Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦١ -
جريح حجازى، إنما أخبر عن قرب الحجاز ، لا العراق ولا الشام ولا غيرهما .
وأما كونها لا تتفاوت ، فقال الخطابى: القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوة على مثال
واحد. يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد ، لا تختلف . قال: والحد لا يقع بالمجهول.
وأما كون المفهوم حجة، فله طريقان :
أحدهما : التخصيص.
والثانى : التعليل .
أما التخصيص ، فهو أن يقال : تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لابد له من فائدة ،
وهى نفى الحكم عما عدا المنطوق . وأما التعليل فيختص التعليل فيختص بمفهوم الصفة ،
وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له ، فينتفى الحكم بانتفائها .
فان كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوى ، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه ، وإلا لم
يكن شرطاً له .
وأما تقديمه على العموم ، فلأن دلالته خاصة ، فلوقدم العموم عليه بطلت دلالته جملة ،
وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم ، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء
أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الاناء من ولوغ الكلب وإراقته ،
وبحديث النهى عن غمس اليد فى الاناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل ؟
وأما تقديمه على القياس الجلى فواضح ، لأن القياس عموم معنوى ، فاذا ثبت تقديمه على
العموم اللفظى فتقديمه على المعنوى بطريق الأولى ، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى
القياس ، كخروجها من مقتضى لفظ العموم .
وأماكون المفهوم عاماً، فلأنه إنما دل على نفى الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته
عنه، ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة ، فلا يجوز نفى الحكم عن بعضها
دون بعض، للتحكم ، ولا إثبات حكم المنطوق لها لا بطال فائدة التخصيص ، فتعين بقيد عن جميعها
وأما قولكم : إن العدد خرج مخرج التحديد : فلأنه عدد صدر من الشارع فكان تحديداً
وتقييداً، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغنم، والخمس من الابل، والثلاثين من البقر،
وغير ذلك ، إذ لابد للعدد من فائدة ، ولا فائدة له إلا التحديد.
وأما الجواب عن بعض المعارض ؛ فليس معكم إلاعموم لفظى، أو عموم معنوى وهو القياس،
وقد بينا تقديم المفهوم عليهما .
وأما جعل الشيء نصفاً، فلأنه قد شك فيه، فجعلناه نصفاً احتياطاً ، والظاهر أنه لا
يكون أكثر منه ، ويحتمل النصف فما دون ، فتقديره بالنصف أولى .
وأماكون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضاً، فلأن هذا حقيقة الاحتياط ، كاماك
جزء من الليل مع النهار ، وغسل جزء من الرأس مع الوجه

- ٦٢ -
فهذا تمام تقدير هذا الحديث سنداً ومتناً، ووجه الاحتجاج به .
قال المانعون من التحديد بالقلتين :
أماقولكم : إنه قد صح سنده، فلايفيد الحكم بصحته، لأن صحة السندشرط أو جزء
سبب للعلم بالصحة لا موجب تام ، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث مالم ينتف عنه
الشذوذ والعلة ، ولم ينتفيا عن هذا الحديث . أما الشذوذ فان هذا حديث فاصل بين
الحلال والحرام، والطاهر والنجس ، وهو فى المياه كالأوسق فى الزكاة ، والنصب فى
الزكاة ، فكيف لا يكون مشهوراً شائعاً بين الصحابة ينقله خلف عن سلف ، لشدة حاجة
الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة ؟ فان. أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة ،
والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم ، فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة
البول ووجوب غسله، ونقل عدد الركعات، ونظائر ذلك . ومن المعلوم : أن هذا لم
يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع، وسالم،
وأيوب ، وسعيد بن جبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التى مخرجها من
عندهم، وهم إليها أحوج الخلق ، لعزة الماء عندهم ؟ ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة
عند ابن عمر وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته ، ولا يذهب إليها أحد منهم ، ولايروونها
ويديرونها بينهم . ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا ، فلو كانت هذه السنة العظيمة
المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقول الناس بها وأرواهم لها . فأى شذوذ.
أبلغ من هذا ؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه
عنده سنة من النبى صلى الله عليه وسلم. فهذا وجه شذوذه.
وأما علته : فمن ثلاثة أوجه :
أحمدها: وقف مجاهد له على ابن عمر ، واختلف فيه عليه، واختلف فيه على
عبيد الله أيضاً، رفعاً ووقفاً. ورجح شيخا الاسلام أبو الحجاج المزى، وأبو العباس
بن تيمية وقفه، ورجح البيهقى فى سننه وقفه من طريق مجاهد ، وجعله هو الصواب . قال
شيخنا أبو العباس : وهذا كله يدل على أن ابن عمرلم يكن يحدث به عن النبى صلى الله عليه
وسلم ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنه ذلك عنه.
قلت : ويدل على وقفه أيضاً : أن مجاهداً - وهو العلم المشهور الثبت - إنما رواه عنه
موقوفاً. واختلف فيه على عبيد اللّه وقفاً ورفعاً.
العلة الثانية : اضطراب سنده ، كما تقدم .
العلة الثالثة: اضطراب متنه، فان فى بعض ألفاظه ((إذا كان الماء قلتين)» وفى بعضها
((إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث)) والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت
عنها ، كما تقدم .

