Indexed OCR Text
Pages 341-360
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٦٦
أبواب الدعوات
قال الخطابي: الإحصاء في هذا يحتمل وجوهًا :
أحدها: أن يعدَّها حتى يستوفيها؛ يريد أنه لا يقتصِر على
بعضها لكن يدعُو الله بها كلهَا ويثني عليه بجميعها فيسْتَوْجب
الموعُود عليها من الثواب(١).
الثاني: المراد بالإحصاء، الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَلَّنَ
تُخْصُوهُ﴾ (٢) ومنه حديث: ((استقيمُوا، ولن تحصُوا))(٣) أي تبلغوا كنه
الاستقامة، والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، والعمل
بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال:
الرزَّاق، وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء.
الثالث: المراد الإحاطة بمعانيها/ من قول العرب: فلان ذو ١٤٥/ أ ش
حصَافة (٤)؛ أي: [ذُو](٥) عقل، ومعرفة. انتهى.
قال ابن الجوزي في غريب الحديث: ((فيه خمسة أقوال:
أحدها: من استوفاها حفظها.
والثاني: من أطاق العمل بمقتضاها، مثل: أن يعلم أنه سميع،
فيكف لسانه عن القبيح، وأنه حکیم، فيُسلِّم لحكمته.
والثالث: من عقل معانيها .
وسنرى عند شرح كل اسم من الأسماء الحسنى في حينه ثباته على ذلك أو تردده وتأرجحه بين
=
الاثبات والتأويل.
(١) ((من الثواب)) ساقطة من (ش).
(٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
(٣) عن ثوبان قال: قال رسول الله وَله: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)). أخرجه: مالك: كتاب الطهارة، رقم (٩).
انظر: التمهيد (٢١١/٢)، وأحمد (٢٧٧/٥) ص (٨)، والدارمي: الطهارة، ما جاء في
الطهور رقم (٦٨١)، وابن ماجه: الطهارة وسننها، المحافظة على الوضوء، رقم (٢٧٧).
(٤) في (ش): ((حصان)).
(٥) ((ذو)) ساقطة من الأصل.
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٦٧
أبواب الدعوات
والرابع: من أحصاها علمًا وإيمانًا، قاله الأزهري.
والخامس: أن يكون المعنى من قرأ القرآن حتى يختمه لأنها فيه،
زاد في النهاية .
وقيل: من استخرجها من كتاب الله، وأحاديث رسوله، لأنه وَالم
لم يعدَّها لهم، إلاَّ ما جاء في روايةٍ عن أبي هريرة وتكلَّموا فيها، وقيل:
أراد من أخطر بباله عند ذكرها معناهَا، [وتفكّر](١) في مَدْلُولَهَا مُعَظِّمًا
لمُسَمَّاها، ومُقَدِّسًا ومعتبرًا بمعانيها، ومُتَدَبِّرًا، راغبًا فيها وراهبًا))(٢) .
وقال القرطبي: ((المرجو من كرم الله تعالى أنَّ من حصل له إحصاء
هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة(٣) النية أنه يدخل الجنة،
وقال النووي: ((معنى أحصاها حفظها هكذا فسَّره البخاري، والأكثرون/، ١٩٢/ب ك
ويؤيِّده أنه ورد في رواية في الصحيح: ((من حفظها دخل الجنة)) (٤).
قال الطيبي /: ((أراد بالحفظ القراءة بظهر القلب، وقد اختلف في ١٠٣/أت
هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء في هذه العِدَّة، أو أنها أكثر من
ذلك ولكن اختصَّت هذه بأنَّ من أحصاها دخل الجنَّة (٥).
(١) ((تفكّر)) ساقطة من الأصل. وفي (ش): ((تذكر)).
(٢) النهاية (٣٩٧/١).
(٣) ((صحة)) ساقطة من (ش).
(٤) البخاري (٢٥٩/٣) (١٤٥/٩).
(٥) عند قول السيوطي: ((وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء ... إلخ)).
