Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١-
باب كيف يستاك [١٩:١]
٤٥ - عن أبى بُرْدَةَ عن أبيه - قال مُسَدَّدٌ - قال: ((أتينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
نَسْتَحْمَلُهُ، فَرَأيْتُهُ يَسْتَاكُ على لسانه ، وقال سليمان: قال: دخلتُ على النبى صلى الله عليه
وسلم وهو يسْتاكُ، وَقَدْ وضع السّواكَ على طَرَفِ لِسانِهِ، وهو يَقَول ((إهْ إِهْ)» يعنى ينْهَوَّعْ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
باب فى الرجل يستاك بسواك غيره [١٩:١]
٤٦ - عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَنُّ وعنده
رجلانِ أحدهما أكبرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأَوِىَ إليه فى فضْلِ السِّوَاكِ: أنْ كَبِرْ، أَعْطِ
السُّوَاكَ أَ كْبَرَهما )».
وأخرج مسلم معناه من حديث ابن عمر مسنداً . وأخرجه البخارى تعليقاً .
باب غسل السواك [١٩:١]
٤٧ - عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يَستاكُ، فَيْطِنى
السِّواكَ لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فأستاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وأدْفَعُهُ إليه)» .
٤٦ - قوله: ((يستن)) معناه: يستاك. وأصله. أخوذ من السن، وهو إمراره الشىء
الذى فيه حزونة على شىء آخر. ومنه المسن الذى يشحذ به الحديد ونحوه. يريد: أنه
كان يدلك أسنانه .
وفيه من الأدب: تقديم حق الا كبر من جماعة الحضور، وتبديته على من هو أصغر
منه، وهو السنة فى السلام والتحية والشراب والطيب، ونحوها من الأمور. وفى معناه
تقديم ذى السن بالركوب والحذاء والطست ، وما أشبه ذلك من الأرفاق .
وفيه : أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه ، على ما يذهب إليه بعض من يتقزز، إلا
أن السنة فيه أن يغسله ثم يستعمله .

- ٤٢ -
باب السواك من الفطرة [١٩:١(١)]
٤٨ - وعنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ،
وإعفاء اللّحْيةِ، والسِّاكُ،وَالاِسْتِنْشَاقُ بِالَ، وَقَصُّ الأطْفار، وغَسْلُ البِرَاجِمِ، وَنَتْفُ
الإِبْطِ، وحَلْقُ العَانَةَ، وَانْتقامُ الماء - يَعنى الاسْتِنْجاءَ بالماء -- قال مُصْعَبٌ،
وهو ابنُ شَيْبَةَ : ونسيتُ العَاشِرَة، إلاَّ أنْ تَكونَ المَغْمَفَةَ ».
٤٨ - قوله صلى الله عليهوسلم ((عشر من الفطرة)»، فسر أكثر العلماء ((الفطرة)» فى هذا
الحديث بالسنة. وتأويله: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدى بهم ،
لقوله سبحانه (فيهداهم اقتده) وأول من أمر بها إبراهيم صلوات الله عليه ، وذلك قوله تعالى
(وإذا بتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن). قال ابن عباس: أمره بعشر خصال .. ثم عددهن-
فلما فعلهن قال: إنى جاءلك للناس إماءاً، أى ليقتدى بك ويستن بسنتك. وقد أُمرت
هذه الأمة بمتابعته خصوصاً.وبيان ذلك فى قوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن أُتَّبِعْ مِلَّةً إبراهيم
حنيفاً) ويقال : إنها كانت عليه فرضاً، وهنَّ لنا سنة.
وأما إعفاء اللحية فهو إرسالها وتوفيرها، كره لنا أن نقصها، كفعل بعض الأعاجم.
وكان من زى آل كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب، فندب صلى الله عليه وسلم أمته الى
مخالفتهم فى الزّىّ والهيئة.
ويقال ((عفا الشعر والنبات)) إذا وفا. وقد عفوته وأعفيته: لغتان . قال تعالى (حتى
عَفَوْا ) أى كثروا .
وأما غسل البراجم فمعناه تنظيف المواضع التى تتشنج ، ويجتمع فيها الوسخ . وأصل
البراجم: العقد التى تكون فى ظهور الأصابع، والرواجب : ما بين البراجم ، وواحدة
البراجم : برجمة .
وأما الخنان فإنه وإن كان مذكوراً فى جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب،
وذلك أنه شعار الدين ، وبه يعرف المسلم من الكافر، وإذا وجد المختون بين جماعة قتلى
غير مختتنين صلى عليه ودفن فى مقابر المسلمين .
وحكى عن أبى العباس بن سريح أنه كان يقول : لاخلاف أن ستر العورة واجب،
(١) العنوان ثابت فى أبى داود ، فزد ناه منه .

- ٤٣ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث حسن .
٤٩ - وعن سامة بن محمد بن عَمَّار بن ياسر عن أبيه - وفى رواية: عن سَلمة بن محمد عن عمَّاد
بنِ ياسِرٍ - أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ المَضْمَنَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ))
فذكر نحوه ،لم يذكر إعفاء الحية، زاد ((والختان)) قال: ((والانتضاح)) لم يذكر انتقاص الماء
وأخرجه ابن ماجة . قال شيخنا الحافظ العلامة أبو محمد المنذرى. وحديث سلمة بن محمد
عن أبيه مرسل ، لأن أباهليست له صحبة . وحديثه عن جده عمار، قال ابن معين : مرسل،
وقال غيره: إنه لم يرجده. قال أبو داود: روى نحوه عن ابن عباس، وقال: ((خمس كلها
فى الرأس)) ذكر فيها ((الفرق)» ولم يذكر إعفاء اللحية
باب السواك لمن قام من الليل ١ ١٢:١]
٥٠ - عن حُذيفة رضى الله عنه: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قامَ مِنَ الليل
يَشُوصُ فَاهُ بِالسُّواكِ»
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة .
فلولا أن الختان فرض لم يجز هتك حرمة المختون بالنظر إلى عورته .
وأما انتضاح الماء فالاستنجاء. وأصله: من النضح، وهو الماء القليل، وانتقاص الماء:
الاستنجاء به أيضاً كما فسرود .
وقد يستدل بهذا الحديث من يرى المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى شىء من
الطهارات، ويراهما سنة، كنظائرهما المذكورات معهما، إلا أنه قد يجوز أن يفرق بين القرائن
. التى يجمعها نظم واحد، بدليل يقوم على بعضها، فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها .
وقد روى أنه كره من الشاة سبعاً: الدم . والمرارة، والحيا ، والغدة ، والذكر
والأنثيين ، والمثانة ، والدم حرام بالإجماع ، وعامة المذكورات معه مكروهة غير محرمة .
٥٠ - قوله (( يشوص)) معناه يغسل، يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه ، بمعنى.
واحد ، إذا غسله .