- ٦٣ -
قالوا : وأما تصحيح من صححه من الحفاظ ، فمعارض بتضعيف من ضعفه ، وممن ضعفه
حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر وغيره . ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة .
قالوا : وأما تقدير القلتين بقلال مجر ، فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيه شىء أصلا. وأما ما ذكره الشافعى فمنقطع، وليس قوله ((بقلال مجر)) فيه : من كلام
النبى صلى الله عليه وسلم، ولا أضافه الراوى إليه . وقد صرح فى الحديث أن التفسير بها
من كلام يحي بن عقيل. فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحد الفاصل بين الحلال
والحرام، الذى تحتاج اليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ باسناد منقطع؟ وذلك اللفظ
ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا . وأما ذكرها فى حديث المعراج، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على
تمثيل النبى صلى الله عليه وسلم نبق السدرة بها! وما الرابط بين الحكمين؟ وأى ملازمة
بينهما ؟ الكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها ؟! وهذا من عجيب حمل المطلق
على المقيد. والتقييد بها فى حديث المعراج لبيان الواقع ، فكيف يحمل إطلاق حديث
القلتين عليه؟ وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الاطلاق إليها حيث أطلقت العلة،
فانهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها. والظاهر: أن الاطلاق فى حديث القلتين إنما ينصرف
إلى قلال البلد التى هى أعرف عندهم ، وهم لهما أعظم ملابسة من غيرها ، فالاطلاق إنما
ينصرف إليها ، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر . وإنما
مثل النبى صلى الله عليه وسلم بقلال هجر، لأنه هو الواقع فى نفس الأمر ، كما مثل بعض
أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة، دون النخل وغيره من أشجارهم ، لأنه هو
الواقع ، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر، لأنه هو
الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم. وهذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار ، فهذا إنما قاله الخطابى ، بناء على أن ذكرما
تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية . وهذا دور باطل ، وهو لم ينقله عن أهل
اللغة، وهو الثقة فى نقله. ولا أخبر به عن عيان . ثم إن الواقع بخلافه ، فان القلال فيها
الكبار والصغار فى العرف العام أو الغالب ، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر
السلف : القلة الجرة . وقال عاصم بن المنذر - أحد رواة الحديث - : القلال الخوابى
العظام . وأما تقديرها بقرب الحجاز فلا تنازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قدر قلة من
القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما ، فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال هجر
تأخذ قربتين من قرب الحجاز ؟ وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد ، ليس فيها صغار
وكبار؟ ومن جعلها متساوية فانما مستنده أن قال : التحديد لا يقع بالمجهول ، فياسبحان الله!

- ٦٤ -
إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستغداً إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر
وقرب الحجاز تحديد يحي بن عقيل وابن جريج ، فكان ماذا ؟
وأما تقرير كون المفهوم حجة ، فلا تنفعكم مساعدتنا عليه، إذ المساعدة على مقدمة من
مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل .
وأما تقديمكم له على العموم فممنوع ، وهى مسئله نزاع بين الأصوليين والفقهاء ، وفيها
قولان معروفان. ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم وعموم المنطوق، فالخصوص يقتضى
التقديم ، والمنطوق يقتصى الترجيح، فان رجحتم المفهوم بخصوصه. رجح منازعوكم العموم بمنطوقه
ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه:
أحدها : أن حديثه أصح .
الثانى: أنه موافق للقياس الصحيح .
الثالث : أنه موافق لعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، فانه لا يعرف عن أحد منهم أنه
حدذ الماء بقلتين ، وعملهم بترك التحديد فى المياه عمل نقنى خلفاً عن سلف ، نجرى مجرى
نقلهم الصاع والمد والأجناس ، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح
المحتج به من إجماعهم، دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال ، فانهم وغيرهم فيهسواء ، وربما
ترجح غيرهم عليهم ، ويرجحوا هم على غيرهم . فتأمل هذا الموضع .
فان قيل : ما ذكر تم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله ، وهو أن المفهوم هنا
قد تأيد بحديث النهى عن البول فى الماء الراكد، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب ،
والأمر بغسل اليد من نوم الليل ، فان هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء
وإن لم يتغير، ولاسبيل إلى تأثر كل ماء بها، بل لابد من تقديره ، فتقديره بالقلنين
أولى من تقديره بغيرهما ، لأن التقدير بالحركة ، والأذرع المعينة ، وما يمكن نزحه
وما لا يمكن - : تقديرات باطلة لا أصل لها ، وهى غير منضبطة فى نفسها ، فرب حركة
تحرك غديراً عظيما من الماء، وأخرى تحرك مقداراً يسيراً منه، بحسب المحرك والمتحرك،
وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض لا بسنة ولا قياس ، وكذا التقدير بالنزح الممكن مع
عدم انضباطه، فان عشرة آلاف مثلا يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم ، فلاضابط له . وإذا
بطلت هذه التقديرات - ولا بدمن تقدير - فالتقدير بالقلتين أولى، لثبوته ، إما عن
السبى صلى الله عليه وسلم، وإما عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم.
قيل : هذا السؤال مبنى على مقامات .
أحدها : أن النهى فى هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء المنهى عنه .
والثانى : أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء ، بل يختص ببعض المياه دون بعض.

- ٦٥ -
والثالث : أنه إذا تعين التقدير، كان تقديره بالقلتين هو المتعين .
فأما المقام الأول ، فنقول : ليس فى شىء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد
ملاقاة البول والولوغ وغمس اليد فيه . أما النهى عن البول فيه فليس فيه دلالة على أن
الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه ، بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه ،
فان الأموال متى كثرت فى المياه الدائمة أفسدتها ، ولو كانت قلالا عظيمة. فلا يجوز أن
يخص نهيه بما دون القلتين ، فيجوز للناس أن يبولوا فى القلتين فصاعداً، وحاشى للرسول .
صلى الله عليه وسلم أن يكون نهيه خرج على مادون القلتين، ويكون قد جوز الناس البول فى
كل ماء بلغ القلتين، أو زاد عليهما، وهل هذا إلا إلغازٍ فى الخطاب، أن يقول: ((لا يبوان.
أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى)) ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقى
أو خمسمائة ، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام . وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم؟!
وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه ، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه
الآخر ، وكل هذا خلاف مدلول الحديث ، وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة .
فانهم ينهون عن البول فى هذه المياه ، وإن كان مجرد البول لا ينجسها ، سدا للذريعة.
فانه إذا مكن الناس من البول فى هذه المياه - وإن كانت كبيرة عظيمة - لم تلبث أن
تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال . وهذا كمانهى
عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها ، وإفساد طرقاتهم بذلك . فالتعليل بهذا أقرب إلى
ظاهر لفظه صلى الله عليه وسلم، ومقصوده، وحكمته بنهيه ، ومراعاته مصالح العباد،
وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم ، كما نهى عن
إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم ، وعلف دوابهم .
فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر ، ويدل عليها تصرف الشرع فى موارده
ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ، ويشهد لها بالصحة .
وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشق، أو بما يتحرك أو لا يتحرك ، أو بعشرين
ذراعا مكسرة، أو بما لا يمكن تزحه - فأقوال، كل منها بكل معارض ، وكل بكل مناقض،
لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يشام منها بوارق المصلحة، ولا تعطل بها المفسدة المخوفة .
فان الرجل إذا علم أن النهى إنما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع ولا زاجر
عن البول فيما هو أكثر منه، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالابطال . وكل
شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالابطال كان هو الباطل المحال
ومما يدل على هذا: أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر فى النهى وصفا يدل على أنه هو
المعتبر فى التهى، وهو كون الماء ((دائماً لا يجرى)) ولم يقتصر على قوله ((الدائم)) حتى=
[ • مختصر السنن - ج ١ ]

- ٦٦ -
نبه على العلة بقوله ((لا يجرى)) تثقف النجاسة فيه، فلا يذهب بها. ومعلوم أن هذه
العلة موجودة فى القلتين ، وفيما زاد عليهما .
والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى ، حيث اعتبروا القلتين حتى فى الجارى ،
وقالوا: إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لم يتأثر بالنجاسة ، وإن كانت دون القلتين تأثرت،
وألغواكون الماء جارياً أو واقفاً، وهو الوصف الذى اعتبره الشارع . واعتبروا فى الجارى
والواقف القلتين . والشارع لم يعتبره ، بل اعتبر الوقوف والجريان
فان قيل : فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بماء دون ماء، لزمكم المحال، وهو أن
ينهى عن البول فى البحر ، لأنه دائم لايجرى .
قيل: ذكره صلى الله عليه وسلم ((الماء الدائم الذى لا يجرى)) تنبيه على أن حكمة
النهى : إنما هى ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم ، وأن النهى إنما تعلق بالمياه الدائمة التى
من شأنها أن تفسدها الأبوال. فأما الأنهار العظام والبحار، فلم يدل نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عليها بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول فى الأنهار العظام - كالنيل
والفرات - فجواز البول فى البحار أولى وأحرى، ولو قدر أن هذا تخصيص أعموم
كلامه ، فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالفلتين، أو مالا يمكن تزحه، أو مالا
تبلغ الحركة طرفيه، لأن المفسدة المنهى عن البول لأجلها لا تزول فى هذه المياه ، بخلاف
ماء البحر ، فانه لامفسدة فى البول فيه . وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلى فى الظل. وبوله
صلى الله عليه وسلم فى ظل الشجرتين واستناره يجذم الحائط ، فانه نهى عن التخلى فى
الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين والحائط ، حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يقد
ذلك الظل على أحد .
وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن البول فى الماء الدائم،
مع أنه قد يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول فى إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى . ولا يستريب
فى هذا من علم حكمة الشريعة ، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم. ودع
الظاهرية البحتة ، فانها تقسى القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته
من الحكم والمصالح والعدل والرحمة ، وهذه الطريق - التى جاءتك عفواً تنظر إليها
نظر متكئء على أريكته - قد تقطعت فى مفاوزها أعناق المعطى ، لا يسلكها فى العالم
إلا الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة، والاحتمالات
المتعددة، والتقديرات المستبعدة . فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث التيوية
وخدمه بها، وجعله أصلا محكما يرد إليه متشابها ، فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف
له وجوها بالرد غير الجميل، فما أتعبه من شقى ، وما أقل فائدته!

٠-٦٧ -
ومما يفسدقول المحددين بقلتين : أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن البول فى الماء
الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول، هكذا لفظ الصحيحين: ((لا يبولن أحدكم فى الماء
الدأم الذى لا يجرى ثم يغتسل فيه)) وأنتم تجوزون أن يغتسل فى ماء دأم قدر القلتين
بعد ما بال فيه. وهذا خلاف صريح للحديث! فان منعتم الغسل فيه تقضتم أصلكم ، وإن
جوز تموه خالفتم الحديث، فان جوزتم البول والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعاً .
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا مال فى الماء اليسير ولم يتغير جوز تم له
الغسل فيه، لأنا لم نعلل النهى بالتنجيس ، وإنما عللمناه بافضائه إلى التنجيس ، كما تقدم ، فلا
يرد علينا هذا . وأما إذا كان الماء كثيراً فبال فى ناحية ثم اغتسل فى ناحية أخرى
لم يصل إليه البول، فلايدخل فى الحديث، لأنه لم يغتسل فى الماء الذى بال فيه، وإلالزم إذا
بال فى ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبداً، وهو فاسد . وأيضاً فالنبى صلى الله عليه وسلم
نهى عن الغسل فيه بعد البول ، لما يفضى إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل فى مستحمه . وذلك لما يفضى إليه من تطاير رشاش
الماء الذى يصيب البول، فيقع فى الوسواس ، كما فى الحديث ((فان عامة الوسواس منه)) حتى
لو كان المكان مبلطاً لايستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء، لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء
ونظير هذا منع البائل أن يستجمر أو يستنجى موضع بوله، لما يفضى إليه من التلوث بالبول.
ولم يردأتى صلى الله عليه وسلم بنهيه الاخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل
كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه. والذى يدل على ذلك: أنه قيل له فى بئر بضاعة «أنتوضأ منها،
وهى بئر يطرح فيها الحيض (١) ولحوم الكلاب وعذر الناس ؟ فقال : الماء طهور
لا ينجه شىء)). فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع
كونه واقفا، فان بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلا. فلا يجوز
تحريم ما أباحه وفعله، قياساً على ما نهى عنه، ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا وهذا،
هذا فى موضعه ، وهذا فى موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة - وحالها ما ذكروه له - دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة
فيه، ما لم يتغير . ونهيه عن الغسل فى الماء الدائم بعدالبول فيه، لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه
بالبول ، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره، فاستعملنا السنن على وجوهها. وهذا أولى من حمل
حديث بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعلل
بفتلك، ولا أشار إليه، ولا دل كلامه عليه بوجه. وإنما علل بطهورية الماء ، وهذه علة
مطردة فى كل ماء. قل أوكثر، ولا يرد المتغير، لان ظهور النجاسة فيه يدل على تنجه بها،
فلا يدخل فى الحديث ، على أنه محل وفاق ، فلا يناقض به .
[١] بكسر الجاء وفتح الياء.

- ٦٨ -
وأيضاً: فلو أراد صلى الله عليه وسلم النهى عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت
فيه أى نجاسة كانت لأتى بلفظ يدل عليه. ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار
ولا تنجيس ، فلا يحمل مالا يحتمله .
ثم إن كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث. فأصحاب الحركة
خالفوه، بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه. وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه. وأصحاب
القلتين خصوه بمقدار القلتين . وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره ، ولم يخصه ولم
: يقيده ، بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضى إلى إفساده منع من جوازها ، وإلا منع من
اغتساله فى موضع بوله كالبحر ؛ ولم يمنع من بوله فى مكان واغتساله فى غيره .
وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم - لوقوع النجاسة فيه -
فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به ، وقال بشىء لايدل عليه لفظ
الحديث . لأنه إن عمم النهى فى كل ماء بطل استدلاله بالحديث ، وإن خصه بقدر
خالف ظاهره ، وقال مالا دليل عليه، ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر ، وهذا
لا يقوله أحد .
فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير .
وأما من قدره بالحركة، فيدل على بطلان قوله : أن الحركة مختلفة اختلافا لا ينضبط ،
والبول قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسى، وليس
تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات، فيا لله العجب!
حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول النجاسة وسريانها ، مع شدة اختلافها ؟! ونحن
نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول ، ونعلم أن
البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة ، وما كان هكذا لم يجز أن
يجعل حدا فاصلا بين الحلال والحرام.
والذين قدروه بالأزح أيضا قولهم باطل، فان العسكر العظيم يمكنهم نزح مالا يمكن
الجماعة القليلة تزحه. وأما حديث «ولوغ الكلب)) فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به
علينا ، فانه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصصه مخالف ظاهره. فان احتج
به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب، كان احتجاجه باطلا . فان الحديث إن كان حجة
له فى التنجيس بالملاقاة، فهو حجة عليه فى العدد والتراب . فأما أن يكون حجة له فيما وافق
مذعبه ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا. ثم هم يخصوته بالماء الذى لاتبلغ الحركة
طرفيه ، وأين فى الحديث ما يدل على هذا التخصيص ؟
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر: وهو أنه إذا كان الماء رقيقا جدا، وهو منبسط

- ٦٩ -
انبساطاً لاتبلغه الحركة : أن يكون ظاهراً ولا يؤثر الولوغ فيه، وإذا كان عميقا جدا
وهو متضايق، بحيث تبلغ الحركة طرفيه : أن يكون نجساً، ولو كان أضعاف أضعاف
الأول. وهذا تناقض بين لا محيد عنه.
قالوا: وإن احتج به من يقول بالقلتين فانه يخصصه بما دون القلتين، ويحمل الأمر
بغسله وإراقته على هذا المقدار ، ومعلوم أنه ليس فى اللفظ ما يشعر بهذا بوجه، ولا يدل
عليه بواحدة من الدلالات الثلاث. وإذا كان لابد لهم من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة
ظاهره، كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد فى الآنية المعتادة التى يمكن إراقتها،
وهو ولوغ منتابع فى آنية صغار، يتحلل من فم الكلب فى كل مرة ريق ولعاب نجس
يخالط الماء، ولا يخالف لونه لونه، فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء
وإن لم تره فأمر باراقته وغسل الاناء. فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصقبه ، وليس
فى حمله عليه ما يخالف ظاهره . بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التى تتخذ للاستعمال
فبلغ فيها الكلاب ، فان كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود، وان كان مخالفة
الظاهر، فلا ريب أنه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة. فيكون أولى على التقدرين.
قالوا : وأما حديث الثهى عن غمس البد فى الاناء عند القيام من نومه، فالاستدلال
به أضعف من هذا كله، فانه ليس فى الحديث ما يدل على نجاسة الماء . وجمهور الأمة على.
طهارته، والقول بنجاسته من أشذ الشاذ، وكذا القول بصيرورته مستعملا ضعيف أيضا،
وان كان إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار القاضى وأتباعه، واختيار أبى بكر وأصحاب
أحمد - فانه ليس فى الحديث دليل على فساد الماء . وقد بينا أن النهى عن البول فيه
الا يدل على فساده بمجرد البول، فكيف بغمس اليد فيه بعد القيام من النوم؟
وقد اختلف فى النهى عنه، فقيل: قعبدى، ويرد هذا القول: أنه معلل فى الحديث
بقوله (فانه لا يدرى أين باتت يده?))
وقيل : معلل باحتمال النجاسة. كبثرة فى يديه، أو مباشرة البدلمحل الاستجمار. وهو
ضعيف أيضاً. لأن النهى عام للمستنجى والمستجمر، والصحيح وصاحب البثرات . فيلزمكم
أن تخصوا النهى بالمستجمر ، وصاحب البثور! وهذا لم يقله أحد.
وقيل - وهو الصحيح - : إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده ، أو مبيتها عليه.
وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم ، فانه
قال: (( إذا اسيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمخريه من الماء ؛ فإن الشيطان يبمبت على
خيشومه)) متفق عليه. وقال هنا: ((فان أحدكم لا يدرى أين باتت يده ؟)) فعلل بعدم
الدراية لمحل المبيت. وهذا السبب ثابت فى مبيت الشيطان على الخيشوم، فان البد إذا باتت
١

