Indexed OCR Text
Pages 261-280
- ٢٦١ - ١٦٢٢ - وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفى بالمرء إمّا أن يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)). وأخرجه النسائى . وأخرج مسلم فى الصحيح من حديث خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)). ١٦٢٣ - وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ سَرَّه أنْ يُبْسَطَ عليه فِى رِزقه ويُنْسَأَّ فِى أَثْرِهِ فَلْيَصِلْ رَِمَهُ)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ١٦٢٤ - وعن أبى سَلَمَة عن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول الله صلى الله ١٦٢٢ - قوله ((من يقوت)) يريد من يلزمه قوته. والمعنى: كأنه قال للمتصدق: لا تتصدق بما لافضل فيه عن قوت أهلك، تطلب به الأجر، فينقلب ذلك إثماً إذا أنت ضيعتهم . ١٦٢٣ - قوله ((ينسأ فى أثره)) معناه يؤخر فى أجله، يقال للرجل: نسأ الله فى عمرك، وأنسأ عمرك . والأثرههنا آخر العمر. قال كعب بن زهير: والمرء ما عاش ممدود له أمل لاتنتهى العين حتى ينتهى الأثر ١٦٢٤ - قلت: فى هذا بيان صحة القول بالاشتقاق فى الأسماء اللغوية ، وذلك أن قوماً أنكروا الاشتقاق ، وزعموا أن الأسماء كلها موضوعة . وهذا يبين لك فساد قولهم . وفيه دليل على أن اسم ((الرحمن)) عربى مأخوذ من الرحمة. وقد زعم بعض المفسرين أنه عبرانى . قلت: و ((الرحمن)) ((بناؤه)) فعلان، وهو بناء نعوت المبالغة ، كقولهم : غضبان، وإنما يقال لمن يشتد غضبه ولم يغلب عليه الغضب: ضَجِر وحَرِد، ونحو ذلك ، حتى إذا امتلأ - ٢٦٢ . - عليه وسلم يقول: (( قال الله تعالى: أنا الرحمن ، وهى الرَّحِمُ، شَقَّقْتُ لها اسماً من اسمى ، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتُّهُ)). وأخرجه الترمذى ، وقال: حديث صحيح. وفى تصحيحه نظر، فإن يحيى بن معين قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه لهما سماع من أبيهما . وأخرجه أبو داود من حديث مَعْمَر عن الزهرى عن أبى سلمة عن ردَّاد الليْى عن عبد الرحمن بن عوف، وأشار إليه الترمذى ، وحكى عن البخارى أنه قال : وحديث معمر خطأ(١). وقد أخرج البخارى ومسلم والنسائى من حديث سعيد بن يسار، أبى الحباب، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرَّحِمَ، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة ، قال: نعم ، أما ترضين أنى أصِل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاكِ لكِ)) الحديث. ١٦٢٥ - وعن جُبير بن مُطعِم، يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يدخلُ الجنة قاطع )». وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى . وقال سفيان بن عيينة : يعنى قاطع رحم . ١٦٢٦ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الواصلُ بالمكافىء ، ولكن الواصل الذى إذا فُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ». وأخرجه البخارى والترمذى . غضباً قيل : غضبان ، وكقولهم: سكران ، وإنما هو قبل ذلك طَرِب، ثم ثَمِلِ، فإذا طفَح قيل: سكران . ولا يجوز أن يسمى بالرحمن أحد غير الله، ولذلك لا يثنى ولا يجمع ، كما ثنوا وجمعوا الرحيم فقيل : رحمان ورحماء . وقوله (بَتُّه)) معناه: قطعته ، والبتُّ : القطع . (١) الحديث رواه أحمد فى المسند ١٦٨٠، ١٦٨٦ وقد حققنا صحته هناك، فارجع إليه. أحمد محمد شاكر - ٢٦٣ - باب فى الشُّحِّ [٦١:٢] ١٦٢٧ - عن عبد الله بن عمرو قال: ((خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِيَّاكُمْ والشُّحَّ، فإنما هَلكَ من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل ، فَبَخِلوا، وأمرهم بالقطيعة، فقطعوا ، وأمرهم بالفجور، ففجروا ». وأخرجه النسائى . ١٦٢٨ - وعن عبد الله بن أبى مُليكة قال: حدثنى أسماء بنتُ أبى بكر قالت: ((قلتُ: يا رسول الله، مالى شىء إلا ما أدْخَل علىَّ الزبيرُ بيتَه، أفأعطى منه؟ قال : أعْطِى ولا تُوكِىُ ، فُوكَى عليك)) . ١٦٢٧ - قلت : الشح أبلغ فى المنع من البخل ، وإنما الشح بمنزلة الجنس، والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال البخل: إنما هو فى أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم للإِنسان من قبل الطبع والجبلة . وقال بعضهم : البخل أن يضنَّ بماله ، والشح أن يبخل بماله وبمعروفه . و ((الفجور)» ههنا الكذب، وأصل الفجور: الميل والانحراف عن القصد، ويقال للكاذب : قد نفجر، أى انحرف عن الصدق . . ١٦٢٨ - قلت: معناه أعطى ما يصيبك منه ((ولا توكى)) أى لا تدخرى. والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذى يربط به. يقول: لا تمنعي ما فى يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك . وفيه وجه آخر ، وهو: أن صاحب البيت إذا أدخل الشىء بيته كان ذلك فى العرف مفوضاً إلى ربة المنزل، فهى تنفق منه بقدر الحاجة فى الوقت ، وربما تدخر منه الشىء الغابر الزمان . فكأنه قال : إذا كان الشىء مفوضاً إليك موكولاً إلى تدبيرك فاقتصرى على قدر الحاجة فى النفقة ، وتصدقى بالباقى ، ولا تدخرى . والله أعلم . - ٢٦٤ - وأخرجه الترمذى والنسائى. وأخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن أبي مليكة عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء، مختصراً ومطولاً ، بنحوه . ١٦٢٩ وعن عائشة: ((أنها ذكرت عِدَّةً من مساكين - قال أبوداود: وقال غيره: أو عِدَّةٌ : من صدقة - فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعْطِى، ولا تَخْصِى، فَيُحْصَى عليك)). وقد أخرج البخارى ومسلم والنسائى قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا تحصى فيحصى الله عليك)) من رواية أسماء بنت أبى بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتاب اللقطة [٦١:٢] ١٦٣٠ - عن سُويد بن غَفَّلة قال ((غزوت مع زَيْد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة ، فوجدت سَوطاً، فقالا لى: اطْرَحْه ، فقلت: لا ، ولكن إنْ وَجَدْتُ صاحبه ، وإلا استمتعتُ به، فحججتُ ، فمررت على المدينة، فسألتُ أُبِىَّ بن كعب، فقال: وجدتُ صُرَّة فيها مائة دينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: عَرِّفها حَوْلاً، فعرفتها حولاً، ١٦٣٠ -١٦٣٢ - فى هذا الحديث من الفقه أن أخذ اللقطة جائز، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أُبيّ أخذها والتقاطها . ومن روى ذلك عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجابر بن زيد ، وعطاء بن أبي رباح ومجاهد ، وکره أخذها أحمد بن حنبل. قلت : وفيه أن اللقطة إذا كان لها بقاء ولم تكن مما يسريع إليها الفساد فيتلف قبل مضى السنة ، فإنها تعرف سنة كاملة . وقد اختلفت هذه الرواية فى تحديد المدة. فقال فيها: ((لا أدرى قالها مرة أو ثلاثاً)) ، وجاء فى خبر زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرفها حولاً واحداً)» من غير شك فيه . وهو مذهب عامة الفقهاء . وفى قوله (( فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها)) دليل على أن له أن يتملكها بعدالسنة، ويأكلها بعد السنة إن شاء، غنيًا كان الملتقط لها أو فقيراً. وكان أبى بن كعب من مياسير الأنصار ، ولو كان لا يجوز للغنى أن يتملكها بعد تعريف السنة لأشبه أن لا يبيح له الاستمتاع - ٢٦٥ - ثم أنيته [ فقال: عرفها حولاً ، فعرفتها حولاً ، ثم أتيته ، فقال: عرفها حولاً ، فعرفتها حولاً، [ثم أتيته](١) فقلت: لم أجد من يَعْرِفُها، فقال: احْفَظ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا ، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها، وقال: لا أدرى، أثلاثاً قال: عَرِّ فها، أو مرة واحدة)). منها إلا بالقدر الذى لا يخرجه عن حد الفقر إلى حد الغنى ، فلما أباح له الاستمتاع بها كلها، دل أن حكم الغنى والفقير لا يختلف فى ذلك . وإلى هذا ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه . وقد روى عن عمر بن الخطاب وعائشة إباحة التملك والاستمتاع بعد السنة . وقالت طائفة : إذا عرفها سنة ولم يأت صاحبها تصدق بها، روى ذلك عن على وابن عباس، وهو قول الثورى وأصحاب الرأى . وإليه ذهب مالك . وفى قوله من رواية حماد: « فإن جاء صاحبها نعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه)) دلالة على أنه إذا وصف اللقطة وعرف عددها دفعت إليه من غير تكليف بينة سواها، وهو مذهب مالك وأحمد . وقال الشافعى : إن وقع فى نفسه أنه صادق وقد عرف الرجل العناص والوكاء والعدد والوزن ، دفعها إليه إن شاء ولا أجْبُرد على ذلك إلا ببينة، لأنه قد يصيب الصفة، بأن يستمع الملتقط يصفها ، وكذلك قال أصحاب الرأى . قلت : ظاهر الحديث يوجب دفعها إليه إذا أصاب الصفة، وهو فائدة قوله ((عفاصها ووكاءها)) فإن صحت هذه اللفظة فى رواية حماد، وهى قوله ((فعرف عددها فادفعها إليه))، كان ذلك أمراً لا يجوز خلافه، وإن لم يصح فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا بالبينة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( البينة على المدعى)). ويتأول على هذا المذهب قوله ((اعرف عفاصها ووكاءها)) على وجهين: أحدهما: أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله فلا يتميز منه ، والوجه الآخر : لتكون الدعوى فيها معلومة ، فإن الدعوى المبهمة لا تقبل . قلت: وأمره بإمساك اللقطة وتعريفها أصل فى أبواب من الفقه، إذا عرضت الشبهة فلم يتبين الحكم فيها . وإلى هذا ذهب الشافعى فى كثير من المسائل، مثل أن يطلق إحدى نسائه من غيرتعيين ومات ، فإن الثمن يوقف بينهن ، حتى تتبين المطلقة منهن، أو يصطلحن على شىء ، فى نظائرلها من الأحكام . (١): مادة من السنن. - ٢٦٦ - ١٦٣١ - وفى رواية قال: ((عرفها حولاً، قال: ثلاث مرار، قال: فلا أدرى ، قال له ذلك فى سنة أو فى ثلاث سنين)). ١٦٣٢ - وفى رواية، قال فى التعريف: ((قال عامين، أو ثلاثة، وقال: اعرِفْ عددها ووكاءها - زاد - فإن جاء صاحبها فعَرَفَ عددَها ووكاءها فادفعها إليه )) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مختصراً ومطولاً بنحوه ، وليس فى حديث البخارى ومسلم ((فعرف عددها ووعاءها ووكاءها)»، وفى حديث الترمذى: ((فإذا جاء طالبها فأخبرك بعدَّتها ووعائها ووكأنها فادفعها إليه))، وفى حديث النسائى. (( فإن جاء أحد يخبر بعددها ووعائها ووكائها ، فأعطها إياه )) . ١٦٣٣ - وعن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهنى: (( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: عَرّ فْهَاسَنَّةً، ثم اعرِفْ وكاءها وعِغَاصَها، ثم استَنْفِق بها، فإن جاء رَبُّها فأِدِّها إليه، فقال: يا رسول الله، فَضَالَّهُ الغبى؟ فقال: خُذُها ، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو الذئب، قال: يارسول الله، فَضَالَّةُ الإبل؟ فغضب رسول الله ١٦٣٣ - قلت: ((الوكاء)) الخيط الذى يشد به الصُّرة. و((العفاص)»: الوعاء الذي يكون فيه النفقة ،وأصل العفاص : الجاد الذى يلبس على رأس القارورة . وفى الحديث: دليل على أن قليل اللقطة وكثيرها سواء فى وجوب التعريف، إذا كان مما يبقى إلى الحول ، لأنه عم اللفظ ولم يخص. وقال قوم : ينتفع بالقليل التافه من غير تعريف، كالنعل والسوط والجراب ونحوها ، مما يتفق به ولا يتمول. وعن بعضهم : أن مادون عشرة دراهم قليل . وقال بعضهم : إما يعرَّف من اللقطة ما كان فوق الدينار. واستدل بحديث على رضي الله عنه: ((أنه وجد ديناراً فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يشترى به دقيقاً ولجماً، فلما وضع الطعام جاء صاحب - ٢٦٧ - صلى الله عليه وسلم، حتى أحْمَرَّت وَجْنَتَاه، أو احمرَّ وجهه، وقال: مالكَ ولها ؟! معها حِذاؤها وسِقاؤها، حتى يأتيها رَبُّها)). ١٦٣٤ - وفى رواية: ((تَرِدِ الماء وتأكل الشجر)) وقال [فى اللقطة]: ((فإن جاء صاحبها ، وإلافشأنك بها)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة بنحوه . الدينار»، قال: فهذا 1 يعرفه سنة لكن استنفقه حين وجده، فدل ذلك على فرق ما بين القليل من اللقطة والكثير منها . وقد ذكر أبو داود حديث علىّ هذا فى موضع آخر من هذا الكتاب (١). وقوله فى ضالة الغنى «هي لك . أولأخيك. أو الذئب)) فيه دليل على أنه إنما جعل هذا حكمها إذا وجدت بأرض فلاة يخاف عليها الذئاب فيها ، فأما إذا وجدت فى قرية وبين ظهراني عمارة ، فسبيلها سبيل اللقطة فى التعريف، إذ كان معلوماً أن الذئاب لانأوى إلى الأمصار والقرى . وأما ضالة الإبل فإنه لم يجعل لواجدها أن يتعرض لها، لأنها قد ترد الماء وترعى الشجر وتعيش بلاراع ، وتمتنع على أكثر السباع، فيجب أن يخلي سبيلها حتى يأتى ربها ، وفى معنى الإبل: الخيل والبغال والظباء وما أشبهها من كبار الدواب التى ◌ُّمِن فى الأرض وتذهب فيها. وقوله فى الإبل: ((معها حذاؤها وسقاؤها))، فإنه يريد بالحذاء أخفافها، يقول: إنها تقوى على السير وقطع البلاد. وأراد بالسقاء: أنها تقوى على ورود المياه، فتحمل رِيَّها فى أكراشها . قلت: فإن كانت الإبل مهازيل لا تنبعث، فإنها بمنزلة الغر التى قيل فيها: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)». وفى قوله (( ثم استنفق بها)) وقوله ((هى لك أو لأخيك)) دليل على أنه لا ينقض عليه البيع فيها إذا كان قد باعها ، ولكن يغرم القيمة ، لأنه إذا أذن له فى أن يستنفقها فقد أذن له في يتوصل به إلى الاستنفاق بها من بيع ونحوه (١) يريد الحديثين الآتيين ١٦٤١، ١٦٤٢. - ٢٦٨ - ١٦٣٥ - وعن بُسْربن سعيد عن زيد بن خالد الجهنى: ((أن رسول الله صلى الله عليه. وسلم سُئل عن الَّقْطَة؟ فقال: عَرِّفْهَا سَنَةً، فإن جاء باغيها فأِّها إليه ، وإلا فاعْرِف عِفَاصَهَا ووكاءها، ثم كُلُهَا، فإن جاء باغيها، فأِّها إليه)). [ وفى رواية لحماد بن سلمة، زاد فيها: ((فإن جاء باغيها فعرف عفاصها وعددها ، فأدفعها إليه ](١) . قال أبو داود : وهذه الزيادة التى زاد حماد بن سلمة (( إن جاء صاحبها فعرف عفاصها .. هـ ١٦٣٥ - قلت: قوله ((ثم كلها)) يصرح بإباحتها له بشرط أن يؤدى ثمنها إذا جاء صاحبها، فدل أنه لاوجه لكراهة الاستمتاع بها. وقال مالك بن أنس: إذا أ كل الشاة التى وجدها بأرض الفلاة، ثم جاء صاحبها لم يغرمها. وقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلٍ جعلها له ملكاً بقوله ((هى لك أو لأخيك))، وكذلك قال داود. والحديث حجة عليهما، وهو قوله بعد إباحة الأكل: ((فإن جاء باغيها فأدّها إليه)). ١٦٣٥ - قال ابن القيم رحمه الله: والسنة الصحيحة مصرحة بأن مدة التعريف سنة. ووقع فى حديث أبي بن كعب المتقدم : أنها تعرف ثلاثة أعوام ، ووقع الشك فى رواية حديث أبى بن كعب أيضاً، هل ذلك فى سنة أو فى ثلاث سنين؟ وفى الأخرى ((عامين أو ثلاثة)) فلم يجزم، والجازم مقدم. وقد رجع أبى بن كعب آخراً إلى عام واحد ، وترك ماشك فيه . وحكى مسلم فى صحيحه عن شعبه أنه قال: سمعته - يعنى سلمة بن كهيل - بعد عشر سنين يقول: ((عرفها عاماً واحداً)). وقيل: هى قضيتان: فاولى: الأعرابى أفتاه بما يجوز له بعد عام. والثانية : لأبى بن كعب : أفتاه بالكف عنها ، والتربص بحكم الورع ثلاثة أعوام ، وهو من فقهاء الصحابة وفضلائهم . وقد يكون ذلك لحاجة الأول إليها وضرورته ، واستغناء أبى ، فإنه كان من مياسير الصحابة . ولم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره ، وأن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام ، إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب . ويحتمل أن يكون الذى قال له عمر ذلك موسراً ، وقد روىعن عمر أن اللقطة تعرف سنة ، مثل قول الجماعة . وحكى فى الحاوى عن شواذ من الفقهاء أنه يلزمه أن يعرفها ثلاثة أحوال . (١) هذه الرواية زدناها من السنن، لأن أباداود أشار إليها فيما نقله عنه المنذرى ، ولكن النذوى لم يذكر هذه الرواية ، وذكرها ضرورى حتى يستبين كلام أبي داود ، فلذلك زدناها . - ٢٦٩ - ووكاءها فادفعها إليه)) ليست بمحفوظة. وحديث عُقْبة بن سويد عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم أيضاً، قال ((عَرّ فها سنة)) وحديث عمر بن الخطاب أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((عرفها سنة)). هذا آخر كلامه. وهذه الزيادة قد أخرجها مسلم فى صحيحه من حديث حماد بن سلمة. وقد أخرجه الترمذى والنسائى من حديث سفيان الثورى عن سلمة بن كُهيل بهذه الزيادة، كما قدمناه عنهما. وذكر مسلم فى صحيحه أن سفيان الثورى ، وزيد بن أبى أنيسة، وحماد بن سلمة، ذكروا هذه الزيادة ، فقد تبين أن حماد بن سلمة لم ينفرد بالزيادة، فقد تابعه عليها من ذكرناه، والله عز وجل أعلم . ١٦٣٦ - وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من وَجَدَ لُقَطَةَ فَلَيْهِدْ ذا عَدْلٍ، أَوَذَوَىْ عَدْلٍ ، ولا يَحْكُمْ ولاُ يُغَيِّبْ ، فإن وجد صاحبها فليردَّها عليه ، وإلا فهو مالُ الله يؤتيه من يشاء)) . وأخرجه النسائي وابن ماجة. وحمار: بكسر الحاء المهملة وميم مفتوحة ، وبعد الألف راء مهملة . وقال الشافعى: يغرمها كما يغرم اللقطة يلتقطها فى المصر سواء . قوله (( ثم أفضها فى مالك))(١) معناه: ألقها فى مالك واخلطها به، من قولك: فاض الأمر والحديث ، إذا انتشر وشاع، فيقال: ملك فلان فائض ، إذا كان شائعاً مع أملاك شركائه غير مقسوم ولامتميز منها . وهذا يبين لك أن المراد بقوله ((اعرف عناصها ووكاءها)) إنما هو ليمكنه تمييزها بعد خلطها بماله إذا جاء صاحبها ، لا أنه جعله شرطاً لوجوب دفعها إليه بغير بينة يقيمها أكثر من ذكر عددها وإصابة الصفة فيها . ١٦٣٦ - قوله ((فليشهد)) أمر تأديب وإرشاد. وذلك لمعنيين: أحدهما: ما يتخوفه فى العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها ، فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة. والآخر: مالا يؤمن من حدوث المنية به ، فيدعيها ورثته ويحوزونها فى جملة تركته . (١) هذه الكلمة فى رواية عند أبى داود فى حديث يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهن ، ولم يذكرها المنذرى ، فقصر جداً. - ٢٧٠ - ١٦٣٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه سئل عن الثَّر المعلَّق؟ فقال : من أصاب بفِيه من ذى حَاجَةٍ ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً (١)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشىء منه، فعليه غرامةُ مثليه والعقوبة، ومَنْ سَرق منه شيئًا بعد أن يُؤْوِيَّهَ الَجِرِينُ(٢) فبلغ ثمن المِجِنّ (٣) فعليه القطع، وذكر فى ضالّة الغنم والإبل كما ذكر غيره ، قال: وسئل عن اللقطة؟ فقال : ما كان منها فى طريق الميتاء (٤) أو القَرية الجامعة، فعرّفها سَنة ، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهى لك، وما كان فى الخراب - يعنى - ففيها وفى الرّ كازِ الخمس)». ١٦٣٧ - قلت: ((الجبنة)) ما يأخذه الرجل فى ثوبه فيرفعه إلى فوق، ويقال للرجل - إذا رفع ذيله فى المشى : قد رفع خبنته . وقوله ((فعليه غرامة مثليه)): يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد، لينتهى فاعل ذلك عنه. والأصل أن لاواجب على متلف الشيء أكثر من مثله. وقد قيل: إنه كان فى صدر الإِسلام يقع بعض العقوبات فى الأموال ثم نسخ(٥) . والله أعلم. وإنما سقط القطع عمن سرق التمر المعلق لأن حوائط المدينة ليس عليها حيطان، وليس سقوطه عنه من أجل أن لاقطع فى عين الثمر. فإنه مالٌ كسائر الأموال، ألست ترى أنه قد أوجب القطع فى ذلك الثمر بعينه إذا كان قد آواه الجرين ، فإنما كان الفرق بين الأمرين الحرز. و ((الطريق الميتاء)) هى المسلوكة التى يأتيها الناس. وقوله (( وما كان فى الخراب)) فإنه يريد بالخراب العادى ، الذى لا يعرف له مالك،. وسبیله سبيل الرّ كاز، وفيه الخمس ، وسائره لواجده . فأما الخراب الذى كان مرة عامراً ملكاً مالك ثم خرب ، فإن المال الموجود فيه ملك لصاحب الخراب، ليس لواجده منه شىء ، فإن لم يعرف صاحبه فهو لقطة . (١) الخبنة - بضم الخاء - طرف الثوب ومعطف الازار، أى: لا يأخذ منه مايخبأ فى طى ثوبه. (٢) الجرين - بفتح فكر - الموضع الذى يجفف فيه التمر كالبيدر الحنطة ، وجمعه جرن،. بضمتين . (٣) المجن - بكسر الميم وفتح الجيم - الترس، سمى بذلك لأنه يستر صاحبه ويجنه. (٤) الميتاء - بكسر الميم بعدها ياء فتاء مثناتان: الطريق المسلوكة . (٥) وأين الدليل على النسخ ؟ - ٢٧١ - ١٦٣٨ - وفي رواية: قال في ضالة الغم: ((لك أو لأخيك أو للذئب، خذها قَطُّ)). وفى رواية: قال: (( فخذها)). ١٦٣٩ - وفي رواية: قال فى ضالة الشاء: («فاجمعها ، حتى يأتيها باغيها)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة، مختصراً ومطولاً ، ومنهم من قال : عن عبد الله بن عمرو، ومنهم من قال: عن جده ، ولم يُسَتِهِ . وقال الترمذى : حديث حسن . ١٦٤٠ - وعن رجل عن أبى سعيد - وهو الخدرى ..: ((أن على بن أبى طالب وجد ديناراً، فأتى به فاطمة ، فسألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : هو رزق الله ، فأ كل منه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأكل علىٌّ وفاطمة ، فلما كان بعدَ ذلك أتته امرأة تَفْشُد الدينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياعلى، أدّ الدينار)). فى إسناده رجل مجهول . ١٦٤١ - وعن بلال بن يحيى العبسى عن على: ((أنه التقط ديناراً ، فاشترى به دقيقاً ، فعرَفه صاحبُ الدقيق، فردَّ عليه الدينار، فأخذه علىٌّ فقطع منه قيراطين ، فاشترى به لماً)). بلال بن يحيى العبسى : روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ، مرسل ، وعن عمر بن الخطاب . وهو مشهور بالرواية عن حذيفة ، وقيل فيه : عنه: بلغنى عن حذيفة ، وفى سماعه من علىّ نظر . ١٦٤٢ - وعن سهل بن سعد: ((أن على بن أبى طالب دخل على فاطمة، وحسنٌ وحسينٌ يبكيان ، فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع، فخرج على، فوجد ديناراً بالسوق، فجاء إلى فاطمة ، فأخبرها ، فقالت : اذهب إلى فلأن اليهودى ، فخذ لنا دقيقاً ، فجاء اليهودىَّ فاشترى به دقيقاً، فقال اليهودي : أنْتَ خَتَنُ هذا الذى يزعم أنه رسول الله؟ قال : نعم، قال : فخذ دينارك، ولك الدقيق ، فخرج على حتى جاء به فاطمة ، فأخبرها ، فقالت : اذهب إلى فلان الجزار، فخذ لنا بدرهم لماً ، فذهب فرَهَن الدينار بدرهم لحجم ، نجاء به، فعجنت، ونَصَبَتْ، وخَبزت ، وأرسلت إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول الله، أذكر لك ، فإن - ٢٧٢ - رأيتَهَ حلالاً أكلناه وأكلْتَ [ مَعَنا]، من شأنه كذا وكذا، فقال: كُلُوا بِاسْمِ الله، فأكلوا، فبينا هم مكاتهم إذا غلام يَنْشِدِ اللهَ والاسلاَمَ الدينارَ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذُعِى له ، فسأله، فقال: سقطَ منى فى السوق، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ياعلى ، اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: أرسل إلىّ بالدينار، ودرهُمُك علىَّ، فأرسل به ، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه )) فى إسناده موسى بن يعقوب الزمعى المديني ، كنيته أبو محمد ، قال يحيى بن معين : ثقة، وقال ابن عدى: وهو عندى لا بأس به ولا برواياته، وقال أبو عبد الرحمن النسائى: ليس بالقوى. وفى رواية الإمام الشامى: ((أنه أمره أن يعرفه فلم يعترف، فأمره أن يأكله)). وذكر البيهقى حديث على رضى الله عنه من رواية أبى سعيد، وسهل بن سعد ، وفيهما : أن عليَّ أنفقه فى الحال ولم تمض مدة. وقال: والأحاديث فى اشتراط المدة فى التعريف أكثر وأصح إسناداً من هاتين الروايتين، ولعله إنما أنفقه قبل مضى مدة التعريف للضرورة ، وفى حديثهما ما دل عليها . والله أعلى. هذا آخر كلامه . وقال غيره : فى حديث على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمره بتعريفه ، قال : وفيه إشكال، إذ ما صار أحد إلى إسقاط أصل التعريف ، ولعل تأويله أن التعريف ليس له صيغة يعتدَّ به، فمراجعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ملأ الخلق إعلان به . فهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة . هذا آخر كلامه . وقد ذكرنا أن فى رواية الإمام الشافعى ((أنه أمره أن يعرفه)) وذكر بعضهم أن القليل فى اللقطة مقدر بدينار فما دونه ، واحتج بحديث على. وذكر بعضهم أيضاً أنه لا يجب تعريف القليل ، لحديث على . ١٦٤٣ - وعن جابر بن عبد الله قال: ((رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العصا والسَّوط والحَبْل، وأشباهه ، يلتقطه الرجل ، ينتفع به)) . .