- ٤٤ -
٥١ - وعن عائشةَ: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كانَ يُوضَعُ له وَضوءه وسِوَاكه، فإذا قامَ
من اللَّيْلِ تخلىَّ، ثمَ استاكَ ».
فى إسناده بهز بن حكيم بن معاوية، وفيه مقال.
٥٢ - وعنها: ((أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يَرْقَدْ من ليْلٍ ولا نَهَارٍ فَيَسقيفِظَ
إِلاَّ تسَوَّكَ قَبْلِ أنْ يَتَوَضَّأ)».
فى إسناده على بن زيد بن جُدعان، ولا يحتج به.
٥٣ - وعن محمد بن على بن عبد الله بن عباسٍ عن أبيه عن جَدِّهِ عبد الله بن عباس قال:
(«بتُّ لَيَّْ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا اسْتيقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أتى ◌َهُورِهِ، فَأَخذَ
سواكه فاسْتاكَ، ثم تلاَ هذِهِ الآياتِ (إنَّ فى خلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الليلِ
والنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأولى الألبابِ) حتىَّ قَارَبَ أنْ يَخْتمِ السُّورَة، أوْ ختمها، ثمَّ تَوَضَّأ،
فأتى مُصلَّه، فَعَلىَّ رَكْمَتَيْنِ، ثمَّ رجِعَ إلى فراشه، فنامَ ماشاء الله، ثمَّ اسْتِيْقَظَ
ففَعَل مِثْلَ ذلِك، ثمَّ رجعَ إلى فراشه فنام، ثمَّ أُسْتْقِظَ ففعَلَ مثلَ ذلكَ، كلُّ ذلكَ
يستاك ويصلىَّ ركعتين، ثمَّ أوْ تَرَ)). وفى روايةٍ: ((فَتسوَّكَ وتَوَضَّأ وهو يقول ( إنَّ
فى خلْقِ السَّمَوَاتِ والأرضِ) حتّى ختمَ السُورَةَ».
وأخرجه مسلم مطولاً ، والنسائى مختصراً . وأخرجه أبو داود فى الصلاة من رواية.
كريب عن ابن عباس بنحوه أتم منه. ومن ذلك الوجه أخرجه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائي وابن ماجة مطولاً ومختصراً.
باب فرض الوضوء [١: ٢٢]
٥٤ - عن أبى المليح عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يقبلُ الله صَدَقةً
مِنْ غُولٍ ، ولَ صلَةً بِغَيْرِ كُهورِ ».
٥٤ - فيه من الفقه : أن الصلوات كلها مفتقره إلى الطهارة . وتدخل فيها صلاة الجنازة
والعيدين وغيرهما من النوافل كلها .
وفيه دليل أن الطواف لا يجزىء بغير طهور، لأن النبى صلى الله عليه وسلم سماه

- ٤٥-
وأخرجه النسائي وابن ماجة، وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة من حديث ابن عمر
رضى الله عنهما ، والصلاة فى حديث جميعهم مقدمة على الصدقة .
٥٥ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبلُ الله
صلَةَ أَحَدِكْ إذا أُحْدَثَ حَتَّى يَنْوَضَّأ).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى .
٥٦ - وعن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِفتاح الصلاة
الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا الحديث أصح شىء فى
الباب وأحسن .
صلاة. فقال: ((الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام)).
وفى قوله ((ولا صدقة من غلول)) بيان أن من سرق مالاً أو خانه، ثم تصدق به، لم يجز،
وإن كان نواه عن صاحبه .
وفيه مستدل لمن ذهب إلى أنه إن تصدق به على صاحب المال لم تسقط عنه تبعته ،
وإن كان طعاماً فأطعمه إياه، لم يبرأ منه، ما لم يعلمه بذلك .
وإطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة ولغيرهم معروف، وليس من أداء الحقوق
ورد الظلامات .
٥٦ - فيه من الفقه: أن تكبيرة الافتتاح جزء من أجزاء الصلاة ، وذلك لأنه أضافها إلى
الصلاة، كما يضاف إليها سائر أجزائها، من ركوع وسجود، وإذا كان كذلك لم يجز أن
تعرى مباديها عن النية ، لكن تضامها، كما لا يجزيه إلا بمضامة سائر شرائطها، من استقبال
القبلة ، وستر العورة ونحوهما.
وقال فى باب فرض الوضوء :
٥٦ - قوله صلى اللّه عليه وسلم ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))
اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام . الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور
والمفتاح: ما يفتح به الشىء المغلق، فيكون فاتحاً له، ومنه: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله))

- ٤٦ -
باب الرجل يحدث الوضوء من غير حدث [١: ٢٢]
٥٧ - عن غُطيف - وقيل: عن أبى غُطَيْف الهُذَلِى - قال: كنت عند ابن عمر ، فلما
نُودى بالظهر توضأ فصلى، فلما نودى بالعصر توضأ، فقلت له ? فقال: ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : من توضأ على طهرٍ كُتب له عشْرُ حسنات)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: وهو إسناد ضعيف .
وفيه دليل أن الصلاة لا يجوز افتتاحها إلا بلفظ التكبير ، دون غيره من الأذكار .
وذلك لأنه قد عينه بالألف واللام، اللتين هما للتعريف. والألف واللام مع الإضافة يفيدان
السلب والإيجاب، وهو أن يسلبا الحكم فيما عدا المذكور، ويوجبان ثبوت المذكور ،
كقولك : فلان مبيته المساجد، أى لا مأوى له غيرها ، وحيلة الهم الصبر، أى لامدفع له
إلا بالصبر . ومثله فى الكلام كثير .
وفيه دليل على أن التحليل لايقع بغير السلام، لما ذكرنا من المعنى. ولو وقع بغيره
لكان ذلك خُلفاًفى الخبر.
وقوله (مفتاح الصلاة الطهور)) يفيد الحصر، وأنه لامفتاح لها سواه ، من طريقين: أحدهما
حصر المبتدأ فى الخبر إذا كانا معرفتين. فان الخبر لابد وأن يكون مساوياً للمبتد! أو أعم
منه ، ولا يجوز أن يكون أخص منه. فاذا كان المبتدأ معرفاً بما يقتضى عمومه - كاللام
وكل ، ونحوهما - ثم أخبر عنه بخبر ، اقتضى صمة الاخبار أن يكون إخباراً عن جميع
أفراد المبتد!، فانه لافرد من أفراده إلا والخبر حاصل له . وإذا عرف هذا لزم الحصر ،
وأنه لا فرد من أفراد ما يفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور. فهذا أحد الطريقين. والثانى:
أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة ، والاضافة تعم، فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور.
وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتح به لم يكن لها مفتاح غيره. ولهذا فهم جمهور الصحابة
والأمة أن قوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) أنه على الحصر ، أى
مجموع أجلهن الذى لا أجل لهن سواه : وضع الحمل . وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم مقررة
له، بخلاف قوله ( والمطلقات يتر بصن ) فإنه فعل لاعموم له، بل هو مطلق. وإذا عرف
هذا ثبت أن الصلاة لايمكن الدخول فيها إلا بالطهور . وهذا أدل على الاشتراط من قوله
(( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) من وجهين: أحدهما: أن نفى القبول

- ٤٧ -
قد يكون لفوات الشرط وعدمه . وقد يكون لمقارنة محرم ، يمنع من القبول . كالاباق
وتصديق العراف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ، ونحوه . الثانى :
أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضى أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها ، كالبيت
المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح . وأما عدم القبول فمعناه : عدم الاعتداد بها، وأنه
لم يترتب عليها أثرها المطلوب منها، بل هى مردودة عليه. وهذا قد يحصل لعدم ثوا به
عليها ورضا الرب عنه بها ، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة ، بل عقوبة ترك ثوابه
وفوات الرضالها بعد دخوله فيها . بخلاف من لم يفتحها أصلا بمفتاحها، فان عقوبته عليها
عقوبة تاركها . وهذا واضح .
فان قيل : فهل فى الحديث حجة لمن قال : إن عادم الطهورين لا يصلى، حتى يقدر على
أحدهما، لأن صلانه غير مفتتحة بمفتاحها، فلا تقبل منه ؟
قيل : قد استدل به من يرى ذلك ، ولا حجة فيه .
ولابد من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث، وهى أن ما أوجبه اللّه تعالى ورسوله،
أو جعله شرطاً للعبادة، أو ركناً فيها، أو وقف صحتها عليه: هو مقيد بحال القدرة ، لأنها
الحال التى يؤمر فيها به . وأما فى حال العجز فغير مقدور ولا مأمور ، فلا تتوقف صحة
العبادة عليه . وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة ، وسقوط
ذلك بالعجز ، وكاشتراط ستر العورة، واستقبال القبلة عند القدرة ، ويسقط بالعجز. وقد
قال صلى الله عليه وسلم ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخار)) ولو تعذر عليها الخمار صات
بدونه، وصحت صلاتها. وكذلك قوله (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)»
فانه لو تعذر عليه الوضوء صلى بدونه، وكانت صلاته مقبولة. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم
((لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه فى الركوع والسجود)) فانه لوكسر صلبه وتعذر
عليه إقامته أجزأته صلاته ونظائره كثيرة فيكون ((الطهور مفتاح الصلاة)) هو من هذا ..
لكن هنا نظر آخر ، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره فانه يسقط
وجوبه فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه فى هذه الحال؟ وهذا حرف المسئلة،
وهلا قلتم : إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة ، لما كان الطهور غير
مقدور للمرأة ، فلما صار مقدوراً لها شرعت لها الصلاة وترتبت فى ذمتها ، فما الفرق بين
العاجز عن الطهور شرعاً والعاجز عنه حساً ؟ فان كلا منهما غير متمكن من الطهور ؟
قيل : هذا سؤال يحتاج إلى جواب. وجوابه أن يقال : زمن الحيض جعله الشارع
منافياً لشرعية العبادات ، من الصلاة ، والصوم ، والاعتكاف . فليس وقتاً لعبادة الحائض،
فلا يترتب عليها فيه شىء . وأما العاجز فالوقت فى حقه قابل لترقب العبادة المقدورة فى

- ٤٨ -
ذمته ، فالوقت فى حقه غير مناف لشرعية العبادة بحسب قدرته ، بخلاف الحائض ، فالعاجز
ملحق بالمريض الممذور الذى يؤمر بما يقدر عليه ، ويسقط عنه ما يعجز عنه، والحائض
ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف ، فافترقا .
ونكتة الفرق: أن زمن الحيض ليس بزمن تكليف بالنسبة إلى الصلاة، بخلاف
العاجز، فإنه مكلف بحسب الاستطاعة، وقد ثبت فى صحيح مسلم: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة، حضرت الصلاة ، فصلوا بغير وضوء،
فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم)». فلم ينكر النبي صلى الله
عليه وسلم عليهم ، ولم يأمرهم بالاعادة، وحالة عدم التراب كحالة عدم مشروعيته، ولا
فرق، فانهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم حينئذ، فهكذا من صلى بغير تيمم
لعدم ما یتیمم به، فآی فرق بين عدمه فى نفسه وعدم مشروعيته ؟
فقتضى القياس والسنة أن العادم يصلى على حسب حاله، فان الله لا يكلف نفساً
إلاوسعها ، ويعيد، لأنه فعل ما أمر به، فلم يجب عليه الاعادة ، كمن ترك القيام والاستقبال
والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك ، فهذا موجب النص والقياس .
فان قيل : القيام له بدل ، وهو القعود ، فقام بدله مقامه ، كالتراب عند عدم الماء ،
والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل ؟
قيل : هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة ، والموجبين للاعادة ، ولكنه منتقض
بالعاجز عن السترة . فإنه يصلى من غير اعتبار بدل ، وكذلك العاجز عن الاستقبال ،
وكذلك العاجز عن القراءة والذكر.
وأيضاً فالعجز عن البدل فى الشرع كالعجز عن المبدل منه سواء . هذه قاعدة
الشريعة . وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة ، فكذلك عجزه عن البدل .
موستأتى المسألة مستوفاة فى باب التيمم إن شاء الله .
وفى الحديث دليل على اعتبار النية فى الطهارة بوجه بديع . وذلك لأنه صلى الله عليه
وسلم جعل الطهور مفتاح الصلاة، التى لا تفتتح ويدخل فيها إلا به ، وما كان مفتاحاً للشىء
كان قد وضع لأجله وأعد له . فدل على أن كونه مفتاحاً للصلاة هو جهة كونه طهوراً،
فته إنما شرع للصلاة وجعل مفتاحاً لها ، ومن المعلوم أن ما شرع الشىء ووضع لأجله
لا بد أن يكون الآتى به قاصداً ما جعل مفتاحاً له ومدخلا إليه ، هذا هو المعروف حساً
كما هو ثابت شرعاً. ومن المعلوم أن من سقط فى ماء - وهو لايريد التطهر - لم يأت بما هو.
مفتاح الصلاة ، فلا تفتح له الصلاة، وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال لا إله إلا الله،
وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحاً للجنة منه، لأنه لم يقصدها. وهكذا هذا،

- ٤٩ -
لما لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة. ونظير ذلك الاحرام، هو مفتاح عبادة
الحج، ولا يحصل له إلا بالنية . فلو اتفق تجرده لحر أو غيره ، ولم يخطر بباله الاحرام
لم يكن محرماً بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهراً. وهذا بحمد الله بين.
فصل
الحكم الثانى: قوله (( وتحريمها التكبير)) وفى هذا من حصر التحريم فى التكبير
نظير ما تقدم فى حصر مفتاح الصلاة فى الطهورٍ من الوجهين ، وهو دليل بين أنه لا تحريم
لها إلا التكبير . وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديماً وحديثاً. وقال أبو حنيفة:
ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم. فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث. ثم اختلفوا، فقال
أحمد ومالك، وأكثر السلف: يتعين لفظ ((الله أكبر)) وحدها. وقال الشافعى:
يتعين أحد اللفظين: ((الله أكبر)) و ((الله الأكبر)) وقال أبو يوسف: يتعين التكبير
وما تصرف منه، نحو (( اللّه الكبير)) ونحوه، وحجته: أنه يسمى تكبيراً حقيقة، فيدخل
فى قوله ((تحريمها التكبير)). وحجة الشافعى: أن المعرف فى معنى المنكر، فاللام لم
تخرجه عن موضوعه، بل هى زيادة فى اللفظ غير مخلة بالمعنى، بخلاف ((الله الكبير))
(وكبرت الله)) ونحوه، فانه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما فى لفظة (الله أكبر)».
والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعين ((الله أكبر)) الخمس حجج:
إحداها: قوله ((تحريمها التكبير))، واللام هنا العهد، فهى كاللام فى قوله
((مفتاح الصلاة الطهور)) وليس المراد به كل طهور ، بل الطهور الذى واظب عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلموشرعه لأمته، وكان فعله له تعليما وبياناً لمراد الله من كلامه.
وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود، الذى نقلته الأمة نقلا ضرورياً خلفاًعن سلف عن
نبيها صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله فى كل صلاة ، لا يقول غيره ولا مرة واحدة.
فهذا هو المراد بلاشك فى قوله ((تحريمها التكبير))، وهذاحجة على من جوز ((اللّه الأكبر))
و((اللّه الكبير)) فانه وإن سمى تكبيراً، لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث.
الحجة الثانية: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال المسىء فى صلاته: ((إذا قمت إلى
الصلاة فكبر)) ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتكبير . وهذا أمر مطلق يتقيد بفعله الذى
لم يخل به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه.
الحجة الثالثة : ما روى أبو داود من حديث رفاغة أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال :
((لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر)).
الحجة الرابعة : أنه لو كانت الصلاة تنعقد بغير هذا اللفظ لتركه النبى صلى الله عليه
(٤ - مختصر السنن جـ ١)

- ٥٠ -
وسلم ولو فى عمره مرة واحدة ، لبيان الجواز. حيث لم ينقل أحد عنه قط أنه عدل عنه
حتى فارق الدنيا ، دك على أن الصلاة لا تنعقد بغيره.
الحجة الخامسة : أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كمات الأذان مقامها، وأن
يقول المؤذن: ((كبرت اللّه، أو ((اللّه الكبير))، أو ((الله أعظم)) ونحوه . بل تعين
لفظة ((الله أكبر)) فى الصلاة أعظم من تعينها فى الآذان، لأن كل مسلم لا بد له منها ،
وأما الأذان فقد يكون فى المصر مؤذن واحد أو اثنان. والأمر بالتكبير فى الصلاة آكد
من الأمر بالتّكبير فى الأذان .
وأما حجة أصحاب الشافعى على ترادف ((الله أكبر)) و((الله الأكبر)). نجوابها: أنهما
ليسا بمترادفين ، فان الألف واللام اشتملت على زيادة فى اللفظ ونقص فى المعنى .
وبيانه: أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه
ما لم يتضمنه المعرفة، فاذا قيل ((الله أكبر)) كان معناه: من كل شىء. وأما إذا قيل
«الله الأكبر)) فإنه يتقيد معناه ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا فى مفضل عليه معين،
كما إذا قيل : من أفضل، أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف فى
اللغة والاستعمال. فان أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع ((من)) وأما بدون («من»
فلايؤتى بالأداة، فاذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم ، وهذا لايتأتى مع اللام،
وهذا المعنى مطلوب من القائل: (( الله أكبر)» بدليل ماروى الترمذى، من حديث عدى
بن حاتم الطويل: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له (( ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال:
الله أكبر، فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟) وهذا مطابق لقوله تعالى: (١٩:٦ قل أى شىء
أكبر شهادة؟) وهذا يقتضى جواباً: لا شىء أكبر شهادة من الله. فالله أكبر شهادة
من كل شىء، كما أن قوله لعدى ((هل تعلم شيئاً أكبر من الله ؟)) يقتضى جواباً: لاشىء
أكبر من الله، فالله أكبر من كل شىء.
وفى افتتاح الصلاة بهذا اللفظ، المقصود منه: استحضار هذا المعنى، وتصوره: سر عظيم
يعرفه أهل الحضور، المصلون بقلوبهم وأبدانهم . فان العبد إذا وقف بينيدى الله عز وجل
وقد علم أنه لا شىء أكبر منه ، وتحقق قلبه ذلك ، وأشر به سره - استحي من
اللّه، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره، وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف
بين يديه بجسمه، وقلبه بهم فى أودية الوساوس والخطرات، وبالله المستعان. فلو كان الله
أكبر من كل شىء فى قلب هذا لما اشتغل عنه، وصرف كلية قلبه إلى غيره، كما أن الواقف
بين يدى الملك المخلوق لما لم يكن فى قلبه أعظم منه لم يشغل قلبه بغيره ولم يصر فه عنه صارف.