- ٧٠ -
ملابسة للشيطان لم يدر صاحبها أين باتت ، وفى مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسه
لليد سر، يغرفه من عرف أحكام الأرواح ، واقتران الشياطين بالمحال التى تلابسها ، فان
الشيطان خبيث يناسبه الخبائث ، فاذا نام العبد لم ير فى ظاهر جسده أوسخ من خيشومه،
فيستوطنه فى المبيت ، وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسباً وتصرفاً ومباشرة
لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها ، ولهذا سميت جارحة،
لأنه يجترح بها، أى يكسب. وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء ، وهى كما ترى وضوحا
وبيانا . وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار .
والمقصود : أنه لادليل لكم فى الحديث بوجه ما، والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقامين : الثانى والثالث .
فلترجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر ، فنقول :
وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلى ، فما يخالفكم فيه كثير من
الفقهاء والأصوليين ، ويقولون : القياس الجلى مقدم عليه، وإذا كانوا يقدمون القياس
على العموم الذى هوحجة بالاتفاق ، فلأن يقدم على المفهوم المختلف فى الاحتجاج به أولى:
ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس فى صورة ما، فتقديم القياس ههنا متعين ، لقوته ،
ولتأيده بالعمومات ، ولسلامته من التناقض اللازم لمن قدم المفهوم، كما سنذكره،
ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين. فالمصير إليه أولى، ولو كان وحده،
فكيف بمامعه من الأدلة؟ وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة: من الكتاب، والسنة:
والقياس الجلى، واستصحاب الحال ، وعمل أكثر الأمة - مع اضطراب أصل منطوقه،
وعدم براءته من العلة والشذوذ؟ قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عام فى جميع الصور المسكوت
عنها ، فدعوى لادليل عليها فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين : التخصيص .
والتعليل، كما تقدم . ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى
العموم باطلة ، لأنها دعوى مجردة ، ولا لفظ معنا يدل عليها . وإذا على ذلك فلا يلزم
من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون
فيه تفصيل ، فينتفى عن بعضها ويثبت لبعضها ، ويجوز أن يكون ثابتاً لجميعها بشرط ليس
فى المنطوق ، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقاً ، وثبوته
للمفهوم بشرط . فيكون المنفى عنه الثبوت المطلق ، لا مطلق الثبوت . فمن أين جاء
العموم المفهوم ، وهو من عوارض الألفاظ ؟ وعلى هذا عامة المفهومات . فقوله تعالى
(٢: ٢٣٠ لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها
الزوج الثانى تحل له . وكذا قوله (٢٤: ٣٣ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) لا يدل

- ٧١ -
على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقاً. وكذا قوله (٢٤: ٣٣ والذين يبتغون
الكتاب). ونظائره أكثر من أن تحصى .
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضاً، فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء
معلولها ، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقاً، لجواز ثبوته بوصف آخر. وإذا ثبت هذا فنطوق
حديث القلتين لاننازعكم فيه؛ ومفهومه لاعموم له . فبطل الاحتجاج به منطوقاً ومفهوماً.
وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد - كنصب الزكوات - فهذا
باطل من وجوه :
أحدها : أنه لو كان هذا مقداراً فاصلا بين الحلال والحرام ، والطاهر والنجس ، لوجب
على النبى صلى الله عليه وسلم بيانه بياناً عاما متتابعاً تعرفه الأمة، كما بين نصب الزكوات،
وعدد الجلد فى الحدود ، ومقدار ما يستحقه الوارث، فان هذا أمر يعم الابتلاء به كل
الأمة ، فكيف لايبينه، حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا ، ويكون
ذلك حداً عاما للأمة كلها لا يسع أحداً جهله، ولا تتناقله الأمة ، ولا يكون شائعاً بينهم ،
بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف، شأنه ما ذكر ناه، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة ،
ولا يعرفه أهل بلدته ، ولا أحد منهم يذهب إليه؟!
الثانى: أن الله سبحانه وتعالى قال: (١١٥:٩ وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى
يبين لهم ما يتقون) وقال: (١١٩:٦ وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلو كان الماء الذى لم يتغير
بالنجاسة : منه ما هو حلال ومنه ماهو حرام، لم يكن فى هذا الحديث بيان للأمة مايتقون،
ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم . فان المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه ،
والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون لا يدل على شىء ، فلم يحصل لهم بيان ، ولافصل
الحلال من الحرام . والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق ، ومعلوم
أن مطلق المخالفة لايستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه ، فكيف
يكون هذا حدا فاصلا؟ فتبين أنه ليس فى المنطوق ولا فى المسكوت عنه فصل ولا حد .
الثالث : أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص
بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضى التخصيص به لم يكن المفهوم معتبراً، كقوله ( ١٧ : ٣١
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم
على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به. ونظيره (٣: ١٣٠ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة)
ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع فى الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا
يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال نعم لو أن النبى صلى الله عليه وسلم قال هذا اللفظ ابتداء
من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.

