غيرهما ، ولهذا كان مذهب الاكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الازار ، فكذلك الخف يلبس ولا يقطع ، ولا فرق بينهما . وأبو حنيفة طرد . القياس وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار . والجمهور قالوا : هذا خلاف النص ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((السراويل لمن لم يجد الازار)) وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز . ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر ، وأما النص فما تقدم تقريره . والعجب أن من يوجب القطع يوجب مالا فائدة فيه ، فانهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح فى عدم جواز لبسه . فأى معنى للقطع، والمقطوع عندكم کالصحيح ؟ ! وأما أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع ، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما . قال شيخنا : وأفتى به جدى أبو البركات فى آخر عمره لما حج . قال شيخنا: وهو الصحيح ، لأن المقطوع لبسه أصل لا بدل . قال شيخنا : فأبو حنيفة فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لابدل، جوز لبسه مطلقاً ، وهذا فهم صحيح، وقوله فى هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عند عدم الازار والخف عند عدم النعل ، وهذا فهم صحيح، وقولهم فى هذا أصح من قوله ، وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحاً بلا قطع عند عدم النعل ، وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح ، وقوله فى ذلك اُصح الأقوال . فإن قيل : فلو كان المقطوع أصلاً لم يكن عدم النعل شرطاً فيه ، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما جعله عند عدم النعل . قيل : بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف ، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه ، فدل على أنه بقطعه يخرج عن شبه الخف، ويلتحق بالنعل . وأما جعله عدم النعل شرطاً فلأجل أن القطع إفساد لصورته وماليته، وهذا لا يصار إليه إلا عند عدم الفعل ، وأما مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته . فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لابالخف ، كما قال أبو حنيفة ، وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه ، فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخف . - ٣٤٩ - 1 فإن قيل : فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والازار ، وهذا يفيد الجواز ، وأما سقوط الفدية فلا، فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة : يجوز له ذلك مع الفدية ؟ فاستفاد الجواز من هذا الحديث ، واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة ، حيت جوز له فعل المحظور مع الفدية ، فكان أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم، مع موافقته لابن عمر فى ذلك . قيل : بل إيجاب الفدية ضعيف فى النص والقياس، فإن النبى صلى اللّه عليه وسلم ذكر البدل فى حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ، وعائشة، ولم يأمر فى شيء منها بالفدية، مع الحاجة إلى بيانها ، وتأخير البيان عن وقته ممتنع ، فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجباً دليل على عدم الوجوب ، كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق ، ولو كان الفتق واجباً لبينه . وأما القياس فضعيف جداً . فإن قيل : هذا من باب الأبدال التى تجوز عند عدم مبدلاتها ، كالتراب عند عدم الماء ، وكالصيام عند العجز عن الاعتاق والإطعام ، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره ، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية ، والفرق بينهما أن الناس مشتركون فى الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم ، ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه ، فالحاجة إلى ذلك عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ، ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإن ذلك حاجة لعارض، ولهذا رخص النبى صلى الله عليه وسلم للنساء فى اللباس مطلقاً بلا فدية، ونهى عن النقاب والقفازين ، فإن المرأة لما كانت كلها عورة، وهى محتاجة إلى ستر بدنها، لم يكن عليها فى ستر بدنها فدية ، وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف سى عامة ، إذا لم يجدوا