٠ - ٥١ -
فصل
الحكم الثالث: قوله ((تحليلها التسليم)). والكلام فى إفادته الحصر كالكلام فى الجملتين
قبله . والكلام فى التسليم على قسمين: أحدهما : أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم.
وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعين التسليم. بل يخرج منها بالمنافى لها،
من حدث أو عمل مبطل ونحوه . واستدل له بحديث ابن مسعود الذى رواه أحمد وأبو داود
فى تعليمه التشهد، وبأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسىء فى صلاته، ولو كان فرضا
لعلمه إياه ، وبأنه ليس من الصلاة، فانه ينافيها ويخرج به منها، ولهذا لو أتى به فى أثنائها
لأ بطلها، وإذا لم يكن منها، علم أنه شرع منافياً لها، والمنافى لا يتعين. هذا غاية ما يحتج له به.
والجمهور أجابوا عن هذه الحجج . أما حديث ابن مسعود: فقال الدار قطنى والخطيب
والبيهقى وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله (إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك)) من كلام ابن
مسعود ، فصله شبابة عن زهير ، وجعله من كلام ابن مسعود . وقوله أشبه بالصواب من
أدرجه ، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود رضى الله عنه على حذفه.
وأماكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسىء فى صلاته،،فما أكثر ما يحتج بهذه
الحجة على عدم واجبات فى الصلاة ، ولاتدل، لأن المسىء لم يسىء فى كل جزء من الصلاة،
فلعله لم يسىء فى السلام ، بل هذا هو الظاهر ، فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج
منها إلا بالسلام.
وأيضاً فلو قدر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم: استصحاب براءة الذمة
من الوجوب ، فكيف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب؟
وأيضاً فأنتم لم توجبوا فى الصلاة كل ما أمر به المسىء، فكيف تحتجون بترك أمره
على عدم الوجوب؟ ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفى الوجوب ؟ فانه
قال ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر) ولم توجبوا التكبير، وقال ((ثم اركع حتى تطمئن
راكعاً) وقلتم: لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته، وإن كان مسيئاً.
وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة، فانه ينافيها ويخرج منها به، نجوابه: أن السلام من
تمامها ، وهو نهايتها . ونهاية الشىء منه، ليس خارجاً عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها
إضافة الجزء ، بخلاف مفتاحها، فان إضافته إضافة مغاير ، بخلاف تحليلها ، فانه يقتضى أنه
لا يتحلل منها إلا به .
وأما بطلان الصلاة إذا فعله فى أثنائها ، فلأنه قطع لها قبل إتمامها، وإتيان بنهايتها قبل
فراغها، فلذلك أبطلها، فالتسليم آخرها وخاتمها، كما فى حديث أبى حميد ((ويختم صلاته

- ٥٢ -
بالتسليم)) فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبيرة الاحرام إلى أولها، فقول ((الله أكبر))
أول أجزائها، وقول ((السلام عليكم)) آخر أجزائها.
ثم لو سلم أنه ليس جزءاً منها فانه تحليل لها لا يخرج منها إلا به، وذلك لا ينفى وجوبه،
كتحللات الحج ، فكونه تحليلا لا يمنع الايجاب . فان قيل: ولا يقتضى، قيل : إذا ثبت
انحصار التحليل فى السلام تعين الاتيان به، وقد تقدم بيان الحصر من وجهين .
فصل
وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور ،
فيدخل فى هذا الوتر بركعة ، خلافاً لبعضهم .
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)).
وجوابه: أن كثيراً من الحفاظ طعن فى هذه الزيادة، ورأوها غير محفوظة .
وأيضاً فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم ، فيجب أن يكون مفتاحه الطهور .
وأيضا فالمغرب وتر، لامثنى ، والطهارة شرط فيها . وأيضاً فالنبى صلى الله عليه وسلم
سمى الوتر صلاة، بقوله (« فاذا خفت الصبح فصل ركعة توتر لك ما قد صليت)) .
وأيضاً فاجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر . فهذا
القول فى غاية الفساد .
ويدخل فى الحديث أيضاً صلاة الجنازة ، لأن تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم .
وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يعرف عنهم فيه خلاف ، وهو قول
الأئمة الأربعة وجمهور الأمة، خلافاً لبعض التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
تسميتها صلاة، وكذلك عن الصحابة، وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم)) هو فصل الخطاب فى هذه المسائل وغيرها ، طرداً وعكساً ، فكل ما كان
تحريمه التكبير وتحليله التسليم فلابد من افتتاحه بالطهارة.
،
فان قيل : فما تقولون فى الطّواف بالبيت ، فانه يفتتح بالطهارة، ولا تحريم فيه ولا تحليل؟
قيل: شرط النقض أن يكون ثابتاً بنص أو إجماع. وقد اختلف السلف والخلف فى
اشتراط الطهارة للطواف على قولين : أحدهما : أنها شرط ، كقول الشافعى ومالك
وإحدى الروايتين عن أحمد. والثانى: ليست بشرط ، نص عليه فى رواية ابنه عبد الله
وغيره ، بل نصه فى رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة ، فانه قال : أحب إلى أن
يتوضأ، وهذا مذهب أبى حنيفة .. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية : وهذا قول أكثر
السلف، قال: وهو الصحيح، فانه لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين
1