انقسم العلماء في مسألة حصر الأسماء الحسنى في العدد الذي ورد به الحديث:
((إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا ... )) إلى قسمين:
الأول: ويرى أنَّ أسماء الله الحسنى محصورة بعدد معيَّن ومحدد، ثم اختلفت
أقوالهم في تحديد العدد كم هو؟
الثاني: ويرى أنَّ أسماء الله الحسنى لا تنحصر، ولا تحد بعدد معيَّن، مهما كانت
الآراء في حصرها. تفصيل رأي كل قسم على حده.
الرأي الأول: وهم القائلون بحصر الأسماء الحسنى بعدد معيَّن مخصوص فقد
اختلفوا في تحديد ذلك العدد على سبعة أقوال:
=
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٦٨
أبواب الدعوات
٠
==
١ - فقيل: تسعة وتسعون (٩٩).
٢ - وقيل: مائة (١٠٠).
٣- وقيل: ثلاثمائة (٣٠٠).
٤ - وقيل: ألف (١٠٠٠).
٥ - وقيل: ألف وواحد (١٠٠١).
٦ - وقيل: أربعة آلاف (٤٠٠٠).
٧- وقيل: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا (١٢٤٠٠٠).
انظر: درء تعارض العقل والنقل (٣٣٢/٣)، مجموع الفتاوى (٣٨١/٦-٣٨٢)، زاد
المعاد (٨٨/١)، فتح الباري (٢٢٠/١١، ٣٢١)، وشفاء العليل ص (٢٧٧)، بدائع الفوائد
(١٦٧/١)، شرح القواعد المثلى ص (١٢٣-١٤٣)، العقيدة في الله للأشقر ص (٢٠٩)،
أسماء الله وصفاته ص(٤)، اسم الله الأعظم ص (٥١)، النهج الأسمى (٤٩/١)، معتقد
أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى ص(٦١).
فالقول الأول هو قول من قال: إنَّ الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة إلاَّ واحدًا، لا
يحلّ لأحد أن يزيد عليها، وهو قول الإمام أبي محمَّد علي بن حزم، وطائفة معه.
المحلى (٣٠/١) (٣١/٨).
واستدلوا بحديث: ((إنَّ الله تسعة وتسعين اسمًا ... )) قال ابن حزم: ((إنه لو جاز أن
يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم فيبطل قوله: ((مائة إلاَّ
واحدًا» قال: وصحَّ أنَّ أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين شيئًا، لقوله عليه السلام: ((مائة
إلاّ واحدًا)) فنفى الزيادة وأبطلها .
وابن حزم هنا قد احتج بالنص في قوله ◌َّطاهر: ((تسعة وتسعين)) واحتج لعدم جواز
الزيادة عن التسعة والتسعين بالتأكيد في قوله وَله: «مائة إلاّ واحدٌ)).
وقد خطأ العلماء المحققون هذا القول وصوبوا عليه قول الجمهور ورجحوه، وهو
القول بعدم الحصر. الفتاوى (٣٨٢/٦).
قال الإمام ابن حجر: ((وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو
لا يقول بالمفهوم أصلاً ولكنه احتج بالتأكيد في قوله ريَّه: ((مائة إلاّ واحدًا)) قال: لأنه لو
جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم فيبطل قوله:
((مائة إلاّ واحدًا)) وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم، وإنَّ الحصر المذكور عندهم
[أي الجمهور] باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها فمن ادعى أنَّ الوعد وقع لمن أحصى
زائدًا على ذلك فقد أخطأ».
والقول الثاني: هو قول القائل: إنَّ الله تعالى مائة اسم فقط، وبه جزم السهيلي
[انظر: فتح الباري (٢٢٤/١١) والقنوجي الجوائز والصلات من جميع الأسماء والصفات
ص (٤٠) والمحلى ص (١٣١)] على اعتبار أنَّ أسماءه تعالى الحسنى الظاهرة في الكتاب =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٦٩
أبواب الدعوات
والسنة تسعة وتسعون، والاسم الأعظم هو تمام المائة، وهذا أيضًا قريب من كلام ابن
حزم، وهو خلاف رأي الجمهور، عند عرضه رأي الجمهور الرد عليهما وبيان أدلة
الجمهور في ذلك.
والقول الثالث: أنها ثلاثمائة فقط.
والقول الرابع: أنها ألف اسم.
والقول الخامس: أنها ألف وواحد.