- ٧٢ -
الرابع: أن حاجة الأمة - حضرها وبدوها ، على اختلاف - أصنافها إلى معرفة
الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون فى ذلك على مالاسبيل لأكثرهم
إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين : لا طولها ،
ولا عرضهما ، ولا عمقهما ! فاذا وقعت فى الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف
ذلك إلا من باب علم الغيب ، وتكليف مالا يطاق ؟
فإن قيل : يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان . قيل : ليس هذا شأن الحدود.
الشرعية، فانها مضبوطة لايزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات ، ونصب الزكوات،
وعدد الركعات ، وسائر الحدود الشرعية .
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد فى القلتين،
فمن قائل: ألف رطل بالعراقى ، ومن قائل: ستمائة رطل ، ومن قائل: خمسمائة، ومن
قائل: أربعمائة . وأعجب من هذا: جعل هذا المقدار تحديدا! فاذا كان العلماء قد أشكل عليهم
قدر القلتين ، واضطربت أقوالهم فى ذلك ، فما الظن بسائر الأمة؟! ومعلوم أن الحدود
الشرعية لا يكون هذا شأنها .
السادس : أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدا .
منها : أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس! وإذا بال فيه لم ينجسه
ومنها : ان الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت فى قلتين إلا وطلامثلا أن ينجس
الماء ، ولو وقع رطل بول فى قلتين لم ينجسه ! ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف
تأثره بالشعرة، فمحال أن يجىء شرع بتنجس الأول وطهارة الثانى. وكذلك ميتة كاملة
تقع فى قلتين لا تنجسها ، وشعرة منها تقع فى قلتين إلا نصف رطل أو رطلا فتنجها ! .
إلى غير ذلك من اللوازم التى يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها .
وأماجعلكم الشىء نصفاً ففى غاية الضعف، فانه شك من ابن جريج . فيا سبحان الله!
يكون شكه حدا لازما للأمة، فاصلا بين الحلال والحرام ، والنبى صلى الله عليه وسلم قد بين
لأمته الدين ، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدر لأمته حدا لاسبيل
لهم إلى معرفته إلا شك حادث بعد عصر الصحابة ، يجعل نصفاً احتياطاً ! وهذا بين لمن
أنصف. والشك الجارى الواقع من الأمة فى ظهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم
باليقين ، فكيف يجعل شكهم حداً فاصلا فارقاً بين الحلال والحرام ؟!
ثم جعلكم هذا احتياطا: باطل، لأن الاحتياط يكون فى الأعمال التى يترك المكاف
منها عملا لآخر احتياطا، وأما الأحكام الشرعية والأخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط
فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ، ولا يثبت إلاما أثبته. ثم إن الاحتياط هو فى ترأد هذا =

- ٧٣ -
باب ماجاء فى بئر بضاعة [ ٢٤:١
٦١ - عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه (« أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنتوضأ من بئر بضاعة، وهى بئر يُطرح فيها الخِيَض، ولحم الكلاب والمن ? فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شىء)).
٦١ - قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا
يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً. وهذا مالا يجوز أن يظن بذمى، بل بوثنى، فضلا عن مسلم.
ولم يزل من عادة الناس قديماً وحديثاً ، مسلمهم وكافرهم: تنزيه المياه وصونها عن النجاسات،
فكيف يظن بأهل ذلك الزمان ، وهم أعلى طبقات أهل الدين ، وأفضل جماعة المسلمين ،
والماء فى بلادهم أعز، والحاجة إليه أمس: أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهادهم له ! وقد لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط فى موارد الماء ومشارعه ، فكيف من اتخذ عيون
الماء ومنابعه رصداً للأنجاس، ومطرحاً للأقدار؟ هذا ما لا يليق بحالهم. وإنما كان هذا من
أجل أن هذه البئر موضعها فى حَدور من الأرض ، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار
من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيهافيها ، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء
ولا يغيره . فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها، ليعلموا حكمها فى الطهارة والنجاسة،
فكان من جوابه لهم: (( إن الماء لا ينجسه شىء))، يريد الكثير منه الذى صفته صفة ماء
هذه البئر فى غزارته وكثرة جمامه، لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها، فخرج الجواب عليها .
وهذا لاتخالف حديث القلتين، إذ كان معلوماً أن الماء فى بئر بضاعة يبلغ القلتين فأحد
الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه . والخاص يقضى على العام، ويبينه، ولا ينسخه .
۔
الاحتياط ، فان الرجل تحضره الصلاة وعنده قلة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء
منه مناف للاحتياط. فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشر عى
◌ُجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة؟ لأن هذا لما كان طاهراً قطعاً وقد
شككنا: هل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنجيسه أم لا ؟ فالأصل الطهارة.
وأيضاً: فأنتم لا تبيحون لمنشك فى نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم ، بل توجبون عليه=

- ٧٤ -
وأخرجه الترمذى والنسائى، وتكلم فيه بعضهم. وحكى عن الإمام أحمد بن حنبل
أنه قال : حديث بئر بضاعة صحيح . وقال الترمذى : هذا حديث حسن ، وقد جوّد أبو
أسامة هذا الحديث، لم يرو حديث أبى سعيد فى بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة،
وقد روى هذا الحدیث من غير وجه عن أبى سعيد .
قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت فَيِّ بئر بضاعة عن غمقها ؟ فقال :
أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة. قلت: فإذا نقص ؟ قال: دون العورة . قال أبوداود:
وقدّرت أنا بئر بضاعة بردائى - مددته عليها ثم ذرعته - فإذا عرضها: سنة أذرع. وسألت
الذى فتح لى باب البستان فأدخلنى إليه : هل غَيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال : لا .
ورأيت فيها ماء متغير اللون .
باب : الماء لا يجنب [١: ٢٦]
٦٢ - عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
فى جَنَةٍ ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له : يا رسول الله
إني كنت جنباً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا يُجنب)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
١٢ - قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يجنب)) معناه لا ينجُس. وحقيقته: أنه لا يصير بمثل
هذا الفعل إلى حال يجتذب فلا يستعمل، وأصل الجنابة : البعد ، ولذلك قيل الغريب :
جنب، أى بعيد، وسمى المجامع ما لم يغتسل: جنباً، لمجانبته الصلاة وقراءة القرآن ، كما سمى
الغريب جنباً، لبعد، عن أهله ووطنه .
وقد روى: ((أربع لا يجنبن: الثوب، والإنسان، والأرض، والماء)» وفسروه : أن الثوب
إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس ، والإنسان إذا أصابته الجنابة لم ينجس ، وإن
الوضوء. فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك ؟
وأيضاً: فانكم إذا نجستموه بالشك بجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية ،
وحر متم شربه والطبخ به، وأرقتم الأطعمة المتخذة منه . وفى هذا تحريم لأنواع عظيمة
من الحلال بمجرد الشك، وهذا مناف لأصول الشريعة . والله أعلم .