- وذكر أن بعضهم رواه . ولم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم . وفى إسناده المغيرة بن زیاد، وقد تكلم فيه غير واحد . 1 ٢٧٣ - ١٦٤٤ - وعن عِكْرِمَة، أحسبه عن أبى هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « فى ضالّة الإبل المكتومة : غرامتُها ومثلُها معها». لم يجزم عكرمة سماعه من أبى هريرة ، فهو مرسل. ١٦٤٥ - وعن عبد الرحمن بن عثمان التّيمى: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أُقْطَة الحاج)). قال ابن وهب: يعنى فى لقطة الحاج: يتركها حتى تجدها صاحبها .. وأخرجه مسلم والنسائى ، وليس فيه كلام ابن وهب . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((لا تحِلِ لقطتها إلا لُمُنْشِد)). والصحيح: أنه إذا وجد لقطة فى الحرم، لم يجز له أن يأخذها إلا للحفظ على صاحبها ، وليعرِّفها أبداً، بخلاف لقطة سائر البلاد ، فإنه بجوز التقاطها للتملك . ومنهم من قال : إن حكم لقطة مكة حكم لقطة سائر البلاد . ١٦٤٦٠ - وعن المنذر بن جرير قال: (( كنت مع جرير بالبوازيج (١) فجاء الراعى بالبقَر، ١٦٤٤ - قلت : سبيل هذا سبيل ما تقدم ذكره من الوعيد الذى يراد به وقوع الفعل ، وإنما هو زجر وردع، وكان عمر بن الخطاب يحكم به. وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وأما عامة الفقهاء فعلى خلافه (٢). ١٦٤٦ - قلت : هذا ليس بمخالف للأخبار التى جاءت فى أخذ اللقطة، وذلك أن اسم الضالة لا يقع على الدراهم والدنانير والمتاع ونحوها ، وإنما الضالة اسم للحيوان التى تضل عن صاحبها، كالإبل والبقر والطير وما فى معناها، فإذا وجدها المرء لم يجز له أن يعرض لها، مادامت بحال تمتنع بنفسها، وتستقل بقوتها، حتى يأخذها ربها . ١٦٤٦ - قال ابن القيم رحمه الله: وقال بعضهم : الفرق بين لقطة مكة وغيرها أن الناس يتفرقون من مكة ، فلا يمكن تعريف اللقطة فى العام ، فلا يحل لأحد أن يلتقط لقطتها إلا مبادراً إلى تعريفها قبل تفرق الناس ، بخلاف غيرها من البلاد . والله أعلم . (١) هى الامارة التى فتحها جرير بن عبد الله البجلى، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التى بين تكريت وإربل . اهـ من هامش المنذرى. وفى عون المعبود: بلد قريب إلى دجلة. (٢) بدون دليل ، والنص دل على التغريم ، وحكم به عمر، فماذا بعد ذلك ؟! ( ١٨ مختصر السن - ج ٢) - ٢٧٤ - وفيها بقرة ليست منها ، فقال له جرير: ماهذه ؟ قال : حقت بالبقر ، لا ندری لمن هى، فقال جرير: أخرجوه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يأوى الضالَّة إلا ضَال)). وأخرجه النسائي وابن ماجة . وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من آوَى ضالة فهو ضال، مالم يعرّفها)). وأخرجه النسائى، ولفظه: ((من أخذ لقطة فهو ضال، مالم يعرفها ». آخر كتاب الزكاة ١ ٤٠ - ٢٧٥ - أول كتاب المناسك (١) [باب فرض الحج] [٢: ٧٠] ١٦٤٧ - عن ابن عباس: ((أن الأفْرَع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ، الحج فى كل سنةٍ ، أو مرةً واحدة ؟ قال: بل مرة واحدة ، فمن زاد فهو تطوع)). وأخرجه النسائى وابن ماجة . فى إسناده سفيان بن حسين صاحب الزهرى ، وقد تكلم فيه یحیی بن معین وغيره ، غير أنه قد تابعه عليه سلمان بن كثير وغيره ، فرووه عن الزهرى كما رواه. (٢) وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث أبي هريرة قال: ((خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس ، قدٍ فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل : كلَّ عام يارسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم ، لوجبت، ولما استطعتم)) الحديث. وأخرجه النسائى أيضاً . ١٦٤٧ - قلت : لاخلاف بين العلماء فى أن الحج لا يتكرر وجوبه ، إلا أن هذا الاجماع إنما حصل منهم بدليل ، فأما نفسُ اللفظ فقد كان موهماً التكرار، ومن أجله عرض هذا السؤال، وذلك أن الحج فى اللغة: قَصْدٌ فيه تكرار ، ومن ذلك قول الشاعر : يَحْجُّون سِبَّ الزّبرقان المزُعَفَا (٢) يريد: أنهم يقصدونه فى أمورهم ، ويختلفون إليه فى حاجاتهم مرة بعد أخرى، إذ كان سيداً لهم ورئيساً فيهم . (١) هكذا ترتيب السن والمنذرى، لكن الخطابى مشى على تقديم كتاب الصوم على كتاب المناسك ، كترتيب كل كتب الحديث . (٢) رواه أحمد فى المسند ٣٣٠٣ من طريق سفيان بن حسين عن الزهرى. وأما رواية سليمان بن كثير فهى فى المسند ٢٣٠٤، ٢٦٤٢. ورواه أيضاً عن محمد بن أبى حفصة عن الزهرى ٣٥١٠. ورواه أيضاً من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس ٢٩٩٨. وكل هذه أسانيد صماح . وكتبه أحمد محمد شاكر (٣) السب، بكر السين