والقول السادس: أنها أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمه إلاّ الله، وألف لا يعلمه إلاّ
الله والملائكة، وألف لا يعلمه إلاَّ الله والملائكة والأنبياء، وأما الألف الرابع فإنَّ المؤمنين
يعلمونه فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة في الزبور، ومائة في
القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم.
والقول السابع: أنها مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا عدد الأنبياء عليهم السلام لأنَّ
كل نبي تمده حقيقة اسم خاص به مع إمداد بقية الأسماء له لتحقُقه بجميعها.
وهذه الأقوال من القول الثالث إلى القول السابع أقوال ساقطة، عارية من البينة وهي
ليست إلاّ مجرد دعوى لا دليل عليها ولا برهان، وهي من جنس الأقوال التي لا زمام لها
ولا خطام، فلا يلتفت إليها، وقد حرم الله علينا أن نتقول عليه أو نقفوا ما ليس لنا به
علم. معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى ص (٦٨).
الرأي الثاني: وهو قول جماهير أهل العلم كالخطابي والقرطبي والقاضي أبي بكر
الباقلاني، وابن العربي والرازي وابن حجر كما ذكره محمَّد تقي العثماني، في تكملة فتح
الملهم على شرح مسلم (٥٣٦/٥) بل حكى النووي الاتفاق عليه في شرح النووي
لصحيح مسلم (٥/١٨) والمحلى (١٢٩)، وأصحاب هذا الرأي يقولون إنَّ أسماء الله
الحسنى ليست محصورة بعدد معيَّن قلَّ أو كثر، ذلك العدد، فإنَّ لله تعالى أسماءً وصفات
استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرَّب ولا نبي مرسل. بدائع الفوائد
(١٦٦/١).
وهذا هو الصواب، وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها، وهو قول جمهور
العلماء، ولم يخالفهم فيه إلاّ طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره، وقد تقدم الكلام
عنهم.
وأصحاب هذا القول يضبطون قولهم هذا بصحيح الأدلة لا يخترعون ولا يبتدعون
أقوالاً من عند أنفسهم لا يعضدها دليل، ولا يتقولون على الله بغير علم، لا يثبتون أي
عقيدة إلاَّ إذا عضدها دليل، وصححها برهان من كلام الله وكلام رسوله وَّه.
ومن أدلتهم التي استندوا عليها في رأيهم ما يلي:
١- الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله
عنه عن النَّبِي بَّ قال: ((ما أصاب عبدًا قط هم ولا غم ولا حزم فقال: اللَّهمَّ إنِّي عبدك =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٠
أبواب الدعوات
ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل
=
اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت
به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب
همي وغمي، إلاّ أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحًا)) [مسند أحمد (٣٢١/١، ٤٥٢)
ابن حبان، الإحسان (٢٥٣/٣) برقم (٩٧٢)، والحاكم في المستدرك (٥٠٩/١) والطبراني
في الكبير ح (١٠٣٥٢) قال الهيثمي، مجمع الزوائد (١٣٦/١٠ و١٨٦) رواه أحمد وأبويعلى
والبزار والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن
حبان، وصحح الحديث الشيخ الألباني في الصحيحة ح (١٩٩) (١٧٦/١ - ١٨١).
والشاهد من هذا الحديث قوله وَّلير: ((أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) ففيه
دليل واضح وصريح على أنَّ أسماءه تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وأنَّ له تعالى أسماء
وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
وهذا الحديث أخبر بأنَّ أسماء الله ثلاثة أقسام:
١- قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء، قد يكون أظهره لملائكته أو لغيرهم،
ولكن لم ينزله في كتابه.
٢- وقسم استأثر به في علم الغيب، فلم يطلع عليه أحد من خلقه ولهذا قال:
((استأثرت به)) أي أنفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به، لأنَّ هذا الانفراد ثابت
في الأسماء التي أنزل بها كتابه.
قال الخطابي: ((فهذا يدلك على أنَّ لله أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه
ولم يظهرها له)) [شأن الدعاء ص (٢٤) وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٢٦٩/٢)].
٢ - ما ثبت في الصحيح أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ كان يدعو في سجوده فيقول: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ
برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما
أثنيت على نفسك)) صحيح مسلم، كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود
(٥١/٢).