- ٥٣ -
بالطهارة ، لا فى عمره ولافى حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر ، ويمتنع أن يكون
ذلك واجباً ولا يبينه للأمة ، وتأخير البيان عن وقته ممتنع .
فان قيل: فقدطاف النبى صلى الله عليه وسلم متوضئاً، وقال ((خذوا عنى مناسككم))؟
قيل : الفعل لا يدل على الوجوب. والأخذ عنه: هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذى
فعل ، فاذا كان قد فعل فعلا على وجه الاستحباب، فأوجبناه، لم نكن قد أخذنا عنه
وتأسينا به، مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل فى حجته أشياء كثيرة جداً لم يوجبها أحد
من الفقهاء .
فان قيل: فما تقولون فى حديث ابن عباس (( الطواف بالبيت صلاة))؟ قيل: هذا قد
اختلف فى رفعه ووقفه ، فقال النسائى والدار قطنى . وغيرهما : الصواب أنه موقوف ،
وعلى تقدير رفعه: فالمراد شبيه بالصلاة ، كما شبه انتطار الصلاة بالصلاة، وكما قال
أبو الدرداء: (( ما دمت تذكر الله فأنت فى صلاة، وإن كنت فى السوق)) ومنه قوله
صلى الله عليه وسلم (( إن أحدكم فى صلاة مادام يعمد إلى الصلاة)) فالطواف وإن سمى
صلاة فهو صلاة، بالاسم العام، ليس بصلاة خاصة، والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصة ،
ذات التحريم والتحليل.
فان قيل : فما تقولون فى سجود التلاوة والشكر؟ قيل: فيه قولان مشهوران: أحدهما:
يشترط له الطهارة . وهذا هو المشهور عند الفقهاء ، ولا يعرف كثير منهم فيه خلافاً ، وربما
ظنه بعضهم إجماعاً، والثانى : لا يشترط له الطهارة ، وهذا قول كثير من السلف ، حكاه
عنهم ابن بطال فى شرح البخارى . وهو قول عبد الله بن عمر، ذكره البخارى عنه فى
صحيحه، فقال: ((وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء)) وترجمة البخارى واستدلاله
يدل على اختياره إياه ، فانه قال ((باب من قال يسجد على غير وضوء)) - هذا لفظه
واحتج الموجبون للوضوء له بأنه صلاة، قالوا: فانه له تحريم وتحليل ، كما قاله بعض أصحاب
احمد والشافعى . وفيه وجه أنه يتشهد له ، وهذا حقيقة الصلاة . والمشهور من مذهب أحمد
عند المتأخرين : أنه يسلم له . وقال عطاء، وابن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم، وبه قال
إسحاق بن راهويه. واحتج لهم بقوله (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) قالوا: ولأنه
يفعل تبعاً للامام ، ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع ، وهذا حقيقة الصلاة
قال الآخرون : ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ، ولاسنة ، ولا إجماع ، ولاقياس
صحيح. وأما استدلا لكم بقوله ((تحريمها التكبير وتحيلها التسليم)) فهو من أقوى ما يحتج
به عليكم . فان أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحد قط نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم
ولاعن أحد من أصحابه أنه سلم منه ، وقد أنكر أحمد السلام منه ، قال الخطابي : وكان
أحمد لا يعرف التسليم فى هذا . وقال الحسن البصرى (١)
(١) بياض بالأصل. ولعله (( ليس لسجود التلاوة والشكر سلام)) كما يفهم من السياق.

- ٥٤ -
ويذكر نحوه عن إبراهيم النخعى، وكذلك المنصوص عن الشافعى أنه لا يسلم فيه .
والذى يدل على ذلك: أن الذين قالوا : يسلم منه، إنما احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم
((وتحليلها التسليم)) وبذلك احتج لهم إسحاق، وهذا استدلال ضعيف، فان النبى صلى الله
عليه وسلم وأصحابه فعلوها، ولم ينقل عنهم سلام منها ، ولهذا أنكره أحمد وغيره، وتجويز
كونه سلم منه - ولم ينقل - كتجويز كونه سلم من الطواف .
قالوا: والسجود هو من جنس ذكر الله، وقراءة القرآن والدعاء ، ولهذا شرع
فى الصلاة وخارجها ، فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور - وإن كانت من أجزاء الصلاة-
فكذا لا يشترط للسجود ، وكونه جزءاً من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل إلا بوضوء .
واحتج البخارى بحديث ابن عباس: أن النبى صلى الله عليه وسلم ((سجد بالنجم ، وسجد
معه المسلمون والمشركون والجن والانس )) ومعلوم أن الكافر لاوضوء له .
قالوا: وأيضاً فالمسلمون الذين سجدوا معه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أن النبى صلى الله
عليه وسلم أمرهم بالطهارة، ولاسألهم : هل كنتم متطهرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطاً
فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة ، وإما أن يسألهم بعد السجود ،
ليبين لهم الاشتراط، ولم ينقل مسلم واحداً منهما .
فان قيل : فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك ، وهذا جواب بعض الموجبين:
قيل : الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث، ولم يصل قط إلا بطهارة ، أتاه جبريل
فعلمه الطهارة والصلاة. وفى حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن إلا بعد تطهره،
فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء؟
قالوا : وأيضاً فيبعد جداً أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء!
قالوا: وأيضاً ففى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقرأ القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ، ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا
موضعاً لمكان جبهته)) .
قالوا : وقد كان يقرأ القرآن عليهم فى المجامع كلها، ومن البعيدجداً أن يكون كلهم إذ ذاك
على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكاناً لجبهته ، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع
المتوضىء وغيره .
قالوا: وأيضاً فقد أخبر الله تعالى فى غير موضع من القرآن: أن السحرة سجدوا لله
سجدة، فقبلها الله منهم ومدحهم عليها ، ولم يكونوا متطهرين قطعاً، ومنازعونا يقولون :
مثل هذا السجود حرام ، فكيف يمدحهم ويثنى عليهم بما لا يجوز؟

- ٥٥ -
فان قيل : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا . قيل : قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من
قبلنا، وذلك منصوص عنهم أنفسهم فى غير موضع .
قالوا : سلمنا، لكن مالم يرد شرعنا بخلافه.
قال المجوزون : فأين ورد فى شرعنا خلافه ؟
قالوا : وأيضاً فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة ، ويفعل بلا وضوء،
فالسجود أولى .
قالوا : وأيضا فالله سبحانه وتعالى أثنى على كل من سجد عند التلاوة ، فقال تعالى:
(١٠٧:١٧ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً) وهذا يدل
على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فصل ، سواء كانوا بوضوء أو بغيره ، لأنه أثنى عليهم
بمجرد السجود عقب التلاوة، ولم يشترط وضوءاً، وكذلك قوله تعالى (٥٨:١٩ إذا تتلى
عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً).
قالوا : وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم المنتظرة . وقد تظاهرت السنة
عن النبى صلى الله عليه وسلم بفعله فى مواضع متعددة ، وكذلك أصحابه، مع ورود الخبر السار
عليهم بغتة ، وكانوا يسجدون عقبه، ولم يؤمروا بوضوء ، ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء.
ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة ، فلو تركها لفاتت مصلحتها .
قالوا : ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن فى هذا السجود وأثنى على فاعله
وأطلق ذلك، وتكون الطهارة شرطاً فيه، ولا يسنها ولا يأمر بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم أصحابه ، ولا روى عنه فى ذلك حرف واحد . وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين:
أحدهما : أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع، إذ لا قراءة فيه
ولا زكوع، لا فرضاً ولا سنة، ثابتة بالتسليم. ويجوز أن يكون القارىء خلف الامام
فيه ، ولامصافة فيه . وليس إلحاق محل النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق.
الثانى : أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحاً إذا لم يكن الشىء المقيس قد فعل على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده
صلى الله عليه وسلم من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق
الاذن فى ذلك من غير تقييد بوضوء فيمتنع التقييد به .
فان قيل : فقد روى البيهقى من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال (( لا يسجد
الرجل إلا وهو طاهر)) وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر ، مع أن فى بعض
الروايات (( وكان ابن عمر يسجد على وضوء)) وهذا هو اللائق به، لأجل رواية الليث.