وتشديد الباء: العامة. انظر الان ١ : ٤٤٠. ـا. F - ٢٧٦ - ١٦٤٨ - وعن ابن لأبى واقد الليبى عن أبيه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه، فى حَجَّة الوداع: هُذِهِ، ثُمَّ ظَهُرَ الْحُصْرِ)) . ابن أبى واقد - هذا - اسمه واقد، جاء ذلك مُبَيْناً. وواقد - هذا - شبيه بالمجهول (١). باب فى المرأة بحج بغير محرم [٧٢:٢] / /١ ١٦٤٩ - عن سعيد بن أبى سعيد عن أبيه أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يَحِلُّ لامرأة مسلمة ◌ُافر مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعها رجل ذُوحُرْمة منها)). وقد استدلوا بهذا المعنى فى إيجاب العمرة، وقالوا: إذا كان الحج قصداً فيه تكرار، فإن معناه لا يتحقق إلا بوجوب العمرة، لأن القصد فى الحج إنما هو مرة واحدة ، لا يتكرر. وفى الحديث : دليل على أن المسلم إذا حج مرة ثم ارتد ثم أسهم، أنه لا إعادة عليه للحج . وقد اختلف العلماء فى الأمر الواحد من قبل الشارع: هل يوجب التكرار أم لا؟ على وجہین : ١٠. فقال بعضهم: نفس الأمر يوجب التكرار، وذهبوا إلى معنى اقتضاء العموم منه .. وقال الآخرون: لا يوجبه ، ويقع الخلاص منه والخروج من عهدته باستعماله مرة واحدة ، لأنه إذا قيل له : أفعلت ما أمرت به ؟ فقال: نعم ، كان صادقاً، وإلى هذا ذهب أكثر الناس . ١٦٤٩ - قلت: فى هذا بيان أن المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلاً ذا محرم يخرج معها . وإلى هذا ذهب النخعى ، والحسن البصرى، وهو قول أصحاب الرأى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه . وقال مالك: تخرج مع جماعة من النساء. وقال الشافعى : تخرج مع امرأة حُرّة مسلمة، ثقة من النساء . قلت : المرأة الحرة المسلمة الثقة التى وصفها الشافعى لا تكون رجلا ذا جزمة منها ! وقد حظر النبى صلى الله عليه وسلم عليها أن تسافر إلا ومعها رجل ذو محرم منها ، فإباحة الخروج (١) وقال الحافظ فى الفتح: وإسناد حديث أبي واقد محميح. - ٢٧٧ - ٤. وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى ، وفى حديث البخاري والترمذي (( يوم وليلة) .... ١٩٥٠ - وعن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة» ، فذكر معناه. وأخرجه مسلم وابن ماجة . وأخرجه البخارى ، متابعة . ١٦٥١ - وفى رواية لأبى داود نحوه، إلا أنه قال: ((بريداً)). ١٦٥٢ - وعن أبى صالح - وهو ذَ کوان- عن أبى سعيد - وهو الخدري - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاثة أيام فصاعداً، إلا ومعها أبوها ، أو أخوها ، أو زوجها، أو ابنها ، أو ذو محرم منها». وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة. وأخرجه البخارى ومسلم من حديث فَزَعَة بن يحيى عن أبى سعيد، بنحوه. لها فى سفر الحج مع عدم الشريطة التى أثبتها النبى صلى الله عليه وسلم خلاف السنة ، فإذا كان خروجها مع غير ذى محرم معصية، لم يجز إلزامها الحج، وهو طاعة، بأمر يؤدي إلى معصية . وعامة أصحاب الشافعى يحتجون فى هذا بما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه سئل عن الاستطاعة ؟ فقال: الزاد والراحِلة))، قالوا: فوجب، إذا قدرت المرأة على هذه الاستطاعة ، أن يلزمها الحج، ويتأولون خبر النهي على الأسفار التى هى متطوعة بها، دون السفر الواجب قلت : وهذا الحديث إنما رواه إيرهم بن يزيد الخُورِى عن محمد بن عَبَّاد بن جعفر عن ابن عمر. وإبرهيم الخورى متروك الحديث. وقد روى ذلك من طريق الحسن مرسلاً ، والحجة عند الشافعى لا تقوم بالمراسيل. وشبهها أصحابه بالكافرة تسلم فى دار الحرب فى أنها يها جر إلى دار الإسلام بلا محرم ، وكذلك الأسيرة المسلمة إذا تخلصت من أيدى الكفار، قالوا : والمعنى فى ذلك أنه سفر واجب عليها فكذلك الحج - ٢٧٨ - ١٦٥٣ - وعن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثاً، إلا ومعها ذُو مجرم ؟ . وأخرجه البخارى ومسلم . وعنه: أنه كان يُدف مولاةً له ، يقال لها صفية، تسافر معه إلى مكة . من بابٌ لا صَرُورَة [ فى الاسلام] [٧٤:٢] ١٦٥٤ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاصَرورة فى الإسلام)). فى إسناده عمر بن عطاء، وهو ابن وَرَان المكي، وقد ضعفه غير واحد من الأيمة (١). قلت: ولو كانوا سواء لكان يجوز لها أن تحج وحدها ليس معها أحد من رجل ذى محرم أو امرأة ثقة، فلما ! يبح لها فى الحج أن تخرج وحدها إلا مع امرأة حرة ثقة مسلمة، دلَّ على الفرق بين الأمرين . ١٦٥٤ - قلت: ((الصرورة)) (٢) تفسر نفسيرين: أحدهما: أن الصرورة هو الرجل الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى . ومنه قول النابغة : (١) هكذا فى نسخة المنذرى ((عمر بن عطاء، وهو ابن وران للكى))، وضبط بالشكل بالراء المهملة، وكتب فوقها بخط صغير ((خف)) أى أنها بالتخفيف، وآخره نون واضحة فى النسخة المخطوطة. والذى فى عون المعبود نقلا عن المنذرى ((عمر بن عطاء. وهو ابن أبى الخوار)): والذى فى بعض نسخ أبى داود ((عن عمر بن عطاء ، يعنى ابن أبى خوار))، فلست أدرى أيهما هو الصواب فى أصل المنذرى، وأرجح أن ما نقل فى عون المعبود هو الذى فى أصل المنذرى . وكلمة ((ابن وران)) خطأ يقيناً، فإن الذين أعلوا هذا الحديث بعمر بن عطاء قالوا إنه (( عمر بن عطاء بن وراز)) بفتح الواو وتشديد الراء وآخره زاى، ويقال بتخفيف الراء ، وهو غير ((عمر بن عطاء بن أبى الخوار)) بضم الخاء وتخفيف الواو وآخره راء، ولكل منهما ترجمة مستقله فى التهذيب. وأخطأ ابن حبان، فجمعهما رجلا واحداً، سماه عمر بن عطاءبن ورازبن أبى الخوار))؛ ولئن كان المنذرى زعم أن ابن أبى الخوار ضعيف، على ما نقل عنه فى عون المعبود، فقد أخطأ جدا. ابن أبى الخوار وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما، وما نقل عن ابن معين من أنه ضعفه ، غير ثابت، فانه إنما ضعف ابن وراز. والحديث رواه أحمد فى المسند ٢٨٤٥ وحققت هناك مسمة إسناده. أحمد محمد شاكر (٢) عند عوام أهل الحجاز اليوم: يسمون من يحج أول حجة ((صرورة))، ويحتفلون له احتفالا زائداً. ولعل ذلك كان من عادات الجاهلية . والله اعلم . - ٢٧٩ - باب التجارة فى الحج [٢: ٤٧] ١٦٥٥٠ - عن ابن عباس: قال ((كانوا يَحُجُّون ولا يَتَزَوَّدون، [ قال أبو مسعود: كان أهل اليمن، أوناسٌ من أهل اليمن، يحجون ولا يتزودون] (١) ويقولون : نحن المتوكلون، فأنزل الله سبحانه (٢ : ١٩٧ وتزوَّدوا فإنَّ خيرُ الزاد التَّقْوَى) الآية ». وأخرجه البخارى والنسائى. ١٦٥٦ - وعنه قال: قرأهذه الآية (٢: ١٩٨ ليس عليكم جُنَاحٌ أن تبتغوا فَضْلاً من ربكم) قال: ((كانوا لا يَتَّجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عَرفات )» . فى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وقد تكلم فيه جماعة من الأيمة ، وأخرج له مسلم فى المتابعة . باب [٢: ٧٥ ] ١٦٥٧ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أرادَ الحج فَلَيَتَعَجِّلْ )). عبدَ الإلهَ صَرورةٍ متلبد لوأنها عرضت لأ شمَطَراهبٍ .والوجه الآخر: أن الصرورة هو الرجل الذى لم يحج ، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحدمن الناس يستطيع الحج فلا يحج ، حتى لا يكون صرورة فى الإسلام. وقد يستدل به من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره، وتقدير الكلام عنده : أن الصرورة إذا شرع فى الحج عن غيره صار الحج عنه، وانقلب عن فرضه ، ليحصل معنى النفى، فلا يكون صرورة، وهذا مذهب الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحق . وقال مالك والثورى : حجه على ما نواه . وإليه ذهب أصحاب الرأى ، وقد روى ذلك عن الحسن البصرى ، وعطاء ، والنخعى . (١) زيادة من السنن . -٢٨٠ - فيه: مهران ، أبو صفوانٍ. قال أبو زرعة الرازى: لا أعرفه إلا فى هذا الحديث (١). باب الكراء [٧٥:٢]. ١٦٥٨ - عن أبى أمامة التّيمى، قال: ((كنت رجلاً أكْرى فى هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إنه ليس لك حَجّ ، فلقيت ابنَ عمر ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن، إنى رجل أُ كْرِى فى هذا الوجه ، وإن ناساً يقولون: إنه ليس لك حج؟ فقال ابن عمر : أليس تُحرم وَتُكَجِى، وَتَطُوف بالبيت، وتُقُيَضَ منَ عَرَفَات، وتربى الجار؟ قال: قلت: بلى ، قَالَّ: فإن لك حجًّا، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتنى عنه ، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية (١٩٨:٢ ليس عليكم جناح أن تَبْتَغُوا فَضْلاً من ربكم)، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرأ علیه هذه الآية ، وقال: لك حج » . ... . . أبو أمامة - هذا - لا يعرف اسمه، روى عنه العلاء بن المسيب، والحسن بن عمرو الغُقیمی ، وقال أبو زرعة الرازى ؛ کوفی لا بأس به . ١٦٥٩ - وعن مُبيد بن عُمير عن ابن عباس: ((أن الناس فى أول الحج كانوا يتبايعون بمنى، وعرفة ، وسُوق ذِى المجازِ ، ومواسم الحج ، فخافوا البيع وهم حُرُمٌ ، فأنزل الله سبحانه ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلً من ربكم) فى مواسم الحج)) قال: حدثنى عبيد بن عمير أنه كان يقرؤها فى المصحف . ١٦٦٠ - وفى رواية: ((إن الناس في أول ما كان الحج كانوا يبيعون)). الحديث الأول رواه ابن أبي ذئب عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس ، والثانى رواه ابن أبى ذئب عن عبيد بن عمير. قال أحمد بن صالح كلاماً معناه أنه مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس . قال الحافظ أبو القاسم الدمشقى : المحفوظ رواية (١) الحديث رواه أحمد فى المسند ١٩٧٣، ١٩٧٤ وبينت هناك مصحة إسناده. ورواه أيضاً. الماكم فى المستدرك (١: ٤٤٨) والبيهقى فى السنن الكبرى (٤: ٣٣٩ - ٣٤٠). أحمد محمد شاكر ٠٢٠٠٠