فقوله: لا أحصي ثناء عليك))، أخبر أنه لا يحصي ثناءً عليه، ولا أحصي أسماءه
لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأنَّ صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه. درء
تعارض العقل والنقل (٣٣٢/٣، ٣٣٣).
٣- ما ثبت في الصحيح أيضًا أنه رَّه قال في حديث الشفاعة: (( ... فيفتح الله عليَّ
من محامده بما لا أحسنه الآن)).
٤- أنَّ أسماءه تعالى الوارد في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين.
قال ابن تيمية: ((وإن قيل لا تدعو إلاَّ باسم له ذكر في الكتاب والسنة قيل: هذا أكثر
من تسعة وتسعين ... )). مجموع الفتاوى (٤٨٢/٢٢).
ومع تلك الأدلة التي استدل بها الجمهور على رأيهم فقد أجابوا على استدلال =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧١
أبواب الدعوات
فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء [عليه](١)
قال: فالمراد الإخبار عن دخول الجنة [بإحصائها](٢) لا الإخبار
أصحاب الرأي المخالف بما ورد من تحديد الأسماء وحصرها في التسعة والتسعين،
=
بجواب حسن فقالوا: إنَّ قوله {وَّهِ: ((إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلاَّ واحدًا ... )) لا يدل
على الحصر، ولو كان المراد حصر الأسماء لكانت العبارة غير ذلك كأن يقول مثلاً: إنَّ
أسما الله تسعة وتسعون اسمًا، هذا العدد له خصوصية وهي أنَّ من أحصاه دخل الجنَّة،
وذلك دون بقية أسمائه جل وعلا.
إذا فمعنى الحديث أنَّ هذا العدد من شأنه أنَّ من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا
فيكون قوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة. القواعد
المثلى ص (١٢٤). أي أنَّ الجملة صفة للتسعة والتسعين، وليست مبتدأة، فيكون إعرابها
أنها في محل نصب على أنها صفة لقوله: ((تسعة وتسعين))، ونظير هذا أن تقول: عندي
مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة))
القواعد المثلى ص (١٢٤).
ويجوز كذلك أن تعرب هذه الجملة مبتدأ أي قوله: ((من أحصاها ... )).
والمعنى لا يختلف عمَّا قررناه، ويكون التقدير: إنَّ لله أسماء بقدر هذا العدد من
أحصاها دخل الجنة)) مجموع الفتاوى (٣٨١/٦).
قال النووي: ((اتفق العلماء على أنَّ هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه
وتعالى، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث
أنَّ هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة
بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء. شرح مسلم (٥/١٧).
وقال الخطابي: «في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد،
وليس فيه منع ما عداها من الزيادة ... وهو كقولك: إنَّ لزيد ألف درهم أعدها للصدقة،
وكقولك: إنَّ لِعَمْرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنَّه ليس عنده من
الدرهم أكثر من ألف، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أنَّ الذي أعده زيد
من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأنَّ الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب)).
شأن الدعاء ص (٢٤).
ولابن القيم أيضًا كلام نحو كلام الخطابي في بدائع الفوائد (١/ ٦٧).
ومن هذا يتضح أنَّ رأي الجمهور وهو القول بعدم حصر الأسماء في تسعة وتسعين
هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة.
(١) ((عليه)) ساقطة من الأصل، وانظر الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (٥/١٧).
(٢) ((بإحصائها)) مطموسة في الأصل.
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٢
أبواب الدعوات
بحصر الأسماء (١)، وأما الحكمة في القصر على العدد المخصوص،
فذكر الفخر الرازي عن الأكثر أنه تعبد(٢) لا يعقل معناه، كما قيل في
عدد الصلوات، وغيرها.
وقال أبو خلف محمَّد بن عبدالملك الطبري(٣): ((إنما خصَّ هذا العدد
إشارة إلى أنَّ الأسماء لا تؤخذ قياسًا وقيل: الحكمة فيه أنَّ معاني الأسماء
ولو كانت كثيرة جدًا موجودة في التسعة والتسعين المذكورة، وقيل:
الحكمة فيه (٤) أنَّها في القرآن، كما في بعض طرقه(٥)، وقال قوم: الأسماء
الحسنى مائة على عدد درجات الجنَّة استأثر الله منها بواحد وهو الاسم
الأعظم، فلم يطلع عليه أحدًا فكأنه قيل : مائة، لكن واحد منها عند الله .