- ٥٦ -
باب ما ◌ُنَجّسُ الماءَ [١: ٢٣]
٥٨ - عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء،
وما ينوبه من الدوابّ والسباع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قلتين لم يحمل
الَحَبَثَ))
٥٩ - وفى رواية: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون فى الفلاة))؟
- فذكر معناه.
٥٨ - هذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن على: عن محمد بن عباد بن جعفر(١).
٥٩ - قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا يزيد بن زريع عن محمد بن إسحق عن محمد بن
جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمرعن أبيه رضى الله عنه : (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون فى الفلاة - ؟ فذكر معناه)).
قيل : أما أثر الليث فضعيف .
وأما رواية من روى ((كان يسجد على وضوء)) فغلط، لأن تبويب البخارى واستدلاله
وقوله: (( والمشرك ليس له وضوء)): يدل على أن الرواية بلفظ ((غير)) وعليها أكثر
الرواة ، ولعل الناسخ استشكل ذلك، فظن أن لفظة ((غير)) خلط فأسقطها، ولا سيما إن
كان قد اغتر بالأثر الضعيف المروى عن اليت. وهذا هو الظاهر ، فأن إسقاط الكلمة
للاستشكال كثير جداً، وأما زيادة ((غير)) فى مثل هذا الموضع فلا يظن زيادتها غلطاً
ثم تتفق عليها الفسخ المختلفة أو أكثرها .
٥٨- قال الشيخ شمس الدين بن القيم : ورواه الحاكم فى المستدرك وقال : صحيح على شرط.
البخارى ومسلم . وصححه الطحاوى . رواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير
عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبى
أسامة عن الوليد. ورواه الحميدى عن أبى أسامة : حدثنا الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر
عن عبد الله بن عبد اللّه عن أبيه. فهذان وجهان، قال الدار قطنى فى هاتين الروايتين:
فلما اختلف على أبى أسامة اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا فى ذلك ، فاذا شعيب
(١) يريد الخطابى أن أبا داود رواه عن محمد بن العلاء وعثمان بن أبى شيبة والحسن بن على
عن أبى أسامة (( عن محمد بن جعفر بن الزبير)) فى رواية ابن العلاء ، وسماه الباقون فى روايتهم
((محمد بن عباد بن جعفر)) قال أبو داود: «وهو الصواب).

- ٥٧ -
٦٠ - وفى رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين فإنه
لا يَنْجُس »
٦٠ - قلت : قد تكون القلة الإناء الصغير الذى تُقِلُّهُ الأيدى، ويُتعالَى فيه الشرب، كالكيزان
ونحوها ، وقد تكون القلة الجرّة الكبيرة التى يُقلها القوىّ من الرجال. إلا أن مخرج الخبر قد
دل على أن المراد به ليس النوع الأول، لأنه إنما سئل عن الماء الذى يكون بالفلاة من
الأرض فى المصانع والوهاد والغدران ونحوها. ومثل هذه المياه لاتحمل بالكوز والكوزين فى
العرف والعادة، لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه، فعلم أنه ليس معنى الحديث.
د
وقد روى من غير طريق أبى داود من رواية ابن جريج: ((إذا كان الماء قلتين بقلال
هَجَر)) أخبرناه محمد بن هاشم حدثنا الدبرى عن عبد الرزاق عن ابن جريج، وذكر الحديث
مرسلا. وقال فى حديثه: ((بقلال مجر)) قال: وقلال مجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار،
لا تختلف، كما لا تختلف المكاييل والصيعان والقرب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال
واحد. وهى أكبر ما يكون من القلال وأشهرها ، لأن الحد لا يقع بالمجهول ، ولذلك قيل
((قلنين)» على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة فى الكبر لأشكلت دلالته، فلما ثناها دل
على أنه أكبر القلال ، لأن التثنية لابد لها من فائدة ، وليست فائدتها إلا ماذكرناه . وقد
قدر العلماء القلتين بخمس قرب ، ومنهم من قدرها بخسائة رطل .
ومعنى قوله (( لم يحمل الخبث)» أى يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم:
إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه . فأما من قال: معناه إنه يضعف عن حمله فينجس! فقد
أحال ، لأنه لو كان كما قال لم يكن إذن فرق بين مابلغ من الماء قلتين وبين مالم يبلغهما .
وإنما ورد هذا مورد الفصل والتحديد بين المقدار الذى ينجس والذى لا ينجس. ويؤكد
ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم ((فإنه لا ينجس)) من رواية عاصم بن المنذر.
ابن أيوب قد روى عن أبى أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعاً، وكان
أبو أسامة مرةٍ يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ، ومرة يحدث
به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر. ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير
عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، رواه جماعة عن ابن إسحاق، وكذلك رواه
٠

- ٥٨ -
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وسئل يحيى بن معين عن حديث حماد بن
سلمة - حديث عاصم بن المنذر؟ فقال: هذا جيد الإسناد . فقيل له : فإن ابن علية لم
وممن ذهب إلى هذا فى تحديد الماء : الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه
وأبو عبيد وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث، منهم محمد بن إسحق بن خزيمة .
وفد تكلم بعض أهل العلم فى إسناده من قِبَل أن بعض رواته قال: عبد الله بنعبد الله
وقال بعضهم : عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه ، لأن الحديث
قد رواه عبيد الله وعبد الله معاً. وذكروا أن الرواة قد اضطر بوا فيه ، فقالوا مرة : عن
محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة : عن محمد بن عباد بن جعفر. وهذا اختلاف من قبل
أبى أسامة حماد بن أسامة القرشى .
ورواه محمد بن إسحق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه
متروك ، والصواب معمول به . وليس فى ذلك ما يوجب توهين الحديث. وكفى شاهداً على
صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به ، وهم القدوة، وعليهم المعول
فى هذا الباب .
حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه. وفيه تقوية لحديث
ابن إسحاق . فهذه أربعه أوجه .
ووجه خامس : محمد بن كثير المصيصى عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر
عن النبى صلى الله عليه وسلم .
ووجه سادس : معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر -
قوله . قال البيهقى : وهو الصواب ، يعنى حديث مجاهد
ووجه سابع . بالشك فى قلتين أو ثلاث ، ذكرها يزيد بن هارون وكامل بن طلحة
وإبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذربن الزبير ، قال :
(( دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستاناً فيه مقرأة ماء (١) فيه جلد بعير ميت ،
فتوضأ منه ، فقلت : أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت ؟ حدثنى عن أبيه عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال (( إذا بلغ الماء قدر قلتين، أو ثلاث لم ينجسه شىء)). ورواه أبو بكر
النيسابورى : حدثنى أبو حميد المصيصى حدثنا حجاج، قال ابن جريج : أخبرنى لوط عن
(١) قال فى النهاية: المقرى، والمقراة: الحوض الذى يجتمع فيه الماء.

- ٥٩ -
يرفعه؟ قال يحيى: وإن لم يكن يحفظه ابن علية فالحديث حديث جيد الإسناد . وقال
أبو بكر البيهقى : وهذا الإسناد صحيح موصول .
وقد يستدل بهذا الحديث من يرى سؤر السباع نجساً ، لقوله (( وما ينوبه من الدواب
والسباع ى فلولا أن شرب السباع منه ينجسه لم يكن لمسألتهم عنه ولا لجوابه إياهم بهذا
الكلام معنى . وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها
وبالت فيها، وتلك عادتها وطباعها . وقلما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، وقد
ينتابها أيضاً فى جملة السباع الكلاب، وأسارها نجسة ببيان السنة.
ابن إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال: (( إذا كان الماء قلتين فصاعداً لم ينجسه شىء))
ورواه أبو بكر بن عياش عن أبان عن أبى يحي عن ابن عباس ، كذلك موقوفاً. وروى
أبو أحمد بن عدى من حديث القاسم العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث)) .. تفرد به
القاسم العمرى هكذا، وهو ضعيف ، وقد نسب إلى الغلط فيه ، وقد ضعف القاسم أحمد
والبخارى ويحيى بن معين وغيرهم . قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت
أبا على الحافظ يقول: حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم
((إذا بلغ. الماء أربعين قلة)) خطأ، والصحيح عن محمدبن المنكدر عن عبد الله بن عمرو، قوله.
قلت : كذلك رواه عبد الرزاق أخبرنا الثورى ومعمر عن محمد بن المنكدر عن عبد الله
بن عمرو بن العاص - قوله . وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن سليمان عن
عبد الرحمن بن أبى هريرة عن أبيه قال (( إذا كان المناء أربعين قلة لم يحمل خبثاً ))
وخالفه غير واحد ، فرووه عن أبى هريرة، فقالوا (( أربعين غرباً)) ومنهم من قال
(( دلواً)) قاله الدار قطنى.
والاحتجاج بحديث القلتين مبنى على ثبوت عدة مقامات :
( الأول ) صحة سنده. (الثانى) ثبوت وصله، وأن إرساله غير قادح فيه. (الثالث) ثبوت
رفعه وأن وقف من وقفه ليس بعلة . (الرابع) أن الاضطراب الذى وقع فى سنده لا يوهنه.
(الخامس) أن القلتين مقدر تان بقلال مجر. (السادس) أن قلال محجر متساوية المقدار
ليس فيها كبار وصغار. (السابع) أن القلة مقدرة بقر بتين حجازيتين ، وأن قرب الحجاز
لا تتفاوت. (الثامن) أن المفهوم حجة. (التاسع) أنه مقدم على العموم. (العاشر) أنه مقدم
على القياس الجلى. (الحادى عشر) أن المفهوم عام فى سائر صور المسكوت عنه. (الثانى عشر)

- ٦٠ -
أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد ( الثالث عشر ) الجواب عن المعارض .
ومن جعلهما خمسمائة رطلٍ احتاج إلى مقام (رابع عشر) وهو أنه يجعل الشىء نصفاً
احتياطاً. ( ومقام خامس عشر) أن ما وجب به الاحتياط صار فرضاً.
قال المحددون : الجواب هما ذكرتم :-
أما صحة سنده فقد وجدت ، لأن رواته ثقات ، ليس فيهم مجروح ولا متهم . وقد سمع
بعضهم من بعض. ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوى وغيرهم . وأما وصله ، فالذين
وصلوه ثقات ، وهم أكثر من الذين أرسلوه، فهى زيادة من ثقة، ومعها الترجيح . وأما.
رفعه فكذلك، وإنما وقفه مجاهد على ابن عمر ، فاذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفاً لم
يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد اللّه له من ابن عمر مرفوعا. فان قلنا: الرفع زيادة ، وقد
أتى بها ثقة، فلا كلام . وإن قلنا : هى اختلاف وتعارض ، فعبيد الله أولى فى أبيه من
مجاهد ، لملازمته له وعلمه بحديثه، ومتابعة أخيه عبد الله له .
وأما قولكم، إنه مضطرب : فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه ، إذ لا مانع من سماع
الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر ، كما قال الدار قطنى : قد صح أن الوليد
بن كثير رواه عنهما جميعا، فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين، وكذلك لا مانع
من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعاً عن أيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة ، وعن
هذا تارة .
وأما تقدير القلتين بقلال مجر ، فقد قال الشافعى: حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج -
باسناد لا يحضر فى ذكره - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين لم
يحمل خبثا)) وقال فى الحديث: ((بقلال هجر)) وقال ابن جريج: أخبر نى محمد أن يحي بن
عقيل أخبره أن يحي بن يعمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء
قلتين لم يحمل نجساً ولا بأساً؟ قال : فقلت ليحي بن عقيل: قلال هجر ؟ قال: قلال هجر،
قال : فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين . قال ابن عدي : محمد هذا: هو محمد بن يحي ،
يحدث عن يحي بن أبى كثير ويحي بن عقيل .
قالوا: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها لهم فى حديث المعراج، وقال: فى سدرة
المنتهی ( فاذا نبقها مثل قلال هجر )» فدل على أنها معلومة عندهم . وقدقال محي بن آدم ،
ووكيع ، وابن إسحاق : القلة : الجرة ، وكذلك قال مجاهد: القلتان : الجرتان
وأما كونها متساوية المقدار ، فقد قال الخطابى فى معالمه: قلال هجر: مشهورة الصفعة
معلومة المقدار، لا تختلف كما لاتختلف المكاييل والصيعان. وهو حجة فى اللغة .
واما تقديرها بقرب الحجاز، فقد قال ابن جريج : رأيت القلة تسع قربتين. وابن