-- ٧٥ -
باب البول فى الماء الراكد [١: ٢٦]
٦٣ - عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( لا يبوانَّ أحدكم فى الماء الدائم، ثم يغتسلُ منه)).
وأخرجه مسلم والنسائى. وأخرجه البخارى من حديث الأعرج عن أبى هريرة .
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة .
ولفظ الترمذي - وفى لفظ للنسائى -: ((ثم يتوضأ منه)).
صافحه جنب أو مشرك لم ينجس ، والماء إن أدخل يده فيه جنب أو اغتسل فيهلم ينجس ،
والأرض إن اغتسل عليها جنب لم تنجس .
٦٣ - ((الماء الدائم)» هو الراكد الذى لا يجرى. ونهيه عن الاغتسال فيه يدل على أنه
يسلبه حكمه، کالبول فيه يسلبهحكمه، إلا أنالاغتسال فيه لا ينجسه، لأن بدن المؤمن ليس
بنجس ، والبول ينجسه لنجاسته فى نفسه .
وفيه دليل على أن الوضوء بالماء المستعمل غير جائز، وإنما ينجس الماء بالبول فيه إذا
كان دون القلتين ، بدليل ما تقدم من الحديث .
وفيه دليل على أن حكم الماء الجارى بخلاف الراكد، لأن الشىء إذا ذكر بأخص
أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه .
والمعنى فيه: أن الماء الجارى إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثانى الذى يتلوه فيه فيغلبه،
فيصبر فى معنى المستهلك، ويخلفه الطاهر الذى لم يخالطه النجس. والماء الراكد لا يدفع النجس
عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله ويقارّه، فمهما أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائماً
والماء فى حد القلة ، فكان محرماً .
١

- ٧٦ -
٦٤ - وعن عَجْلان - والد محمد - عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة».
وأخرجه ابن ماجة. ولفظه: « لا يبولن أحدكم فى الماء الرا كد».
باب الوضوء بسؤر الكلب [٢٧:١]
٦٥ - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( طُهور إناء أحدكم إذا ولَمْ فيه الكلب، أن يُغسلَ سبع مرار أولاهنَ بالغراب)).
٦٥ - فى هذا الحديث من الفقه: أن الكاب تجس الذات، ولولا نجاسته لم يكن لأمره
بتطهير الإناء من بلوغه معنى .
و(«الطهور» يقع فى الأصل إما لرفع حدث، أو لإزالة نجس، والإناء لا يلحقه حكم الحدث.
فعلم أنه قصد به إزالة النجس . وإذا ثبت أن لسانه الذى يتناول به الماء نجس يجب تطهير
الإناء منه ، على أن سائر أجزائه وأبعاضه فى النجاسة بمثابة لسانه ، فبأى جزء من أجزاء بدنه
ماسّه وجب تطهيره (١) ،
وفيه: البيان الواضح أنه لا يطهره أقل من عدد السبع، وأن تعفيره بالتراب واجب.
وإذا كان معلوماً أن التراب إنما ضم إلى الماء استظهاراً فى التطهير وتوكيداً له، لغلظ نجاسة
الكلب، فقد عقل أن الأشنان وما أشبهه من الأشياء التى فيها قوة الجلاء والتطهير بمنزلة
التراب فى الجواز (٢) .
وفيه دليل على أن الماء المولوغ فيه نجس ، لأن الذى قد مسه الكلب هو الماء دون
الإناء . فلولا أن الماء تنجس لم يجب تطهير الإناء منه.
ويؤيد ذلك قوله فى رواية أخرى: (( إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله
سبعاً)) من طريق على بن مسهر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى صلى
(١) إذا كان ذلك كذلك. لم يكن لتخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم ((الواوغ)) معنى
أصلا . والواجب إعمال قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد. وقياس أبعاض الكاب على
لسانه قياس مع الفارق ، فلا يعمد عليه . والله أعلم .
(٢) قد تبين بالفحص العلمى أن العلمة الغالبة عليه طبية فوق النجاسة فكانت المبالغة فى الغسل

- ٧٧ -
وأخرجه مسلم والنسائى. وأخرجه الترمذى، وفيه: « أولاهن أو أخراهن بالتراب،
وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج أبو داود قوله
(« وإذا ولغ الهر غسل مرة)» موقوفاً. وقال البيهقى: أدرجه بعض الرواة فى حديثه عن
النبى صلى الله عليه وسلم ، ووهموا فيه . والصحيح: أنه فى ولوغ الكلب مرفوع ، وفى
ولوغ الهرة موقوف .
٦٦ - وفى لفظ لأبى داود: ((السابعة بالتراب)).
وأخرج البخارى ومسلم من حديث الأعرج عن أبى هريرة : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (( إذا شرب الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)».
٦٧ - وعن ابن مُغَفَّل - وهو عبد الله -: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل
الكلاب ، ثم قال: مالهم ولها؟ فرخّص فى كلب الصيد، وفى كلب الغنم ، وقال: إذا
ولغ البكلب فى الإناء فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفّروه بالتراب)).
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة .
الله عليه وسلم ، حدثناه غير واحد من أصحابنا، قالوا حدثنا محمد بن إسحق بن خزيمة حدثنا
** بن يحيى حدثنا إسمعيل بن خليل حدثنا على بن مسهر.
ولو كان المولوغ فيه باقياً على طهارته لم يأمر بإراقته ، وقد يكون لبناً وزيتا ونحو ذلك
من المطعوم. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال .
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر، وأن غسل الإناء تعبد. وقد دل الحديث
على فساد هذا القول وبظلانه . وذهب مالك والأوزاعى إلى أنه إذا لم يجد ماء غيره توضأ
به . وكان سفيان الثورى يقول: يتوضأ به إذا لم يجد ماء غيره ثم يتيمم بعده . فدل
هذا من فتواهم على أن الماء المولوغ فيه عندهم ليس على النجاسة المحضة . وخالفهم من
سواهم من أهل العلم، ومنعوا التطهير به، وحكموا بنجاسته .
وفى الخبر دليل على أن الماء القفيل إذا حلته نجاسة فسد.
وفيه دليل على تحريم بيع الكلب، إذ كان نجس الذات، فصار كسائر النجاسات .
4