الإزار والنعال ، وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقاً أخذ بحديث القطع، وكان يأمر النساء بقطع الخفاف ، حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أرخص للنساء فى ذلك))، فرجع عن قوله . ومما يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم أرخص فى الخفين بلا قطع ، بعد أن منع منهما ، أن فى حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقاً ، ولم يبين فيه حالة من حالة ، وفى حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه فى لبس السراويل عند عدم الإزار ، فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت في لبس السراويل ، وأنها إنما شرعت وقت خطبته بها، وهى متأخرة ، قكان الأخذ بالمتأخر أولى، لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. - ٣٥٠ - فمدار المسئلة على ثلاث نكت : إحداها : أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات لم تشرع قبل. والثانية : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة : أن الخف المقطوع كالنعل أصل ، لا أنه بدل . والله أعلم . فصل وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب ، وأن تلبس القفازين ، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل، لاكرأسه ، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه ، النقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين. فان النبى صلى اللّه عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب ، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما، وهما القفازان ، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه ، وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم حرف واحد فى وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام ، إلا النهى عن النقاب ، وهو كالنهى عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله. وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطى وجهها وهى محرمة ، وقالت عائشة: ((كانت الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفنا )» ذكره أبو داود واشتراط الجافاة عن الوجه - كما ذكره القاضى وغيره - ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهباً قال صاحب المغنى: ولم أر هذا الشرط - يعنى المجافاة - عن أحمد ولا هو فى الخبر ، مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، فلو كان هذا شرطاً لبين ، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما. مما يعد لستر الوجه ، قال أحمد : لها أن تسدل على وجهها من فوق ، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل ، كأنه يقول : إن النقاب من أسفل على وجهها . تم كلامه . فإن قيل : فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((إحرام الرجل فى رأسه، وإحرام المرأة فى وجهها))، جعل وجه المرأة ڪرأس الرجل ، وهذا يدل على وجوب کشفه ؟ قيل : هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ، ولا يعرف - ٣٥١ - ١٧٥٠ - وعن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، بمعناه ، زاد : (( ولا تَنْتَقِبُ المرأة الحرام ، ولا تَلْبَسُ القَفَّزين» .. وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى . له إسناد ، ولا تقوم به حجة ، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها ، وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ، ونحوه ، لا مطلق الستر كاليدين . والله أعلم. ١٧٥٠ - قال ابن القيم رحمه الله: تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر، وعطاء وطاوس، ومجاهد، وإبرهيم النخعى، ومالك، والامام أحمد ، والشافعى فى أحد قوليه، وإسحق بن راهويه، وتذكر الرخصة عن على وعائشة وسعد بن أبى وقاص ، وبه قال الثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى فى القول الآخر . ونهى المرأة عن لبسهما ثابت فى الصحيح ، كنهى الرجل عن لبس القميص والعمائم ، وكلاهما فى حديث واحد، عن راو واحد ، وكنهيه المرأة عن النقاب ، وهو فى الحديث نفسه. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع ، وهى حجة على من خالفها وليس قول من خالفها حجة عليها . فأما تعليل حديث ابن عمر فى القفازين بأنه من قوله ، فإنه تعليل باطل ، وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث ((نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ، ولبسها القفازين))، ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً إليه ، ليس من كلام ابن عمر. وموضع الشبهة فى تعليله أن نافعاً اختلف عليه فيه : فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم، فذكر فيه ((ولا تلبس القفازين)) قال أبو داود: ورواه حاتم بن اسمعيل ويحي بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع - على ما قال الليث - ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفاً على ابن عمر . وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ، ومالك ، وأيوب موقوفاً، وكذلك هو فى الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول ((لا تنتقب المرأة ، ولا تلبس القفازين)) ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة فى الأكثر عنه، وإبرهيم بن سعد أيضاً رفعه عن نافع، ذكره أبو داود، ورواه محمد بن إسحق عن نافع مرفوعاً ، كما تقدم - ٣٥٢ - ١٧٥١ - وعنه: ((أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنَّقَاب وما مَسَّ الْوَرْسُ والزعفران من الثياب، ولْتَلْبَس بعد ذلك ما أحَبَّتْ من ألوان الثياب، مُعَصفَراً أو خَزَّ أو خُلِيًّا، أو سراويل، أو قميصاً، أو خُقًّا(١))). فى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . ١٧٥٢ - وعنه: ((أنه وجد القُرَّ، فقال: أَلْقٍ علىَّ ثوباً يا نافعُ ، فألقيتُ عليه بُرْنُسًا، فقال: تُلْقى عليَّ هذا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبسه المحرم؟!)) وأخرجه البخارى والنسائى المسند منه بنحوه أتم منه . ١٧٥٣ - وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((السَّراويل لمن لا تَجِدِ الإزار، والخفُّ لمن لا يجد النعلين)). وأخرج البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه. ١٧٥٣ - قلت : وفيه دليل على أنه إذا لم يجد الإزار فلبس السراويل، لم يكن عليه شىء . وإلى هذا ذهب عطاء والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق ، وحكى ذلك عن الثورى . ٠٠ فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخارى فى صحيحه والترمذى ، وقال : حديث صحيح ، ورواهالنسائى فى سننه ، ولم يروا وقف من وقفه علة . وأما حديث موسى بن عقبة فرواه النسائى فى سننه عن سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة - فذكر الحديث ، وقال فى آخره: ((ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين)) مرفوعا ، قال البخارى : تابعه موسى بن عقبة وإسمعيل بن إبرهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحق فى النقاب والقفازين، وقال عبيد الله: وكان يقول ((لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)) وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: ((لا تنتقب المرأة)) وتابعه ليث بن أبى سليم. فالبخارى رحمه الله ذكر تعليله، ولميرها علة مؤثرة، فأخرجه فى صحيحه عن عبد الله بن يزيدحدثنا الليث حدثنانافع عن ابن عمر - فذكره . (١) عند المنذرى ((أو ذهبا)) بدل ((أو خفا)). - ٣٥٣ - ١٧٥٤ - وعن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: ((كمنَّا نخرج مع النبى صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فتُضَمَّدُ جباهنا بالسُّكِّ (١) المطيَّب عند الإحرام ، وإذا عَرِقَتْ إحْدانا سال على وجهها ، فيراه النبى صلى الله عليه وسلم ، فلا ينهاها )) ١٧.٥٥ - وعن سالم بن عبد الله، أن عبد الله : - يعنى ابن عمر - ((كان يصنع ذلك - يعنى يقطع الخفين للمرأة المحرمة - ثم حَدَّنَتَهُ صَفيةُ بنتُ أَبِى عُبيد: أن عائشة حَدَّتها : أنَّ رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخَّصَ للنساء فى الخفين، فتُرك ذلك» فى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . باب المحرم يحمل السلاح (٢: ١٠٤] ١١٥٦ - عن البراء - وهو ابن عازب - قال: ((لمَّا صالح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الحُدْيِيَةَ، صالحهم على أنْ لا يَدَخلوها إلا يُحُلُبَّانِ السلاح، فسألته: ما جُلُبَّانُ السلاح؟ قال: القِراب بما فيه)). وأخرجه البخارى ومسلم أتم منه . وقال مالك : ليس له أن يلبس السراويل. وكذلك قال أبو حنيفة ، ويحكى عنه أنه قال: يفتق السراويل ويتَّزر به. وقالوا: هذا كما جاء فى الخف : أنه يقطع . قلت: والأصل فى المال أن تضييعه حرام، والرخصة إذا جاءت فى لبس السراويل. فظاشرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجب، وإذا فتق السراويل وأترز به لم تستقر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطى عورة ، وإنما هو لباس رفق وزينة ، فلا يشتبهان . ومرسل الإذن فى لبس السراويل إباحة لا تقتضى غرامة . ١٧٥٦ - هكذا جاء تفسير ((الجلبان)) فى هذا الحديث، ولم أسمع فيه من ثقة شيئاً، وزعم بعضهم أنه إنما سمى جلباناً لجفائه وارتفاع شخصه، من قولهم: رجلٍ جلُمَّان وامرأة جلبانة، إذا كانت جسيمة صافية الخلق . (١) السك - بضم السين المهملة وتشديد السكاف - نوع من الطيب معروف عندهم. ٢٣ - مختصر السنن - ج ٢ - ٣٥٤ - باب فى المحرمة تغطى وجهها [٢: ١٠٤] ١٧٥٧ - عن مجاهد عن عائشة قالت: ((كان الرُّكْبَانُ يَخْرُّون بنا، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحرِماتٍ ، فإذا حاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه)». وأخرجه ابن ماجة . وذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهداً لم يسمع من عائشة ، وقال أبو حاتم الرازى: مجاهد عن عائشة مرسل . وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث ، وفيها ما هو ظاهر فى سماعه منها ، وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وقد تكلم فيه غير واحد ، وأخرج له مسلم فى جماعة ، غير محتج به . باب فى المحرم يظلل [٢: ١٠٥] ١٧٥٨ - عن أم الحصين قالت: ((حجَجْنًا مع النبى صلى الله عليه وسلم حَجَّة الوَداع، قلت : ويشبه أن يكون المعنى فى مصالحتهم على أن لا يدخلوها إلا بالسيوف فى القُرُب أنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن يخفروا الذمة ، فاشترط حمل السلاح فى القَرُب معهم، ولم يشترط شهر السلاح ، ليكون سِمَة للصاح وأمارة له . ١٧٥٧ - قلت : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المحرمة عن النقاب، فأما سدل. الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء، ومنعوها أن تَلُفَّ الثوب. أو إلّمار على وجهها، أو تَشُدَّ النّاب، أو تتلم أو تتبرقع . وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها : عطاء ، ومالك ، وسفيان الثورى ، وأحمد بن حنبل ، واسحق. وهو قول محمد بن الحسن . وقد علق الشافعى. القول فيه . ١٧٥٨ - قلت : فيه من الفقه أن للمحرم أن يستظل بالمظالِّ، نازلاً بالأرض وراكباً على ظهور الدواب. ورخَّص فيه أكثر أهل العلم، إلا أن مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانا يكرهان ٠ - ٠ ٣٥٥ - فرأيتُ أسامةَ وبلالاً، وأحدهما آخذٌ بِخِطام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم، والآخر رافمٌ تَوَبَهُ ، ليستره من الحَرِّ ، حتى رَى ◌َمرة العقبة)). وأخرجه مسلم والنسائى . باب المحرم يحتجم [٢: ١٠٥ ] ١٧٥٩ - عن ابن عباس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى . للمحرم أن يستظل راكباً. وروى أحمد عن ابن عمر: (( أنه رأى رجلاً قد جعل على رحله. عوداً له شعبتان ، وجعل عليه ثوباً يستظل به وهو محرم، فقال له ابن عمر: اضْحَ الذى أحرمت له)) أى ابرز للشمس. وحدثنا ابن الأعرابى حدثنا إبرهيم بن حميد القاضى حدثنا الرياشي قال: رأيت أحمد بن المعدَّل فى الموقف فى يوم شديد الحر، وقد ضحى للشمس ، فقلت له : يا أبا الفضل ، هذا أمر قد اختلف فيه ، فلو أخذت بالتوسعة ؟ فأنشأ يقول: ضَحَيْت له كى أستظل بظله إذا الظل أمسى فى القيامة قالصا فوا أسفا إن کان سعيك باطلاً ویاحسرتا إن كان حجك ناقصا قلت : أحمد بن المعدل - هذا - بصرى مالكى المذهب، يعد من زُهَاد البصرة وعلمها وأخوه عبد الصمد بن المعدل الشاعر. وفى الحديث : دليل على جواز الوقوف على ظهور الدواب للحاجة تعرض ريما تقضى وأن قوله (( لا تتخذوا ظهور الدواب مقاعد)» إنما هو أن يستوطن ظهورها لغير أرب فى ذلك، ولا حاجة إليه . ١٧٥٩ - قات: لم يكره أكثر من كره من الفقهاء الحجامة للمحرم إلا من أجل قطع الشعر، فإن احتجم فى موضع لاشعر عليه فلا بأس به ، وإن قطع شعراً افتدى. ومن رخص - - ٣٥٦ - ١٧٦٠ - وعنه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، احتجم وهو محرم فى رأسه ، من داء كان به)). وأخرجه البخارى ، وأخرجه النسائى مختصراً . ١٧٦١ - وعن أنس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم على ظَهْر القَدَم من وَجَعٍ كان به » . وأخرجه الترمذى والنسائى. ولفظ النسائى ((من وَثْىٍ (١) كان به)). باب يكتحل المحرم [٢: ١٠٦ ] ١٧٦٢ - عن نبيه بن وَهْب قال: ((اشتكى عمر بن عبيد الله بن معمر عينيه، فأرسل إلى أبَان بن عثمان - قال سفيان: وهو أمير [الموسم] (٢)، ما يصنع بهما؟ قال: اضْمِدهما بالصبر، فإنى سمعت عمان يُحَدّث ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى . فى الحجامة للمحرم: سفيان الثورى وأصحاب الرأى، وهو قول الشافعى وأحمد واسحق . وقال مالك : لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة لابد منها . وكان الحسن يرى فى الحجامة دماً يهريقه . ١٧٦٢ - قلت : الصبر ليس بطيب، ولذلك رخّص له أن يتعالج به ، فأما الكحل الذى لاطيب فيه فلا بأس به للرجال . قال الشافعى: وأنا له فى النساء أشد كراهية مِّى له فى الرجال ، ولا أعلم على واحد منهما الغدية. ورخَّص فى الكحل للمحرم سفيان الثورى وأصحاب الرأى وأحمد وإسحق، وكره الإنمد المحرمة سفيان وأحمد وإسحق . (١) الؤلؤ - موهوز)، وقد بترك همزه، وهو ان يصيب العظم رض لا يبلغ الكسر، وظهر القدم لا شعر عليه . ٤ (٢) الزيادة من السنن . -- ٣٥٧ - باب المحرم يغتسل [١٠٦:٢ ] ١٧٦٣ - عن عبد الله بن حُنين: ((أن عبد الله بن عباس، والِسْوَرَ بن ◌َخْرَمة اختلف !. بالأَبْواء ، فقال ابن عباس: يَغْسِل المحرمُ رأسه ، وقال المسور : لا يغسل المحرم رأسه ، فأرسله عبد الله بن عباس إلى أبى أيُُّبِ الأنصارى، فوجده يغتسل بين القَرْنَينِ ، وهو يُسْتَرُ بثوب، قال: فسلَّمْتُ عليه ، فقال: من هذا ? قلت: أنا عبد الله بن حُنين ، أرسلنى إليك عبد الله بن عباس ، أسألك : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ قال : فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأه، حتى بدا لى رأسُه ، ثم قال: الإنسان يَصُبُّ عليه: اصْبُبْ، قال: فصبَّ على رأسه، ثم حَرَّك أبو أيوب رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبرَ ، ثم قال : هكذا رأيته يفعل » وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة . ١٧٦٣ - قلت: قد رخص للمحرم فى غسل رأسه أكثر أهل العلم، وكرهه مالك بن أنس وقال: يُغَيِّب رأسه فى الماء. ولست أعلم فيه معنى إلا أن يكون قد خاف أنه إذا دلك رأسه بيديه انْحَقَ شىء من شعره، فكره له ذلك من أجله . وأجمعوا أنه إذا احتلم كان عليه الاغتسال عامًّا فى جميع بدنه ، فأما كراهته تغييب الرأس فى الماء ، فلعله شبهه بتغطية الرأس بالثياب ونحوها ، ومن شبه الماء وما يفعله من مواراة بدن المنغمس فيه وتغطيته بالثياب ، لزمه أن يجيز للعريان - إذا انغمس فى الماء فغمر عورته - أن يصلى وهو فى الماء بلا ثياب ، لأن الماء قد ستر عورته عن الأبصار ، وما أرى أن أحداً من الفقهاء يقول ذلك ، إلا أن بعض من لايعبأ بقوله قد قال : إن ذلك يجزيه ، وقد استحب بعض أهل العلم العريان - إذا لم يجد ثوباً يصلى فيه - أن يطلى موضع العورة من بدنه بالطين ويصلى . وقوله (( بين القرنين)) يريد العمودين اللذين يشد فيهما الخشبة التى تعاق عليها البكرة. - ٣٥٨ - باب المحرم يتزوج [ ٢: ١٠٦ ] ١٧٦٤ - عن نبيه بن وهب أخى بنى عبدِ الدَّار: (( أن عمر بن عبيد الله أرسلنى إلى أبان بن عثمان بن عَفَّن ، يسأله وأبان يومئذ أمير الحاجّ، وهما محرمان: إنى أردتُ أن أُنْكحَ طَلحةَ بن عمر ابنةَ شيبةَ بن جُبير، فأردتُ أن تَحْضُرَ ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان ، وقال: إنى سمعت أبى عمانَ بْنَ عَفَّانَ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَنْكِحُ المحرمُ ولا يُنْكح)». ١٧٦٤ - قلت : قد ذهب إلى ظاهر هذا الحديث مالك والشافعى ، ورأيا النكاح إذا عقد فى الإحرام مفسوخاً ، سواء عقده المرء لنفسه أو كان وليًّا فعقده لغيره. وقال أصحاب الرأى : نكاح المحرم لنفسه وإنكاحه لغيره جائز ، واحتجوا فى ذلك بخبر ابن عباس (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم)): وتأول بعضهم خبر عثمان على معنى أنه إخبار عن حال المحرم ، وأنه لاشتغالة بنكه لا يقع لعقد النكاح ولا يفرغ له . وقال بعضهم: معنى ((لا ينكح)) أى لا يطأ، ليس أنه لا يعقد. قلت : الرواية الصحية. (لا يتكح المحرم)) بكسر الحاء، على معنى النهى، لا على حكاية الحال. وقصة أبان فى منعه عمر بن عبيد الله من العقد، وإنكاره ذلك عليه ، وهو راوى الحديث ، دليل على أن المعنى فى ذلك العقد . فأما أن المحرم مشغول بنُسُكه ممنوع من الوطء، فهذا من العلم العام المفروغ من بيانه باتفاق الجماعة والعامة من أهل العلم، والخبر الخاص إنما يساق لعلم خاص ومعنى مستفاد لولا الخبر لم يعلم ولم يستقر، فلا معنى لقصره على مالا فائدة له . وعُلم أن الظاهر من حفظ النكاح العقد فى عرف الناس، ولاشك أن قوله ((ولا ينكح)) عبارة عن التزويج بلا إشكال، فكذلك ((لا ينكح)) عبارة عن العقد ، لأن المعطوف به لا يخالف معنى المعطوف عليه فى حكم الظاهر . - ٣٥٩ - ١٧٦٥٠ - وفى رواية: (( ولا يخْطُب)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . ١٧٦٦ - وعن يزيد بن الأصَمِّ [ ابن أخى ميمونة] (١) عن ميمونة قالت: ((تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسَرِفَ)). وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة بنحوه . ١٧٦٧ - وعن ابن عباس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو مُحرم)) وأخرجه البخارى والترمذى والنسائي بنحوه . وعن سعيد بن المسيَّب ، قال: ((وَهِمَ ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم» . ١٧٦٦ قلت : وميمونة أعلى بشأنها من غيرها، وأخبرت بحالها وبكيفية الأمر في ذلك العقد ، وهو من أدل الدليل على وهم ابن عباس . وذهب الشافعى إلى أن المحرم إذا نكح فالعقد مفسوخ بلاطلقة . وقال مالك : يفسخ بطلقة ، لأن هذا نكاح مختلف فيه ، فيزال الاختلاف بالطلاق احتياطًا للفرج . ١٧٦٧ - : قلت : وقدذكر سعيد بن المسيب أن ماحكاه ابن عباس من ذلك وهم ، وحديث يزيد بن الأصم، وهو ابن أخى ميمونة، يؤكد ذلك [ وذكر الحديث ١٧٦٦] ١٧٦٧ - قال شمس الدين بن القيم رحمه الله: وعن سعيد بن المسيب قال: ((وهم ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم))، وقد روى مالك فى الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحرث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج)) وهذا، وإن كان ظاهره الإرسال ، فهو متصل ، لأن سلمان بن يسار رواه عن أبي رافع ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت الرسول بينهما))، وسليمان بن يسار مولى ميمونة ، وهذا صريح فى تزوجها بالوكالة قبل الإحرام (١) زيادة من السنن . - ٣٦٠ - باب ما يقتل المحرم من الدواب [٢: ١٠٧ ] ١٧٦٨ - عن سالم عن أبيه قال: ((سُئِلَ النبى صلى الله عليه وسلم عما يقتل المحرم من الدوابٌّ؟ فقال: خمسٌ، لا جُنَاحَ فِى قَتَلِهِنَّ على مَنْ قتلهن فى الحِلِّ والحَرَم : العقرب، والفأرة، والغراب، والخِدَأَةُ ، والكلب العقور)). وأخرجه مسلمٍ والنسائى. وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة . ١٧٦٩ - وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((َمَسْ قَتْلُهُنَّ خَلَالٌ فى الحرم: الحَيَّةَ، والعقرب، والِدَأَةُ، والفأرة، والكلب العَقُور ». فى إسناده محمد بن عجلان ، وقد تقدم الكلام عليه . ١٧٧٠ - وعن أبى سعيد الخدرى: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل المحرم؟ قال: الحية ، والعقرب، والفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِى الغرابَ ولا يقتله، والكلبَ العَقور، والحِدَأَّة، والسَّبُعُ العادى» . وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: حديث حسن. هذا آخر كلامه . وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وقد تقدم الكلام عليه ١٧٦٨ - ١٧٧٠ - قلت: اختلف أهل العلم فيما يقتله المحرم من الدواب ، فقال الشافعى: إذا قتل المحرم شيئاً من هذه الأعيان المذكورة فى هذه الأخبار فلا شيء عليه، وقاس عليها كل سَبُع ضارٍ ، وكل شىء من الحيوان لايؤ كل لحمه، لأن بعض هذه الأعيان سباع ضارية، وبعضها هوام قاتلة ، وبعضها طير لا يدخل فى معنى السباع، ولا هي من جملة الهوام ، وإنما هو حيوان مستخبث اللحم ، غير مستطاب الأكل ، وتحريم الأكل يجمعهن كلهن ، فاعتبره وجعله دليل الحكم. وقال مالك نحواً من قول الشامى ، إلا أنه قال: لا يقتل المحرم الغراب الصغير. وقال أصحاب الرأي : يقتل الكلب وسائر ماجاء فى الخبر، وقاسوا عليها الذئب ، ولم يجعلوا على قائله فدية ، وقالوا فى السبع والثمّر والفَهْد والخنزير: عليه الجزاء إن قتلها، إلا أن يكون قد ابتدأه شىء منها، فدفعه عن نفسه فقتله، فلا شيء عليه .