Indexed OCR Text
Pages 321-340
- ٣٢١ - وهذه القصة مذكورة فى حديث جابر الطويل ، وسيأتى إن شاء الله تعالى. .وأخرجه النسائى ، وفى إسناده يونس بن أبى إسحاق السَّبيعى، وقد احتج به مسلم، وتكلم وأبو قتادة ، وابن أبى أوفى ، فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح. ورواه الهرماس بن زياد، وسراقة بن مالك، وأبو طلحة، وأم سلمة، لكن روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمر أهله بالقران))، وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه فى إهلاله بنسكه أنه قال : ((لبيك حجاً وعمرة)) كأنس، وهو متفق على صحته، وكعلى بن أبى طالب، فإنه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بهما جميعاً)) وهو فى الصحيحين والنسائى وسنن أبى داود، .ولفظ أصحاب الصحيح: ((أن علياً أهل بحج وعمرة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد)). فقد أخبر على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعاً، وأهل هو بهما جميعاً وأخبر أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووافقه عثمان على ذلك . ومنهم من أخبر عن خبره صلى اللّه عليه وسلم عن نفسه، بأنه كان قارناً ، وهم البراء بن عازب ، فإنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظه، أنه قال لعلى: ((إنى سقت الهدى وقرنت)) وهو حديث صحيح رواه أهل السنن . ومنهم من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ الذى أمره به ربه، وهو أن يقول: ((عمرة فى حجة)) كعمر بن الخطاب . وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه : كلام فى غاية البطلان. ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقصوده علم بطلان هذا التأويل الفاسد . وقولهم: إن الرواية الصحيحة (( قل عمرة وحجة)) وأنه فصل بينهما بالواو، فهو صريح فى نفس القران ، فإنه جمع بينهما فى إحرامه ، وامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه ، وهو أحق من امتثله ، فقال: (( لبيك عمرة وحجاً » بالواو . وقولهم: يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله ، فعياذاً بالله من تقليد يوقع فى مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعتمر بعد حجته قط ، هذا مالا يشك فيه من له أدنى إلمام بالعلم ، وهو صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بامتثال أمر ربه، فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته، فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعاً . ونصرة الأقوال إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها . وقولهم : محمول على تحصيلهما معاً. قلنا: أجل ، وقد حصلهما صلى الله عليه وسلم جميعاً بالقران، على الوجه الذى أخبر به عن نفسه ، وتبعه أصحابه، من إهلاله. ومنهم من أخبر عن فعله، وهو عمران بن حصين فى الصحيحين عنه قال: (( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة)). وتأويل هذا بأنه أمرأو إذن، فى غاية الفساد، ولهذا قال: ((تمتع وتمتعنا (٢١ - مختصر السنن ج ٢) - ٣٢٢ - فيه جماعة ، وقال الإمام أحمد : حديثه فيه زيادة على حديث الناس . وقال البيهقى : كذا فى هذه الرواية ((وقرنت)) وليس ذلك فى حديث جابر حين وصف قدوم علىّ وإهلاله ، معه)) فأخبر عن فعله وفعلهم، وسمى القران تمتعاً، وهو لغة الصحابة، كما سيأتى. ومنهم من أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر ، وهم عبد الله بن عمر وعائشة، ففى الصحيحين عنهما: ((وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج)» موعن عائشة مثله .. وفى الصحيحين عن عائشة: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، الرابعة مع حجته)) ومن المعلوم ضرورة أنه لم يعتمر بعد الحج، فكانت عمرته مع حجته قطعاً. وفى الصحيحين مثله عن أنس. واتفق ستة عشر نفساً من الثقات عن أنس: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعاً)) ،وهم: الحسن البصرى ، وأبو قلابة ، وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل ، وقتادة ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، وثابت البنانى ، وبكر بن عبدالله المزنی ، وعبد العزيز بن صهيب ، وسلیمان التیمی ، ویحی بن أبیإسحق ، وزید بن أسلم ، ومصعب بن سليم ، وأبو أسماء ، وأبو قدامة ، وأبو قزعة الباهلى . وروی البزار من حديث ابن أبي أوفی قال : « إنما جمع رسول الله صلی الله عليه وسلم بین الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك)). وروي أبو القاسم البغوى من حديث سفيان بن عيينة عن ابن أبى خالد أنه سمع عبد الله بن أبى قتادة يقول: ((إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها )). وروى الإمام أحمد فى مسنده من حديث الهرماس بن زياد: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة)). وروى ابن أبى شيبة: حدثنا شبابة حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبى عمران قال: (( دخلت على أم سلمة أم المؤمنين ، فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهلوا يا آل محمد عمرة وحج)). ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لآله إلا أفضل الأنساك ، وهو الذى اختاره لعلى ، وأخبر عن نفسه أنه فعله . فهذه الأحاديث صحيحة صريحة ، لا تحتمل مطعناً فى سندها، ولا تأويلا يخالف مدلولها، وكلها دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارناً والذين عليهم مدار الإفراد أربعة: عائشة ، وابن عمر ، وجابر، وابن عباس . وكلهم قد روى القران . أما ابن عمر وعائشة ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: ((بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالغمرة ، ثم أهل بالحج)) وفى الصحيحين عن عروة: ((أن عائشة أخبرته عن رسول الله - ٣٢٣ - وحديث جابر أصح سنداً ، وأحسن سياقة ، ومع حديث جابر حديث أنس . يريد أن حديث أنس ذكر فيه قدوم علىّ، وذكر إهلاله، وليس فيه («قرنت)»، وهو فى الصحيحين. صلى الله عليه وسلم فى تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه بمثل هذا)). وروى عبد الرزاق: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع: ((أن ابن عمر قرن بين الحج والعمرة، فطاف بالبيت لهما وبين الصفا والمروة طوافاً واحداً، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم)). ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر. وقالت عائشة: (( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً سوی التی قرن حجة الوداع )). ذكره أبو داود، وسیأتی . وروى التوری عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر)) وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة، الحديث. وفى صحيح مسلم عن ابن عباس: ((أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبى صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدى من أصحابه، وحل بقيتهم)). وسيأتى فى كتاب السنن عن عكرمة عنه قال : . « اغتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطؤا على عمرة قابل ، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى قرن مع حجته )) وهذه العمرة التى قرنها مع حجته هى التى قال فيها: ((أهل النبى صلى الله عليه وسلم بعمرة)) رداً على من قال: أهل بحج مفرد . ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم قط عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: أنى أفردت الحج كما قال (قرنت)) ولا قال سمعته يقول لبيك حجاً كما قال ((لبيك حجاً وعمرة)) ولا هو أخبر عن نفسه بذلك ، ولا أحد من الصحابة أخبر عن لفظ إهلاله به . فأما إخباره عن نفسه بالقران وإخبار أصحابه عنه بلفظه، فصريح لا معارض له . والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع . وهم لا يتناقضون فى رواياتهم، بل رواياتهم يصدق بعضها بعضاً، وإنما وقع الاشكال حيث لم تقع الاحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم ، فإنهم كانوا يسمون القران تمتعاً، كما فى الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم ، وحديث على: ((أن عثمان لما نهى عن المتعة قال على: لبيك بهما، وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله لقول أحد)). ومن قال: أفرد الحج، لم يقل أفرد إهلال الحج، وإنما من مراده أنه اقتصر على أعمال الحج ، ودخلت عمرته فى حجه، فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل ، ولهذا أخبر أيضاً أنه قرن ، فعلم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا . ومن قال (( تمتع)) أراد به التمتع العام الذى يدخل فيه القران بنص القرآن، فى قوله تعالى (٢ : ١٩٦ ثمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) والقارن داخل فى هذا النص، فتمتع صلى الله عليه وسلم بترفهه بسقوط أجد السفرين، وقرن مجمعه فى إهلاله بين النسكين، وأفرد ، فلم يطف طوافين ، ولميسع سعيين ، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة فى هذا الباب جزم بهذا ، وهذا فصل النزاع. والله أعلم. - ٣٢٤ - ١٧٢٤ - وعن أبى وائل ، قال: قال الصُّبِىُّ بن معبد: «أهللت بهما جميعاً، فقال عمر: هُدِيتَ لسُنَّةَّ نبيك صلى الله عليه وسلم )) . وأخرجه النسائى وابن ماجة . قال البيهقى: وهذا الحديث يدل على جواز القِران، وأنه ليس بضلال، خلاف ما توهمه زيد بن صُوحان وسلمان بن ربيعة ، لا أنه أفضل من غيره . ١٧٢٥- [ وعن أبى وائل، قال: قال الصُّبِىُّ بن معبد: «كنت رجلاً أعرابياً ، نصرانياً، فأسلمت، فأتيت رجلا من عشيرتى يقال له: هُذَيْمُ بن ◌ُمَُّةَ، فقلت [ له]: ياهَنَاه، إنى حريص على الجهاد ، وإنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين علىّ ، فَتُكيف لى بأن أجمعهما ؟ قال : اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى، فأهللت بهما معاً ، فلما أتيت الْعُذَيْبَ لقينى سَلْمَانُ بن ربيعة وزيد ابن صوْحَان وأنا أهل بهما [ جميعاً] فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره. قال : فكأنما ألقى علىَّ جبل حتى أتيت عمر بن الخطاب ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إلى كنت رجلا أعرابياً نصرانياً؛ وإنى أسلمت، وأنا حريص على الجهاد ، وإنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين علىّ، فأتيت رجلا من قومى فقال إلى]: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى، وإني أهللت بهما معاً ، فقال [لى] عمر رضى الله عنه: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم))](١). ١٧٢٦ - وعن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أتانى الليلة آتٍ ، من عند ربي عز وجل، قال: وهو بالعقيق ، وقال : صَلٍّ فى هذا الوادى المبارك، وقال : عمرةً فى حجة )» . وفى رواية: ((وقل: عمرة فى حجة)). وأخرجه البخارى وابن ماجة. وفى لفظ للبخارى ((وقل: عمرة وحجة )» قال بعضهم: أى قل ذلك لأصحابك ، أى أعلمهم أن القِرَان جاز، واحتج به من يقول: إن القران (١) هذا الحديث تفصيل للحديث الذى قبله، رقم ١٧٧٤، وقد تركه المنذرى؛ وهو سياق جيد، وأصل فى أبى داود، فى رواية ابن داسة، فرأيت أنه يجب إثباته بنصه ، مع التنبيه إلى زيادته . وقد رواه الامام أحمد فى المسند ، بأسانيد صماح. أحمد محمد شاكر - ٣٢٥ - أفضل، وقال: لأنه الذى أمر به النبى صلى الله عليه وسلم، وأجيب بالرواية الصحيحة ، وهي قوله ((وعمرة وحجة))، ففصل بينهما بالواو، ويحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله ، فكأنه قال : إذا حججت فقل : لبيك بعمرة ، وتكون فى حجتك التى حججت فيها ، وقال بعضهم : هو محمول على معنى تحصيلها جميعاً، لأن عمرة المتمتع واقعة فى أشهر الحج . وفيه إعلام بفضيلة المكان والتبرك به والصلاة فيه. وفى رواية ((وقال: عمرة فى حجة))، ولم يقل: ((وقل)). ١٧٢٧ - وعن الربيع بن سَبْرة عن أبيه، قال: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كُنَّا بُعُسْفَانَ ، قال له سراقة بن مالك المُدْلِجِيّ: يا رسول الله، اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله عز وجل قد أدخل عليكم فى حجّكم هذا عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوَّفَ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقد حَلَّ، إلا من كان معه هدى». ١٧٢٨ وعن معاوية بن أبى سفيان قال: ((قَصَّرْتُ عن النبى صلى الله عليه وسلم [بمِشْقَصِ] على المروة، أو رأيته يُقَصَّر عنه على المروة بمشقص)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ١٧٢٩ - وعن ابن عباس أن معاوية قال له: ((أما علمتَ أنى قَصَّرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصِ أعرابىٍ ، على المروة ، لحجته؟)). ١٧٢٨ - قلت : هذا صنيع من كان متمتعاً ، وذلك أن المفرد والقارن لا يحلق رأسه ولا يقصر شعره إلا يوم النحر ، والمعتمر يقصره عند الفراغ من السعى . وفى الروايات الصحيحة أنه لم يُحْلق ولم يقصر إلا يوم النحر بعد رمي الجمار)» وهى أولى. ويشبه أن يكون ما حكاه معاوية إنما هو فى عمرة اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الحجة المشهورة له . والمشقص : نَصْل عريض . ١٧٢٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله - بعد قول المنذرى: وقد قالت حفصة ((مابال الناس حلوا)) الخ -: واحتج بهذا من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع فى حجة الوداع تمتعاً حل - ٣٢٦ - وأخرجه النسائى، وليس فيه ((لحجته)). وقوله ((لحجته)) يعنى لعمرته. وقد أخرجه النسائى أيضاً، وفيه: ((فى عمرة على المروة)) وتسمى العمرة حجًّا، لأن معناها المقصد . وقد قالت حفصة رضى الله عنها: (ما بالُ الناس حَلّوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟)) قيل: إنما تغنى من حجتك . ١٧٣٠ - وعن ابن عباس قال: ((أهلَّ النبى صلى الله عليه وسلم بعمرة، وأهل أصحابه بحج)). وأخرجه مسلم والنسائى . ١٧٣١ - وعن عبد الله بن عمر قال: ((تمتّع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حَجّة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق معه الهدى من ذى الحُليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلَّ بالعمرة، ثم أهل بالحج ، وَتَّع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدى، ومنهم من لم يُهْدِ ، فلما فيه ، كالقاضي أبى يعلى وغيره . وهذا غلط منهم ، فان المعلوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يحل بعمرة فى حجته، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: ((لولا أن معى الهدى لأحللت )) وهذا لا يستريب فيه من له علم بالحديث ، فهذا لم يقع فى حجته بلا ريب ، وإنما وقع فى بعض عمره ، ويتعين أن يكون فى عمرة الجعرانة ، والله أعلم، لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه ، فلم يقصر عنه فى عمرة الحديبية ، ولا عمرة القضية ، والنبي صلى الله عليه وسلمهلم يكن محرماً فى الفتح ، ولم يحل من إحرامه فى حجة الوداع بعمرة، فتعين أن يكون ذلك فى عمرة الجعرانة، هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذى قصر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى، وهو قوله ((رأيته يقصر عنه على المروة)» فيجوز أن يكون فى عمرة القضية أو الجعرانة حسب، ولا يجوز فى غيرهما لما تقدم . والله أعلم . ١٧٣١ - قال ابن القيم رحمه الله - بعد قول المنذرى: وفي لفظ مسلم ((لى بالحج وحده)) إلخ - : الذين قالوا قرن النى صلى الله عليه وسلم فى حجته اختلفت طرقهم فى كيفية قرانه : فطائفة قالت: أحرم بالعمرة أولا ، ثم أدخل عليها الحج وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم ، وهى طريقة أبى حاتم بن حبان فى صحيحه : قال : هذه الأخبار التى ذكرنا فى إفراد النبى صلى الله عليه وسلم مما تنازع الأئمة فيها من زمان إلى زماننا هذا، وشنع بها المعطلة وأهل البدع على أئمتنا ، وقالوا : رويتم ثلاثة أحاديث متضادة فى فعل واحد - ٣٢٧ - قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال الناس : من كان منكم أهدى ، فإنه لا يَحِلّ له من شىء حُرُمَ منه حتى يقضى حَجَّهُ ، ومن لم يكن منكم أهدى فَلْيَطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة ، وليُقَصِّر ولْيَحلِلْ ، ثم ليهلَّ بالحج وليُهْدِ ، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة ، فاستلم الّكْن أوَّلَ شىء ، ثم خَبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعةَ أطواف ، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سَلَّم ، فانصرف ، فأتى الصفا، فطاف بالصفا ورجل واحد وحالة واحدة ، وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقل ، والعقل يدفع ماقلتم ، إذ محال أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع كان مفرداً قارناً متمتعاً - إلى أن قال: ولو توجه قائل هذا فى الخلوة إلى البارى وسأله التوفيق لإصابة الحق والهداية لطلب الرشد فى الجمع بين الأخبار ونفى التضاد عن الآثار ، لعلم بتوفيق الواحد القهار أن أخبار المصطفى لاتتضاد ولا تهاتر ، ولا يكذب بعضها بعضاً، إذا صحت من جهة النقل . قال : والفصل بين الجمع فى هذه الأخبار : أن النبى صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة حيث أحرم ، كذلك قاله مالك عن الزهرى عن عروة عن عائشة ؛ خرج وهو مهل بالعمرة وحدها، حتى إذا بلغ سرف أمر أصحابه بماذكرنا فى خبر أفلح بن حميد ، يعنى بالفسخ إلى العمرة ، فمنهم من أفرد، ومنهم من أقام على عمرته ، وأما من ساق الهدى منهم فأدخل الحج على عمرته ، ولم محل ، فأهل صلى الله عليه وسلم بهما معاً حينئذ إلى أن دخل مكة . وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدى . فکل خبر روی فی قران النبي صلى الله عليه وسلم . إنما کان ذلك حیث رأوه یہل بهما بعد إدخاله الحج على العمرة ، إلى أن دخل مكة ، فطاف وسعى ، وأمر ثانياً من لم يكن ساق الهدى وكان قد أهل بعمرة أن يتمتع ويحل ، وكان يتليف على مافاته من الإهلال حيث كان ساق الهدى ، حتى إن بعض الصحابة ممن لم يكن ساق الهدى لم يحلوا، حيث رأوه صلى الله عليه وسلم لم يحل ، حتى كان من أمره ماوصفنا من دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهو مغضب، فلما كان يوم التروية وأحرم المتمتعون خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى وهو يهل بالحج مفرداً، إذ العمرة التى قد أهل بها فى أول الأمر قدانقضت عند دخوله مكة بطوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة . فحكى ابن عمر وعائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ، أرادا خروجه إلى منى من مكة ، من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضاد أو تهاتر . وفقنا الله لما يحبه من الخضوع عند ورود السنن إذا صحت ، والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلزاق الخطأ - ٣٢٨ - والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شىء حرم منه ، حتی قضی حجه ، ومحر هديه يوم النَّحر، وأفاضَ ، فطاف بالبيت ، ثم حَلَّ من كل شىء حرم منه، وفعل الناسُ مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَنْ أهدى وساق الهدى من الناس)) أخرجه البخاري ومسلم والنسائى . بها إذا لم يوفق لإ دراك حقيقة الصواب، دون القدح فى السنن، والتعريح على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة ، إنه خير مسؤول . تم كلامه . وطائفة قالت : كان مفرداً أولا، ثم أدخل العمرة على الحج ، فصار قارناً ، فظنوا أن ذلك من خصائصه، وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث . وهذا، مع أن الأكثر لا يجوزونه، فلم تأت لفظة واحده تدل عليه ، بخلاف الأول ، فإنه قد قاله طائفة ، وفيه أحاديث صحاح . وطائفة قالت : قرن ابتداء من حين أحرم ، وهو أصح الأقوال ، لحديث عمر وأنس وغيرهما وقد تقدما . والذين قالوا : أفرد ، طائفتان : طائفة ظنت أنه أفرد إفراداً اعتمر عقبه من التنعيم . وهذا غلط بلا ريب، لم ينقل قط بإسناد صحيح ولاضعيف ، ولا قاله أحد من الصحابة ، وهو خلاف المتواتر المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم. وطائفة قالت : أفرد إفراداً اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر . والأحاديث الثابتة التى اتفق. أئمة الحديث على صحتها صريحة فى أنه اعتمر عقبه، فهو باطل قطعاً، وإن كان إفراداً مجرداً عن العمرة ، فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه . والذين قالوا : تمتع ، طائفتان : طائفة قالت : تمتع تمتعاً حل منه . وهذا باطل قطعاً كما تقدم . وطائفة قالت : تمتع تمتعاً لم يحل منه لأجل الهدى . وهذا وإن كان أقل خطأ من الذى قبله ، فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن ، إلا أن يريدوا بالتمتع القران ، فهذا حق . وطائفة قالت : أحرم إحراماً مطلقاً ، ثم عينه بالإفراد ، وهذا أيضاً يكفى فى رده الأحاديث الثابتة الصريحة . وطائفة قالت : قرن وطاف طوافين ، وسعى سعيين . والأحاديث الثابتة التى لامطعن فيها. تبطل ذلك . والله أعلم . - ٣٢٩ - ١٧٣٢ - وعن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «يارسول الله، ما شأنٌ الناس جَلوا ولم تحلل أنتَ من عمرتك؟ فقال: إنى لَبَدْتُ رأسى، وَقَلّدْتُ هدبي ، فلا أحل حتى أنحر » . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . قد تقدم أن المراد بالعمرة ههنا الحج. وقد روى («حلوا فلم تحلل من حجك )). ١٧٣٢ - قلت : هذا يبين لك أنه قد كانت هناك عمرة ، ولكنه قد أدخل عليها حجة ، وصار بذلك قارناً ، وهذه الأخبار كلها مؤتلفة غير مختلفة ، على الوجه الذى ذكرناها ورتبناها، ولم يختلف الناس فى أن إدخال الحج على العمرة جائز، مالم يفتتح الطواف بالبيت للعمرة . واختلفوا فى إدخال العمرة على الحج، فقال مالك والشافعى : لا يدخل عمرة على الحج ، وقال أصحاب الرأى : إذا أدخل العمرة على الحج صار قارناً . ١٧٣٢- قال ابن القيم رحمه الله: وقد تأتي ((من)) بمعنى الباء كقوله (١٣: ١١ يحفظونه من أمر الله) أى بأمره، تريد: ولم تحل أنت بعمرة. وقالت طائفة : معناه لم تحل من العمرة التى أمرت الناس بها . وقالت طائفة : هذه اللفظة غير محفوظة ، فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها فى حديثه ، حكاهما ابن حزم . وقالت طائفة: هى مروية بالمعنى، والحديث ((ولم تحل أنت من حجك)) فأبدل لفظ الحج بالعمرة. وقالت طائفة : الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه فى عمرة ، وليس فيه أنها عمرة مفردة لاحجة معها . وقد أخبر عن نفسه بأنه قرن ، فهو إذن فى حج وعمرة، ومن كان فى حج وعمرة فهو فى عمرة قطعاً . وهذه الوجوه بعضها واه ، وبعضها مقارب . فقول من قال: المراد به من حجتك - بعيد جداً، إذ لا يعبر بالعمرة عن الحج ، وليس هذا عرف الشرع ؛ ولا يطلق ذلك إلا إطلاقاً مقيداً ؛ فيقال : هى الحج الأصغر. - ٣٣٠ - باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة (١) [٢: ٩٦] ١٧٣٣ - عن سُليم بن الأسود: (( أن أبا ذرٍ كان يقول، فيمن حج ثم فَسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّ كب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد أخرجه مسلم فى صحيحه من حديث يزيد بن شَريك التيمى عن أبى در قال: (( كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة)» وأخرجه النسائي وابن ماجة * وقول من قال: إنها ظنت أنه صلى الله عليه وسلم كان فسخ العمرة ، كما أمر أصحابه ، ولم يحل كما أحلوا - فبعيد جداً، فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمراً فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة ، وهى تراه لم يحل ؟ وأما قول من قال: معناه لم تحل بعمرة، و((من)) بمعنى الباء - فتعسف ظاهر، وإضافة. العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هوفيها . وأما قول من قال: معناه لم تحلل من العمرة التى أمرت الناس بها - ففاسد ، فإنه كيف يحل من عمرة غيره ؟ وحفصة أجل من أن تسأل مثل هذا السؤال ؟ وأما قول من قال : إن هذه اللفظة غير محفوظة، ولم يذكرها عبيد الله - خطأ من وجهين : أحدهما: أن مالكا قد ذكرها، ومالك مالك(٢). والثانى: أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضاً، ذكره مسلم فى الصحيح عن يحيى بن سعيد(٣) عن عبيد الله، فذكر الحديث ، وفيه: ((ولم تحل من عمرتك » وقول من قال : مروية بالمعنى - بعيد أيضاً . فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب ؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه فى عمرة ، وهذا لا ينفي أن يكون فى حجة . وأجود منه أن يقال : المراد بالعمرة المتعة ، وقد تقدم أن التمتع يراد به القرآن ، والعمرة تطلق على التمتع ، فيكون المراد: لم تحل من قرانك وسمته، عمرة، كما يسمى تمتعاً . وهذه لغة الصحابة كما تقدم . والله أعلم . ١٧٣٣ - * قال ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث قد تضمن أمرين: أحدهما : فعل الصحابة لها ، وهوبلا ريب بأمر النبى صلى الله عليه وسلم، وهذارواية . (١) العنوان زدناه من السفن (٢) يريد تفخيم شأنه ، فمالك هو مالك، أى المعروف بالامامة والحفظ والاتقان والثقة . (٣) فى الأصل ((عن محمد بن سعيد))، وهو خطأً، صمحناه من صحيح مسلم ١: ٣٥١ - ٣٥٢. - ٣٣١ - ١٧٣٤ - وعن بلال بن الحرث، قال: (( قلت: يا رسول الله، فَسْخُ الحج لنا خاصَّةً، أو لمن بعدنا؟ قال: لكم خاصة)). وأخرجه النسائى وابن ماجة . قال الدار قطنى: تفرد به ربيعة بن عبد الرحمن عن الحرث عن أبيه، وتفرد به عبد العزيز الدراوردى عنه . هذا آخر كلامه . والحرث هو ابن بلال بن الحرث، وهو شبه المجهول . وقد قال الإمام أحمد ، فی حدیث بلال هذا : إنه لا يثبت. هذا آخر كلامه . وحديث أبى ذر فى ذلك صحيح. وقد تقدم الكلام على فسخ الحج إِلى العمرة . ١٧٣٤ - قلت : قد قيل: إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة ، لأنهم كانوا يحرِّمون العمرة فى أشهر الحج ، ولا يستبيحونها فيها، ففسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عليهم، وأمرهم بالعمرة فى زمان الحج ليزولواعن سنة الجاهلية، وليتمسكوا بما سُنَّ لهم فى الإسلام ، وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه . وقد اتفق عوام أهل العلم على أنه إذا فسد حجه مضى فيه مع الفساد . واختلفوا فيمن أهلَّ بحجتين ، فقال الشافعى، وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه : لا يلزمه إلا حجة واحدة. ومن حجتهم فى ذلك أن المضى فيهما لا يلزم ، ولو فعله لم يصح بالإجماع . والثانى : اختصاصهم بها دون غيرهم ، وهذا رأى ، فروايته حجة، ورأيه غير حجة ، وقد خالفه فيه عبدالله بن عباس ، وأبو موسى الأشعرى . وقد حمله طائفة على أن الذى اختصوا به هو وجوب الفسخ عليهم حتما ، وأما غيرهم فيستحب له ذلك ، هذا إن كان مراده متعة الفسخ ، وإن كان المراد مطلق المتعة فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة . والله أعلم . ١٧٣٤ - قال ابن القيم رحمه الله : وقد قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث بلال بن الحرث المزنى فى فسخ الحج ؟ فقال: لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف، ولم يروه إلا الدراوردى وحده . وقال عبد الحق : الصحيح فى هذا قول أبى ذر غير مرفوع إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن القطان: فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث ، والحرث بن بلال لا يعرف حاله . - ٣٣٢ - باب الرجل يحج عن غيره [٢: ٩٦] ١٧٣٥ - عن عبد الله بن عباس، قال: ((كان الفضلُ بن عباس رَدِيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءته امرأة من خَتْعَمٍ تَسْتفتيه، فجعل الفضلُ ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وجه الفضل إلى الشِّقِّ الآخر، فقالت : يارسول الله، إنَّ فريضة الله عَز وجل على عباده فى الحج أدْرَ كَتْ أبى شَيْخاً كبيراً ، وقال أصحاب الرأى : يرفض إحداهما إلى قابل ، ويمضى فى الأخرى، وعليه دم . قلت: لو لزمتاه لم يكن له رفض إحداهما إلى قابل ، لأنه لايكون فى معنى الفسخ، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن فسخ الحج كان لهم خاصًّا دون من بعدهم. وقال سفيان : يلزمه حجة وعمرة من عامه ، ويهر يق دماً، ويحج من قابل . وحكى عن مالك أنه قال : يصير قارناً ، وعليه دم . ولا يلزمه على مذهب الشافعى شىء من عمرة ولا دم ، ولا قضاء من قابل . ١٧٣٥ - قلت: فى هذا الحديث بيان جواز حج الانسان عن غيره حيًّا وميتاً، وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التى لا تجرى فيها النيابة، وإلى هذا ذهب الشافعى . وكان مالك لايرى ذلك ، وقال: لا يجزئه إن فعل ، وهو الذی روی حديث ابن عباس» وكان يقول فى الحج عن الميت ، إن لم يوص به الميت : إن تصدق عنه وأعتق أحب إلىّ من أن يحج عنه . وكان إبرهيم النخعى وابن أبى ذئب يقولان: لا يحج أحد عن أحد ، والحديث حجة على جماعتهم . : قلت : وفيه دليل على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالاً في حال كبره وزمانته، إذ كان قادراً به على أن يأمر غيره فيحج عنه ، كما لو قدر على ذلك بنفسه . وقد يتأول بعضهم قولها (( إن فريضة الله أدركت أبى شيخاً)) فقال : معناه أنه أسلم وهو شيخ كبير . - ٣٣٣ - لا يستطيع أن يَثْبُتَ على الراحلة، أفأحُجَ عنه؟ قال: نعم. وذلك فى حجة الوداع)) ٦/١٠/ وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي. وقدأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ١٧٣٦ - وعن أبى رَزِين - وهو لقيط المُقَبلى - أنه قال: (( يارسول الله ، إن أبى شيخ كبير، لا يستطيع الحجّ والعمرة ولا الظَّعْنَ، قال: أُحْجُجْ عن أبيك واعتمر)). وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد : لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه». ١٧٣٦ - * قال ابن القيم رحمه الله: قول الامام أحمد ، قال البيهقى قال مسلم: سمعت أحمد بن حنبل يقول - فذكره وفى سنن ابن ماجة بإسناد على شرط الصحيحين عن عائشة قالت: ((قلت يارسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)). واحتج من نفى الوجوب بحديث جابر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة، أواجبة هى ؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك))، رواه الترمذى من حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال : حسن صحيح. قال البيهقى : كذا رواه الحجاج مرفوعاً ، والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع. وقد نوقش الترمذى فى تصحيحه ، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة ، وقد ضعف ، ولو كان ثقة فهو مدلس كبير ، وقد قال : عن محمد بن المنكدر، لم يذكر سماعاً ، ولا ريب أن هذا قادح فى صحة الحديث . وقد قال الشافعى: ليس فى العمرة شيء ثابت بأنها تطوع ، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، لا تقوم بمثله حجة . تم كلامه . قال البيهقى : وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعاً: (( الحج والعمرة فريضتان واجبتان))، قال البيهقى: وهذا أيضاً ضعيف لا يصح. فقد سقط الإحتجاج برواية جابر من الطريقين. وفى سنن ابن ماجة من حديث عمر بن قيس : أخبرنى طلحة بن يحي عن محمد بن إسحق عن طلحة بن عبيد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)» رواه عن هشام بن عمار عن الحسن بن يحي الخشنى. - ٣٣٤ - ١٧٣٧ - وعن ابن عباس: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لَبَّيك عن شَهْرُمَةَ ، قال: من شبرمة ؟ قال: أخْ لى، أو قريب لى، قال: حَجَجْت عن تمسك ؟ قال: لا ، قال: حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شبرمة ». وأخرجه ابن ماجة . وقال البيهقى : هذا إسناد صحيح، ليس فى الباب أصح منه . وفيه دليل على أن حج المرأة عن الرجل جائز. وقد منع ذلك بعض أهل العلم ، وزعم .أن المرأة تلبس فى الإحرام ما لا يلبسه الرجل ، فلا يحج عنه إلا رجل مثله . وحكى عن مالك وعن أبى حنيفة أنهما قالا : الزمن لا يلزمه فرض الحج ، إلا أن . أبا حنيفة قال : إن لزمه الفرض فى حال الصحة ثم زمن، لم يسقط عنه بالزمانة . وقال مالك : يسقط . واستدل الشافعى بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده . ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض الحج على أبيها فى حال الزمانة ، وهو قولها: (( إن فريضة الله على عباده أدركت أبى شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة)» ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور، إما بمال أو بقوة بدن ، أو وجود طاعة من ذى قوة ، وقد علمنا عجزه ببدنه، ولم يجر المال ذكر، وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه ، فدل أن الوجوب تعلق به ، ومعلوم فى اللسان أن يقال : فلان مستطیع لأنیبنی داره، إذا كان يجد من یطیعه فى ابتنائها ، کما إذا وجدمالاً ینفقه فى بنائها، وكما لو قدر عليه بنفسه . ١٧٣٧ - قلت : فيه من الفقه أن الصرورة لايحج عن غيره حتى يحج عن نفسه . وفيه أن حج المرء عن غيره إذا كان قد حج عن نفسه جائز . وفيه أن من أهَلَّ بحجتين لم يلزمه إلا واحدة ، ولو كان لاجتماع وجو بهما مساع فى وقت واحد لأشبه أن يجمع عليه الأمرين . فدل على أن الإحرام لا ينعقد إلا بواحدة . - ٣٣٥ - باب كيف التلبية [٩٨:٢] ١٧٣٨ -عن عبد الله بن عمر: ((أنَّ تَلْبِيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَبَيْكَ اللهم لبيك» كَبَّيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمة لك، والملك لا شريك لك، قال: وكان قلت: وقد روى فى حديث شبرمة هذا أنه قال له: ((فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة)» هكذا حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعى أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبى قلابة عن ابن عباس - وذكر القصة- وقال فيها: ((فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة)»، هكذا قال عن ابن عباس، إيذكر فيه النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا يوجب أن يكون إحرامه عن شبرمة قد انقلب عن فرضه بنفسه . وقد اختلف الناس فى هذا ، فقال الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه : لا يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه . وهو قول الأوزاعى . وقال أصحاب الرأى: له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وقال الثورى نحواً من ذلك : وهو قول مالك بن أنس . ١٧٣٨ - قلت: قوله ((ان الحمد والنعمة لك)). فيه وجهان: كسر ((إن)) وفتحها، وأجودها الكسر أخبرنى أبوعمر قال: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: من قال ((إن)) بكسر الألف، فقد عمّ، ومنقال (( أن )» بفتحها، فقد خص . و ((الرغباء)): المسألة، وفيه لغتان: يقال: ((الرغباء)) مفتوحة الراء ممدودة، ((والرُّغبى)) مضمومة الراء مقصورة . ١٧٣٨ - قال ابن القيم رحمه الله: فى معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها : إجابة لك بعد إجابة ، ولهذا المعنى كررت التلبية ، إيذاناً بتكرير الإجابة . الثانى: أنه انقياد لك بعد انقياد، من قولهم: لبب الرجل ، إذا قبضت على تلابيبه ، ومنه: ليبته - ٣٣٦ - عبد الله بن عمر يزيد فى تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسَعْديك، والخير بيديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل )). بردائه. والمعنى : انقدت لك ، وسعت نفسى لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لبب بردائه ، وقبض على تلابيبه . الثالث : أنه من لب بالمكان ، إذا قام به ولزمه . والمعنى : أنا مقيم على طاعتك ملازم لها . اختاره صاحب الصحاح . الرابع : أنه من قولهم : دارى تلب دارك ، أى تواجهها وتقابلها ، أى مواجهك بما تحب متوجه إليك . حكاه فى الصحاح عن الخليل الخامس : معناه حباً لك بعد حب، من قولهم : امرأة لبة ، إذا كانت محبة لولدها . السادس : أنه مأخوذ من لب الشىء ، وهو خالصه ، ومنه لب الطعام ، ولب الرجل عقله وقلبه . ومعناه : أخلصت لى وقلبى لك ، وجعلت لك لبى وخالصتى . السابع: أنه من قولهم : فلان رخى اللبب ، وفى لبب رخى ، أى فى حال واسعة منشرح الصدر . ومعناه : إنى منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها ، متوجه إليك بلبب رخى ، بوجد المحب إلى محبوبه ، لا بكره ولا تكلف . الثامن : أنه من الألباب ، وهو الاقتراب ، أى اقتراباً إليك بعد اقتراب ، كما يتقرب المحب من محبوبه . و « سعديك)»: من المساعدة ، وهى المطاوعة . ومعناه : مساعدة فى طاعتك وما تحب بعد مساعدة. قال الحربى: ولم يسمع ((سعديك)) مفرداً. و ((الرغباء إليك)) يقال بفتح الراء مع المد، وبضمها مع القصر. ومعناها الطلب والمسئلة والرغبة . واختلف النحاة فى الياء في ((لبيك)). فقال سيبويه : هى ياء التثنية. وهو من الملتزم نصبه على المصدر ، كقولهم : حمداً وشكراً وكرامة ومسرة . والتزموا تثنيته إيذاناً بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعى . وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادراً، كقول الشاعر : دعوت لما نابنى مسوراً فلي فلى يدى مسور ١ - ٣٣٧ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . والتثنية فيه كالتثنية فى قوله تعالى (٤:٦٧ ثم ارجع البصر كرتين ) وليس المراد مما يشفع الواحد فقط. وكذلك «سعديك ودواليك)). وقال يونس : هو مفرد ، والياء فيه مثل عليك وإليك ولديك . ومن حجة سيبويه على يونس: أن ((على)) و((إلى)) يختلفان بحسب الإضافة ، فإن جرا مضمراً كانا بالياء، وإن جرا ظاهراً كانا بالألف. فلو كان ((لبيك)) كذلك لما كان بالياء فى جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر ، كما قال : فلی يدى مسور. وقالت طائفة من النحاة : أصل الكلمة لبا لبا ، أى إجابة بعد إجابة ، فثقل عليهم تكرار الكلمة، جمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم، فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الاضافة . وقد اشتملت كمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة : إحداها: أن قولك (( لبيك)) يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك ، ولا يصح فى لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه . الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولايقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل فى معناها: أنا مواجه لك بما تحب ، وأنها من قولهم : امرأة لبة ، أى محبة لولدها . الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل : هى من الإقامة، أى أنا مقيم على طاعتك . الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل ، أى خضوعاً بعد خضوع ، من قولهم : أنا ملب بين يديك ، أى خاضع ذليل . الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللب، وهو الخالص السادسة : أنها تتضمن الاقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه . السابع : أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل: إنها من الالباب ، وهو التقرب . الثامنة : أنها جعلت فى الإحرام شعاراً لانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك ، كما جعل التكبير فى الصلاة سبعاً، للانتقال من ركز إلى ركن، ولهذا كانت السنة أن يلى حتى شرع فى الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سارلى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلى حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلى حتى يرمى جمرة العقبة فيقطعها. فالتلبية شعار الحج والتنقل فى أعمال المناسك. فالحاج كلما (٢٢ - مختصر السننج ٢) - ٣٣٨ - انتقل من ركن إلى ركن قال ((لبيك اللهم لبيك)) كما أن المصلى يقول فى انتقاله من ركن إلى ركن ((الله أكبر))، فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلى قاطعاً لتكبيره. التاسعة: أنها شعار التوحيد ملة إبرهيم، الذي هو روح الحج ومقصده ، بل روح العبادات كلها والمقصود منها . ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التى يدخل فيها بها .. العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذى يدخل منه إليه ، وهو كمة الاخلاص. والشهادة لله بأنه لاشريك له . الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذى هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، وأول من يدعى إلى الجنة أهله ، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها . الثانية عشرة : أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أى النعم كلها لك ، وأنت موليها والمنعم بها . الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بان الملك كله لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره . الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته ، وأنه ما لا يدخله ريب ولاشك . الخامسة عشرة: فى ((إن)) وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمنت معنى التعليل، أى لبيك لأن الحمد والنعمة لك ، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على الله، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها ، وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياساً ، والمعنى لبيك لأن الحمد لك . والفرق بينٌ بين أن تكون حمل الثناء علة لغيرها، وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال ((إن)) بالكسر فقد عم، ومن قال ((أن)) بالفتح فقد خص. ونظير هذين الوجهن والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين ( ٥٢: ٢٨ إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم) كسر ((إن)) وفتحها. فمن فتح كان المعنى ندعوه. لأنه هو البر الرحيم ، ومن كسر كان الكلام جملتين، إحداهما قوله ((ندعوه))، ثم استأنف فقال ((إنه هو البر الرحيم))، قال أبو عبيد: والكسر أحسن ، ورجحه ما ذكرناه . السادسة عشرة : أنها متضمنة للاخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عز وجل، وهذا - ٣٣٩ -- نوع آخر من الثناء عليه ، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية ، فله سبحانه من أوصافه العلى نوعاثناء ، نوع متعلق بكل صفة صفة على انفرادها ، ونوع متعلق باجتماعها، وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال، والله سبحانه يفرق فى صفاته بين الملك والحمد ، وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكال ، والملك وحده كمال ، والحمد كمال ، واقتران أحدهما بالآخر كمال ، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعى إلى محبته ، كان فى ذلك من العظمة والكال والجلال ماهو أولى به وهو أهله، وكان فى ذكر العبد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه ، والتوجه بدواعى المحبة كلها إليه ماهو مقصود العبودية وليها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ونظيرهذا اقتران الغنى بالكرم ، كقوله: (٢٧ : ٤٠ فان ربی غنی کريم) فله كمال من غناه وكرمه ، ومن اقتران أحدهما بالآخر . ونظيره اقتران العزة بالرحمة : (١٩:٢٦ وإن ربك لهو العزيز الرحيم). ونظيره اقتران العفو بالقدرة: (٤: ٤٢ وكان الله عفواً قديراً). ونظيره اقتران العلم بالحلم: ( ٤ : ١١ والله عليم حليم). ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: (٧:٦٠ والله قدير والله غفور رحيم). وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ، ويفتح له باب محبة الله ومعرفته، واقه المستعان وعليه التكلان . السابعة عشرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل ماقلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير)) وقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها. وقوله ((وهو على كل شيء قدير)) لك أن تدخلها تحت قولك فى التلبية ((لاشريك لك))، ولك أن تدخلها تحت قولك ((إن الحمد والنعمة لك))، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى ، إذ لو كان بعض الموجودات خارجاً عن قدرته وملكه، واقعاً بخلق غيره ، لم يكن نفى الشريك عاما، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما ، وهذا من أعظم المحال ، والملك كله له ، والحمد كله له ، وليس له شريك بوجه من الوجوه. الثامنة عشرة : أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده ، فإنها - ٣٤٠ - ١٧٣٩ - وعن جابر بن عبد الله قال: «أهَلَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر - قال : والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام ، والنبى صلى الله عليه وسلم يسمع، فلا يقول لهم شيئاً)) وأخرجه ابن ماجة . مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم ، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التى هى متعلق الحمد ، فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله ، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده ، ومبطلة لقول مجوس الأمة القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس ، فلم يثبتوا له عليها قدرة ، ولا جعلوه خالقاً لها ، فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه، إذ من لا قدرة له على الشىء كيف يكون هذا الشىء داخلا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شىء قدير ، وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شىء ألبتة ، ثمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة . التاسعة عشرة : فى عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر، وهو قوله: ((إن الحمد والنعمة لك والملك))، ولم يقل إن الحمد والنعمة والملك لك - لطيفة بديعة ، وهى أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين ، فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك ، كان عطف الملك على ماقبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله ((لك)) ثم عطف الملك، كان تقديره: والملك لك، فيكون مساوياً لقوله: له الملك وله الحمد، ولم يقل له الملك والحمد ، وفائدته تكرار الحمد فى الثناء . العشرون : لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر ، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما؛ وعدم مفارقة أحدهما للآخر ، فالانعام والحمد قرينان . الحادية والعشرون : فى إعادة الشهادة له بأنه لاشريك له، لطيفة، وهى أنه أخبر أنه لاشريك له عقب إجابته بقوله لبيك ، ثم أعادها عقب قوله ((إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك))، وذلك يتضمن أنه لاشريك له في الحمد والنعمة والملك ، والأول يتضمن أنه لاشريك لك في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: (١٨:٣ شهد الله أنه لا إله إلاهو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم )، فأخبر بأنه لا إله إلا هو فى أول الآية ، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولى العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل ، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط .