Indexed OCR Text

Pages 301-320

- ٣٠١ -
باب إفراد الحج [٢: ٨٥]
١٧٠٣ - عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج)).
١٧٠٣ - قلت: لم تختلف الأمة فى أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة ،
غير أن طوائف العلماء اختلفوا فى الأفضل منها ، فقال مالك والشافعى : الإفراد أفضل ، وقال
أصحاب الرأى والثورى: التمران أفضل، وقال أحمد بن حنبل: التمتع بالعمرة إلى الحج
هو الأفضل .
وكل من هذه الطوائف ذهب إلى حديث، وقد ذكر أبو داود تلك الأحاديث على اختلافها
مجملاً ومفسراً، وعلى حسب ماوقع له من الرواية ، وسيأتى البيان على شرحها وكشف مواضع
الإشكال منها فى أما كنها، إن شاء الله.
غير أن جماعة من الجهال، ونفراً من الملحدين، طعنوا فى أحاديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وفى أهل الرواية والنقل من أيمة الحديث ، وقالوا: لم يحج النبى صلى الله عليه وسلم بعد
قيام الإسلام إلا حجة واحدة ، فكيف يجوز أن يكون فى تلك الحجة مفرداً وقارناً ومتمتعاً؟
وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة ، وأسانيدها عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد
صحاح فى ثم قد وجد فيها هذا التناقض والاختلاف؟ يريدون بذلك توهين الحديث والإزراء
به ، ونصغير شأنه ، وضعف أمر حملته ورواته .
قلت : لو يُسِّروا للتوفيق، وأعينوا بحسن المعرفة، لم ينكروا ذلك ولم يدفعوه، وقد أنعم
الشافعى بيان هذا المعنى فى كتاب اختلاف الحديث ، وجَوَّد الكلام فيه وفى اقتصاصه
علی کاله .
والوجيز المختصر من جوامع ماقاله فيه: أن معلوماً فى لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى
الآمن به، كجواز إضافته إلى الفاعل له، كقولك: بنى فلان داراً إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير
فلاناً، إذا أمر بضربه، وروي: رجَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً ، وقطع سارق رداء
صفوان، وإنما أمر برجمه ولم يشهده، وأمر بقطع يد السارق، ومثله كثير فى الكلام ، وكان
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم المفرد، ومنهم القارن، والمتمتع ، كل منهم يأخذ

- ٣٠٢ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
عنه أمر نسکه ، ويصدر عن تعليمه ، جازان یضاف کلها إلى رسول الله صلى اللهعليه وسلم،
على معنى أنه أمربها، وأذن فيها ، وكلٌّ قال صدقاً وروى حقاً ، لا ينكره إلا من جهل وعاند.
والله الموفق .
قلت: وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول ((لبيك بحج)»
فحكى أنه أفردها، وخفى عليه قوله ((وعمرة» فلم يحك إلا ماسمع، وهو عائشة، ووعَى غيره
الزيادة فرواها، وهو أنس، حين قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك
بحج وعمرة)) ولا تنكر الزيادات فى الأخبار، كما لا تنكر فى الشهادات، وإنما كان يختلف
ويتناقض لو كان الزائد نافياً لقول صاحبه ، فأما إذا كان مثبتاً له وزائداً عليه ، فليس فيه
تناقض ولا تدافع .
وقد يحتمل أيضاً أن يكون الراوى سمع ذلك يقوله على سبيل التعليم لغيره، فيقول له
(( لبيك بحجة وعمرة)) يلقنه ذلك.
وأما من روى أنه تمتع بالعمرة إلى الحج فإنه قد أثبت ماحكته عائشة من إحرامه بالحج،
وأثبت مارواه أنس من العمرة والحج، إلا أنه أفاد الزيادة فى البيان والتمييز بين الفعلين بإيقاعهما
فى زمانین ، وهو ماروته حفصة ، روى عنها عبد الله بن عمر أنها قالت: « يارسول الله ماشأن
الناس حُلُّوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إنى لَبَّدَت رأسى، وقلَّدت هدبي، فلا أحل
حتى أنحر))، فثبت أنه كان هناك عمرة، إلا أنه أدخل عليها الحج، قبل أن يقضى شيئاً
من عمل العمرة ، فصار فى حكم القارن.
وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر ليس فيها تكاذب ولا تهاتر، والتوفيق بينها
ممكن، وهو سهل الخروج غير متعذر. والحمد لله.
وقد روى فى هذا عن جابر بن عبد الله: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أحرم من ذى
الحليفة إحراماً موقوفاً ، وخرج ينتظر القضاء، فنزل عليه الوحى وهو على الصفا ، فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسل من لم يكن معه هدى أن يجعله عمرة، وأمر من كان معه
هدى أن يحج )) .

- ٣٠٣ -
١٧٠٤ - وِعنها أنها قالت: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُوَافِين هلالَ ذِى
الحجة، فلما كان بذى الحليفة قال: من شاء أن يُّهِل ◌ِحَجٍ فليُهِلّ، ومن شاء أن يهل
بعمرة فليهل بعمرة - قال موسى - يعنى ابن إسماعيل - فى حديث وُهيب: فإنى لولا أنى
أَهْدَيْتُ لأهلات بعمرة - وقال فى حديث حماد بن سلمة: وأما أنا فأَهِلَّ بالحج، فإن معي
الهدى - ثم اتفقوا - فنكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة، فلما كان فى بعض الطريق حِضْتُ،
فدخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكى، فقال: ما يُبكيك؟ قلت : وَدِدْتُ
أنى لم أكن خرجت العام، قال: ارُ فِضِى عُمْرَنَك، وانقُضى رأسك، وامتَشِطِى - قال
١٧٠٤ - قات: احتج من رأى المتع أفضل بقوله صلى الله عليه وسلم((لولا أنى أهديت لأهللت
بعمرة )) قال: فالأفضل ما اختاره رسول الله صلي الله عليه وسلم وماتمناه أن يفعله لوكان صادف
وقته وزمانه، وقد يحتمل أن يكون معنى قوله ((لأهللت بعمرة)) أى لتفردت بعمرة أكون
بّها متمتعاً، يطيِّب بذلك نفوس أصحابه، الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، فيكون دلالته
حينئذ على معنى الجواز ، لاعلى معنى الاختيار .
١٧٠٤ - قال ابن القيم رحمه الله: والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلت أولا بعمرة ، ثم
أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاضت أن تهل بالحج، فصارت قارنة . ولهذا قال لها
النبى صلى الله عليه وسلم: ((يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك)) متفق
عليه ، وهو صريح فى رد قول من قال: إنها رفضت إحرام العمرة رأساً وانتقلت إلى الإفراد،
وإنما أمرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعى حتى تطهر ، لا برفض إحرامها .
وأما قوله « ولم یکن فی شیء من ذلك هدی » فهو مدرج من کلام هشام ، كما بينه و کیع
وغيره عنه ، حيث فصل كلام عائشة من كلام هشام ، وأما ابن نمير وعبدة فأدرجاه فی حديثهما
ولم يميزاه، والذى ميزه معه زيادة علم، ولم يعارض غيره ، فابن نمير وعبدة لم يقولا «قالت
عائشة ولم يكن فى شىء من ذلك هدى)) بل أدرجاه وميزه غيرهما ، وأما قول من قال إنها
أحرمت بحج ثم نوت فسخه بعمرة ، ثم رجعت إلى حج مفرد ، فهو خلاف ما أخبرت به عن
: نفسها، وخلاف مادل عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم لها («يسعك طوافك لحجك وعمرتك»
والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرها أن تهل بالحج لما حاضت، كما أخبرت بذلك عن نفسها ،
وأمرها أن تدع العمرة وتهل بالحج . وهذا كان بسرف ، قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حجهم إلى
العمرة ، فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة .

- ٣٠٤ -
موسى : وأهلِّى بالحج، وقال سليمان - يعنى ابن حرب -: واصنعي ما يصنع المسلمون فى
حجهم ، فلما كان ليلة الصَّدَرَ (١) أمر - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - عَبدَ الرحمن
فذهب بها إلى التنعيم (٢) - زاد موسى: فأهلت بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت ،
وقوله (( ارفضى عمرتك)) اختلف الناس فى معناه، فقال بعضهم اتركيها وأخريها.
على القضاء ، وقال الشافعى: إنما أمرها أن تترك العمل للعمرة ، من الطواف والسعى،
لاأنها تترك العمرة أصلاً ، وإنما أمرها أن تدخل الحج على العمرة ، فتكون قارنة .
قلت : وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعاً، لاعن واجب، ولكن
أراد أن تَطيب بنفسُها فأعمرها ، وكانت قد سألته ذلك. وقد روى ما يشبه هذا المعنى فى
حديث جابر. [ وهو الذى سيأتى برقم ١٧١١]
وقوله إنها أشارت بقولها « فكنت فيمن أهل بعمرة )» إلى الوقت الذى نوت فيه الفسخ ،
فى غاية الفساد ، فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه، فإنها قالت (( فكنت فيمن أهل بعمرة ،
فلما كان فى بعض الطريق حضت)) فهذا صريح فى أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة .
ومن تأمل أحاديثها علم أنها أحرمت أولا بعمرة ، ثم أدخلت عليها الحج فصارت قارنة ،
ثم اعتمرت من التنعيم عمرة مستقلة تطبيباً لقلبها.
وقد غلط فى قصة عائشة من قال إنها كانت مفردة ، فإن عمرتها من التنعيم هى عمرة
الإسلام الواجبة . وغلط من قال إنها كانت متمتعة ، ثم فسخت المتعة إلى إفراد ، وكانت
عمرة التنعيم قضاء لتلك العمرة :
وغلط من قال إنها كانت قارنة ، ولم يكن عليها دم ولا صوم، وأن ذلك إنما يجب على
المتمتع . ومن تأمل أحاديثها علم ذلك، وتبين له أن الصواب ماذكرناه . والله أعلم.
(١) ((ليلة الصدر)) و((ليلة البطحاء)) و(«ليلة الحصبة)) كل ذلك واحد. وهو نزوله صلى الله عليه
وسلم بالمحصب ليلة النفر الآخر ، والمحصب والأبطح والعرس ، وخيف بنى كتانة واحد . وهو
بطحاء مكة وهو بين مكة ومنى . وهو إلى منى أقرب . من هامش المنذری .
(٢) التنعيم: من الحل، بين مكة وسرف ، وسميت بذلك لأن على يمينها جيلا يقال له : نسيم،
وآخر يقال له : ناعم . والوادى : نعمان . وهى على فرسخين من مكة ، وقيل: على أربعة أميال.
اهـ من هامش النذرى .

- ٣٠٥ -
فقضى الله تعالى عمرتها وحَجَّها - قال هشام - يعنى ابن عروة -: ولم يكن فى شىء من ذلك
هَدْىٌ - زاد موسى فى حديث حماد بن سلمة -: فلما كانت لَيْلَةُ البَطْحَاءِ طَهُرت عائشة)»
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة
١٧٠٥ - وعنها قالت: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حَجّة الوداع، فمنًا
من أهَلّ بُعُمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهَلّ بالحج، وأهلّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالحج، أو جمع الحج والعمرة ، فلم يحلوا حتى كان يوم
النحر)) .
١٧٠٦ - وفى رواية: ((فأما من أهل بعمرة فَأْحَلّ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ، مختصراً ومطولاً .
١٧٠٧ - وعنها أنها قالت: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حَجَّة الوداع،
فأهْلَنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدى فَلْيُهِلَّ بالحج مع
العمرة، ثم لا يَحِل حتى يحل منهما جميعاً، فقدمت مكة وأنا حائض ، فلم أطُفْ بالبيت ،
ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : انقضى
١٧٠٧ - قلت : هذا يؤكد معنى ماقلنا من إجزاء الطواف الواحد للقارن ، وهو مذهب
عطاء ومجاهد والحسن وطاوس ، وبه قال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن
راهويه، وعن الشعبي أن القارن يطوف طوافين ، وهو قول أصحاب الرأى ، وكذلك قال
سفيان الثورى .
١٧٠٧ - قال ابن القيم : وقد احتج به ابن حزم على أن المحرم لا يحرم عليه الامتشاط ، ولم
يأت بتحريمه نص ، وحمله الأكثرون على امتشاط رفيق لا يقطع الشعر ، ومن قال : كان بعد
جمرة العقبة، فسياق الحديث يبطل قوله، ومن قال: هو التمشط بالأصابع، فقد أبعد فى التأويل ،
ومن قال : إنها أمرت بترك العمرة رأسا ، فقوله باطل ، لما تقدم ، فإنها لو تركتها رأساً لكان
قضاؤها واجباً ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرها أنه لا عمرة عليها، وأن طوافها يكفى
عنهما، وقوله (أهلى بالحج)) صريح فى أن إحرامها الأول كان بعمرة ، كما أخبرت به عن نفسها
وهو يبطل قول من قال : كانت مفردة ، فأمرت باستدامة الافراد .
(٢٠ - مختصر السننج ٢)

- ٣٠٦ -
رأسك، وامتشطى، وأهلى بالحج، ودعى العمرة، قالت: ففعلت ، فلما قضينا الحج، أرسلنى
رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم ، فاعتمرت ، فقال :
هذه مكانَ عمرتك ، قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم
حِلُوا ، ثم طافوا طوافاً آخر، بعد أن رجعوا من منّى لحجهم ، وأما الذين كانوا جمعوا الحج
والعمرة ، فإنما طافوا طوافاً واحداً ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
١٧٠٨ - وعنها أنها قالت: ((لَبَّيْنَا بالحج، حتى إذا كنا بِسَرِفَ حضت، فدخل علىَّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكى ، فقال : ما يبكيك ياعائشة؟ فقلت : حضت ،
ليتنى لم أكن حججت، فقال: سبحان الله !! إنما ذلكِ شىء كتبه الله على بنات آدم،
فقال : انْسُكى المناسك كلّها، غير أن لاتطوفى بالبيت ، فلما دخلنا مكة ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: من شاء أن يجعلها عمرة، فليجعلها عمرة، إلا من كان معه الهدى،
قالت: وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البَقَر يوم النحر، فلما كانت ليلةُ
الْبَطْحاء، وطَهُرَتْ عائشة قالت: يارسول الله، أَتَّرْ جِعُ صَواحبى بحج وعمرة، وأرجع أنا
بالحج ؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبى بكر ، فذهب بها إلى التنعيم ،
فَلَبْتْ بالعمرة )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
وفى الحديث دليل على تعدد السعى على المتمتع ، فإن قولها (( ثم طافوا طوافً آخر بعد أن
رجعوا من منى لحجهم )» تريد به الطواف بين الصفا والمروة ، ولهذا نفته عن القارنين ، ولو
كان المراد به الطواف بالبيت ، لكان الجميع فيه سواء ، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه.
القارن والمتمتع .
وقد خالفها جابر فى ذلك، ففى صحيح مسلم عنه أنه قال: ((لم يطف النبى صلى الله عليه وسلم
ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول)) وأخذ الامام أحمد بحديث جابر
هذا فى رواية ابنه عبد الله، والمشهور عنه أنه لا بد من طوافين على حديث عائشة، ولكن
هذه اللفظة وهى ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت)) إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة
فى الحديث من كلام عروة.

- ٣٠٧ -
١٧٠٩ - وعنها قالت: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانرى إلا الحج ،
فلما قدمنا تَطَوَّفْنَا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساقَ الهدىَ أن
يُحلَّ، فأحل من لم يكن ساق الهدى)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
١٧١٠ - وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرت
لما سُقْتُ الهدى ، قال محمد - وهو ابن يحيى الذَّهْلى -: أحسبه قال: ولحللت مع الذين
أحلوا من العمرة، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحداً».
وأخرجه البخاري بنحوه. وليس فيه «أراد أن يكون أمر الناس واحداً)).
١٧١١ - وعن أبى الزبير، عن جابر-وهو ابن عبد الله قال: ((أقبلنامُهُلِّينَ مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالحج مُفْرَدًا، وأقبلت عائشة مُهِلّة بعمرة، حتى إذا كانت بَسَرِفَ عَرَ كَتْ
حتى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة، وبالصفا والمروة ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
١٧١١ - قلت: هذه القصة كلها تدل على صواب ما تأوله الشافعى (١) من قوله «ارفضى
عمرتك)) وعلى أن عمرتها من التنعيم إنما هى تطوع ، أراد بذلك تطبيب نفسها.
وفيه دليل على أن الطواف الواحد والسعى الواحد يجزئان القارن عن حجه
وعمرته .
وقوله ((عركت)) معناه حاضت ، يقال: عركت المرأة تعرك إذا حاضت، وامرأة
عارك، ونساء عوارك .
١٧١٠ - قال ابن القيم رحمه الله: والصواب أن ما أحرم به صلى الله عليه وسلم ، كان أفضل ،
وهو القران ، ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأحرم بعمرة ، وكان حينئذ
موافقا لهم فى المفضول ، تأليفاً لهم وتطيباً لقلوبهم ، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبرهيم ،
وإدخال الحجر فيها، وإلصاق بابها بالأرض ، تأليفاً لقلوب الصحابة الحديثى العهد بالاسلام ،
خشية أن تنفر قلوبهم . وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النسك الأفضل الذى
أحرم به ، وموافقته لأصحابه بقوله « لو استقبلت)) فهذا بفعله ، وهذا بنيته وقوله ، وهذا
الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه .
(١) هو الذى تقدم فى صفحة (٣٠٤) فى الكلام على الحديث ١٧٠٤

- ٣٠٨ -
يَحِلَّ منا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: الحل كله ، فواقعنا النساء ،
وتطيّنا بالطيب ، ولبسنا ثيابنا ، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربعُ ليال ، ثم أهللنا يوم التروية،
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة، فوجدها تبكى فقال: ماشأنك؟ قالت:
شأنى أنى قد حِضْتُ ، وقد حل الناسُ ولم أحْلِلْ ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى
الحج الآن ، قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاغتسلى ، ثم أهلي بالحج ،
ففعلتْ ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم قال : قد
حللتٍ من حجتك وعمرتك جميعاً ، قالت : يا رسول الله ، إنى أجد فى نفسى أنى لم
أطف بالبيت حين حججت ، قال : فاذهب بها ياعبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم ،
وذلك ليلة الحصبة » (١)
وأخرجه مسلم والنسائى .
١٧١٢ - وفى رواية عند قوله ((وأهلى بالحج)): ((ثم حِجِّى، واصنعى ما يصنع الحاج،
غیر أن لا تطوفی بالبيت ، ولا تصلى ».
١٧١٣ - وعن عطاء بن أبى رباح حدثنى جابر بن عبد الله قال: ((أهللنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً، لا يُخالطه شىء، فقدمنا مكة لأربع ليال خَلَوْنَ من
١٧١٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وعند النسائي عن سراقة: ((تمتع رسول الله صلى عليه وسلم
وتمتعنا معه، فقلنا : ألنا خاصة أم للأبد؟ قال: بل للأبد» ، وهو صريح فى أن العمرة التى
فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم ، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة . وقول من قال:
إن المراد به السؤال عن المتعة فى أشهر الحج ، لا عن عمرة الفسخ ، باطل من وجوه :
أحدها : أنه لم يقع السؤال عن ذلك ، ولا فى اللفظ ما يدل عليه ، وإنما سأله عن تلك العمرة
المعينة ، التى أمروا بالفسخ إليها، ولهذا أشار إليها بعينها، فقال ((متعتنا هذه)) ولم يقل العمرة
فى أشهر الحج .
الثانى : أنه لو قدر أن السائل أراد ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق الجواب بأن تلك
(١) المشهور فى الحصبة سكون الصاد، وجاء فتحها وكرها، وهى أرض ذات حصاء ولية الحصبة
هى الليلة التى بعد ليالى التشريق .

- ٣٠٩ -
ذى الحجة ، فُطُفنا وسعينا، ثم أمرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَحل، وقال: لولا
العمرة مشروعة إلى الأبد ، ومعلوم أنها مشتملة على وصفين : كونها عمرة ، فسخ الحج إليها،
وكونها فى أشهر الحج. فلو كان المراد أحد الأمرين ، وهو كونها فى أشهر الحج ، لبينه للسائل
لاسيما إذا كان الفسخ حراماً باطلا ، فكيف يطلق الجواب عما يجوز ويشرع ، وما لا يحل
ولا يصح، إطلاقاً واحداً ؟ هذا مما ينزه عنه آحاد أمته صلى الله عليه وسلم، فضلا عنه صلى الله
عليه وسلم ، ومعلوم أن من سئل عن أمر يشتمل على جائز ومحرم ، وجب عليه أن يبين للسائل
جائزه من حرامه ، ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقاً واحداً .
الثالث: أن النبى صلى الله عليه وسلم قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر، كلهن فى أشهر الحج،
وقد علم ذلك الخاص والعام ، أفما كان فى ذلك ما يدل على جواز العمرة فى أشهر الحج ؟!
الرابع: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لهم عند إحرامهم: ((من شاء أن يهل بعمرة
فليهل ))، وفى هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج.
الخامس : أنه خص بذلك الفسخ من لم يكن معه هدى ، وأما من كان معه هدى فأمره
بالبقاء على إحرامه ، وأن لا يفسخ ، فلو كان المراد ماذكروه لعم الجميع بالفسخ، ولم يكن للهدي
أثر أصلا، فان سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرد بالجواز ، وهذا الإعلام لا تأثير للهدى فى
المنع منه .
السادس : أن طرق الإعلام بجواز الاعتمار فى أشهر الحج أظهر وأبين قولا وفعلا من الفسخ،
فكيف يعدل صلى الله عليه وسلم عن الاعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلها، إلى الفسخ
الذى ليس بظاهر فيما ذكره من الاعلام ؟ والخروج من نسك إلى نسك وتعويضهم بسعة ذلك
عليهم لمجرد الاعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق؟ وقد بين صلى الله عليه وسلم ذلك غاية
البيان بقوله وفعله ، فلم يحلهم بالإعلام على الفسخ.
السابع : أنه لو فرض أن الفسخ للاعلام المذكور ، لكان ذلك دليلا على دوام مشروعيته إلى
يوم القيامة ، فإن ماشرع فى المناسك لمخالفة المشركين مشروع أبداً ، كالوقوف بعرفة لقريش
وغيرهم ، والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس .
الثامن : أن هذا الفسخ وقع فى آخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يجىء عنه كلمة قط
تدل على نسخه وإبطاله ، ولم تجمع الأمة بعده على ذلك ، بل منهم من يوجبه ، كقول حبر
الأمة وعالمها عبد الله بن عباس ومن وافقه، وقول إسحق ، وهو قول الظاهرية وغيرهم ،
ومنهم من يستحبه ويراه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقول إمام أهل السنة أحمد بن

- ٣١٠ --
هَذْ بِي لحللت، ثم قام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيتَ مُتْعتنا هذه، لعامنا
حنبل، وقد قال له سلمة بن شبيب: يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن إلا خصلة واحدة ، تقول،
يفسخ الحج إلى العمرة ؟! فقال: يا سلمة، كان يبلغنى عنك أنك أحمق، وكنت أدافع عنك ،
والآن علمت أنك أحمق !! عندي فى ذلك بضعة عشر حديثاً صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، أدعها لقولك؟ وهو قول الحسن ، وعطاء، ومجاهد ، وعبيد الله بن الحسن ، وكثير
من أهل الحديث ، أو أكثرهم .
التاسع : أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها ، مع خير الخلق وأفضلهم ، فإِنه صلى اللّه
عليه وسلم أمرهم بالفسخ إلى المتعة ، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل ، فكيف يكون ما اختاره
لهم هو المفضول المنقوص ، بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدى بهم فيه ؟
العاشر : أن الصحابة رضى الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام فى أشهر
الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: (( من شاء أن يهل بعمرة فليهل)) على جواز العمرة فى أشهر
الحج ، فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ فى العلم بجواز العمرة فى أشهر الحج، فإنه إذا
لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله، فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟
الحادى عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة فى أشهر الحج ، من أنخر
الفجور، وأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرهم -لما قدموا -بالفسخ، هو كان يرى وجوب الفسخ
ولا بد، بل كان يقول: (( كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه مالم يكن معه هدى)) وابن
عباس أعلم بذلك ، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ للاعلام بجواز العمرة ،
لميخف ذلك على ابن عباس، ولم يقل: ((إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدى
معه فقد حل )) .
الثانى عشر : أنه لا يظن بالصحابة ، الذين هم أصح الناس أذهاناً وأفهاماً، وأطوعهم لله
ولرسوله - أنهم لم يفهموا جواز العمرة فى أشهر الحج، وقد عملوها مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثلاثة أعوام، وأذن لهم فيها ، ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ .
الثالث عشر : أن النبى صلى الله عليه وسلم إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل ،
فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك ، أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفاً للمشركين فى التمتع
فى أشهر الحج، وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد .
أما الأول فظاهر ، وأما الثانى فلأن الشريعة قد استقرت ، ولا سيما فى المناسك ، على
قصد مخالفة المشركين ، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب ، وهذا واضح .

- ٣١١ -
هذا أم للأبد؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بل هى للأبد )).
الرابع عشر: أن السائل للنبي صلى الله عليه وسلم ((عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟)) لم يرد
به أنها هل تجزىء عن تلك السنة فقط، أو عن العمر كله؟ فإنه لوكان مراده ذلك لسأل عن
الحج الذى هو فرض الاسلام ، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب فى العمر إلا مرة
واحدة ، ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبى صلى الله عليه وسلم ((بل لأبد الأبد)) فإن أبد الأبد
إنما يكون فى حق الأمة [ قوماً يعرفون ] (١) إلى يوم القيامة، وأن الأبد لا يكون فى حق
طائفة معينة ، بل هو لجميع الأمة ، ولأنه قال فى رواية النسائى: ((ألنا خاصة أم للأبد ؟)) فدل
على أنهم إنما سألوا: هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه ؟ فأجابهم ، بأن فعلها كذلك سائغ
أبد الأبد، وفى رواية للبخارى: ((أن سراقة بن مالك لق النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ألكم
هذه خاصة يارسول الله ؟ قال : بل للأبد)».
الخامس عشر: أن النبى صلى الله عليه وسلم أخبرهم فى تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت
فقد حل ، إلا من كان معه الهدي ، ففى السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال :
(( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجی:
يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله عز وجل قد أدخل عليكم فى
حجكم هذا عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل ، إلا من كان معه
هدى ))، وسيأتى الحديث. فهذا نص فى انفساخه ، شاء أم أبى ، كما قال ابن عباس وإسحق
ومن وافقهما ، وقوله: ((اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم)) يريد قضاء لازماً لا يتغير ولا يتبدل
بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر .
السادس عشر: أن النبى صلى الله عليه وسلم لما سئل عن تلك العمرة التى فسخوا إليها الحج
وتمتعوا بها ابتداء فقال: (( دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة )) كان هذا تصريحاً منه بأن
هذا الحكم ثابت أبداً، لا ينسخ إلى يوم القيامة ، ومن جعله منسوخاً فهذا النص يرد قوله .
. وحمله على العمرة المبتدأة التى لم يفسخ الحج إليها ، باطل، فإن عمدة الفسخ سبب الحديث ، فهى
مرادة منه نصاً ، وماعداها ظاهراً ، وإخراج محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز ،
فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب . وهذا باطل .
السابع عشر : أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة
كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام فى الصلاة ، ونسخ القبلة ، ونسخ تحريم الطعام والشراب
على الصائم بعد ما ينام ، بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس ، فإن
هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الاسلام ، فكان نسخه لا يخفى على أحد . وقد
(١) كذا فى الأصل ولعلها زائدة .

- ٣١٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها؟ يقول (( سنة نبيكم، وإن رغمتم)) فلا يراجعونه (١).
فكيف تكون منسوخة عندهم وابن عباس يخبر أنها سنة نبيهم، ويفتى بها الخاص والعام، وهم
يقرونه على ذلك ؟ هذا من أبطل الباطل .
الثامن عشر : أن الفسخ قد رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم أربعة عشر من الصحابة،
وهم : عائشة ، وحفصة، وعلى، وفاطمة، وأسماء بنت أبي بكر، وجابر، وأبو سعيد، وأنس ، وأبو
موسى، والبراء ، وابن عباس ، وسراقة، وسبرة . ورواه عن عائشة الأسود بن يزيد، والقاسم،
وعروة ، وعمرة، وذكوان مولاها . ورواه عن جابر: عطاء، ومجاهد ، ومحمد بن على ، وأبو
الزبير . ورواه عن أسماء: صفية، ومجاهد. ورواه عن أبى سعيد: أبو نضرة . ورواه عن البراء:
أبو إسحق. ورواه عن ابن عمر: سالم ابنه ، وبكر بن عبد الله . ورواه عن أنس أبو قلابة .
ورواه عن أبى موسى : طارق بن شهاب ، ورواه عن ابن عباس : طاووس، وعطاء وابن سيرين
وجابر بن زيد ، ومجاهد ، وكريب، وأبو العالية ، ومسلم القرشي ، وأبوحسان الأعرج، ورواه
عن سبرة : ابنه .
فصار نقل كافة عن كافة ، يوجب العلم، ومثل هذا لا يجوز دعوي نسخه إلا بما يترجح عليه
أو يقاومه . فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولاتدانيه ولا تقاربه ، وإنما هى
بین مجهول رواتها، أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة . وما صح فيها فهو رأي صاحب ، قاله بظنه
واجتهاده ، وهو أصح مافيها ، وهو قول أبي ذر: ((كانت المتعة لنا خاصة)) وماعداه فليس بشىء،
وقد كفانا رواته مؤنته . فلو كان ماقاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه
الأحاديث المتواترة به ممتنعاً ، فكيف وإنماهو قوله ؟ ومع هذا فقد خالفه فيه عشرة من الصحابة
کابن عباس ، وأبى موسى الأشعرى ، وغيرهما.
التاسع عشر : أن الفسخ موافق للنصوص والقياس .
أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم .
وأما موافقته للقياس : فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق ، فلو أحرم
بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز اتفاقاً ، وعكسه لا يجوز عند الأكثرين ، وأبو حنيفة يجوزه
على أصله ، فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ، فإذ أدخل العمرة على الحج جاز عنده ،
لالتزامه طوافاً ثانياً وسعياً، وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج، فإذا صار متمتعاً
صار ملتزماً لعمرة وحج. فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه ، جاز ذلك بل استحبه
(١) رواه أحمد فى المسند عن ابن عباس ٢٠١٣، ٢٠٣٩.

- ٣١٣ -
١٧١٤ - وعنه قال: ((قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأربع ليال خَلَوْنَ من
ذى الحجة ، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها
عمرة، إِلَّ مَنْ كان معه الهدى، فلما كان يومُ التّروية أَهَلُوا بالحج، فلما كان يوم النحر،
قدموا فطافوا بالبيت ، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ، بنحوه مختصراً ومطولاً .
١٧١٥ - وعنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهَلَّ هو وأصحابه بالحج، وليس مع
١٧١٥ - قلت: إنما أراد بهذا القول - والله أعلم - استطابة نفوسهم، وذلك أنه كان يشق
له ، لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولا. وإنما يتوهم الاشكال من يتوهم أنه فسخ حج إلى عمرة،
وليس. كذلك، فانه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد ، وإنما يجوز
الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه ، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل فى الحج ، كماقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((دخلت العمرة فى الحج)) فهذه المتعة التى فسخ إليها هى جزء من
الحج ، ليست عمرة مفردة ، وهى من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة ، فهى عبادة
واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال ، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة ، كطواف الإفاضة ، فإنه
من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمى الجمار أيام منى ، من تمام الحج ،
وهو يفعل بعد التحلل التام .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق)) يتناول من حج
حجة تمتع فيها بالعمرة ، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية ، إذ لا ينقلهم الرؤوف
الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص ، بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل
الكامل ، لا يجوز غير هذا ألبتة .
العشرون : أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان ، كبرى وصغرى ، فالسنة تقديم الصغرى.
على الكبرى منهما ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ فى غسل الجنابة بالوضوء أولا ،
ثم يتبعه الغسل، وقال فى غسل ابنته ((ابدأن بميامنها ، ومواضع الوضوء منها)) ففسخ الحج إلى
العمرة يتضمن موافقة هذه السنة .
· فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس، ولحج خيار الأمة مع نبيها صلى الله عليه وسلم . ولو
لم يكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التى ذكرنا وغيرها ، ولو تتبعنا أدلة
جوازه لطالت . وفى هذا كفاية والحمد لله.
١٧١٤ - قال ابن القيم رحمه الله: وفيه اكتفاء المتمتع بسعى واحد ، كما تقدم. والله أعلم.

- ٣١٤ -
أحد منهم يومئذ هَدْىٌ ، إلّ النبى صلى الله عليه وسلم وطَلْحة ، وكان علىّ قدم من اليمن
ومعه الهدى ، فقال : أهللتُ بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن النبى صلى الله
عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة: يطوفوا، ثم يُقَصِّروا ، ويحلوا ، إلامن كان معه
الهدى ، فقالوا : ننطلق إلى منى وذُ كورنا تَقْطُر؟ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معى الهدى لأحللت)).
وأخرجه البخارى .
١٧١٦ - وعن مجاهد عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((هذه
عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدى فليُحِلَّ الحِلَّ كله، وقد دخلت العمرة فى الحج
إلى يوم القيامة ))
وأخرجه مسلم والنسائى . وقال أبو داود : هذا منكر ، إنما هو قول ابن عباس .
وفيما قاله أبو داود نظر. وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى ومحمد
عليهم أن يُحلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محرم، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن
نفسه، ويتركوا الايتساء به والكون معه على كل حال من أحواله ، فقال عند ذلك هذا
القول، لئلا يجدوا فى أنفسهم من ذلك، وليعلموا أن الأفضل لهم مادعاهم إليه وأمرهم به، وأنه
لولا أن سنة من ساق الهدى أن لايحل حتى يبلغ الهدى محله، لكان أسوتهم فى الإحلال،
یطیب بذلك نفوسهم ويحمد به صنیعهم وفیلهم .
وقد يستدل بهذا من يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل .
١٧١٦ - قلت: قوله ((هذه عمرة استمتعنا بها)) يحتج به من يذهب إلى أن النبى صلى الله
عليه وسلم كان متمتعاً .
وتأوله من ذهب إلى خلافه على أنه أراد به من تمتع من أصحابه ، وقد كان فيهم
١٧١٦ - وقوله ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)) لا ريب فى أنه من كلام رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد إنه من قول ابن عباس، وكذلك قوله (( هذه عمرة تمتعنا
بها ))، وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث. والله أعلم .

- ٣١٥ -
بن بشار، وعثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن جعفر عن شعبة، مرفوعاً. ورواه أيضاً يزيد
بن هرون ومعاذ بن معاذ العنبرى وأبو داود الطيالسى وعمرو بن مرزوق، عن شعبة مرفوعاً .
ونقصير من يقصر به من الرواة لا يؤثر فيما أثبته الحفاظ . والله عز وجل أعلم
١٧١٧ - وعن عطاء عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أهلَّ الرجل
بالحج ، ثم قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ، فقد حلَّ، وهى عمرة » .
فى إسناده النّهاس بن قَهْم أبو الخطاب البصرى، ولا يحتج بحديثه .
قال أبو داود: رواه ابن جريج [عن رجل] عن عطاء قال: (( دخل أصحاب النبى صلى
الله عليه وسلم مهلين بالحج خالصاً ، فجعلها النبى صلى الله عليه وسلم عمرة)). (*)
المتمتع والقارن والمفرد ، وهذا كما يقول الرجل الرئيس فى قومه : فعلنا كذا، وصنعنا كذا،
وهو لم يباشر بنفسه فعل شىء من ذلك، وإنما هو حكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه،
على معنى أن أفعالهم صادرة عن رأيه ومنصرفة إلى إذنه .
وقوله (( دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)) مختلف فى تأويله، يتنازعه الفريقان،
موجبوها ونافوها فرضاً . فممن قال إنها واجبة كوجوب الحج : عمر، وابن عمر ، وابن
عباس رضي الله عنهم ، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد ، والحسن ، وابن سيرين ،
والشعبي ، وسعيد بن جبير، وإلى إيجابها ذهب الشافعى ، وأحمد، وإسحق ، وأبو عبيد.
وقال الثورى فى العمرة: سمعنا أنها واجبة .
وقال أصحاب الرأى : ليست العمرة واجبة .
قلت: فوجه الاستدلال من قوله ((دخلت العمرة فى الحج)) لمن لايراها واجبة:
أن فرضها ساقط بالحج، وهو معنى دخولها فيه .
ومن أوجبها يتأوله على وجهين :
أحدهما : أن عمل العمرة قد دخل فى عمل الحج ، فلا يرى على القارن أكثر من طواف
(*) قال ابن القيم : والتعليل الذى تقدم لأبى داود فى قوله هذا حديث منكر ، إنما هو.
لحديث عطاء هذا ، عن ابن عباس يرفعه: ((إذا أهل الرجل بالحج))، فإن هذا قول ابن عباس
الثابت عنه بلا ريب ، رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء، وأنس بن سليم ، وغيرهم من كلامه ،

- ٣١٦ -
١٧١٨ - وعن مجاهد عن ابن عباس قال: ((أهل النبى صلى الله عليه وسلم بالحج ، فلما
قدم طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة - وقال ابن شَوْكَر (١): ولم يقصر - ولم يحل من
أجل الهدى، وأمر من لم يكن ساق الهدى أن يطوف وأن يسعى ويقصر، ثم يحل - زاد ابن
مَنِيع فى حديثه: أو يحلق ثم يحل )).
فى إسناده يزيد بن أبى زياد أبو عبد الله الكوفى ، تكلم فيه غير واحد ، وأخرج له
مسلم فى الشواهد .
١٧١٩ - وعن سعيد بن المسيب: ((أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن
الخطاب رضى الله عنه ، فشهد عنده : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى مرضه الذى
قُبض فيه - ينهى عن العمرة قبل الحج)) .
واحد وسعی واحد، كما لا يرى عليه أكثر من إحرام واحد .
والوجه الآخر: أنها قد دخلت فى وقت الحج وشهوره، وكان أهل الجاهلية لا يعتمرون
فى أشهر الحج، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهذا القول .
١٧١٩ - قلت : فى إسناد هذا الحديث مقال. وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمرتين قبل حجه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون ، وجواز ذلك إجماع من
فانقلب على الناسخ ، فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس ، وهو إلى جانبه ، وهو حديث
صحيح لا مطعن فيه ولا علة ، ولا يعلل أبو داود مثله ، ولا من هو دون أبى داود ، وقد اتفق
الأيمة الأثبات على رفعه، والمنذري رحمه الله، رأى ذلك فى السنن، فنقله كما وجده، والأمر
كما ذكر ناه . والله أعلم.
١٧١٩ - قال ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث باطل ، ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب
من عمر ، فإن ابن المسيب إذا قال: قال رسول اللّه عليه وسلم، فهو حجة ، قال الامام أحمد:
إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل ؟ وقال أبو محمد بن حزم : هذا حديث فى غاية
الوهى والسقوط ،لأنه مرسل ، عمن لم يسم ، وفيه أيضاً ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراسانى،
وعبد الله بن القاسم ، وأبوه ، ففيه خمسة عيوب، وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم، وقال
عبد الحق : هذا منقطع ضعيف الاسناد .

- ٣١٧ -
سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر بن الخطاب ، وقال أبو سليمان الخطابى : فى
إسناد هذا الحدیث مقال، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلمعمرتین قبلحجه، وجواز
ذلك إجماع من أهل العلم ، ولم يذكر فيه خلاف .
١٧٢٠ - وعن أبى شيخ الهُنائى -حَيْوان بن خَدة - ممن قرأ على أبى موسى الأشعري من
أهل البصرة: ((أن معاوية بن أبى سفيان قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال:
أهل العلم ، لم يذكر فيه خلاف .
وقد يحتمل أن يكون النهى عنه اختياراً واستحباباً ، وأنه إنما أمر بتقديم الحج، لأنه
أعظم الأمرين وأهمهما ، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت ، وأيام السنة كلها
تتسع لها ، وقد قدم الله اسم الحج عليها فقال (٢: ١٩٦ وأتموا الحج والعمرة لله) .
١٧٢٠ - قلت : جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على
جواز شيء منهى عنه ، ولم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية ، ولم يساعدوه عليها ،
ويشبه أن يكون ذهب فى ذلك: إلى تأويل قوله - حين أمر أصحابه فى حجته بالإحلال
فشق عليهم - (( لو استقبلت من أمرى مااستدبرت ماسقت الهدى)) وكان قارناً ، فيما دلت
عليه هذه القصة، فحمل معاوية هذا الكلام منه على النهى .
١٧٢٠ - قال ابن القيم رحمه الله: وقال عبد الحق: لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث،
وإنما سمع منه ((النهى عن ركوب جلود النمور))، فأما النهى عن القران فسمعه من أبى حسان
عن معاوية ، ومرة يقول : عن أخيه حمان ، ومرة يقول: جمان ، وهم مجهولون . وقال ابن
القطان : يرويه عن أبى شيخ رجلان : قتادة ، ومطرف ، لا يجعلان بين أبى شيخ وبين معاوية
أحداً، ورواه عنه بيهس بن فهدان ، فذكر سماعه من معاوية لفظ النهى عن ركوب جلود النمور
خاصة . قال النسائي : ورواه عن أبي شيخ: يحيى بن أبى كثير ، فأدخل بينه وبين معاوية رجلا
اختلفوا فى ضبطه . فقيل : أبو حماز، وقيل : حمان ، وقيل : جمان، وهو أخو أبي شيخ .
وقال الدار قطنى : القول قول من لم يدخل بين أبى شيخ ومعاوية فيه أحداً ، يعنى قتادة
ومطرفاً وبيهس بن فهدان .

- ٣١٨ -
فتعلمون أنه نهى أن يُقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، قال: أما إنها معهن ،
ولكنكم نسيم ».
وأخرجه النسائى مختصراً .
وقد اختلف فى هذا الحديث اختلافاً كثيراً، كما ذكرناه .
فروى عن أبى شيخ عن أخيه ◌ِمَّان ، ويقال : أبو حمان ، عن معاوية .
وفيه وجه آخر، وهو أنه قد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال (( افصلوا بين الحج
والعمرة، فإنه أمُّ لحجكم وعمرتكم)» ويشبه أن يكون ذلك على معنى الإرشاد وتحرى الأجر،
ليكثر السعى والعمل، ويتكرر القصد إلى البيت، كما روى عن عثمان أنه « سئل عن التمتع
بالعمرة إلى الحج؟ فقال: إنَّ أَنَّمَّ الحجّ والعمرة: أن لا يكونا فى أشهر الحج ، فلو أفرد تم
هذه حتى تزوروا هذا البيت زورتين ، كان أفضل )).
وقال غيره : أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه ، ولو كان حافظاً ، لكان حديثه هذا
معلوم البطلان ، إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله ، فإنه
أحرم قارناً ، رواه عنه ستة عشر نفساً من أصحابه، وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع،
وأجمعت الأمة على جوازه . ولو فرض صحة هذا عن معاوية ، فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فلعله وهم ، أو اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة
الحج، كما اشتبه على غيره . والقران داخل عندهم فى اسم المتعة ، وكما اشتبه عليه تقصيره عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض عمره ، بأن ذلك فى حجته ، وكما اشتبه على ابن عباس
نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لميمونة ، فظن أنه نكحها محرماً ، وكان قد أرسل
أبا رافع إليها، ونكحها وهو حلال ، فاشتبه الأمر على ابن عباس . وهذا كثير .
ووقع فى بعض نسخ سنن أبي داود: (( نهى أن يفرق بين الحج والعمرة)) بالفاء والقاف .
قال ابن حزم: هكذا روايتى عن عبد الله بن ربيع، وهكذا فى كتابه، وهو - والله أعلم -
وهم، والمحفوظ: ((يقرن)) فى هذا الحديث. تم كلامه. وقد رواه النسائى فى سننه قال: حدثنا
أبوداود أخبرنا يزيد بن هرون أخبرنا شريك بن أبي فروة(١) عن الحسن قال: ((خطب معاوية
الناس ، فقال: إنىْ محدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقونى ،
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تلبسوا الذهب إلا مقطعاً، قلوا: سمعنا، قال:
(١) كذا فى الأصل،وهو خطأ يقيناً، فليس فى الراوة من يسمى هكذا. ولعل صوابه (أخبرنا
شريك عن قرة عن الحسن))، فقرة هو ابن خاله. ولم أجد هذا الحديث فى المجتبى، فلمله فى السنن.
الكبرى . أحمد محمد شاكر

- ٣١٩ -
وروى عن بَيْهس بن فَهْدان عن أبى شيخ عن عبد الله بن عمر. وعن بيهس عن أبى
شيخ عن معاوية .
وقد اختلف علی یحیی بن أبی کثیر فیه. فروی عنه عن أبی شیخ عن أخيه . وروى
عنه عن أبى إسحق عن حمان . وروى عنه حدثنى مُمَران ، من غير واسطة . وسماه حمران .
وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة ، ولا يجوز أن يتفقوا على
جواز شیء منهی عنه .
باب فى القران [٩١:٢ ]
١٧٢١ - عن يحيى بن أبى إسحق وغيره عن أنس بن مالك قال: ((سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم، يلبي بالحج والعمرة جميعاً، يقول: لَبَيك عمرةً وحجًّا ، لبيك
عمرةً وحجًّا )).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة ، مطولاً ومختصراً .
١٧٢٢ - وعن أبى قلابة عن أنس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم بات بها - يعنى بذى
الحليفة - حتى أصبح، ثم ركب، حتى إذا استوت به [على] البَيْداء، حمد الله وسبح وكبر،
ثم أهلَّ بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما ، فلما قدمنا أمر الناسَ فحَلُوا، حتى إذا كان يوم
التروية أهلّوا بالحج ، ونَحَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَ بَدَنَاتٍ بيده قياماً )) .
وأخرجه البخارى بنحوه .
١٧٢١ - قلت : فى هذا بيان أنه قرن بينهما فى وقت واحد ، وفى إحرام واحد ، وأنه لم يكن
على معنى الإحرام بإحداهما وإدخال الأخرى عليها .
وسمعته يقول : من ركب جلود النمور لم تصحبه الملائكة ، قالوا : سمعنا ، قال : وسمعته ينهى
عن المتعة، قالوا: لم نسمع. فقال: بلى، وإلا فصمتا)). فهذا أصح من حديث أبى شيخ. وإنما
فيه النهى عن المتعة ، وهى، والله أعلم ، متعة النساء ، فظن من ظن أنها متعة الحج، والقران
متعة ، فرواه بالمعنى ، فأخطأ خطأ فاحشاً . وعلى كل حال فليس أبو شيخ ممن يعارض به كبار
الصحابة ، الذين رووا القران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخباره أن العمرة دخلت
فى الحج إلى يوم القيامة، وأجمعت الأمة عليه . والله أعلم .

- ٣٢٠ -
١٧٢٣ - وعن البراء بن عازِب قال: (( كنت مع علىّ حين أَمْرَه رسول الله صلى الله
عليه وسلم على اليمن، قال: فأصبتُ معه أواقَى (١) ، قال: فلما قدم علىٌّ من اليمن ، على
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجدت فاطمة رضى الله عنها قد لبست ثياباً صَبيغاتٍ،
وقد نَضَحت البيت بنَضُوحِ ، فقالت: مالَكَ؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر
أصحابه فأحلوا؟ قال: قلت لها : إنى أهللت بإهلال النبى صلى الله عليه وسلم ،قال: فأتيتُ
النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال لى: كيف صنعت ؟ فقال: قلت : أهللت بإهلال النبى صلى
الله عليه وسلم ، قال: فإنى قد سُقْت الهدى وقَرنت ، قال: فقال لى : انحر من البُدْنِ سبعاً
وستين، أو ستًّا وستين، وأمْسِكْ لنفسك ثلاثاً وثلاثين، أو أربعاً وثلاثين، وأمْسك لى
من كلِّ بَدَنةٍ منها بَضْعَة)).
١٧٢٣ - قلت : وفى هذا صريح البيان أنه كان قارناً ، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بما كان
نواه وقصده من ذلك .
وفيه دليل على أن عقد الإحرام مبهماً من غير تعيين جائز، وأن صاحبه بالخيار ، إن شاء
صرفه إلى الحج والعمرة معاً ، وإن شاء صرفه إلى أحدهما دون الآخر، وأنه ليس كالصلاة
التى لا تجزىء إلا بأن تعين مع العقد والإحرام.
وقد استدل بعضهم بقوله ((وأمسك لى من كل بدنة منها ببضعة )) على جواز أكل
القارن والمتمتع من لحم هديه، وهو غير دال على ماقاله ، لأن سبع بدنة يجزئه عن نسكه ،
ويكون فيه جبران لنقصه ، فيحصل الأكل من حِصَّة التطوع دون الواجب.
١٧٢٣ - قال ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل الأحاديث الواردة فى هذا الباب حق التأمل جزم
جزماً لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم فى حجته قارناً، ولا تحتمل الأحاديث
غير ذلك بوجه من الوجوه أصلاً . قال الإمام أحمد: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان قارناً . تم كلامه . وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه ، وهم : عمر بن الخطاب
وعلى بن أبى طالب ، وعائشة أم المؤمنين ، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد اللّه، وعبد الله
بن عباس ، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب ، وحفصة أم المؤمنين ، وأنس بن مالك ،
(١) فى نسخة ((فأصبت معه أواقاً)) وفى نسخة زيادة ((من ذهب)).