- ٧٨ -
باب سور الهر [٢٨:١]
٦٨ - عن كَبْشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة: ((أن أباقتادة دخل
فسكبت له وَضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة:
فرآنى أنظر إليه ، فقال: أتعجبين يا ابنة أخى ؟ فقلت : نعم، فقال : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجَس، إنها من الطّافين عليكم والطوّانات».
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح .
وقال : وهذا أحسن شىء فى هذا الباب ، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن
عبد الله بن أبى طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك ، وقال محمد بن إسماعيل البخارى :
جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره.
٦٩ - وعن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه: « أن مولاتها أرسلتها بهريسةٍ إلى
عائشة، فوجدتها تصلى، فأشارت إلىّ : أن ضعيها، فجاءت هرة . فأكلت منها، فلما انصرفت
أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها
٦٨ - فيه من الفقه : أن ذات الهرة طاهرة ، وأن سؤرها غير نجس ، وأن الشرب
منه والوضوء به غير مكروه .
وفيه دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير ، وإن ! يكن
مأكول اللحم : طاهر .
وفيه دليل على جواز بيع الهر، إذ قد جمع الطهارة والنفع .
وقوله (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) يتأول على وجهين :
أحدهما : أن يكون شبهها بخدم البيت ، وبمن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة
المهنة ، كقوله تعالى: (٢٤: ٥٨ طوافون عليكم بعضكم على بعض) يعنى الماليك والخدم.
وقال تعالى: (١٧: ٥٦ يطوف عليهم ولدان مخلدون) وقال ابن عمر: ((إنما هى ربيطة من
ربائط البيت » .
والوجه الآخر : أن يكون شبهها بمن يطوف للحاجة والمسئلة ، يريد أن الأجر فى
مواساتها كالأجر فى مواساة من يطوف للحاجة ويتعرض للمسئلة .

-- ٧٩ -
ليست بنجَس ، إنما هى من الطوافين عليكم، وقد رأيت رسول الله صلى الشرنيه وسلم
يتوضأ بفَضْلها)».
قال الدار قطنى : تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن داود بن صالح عن أمه،
بهذه الألفاظ.
:
باب الوضوء بفضل المرأة [٢٩:١]
٧٠ - عن الأسود عن عائشة رضى الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، ونحن جنبان )).
وأخرجه النسائى مختصراً. وأخرج مسلم من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن عن
عائشة قالت: (( كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، ومحن
جنبان)). وأخرج البخارى من حديث عروة عن عائشة قالت: (( كنت أغتل أنا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من جنابة)).
٧١ - وعن أم صْبَيّة الجهنية قالت: «اختلفت يدى ويدرسول الله صلى الله عليه وسلم
فى الوضوء من إناء واحد».
٠
وأخرجه ابن ماجة، وحكى أن أم صبية : هى خولة بنت قيس .
٧٢ - وعن ابن عمر قال ((كان الرجال والنساء يتوضؤون فى زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم - قال مسدد -: من الإناء الواحد، جميعاً)).
وأخرجه النسائى وابن ماجة. وأخرجه البخارى، وليس فيه «من الإناء الواحد)»
٧٣ - وعنه قال: « كنا نتوضأ، نحن والنساء، من إناء واحد، على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم، نُدْلِ فيه أيدينا)).
٧٠ - فيه دليل على أن الجنب ليس بنجس، وأن فضل وضوء المرأة طاهر ، كفضل
وضوء الرجل . وروى أبو داود فى هذا الباب حديثاً آخر فى النهى عن فضل طهور المرأة .
۔

-- ٨٠ -
باب النهى عن ذلك [ ١: ٣٠].
١٤ - عن حميد الحميرى قال: لقيت رجلاً صحب النبى صلى الله عليه وسلم أربع سنين،
كما صحبه أبو هريرة، قال: « نبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة
بفضل الرجل ، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة - زاد مسدد -: وليغترفا جميعاً)).
: أخرجه النسائى.
٧٥ - وعن أبى حاجب عن الحكم بن عمرو - وهو الأقرع -: (( أن النبى صلى الله
عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرآة)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث حسن. وقال البخارى:
سوادة بن عاصم - أبو حاجب العنزى - يعد فى البصريين، كناه أحمد وغيره، يقال:
الغفارى ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو.
٧٥ - فكان وجه الجمع بين الحديثين - إن ثبت حديث الأفرع -: أن النهى إنما وقع عن
التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء ، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به،
دون الفضل الذى ◌ُسيِرِه فى الإناء .
وفيه حجة لمن رأى أن الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به . ومن الناس من يجعل النهى
فى ذلك على الاستحباب ، دون الإيجاب، وكان ابن عمر يذهب الى أن النهى عن فضل
وضوء المرأة إنما هو إذا كانت جنباً أو حائضاً، فإذا كانت طاهراً فلا بأس به.
وإسناد حديث عائشة فى الإباحة أجودمن إسناد خبر النهى. وقال محمد بن إسماعيل :
خبر الأفرع لا يصح . والصحيح فى هذا الباب حديث عبد الله بن سَرْجِس، وهو موقوف،
ومن رفعه فقد أخطأ .
٧٥ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقال الترمذى فى كتاب العلل: سألت أباعبد الله
محمد بن إسماعيل البخارى عن هذا الحديث - يعنى حديث أبى حاجب عن الحكم بن عمرو!
فقال: ليس بصحيح، قال: وحديث عبدالله بن سرجس فى هذا الباب ، الصحيح هو