وقال بعضهم: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيًا بل هو
الجلالة، وبه جزم السهيلي فقال: الأسماء الحسنى مائة على عدد
درجات الجنة الذي يكمل المائة الله، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
/ آَلَسْمَاءُ اَلْهُمْنَى فَادْعُوهُ بِهِا﴾ (٦) فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه
یکمل المائة)) انتهى(٧) .
, (٧)
١٤٥/ ب ش
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٥/١٧).
(٢) في (ك): ((مقيد)).
(٣) هو محمد بن عبدالملك بن خلف الطبري السلمي الشافعي، أبوخلف فقيه صوفي، من
مصنفاته ((سلوة العارفين)) و((الكناية)) في الفقه وغيرهما، مات سنة ٤٧٠ هـ. انظر: طبقات
الشافعية للسبكي (٧٦/٣)، ومعجم المؤلفين (٢٥٦/١٠).
(٤) ((فيه)) ساقطة من (ش).
(٥) تكلم الرازي عن الحكمة والسر في ذكر هذا العدد المخصوص بكلام كثير في كتابه شرح
الأسماء، والذي نراه أنَّ تفويض علمه لله تعالى أقرب إلى الصواب، لأنَّ الله لم يطلعنا
على حكمه ذلك فهو أمر تعبدي لا يعقل معناه، كأعداد الصلوات، أعداد ركعاتها ونحو
ذلك. انظر: شرح الأسماء للرازي ص (٧٣، ٨٢) وانظر: الأسمى في شرح أسماء الله
الحسنى، محمَّد الحمود النجدي (٥٢/١).
(٦) سورة الأعراف، آية: ١٨٠ .
(٧) هذا كلام السهيلي نقله عنه ابن حجر في الفتح (٢٢٤/١١)، وانظر: الجوائز والصلات
من جمع الأسماء والصفات للقنوجي ص(٤٠).
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٣
أبواب الدعوات
وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر، رواه
عن أبي هريرة أيضًا همَّام بن منبه(١) عند مسلم، ومحمَّد بن سِيرين(٢)
عنده، وأبوسلمة بن عبدالرَّحمن(٣) عند أحمد، وابن ماجه، وعطاء بن
يسار(٤) وسعيد المقبري(٥) وسعيد بن المسيب(٦) وعبدالله بن شقيق(٧)،
ومحمَّد بن جبير بن مطعم(٨)، والحسن البصري(٩)، أخرجها أبو نعيم،
(١) (ع) همام بن منبه بن كامل الصنعاني، أبوعتبة أخو وهب، ثقة من الرابعة، مات سنة
اثنتين وثلاثين على الصحيح. التقريب ص (٥٧٤) رقم (٧٣١٧).
(٢) (ع) محمَّد بن سيرين الأنصاري، أبوبكر ابن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر
كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة عشر ومائة. التقريب ص (٤٨٣) رقم
(٥٩٤٧).
(٣) (ع): أبو سلمة بن عبدالرَّحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبدالله، وقيل
إسماعيل ثقة، مكثر من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة
بضع وعشرين. التقريب ص (٦٤٥) رقم (٨١٤٢).
(٤) (ع) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمَّد المدني، مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة من
صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين وقيل بعد ذلك التقريب ص (٣٩٢) رقم (٤٦٠٥).
(٥) (ع) سعيد بن أبي سعيد: كيسان المقبري، أبوسعد المدني، ثقة، من الثالثة تغيَّر قبل موته
بأربع سنين وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود العشرين وقيل: قبلها،
وقيل بعدها التقريب (٣٢٦) رقم (٢٣٢١).
(٦) (ع) سعيدبن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمر بن عائذ بن عمران ابن مخزوم
القرشي المخزومي أحدالعلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتَّفقوا على أنَّ
مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات
بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. التقريب ص (٢٤١) رقم (٢٣٩٦).
(٧) (بخ، م، ٤) عبدالله بن شقيق العقيلي، بالضم، بصري ، ثقة، فيه نَصْب من الثالثة، مات
سنة ثمان ومائة. التقريب ص (٣٠٧) رقم (٣٣٨٥).
(٨) (ع) محمَّد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نَوْفل النوفلي، ثقة عارف بالنسب من الثالثة،
مات على رأس المائة. التقريب ص (٤٧١) رقم (٥٧٨٠).
(٩) (ع) الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، بالتحاتنية والمهملة الأنصاري
مولاهم ثقة فقيه، فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا و يدلس .
قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا
وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخُطبوا بالبصرة هو رأس الطبقة الثالثة
مات سنة عشر ومائة، وقد قارب التسعين، التقريب ص (١٦٠) رقم (١٢٢٧).
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٤
أبواب الدعوات
وعراك بن مالك(١) عندالبزار وغيره، وذكر ابن عطية في تفسيره أنه تواتر
عن أبي هريرة، فقال: لم يتواتر الحديث من أصله وإن خرج في
الصحيح، ولكنه تواتر عن أبي هريرة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ﴾.
قال الطيبي: هو مبتدأ، ((الله)) خبره، ((لا إله إلاَّ هو)) صفته،
و((الرَّحمن)) إلى آخره خبر بعد خبر، والجملة مُستأنفة، إما لبيان كمية
تلك الأعداد أنها ما هي في قوله: ((إنَّ لله تسعةً وتِسْعِيْنَ اسمًا)) وذكر
الضمير نظر إلى الخبر، وإما بيان لكيفيَّة الإحصاء في قوله: ((من
أحصَاهَا دَخَلَ الجنَّةَ))(٢) وأنه كيف يحصى فالضمير راجع إلى المسمى
الدال عليه قوله(٣): ((الله)) كأنه لما قيل: ((إنَّ لله تسعةً وتسعِيْنَ اسمًا)»
سئل (٤) وما تلك الأسماء، فأُجِيبَ: هو الله [ولما قيل من أحصاها دخل
الجنَّة سئل كيف يحصيها فأجيب هو الله](٥) فعلى هذا يكون الضمير
ضمير الشأن، والله مبتدأ، وقوله/: ((الَّذِي لا إلهَ إلاَّ هوَ)) خبر (٦)، ١٠٣/ب ت
والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون الرَّحمن خبره والموصُول مع
الصِّلة صفة الله :
(١) (ع) عراك بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة مات في خلافة
يزيد بن عبدالملك ، بعدالمائة. التقريب ص (٣٨٨) رقم (٤٥٤٩).
(٢) في (ش): ((من أحصاها إلخ)).
(٣) ((قوله)) ساقطة في (ك).
(٤) ((سئل)) ساقطة من (ك) و(ش)، وفي الأصل كأنها ليست بنفس الخط .
(٥) ((ولما قيل من أحصاها دخل الجنَّة سئل كيف يحصيها فأجيب هو الله))، ساقطة من الأصل،
ومثبتة في (ك، ش).
(٦) هذا من السيوطي جار على قانون الأشاعرة، فإنَّهم يجعلونه نسبة صفات الله إلى الله على سبيل
المجاز، يسلكون في ذلك أحد طريقين: ١ - إما تأويل الصفة بصفة أخرى ، كتفسير بعض
الصفات بالإرادة كتفسير المحبة بإرادة الثواب، والغضب بإرادة العقاب ، وهو هنا فسر الرَّحمة
بإرادة الإنعام . ٢ - أو يفسر الصفة ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات مثل تفسيراليد
بالنعمة والغضب بالعقوبة، وهو هنا فسرالرَّحمة بالإنعام نفسه، والدفع. انظر: التحفة
المهدية، شرح الرسالة التدمرية ص (٨٠).
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٥
أبواب الدعوات
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)) اسمان بنيا للمبالغة من الرَّحمة، وهي في
اللغة رقة قلب وانعطاف يقتضي التفضل، والإحسان على من رق له،
وأسماء الله تعالى وصفاته إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون
المباديء التي تكون انفعالات، فرحمة الله للعباد إما إرادة الإنعام
عليهم(١) ودفع/ [ضرِ](٢) الضرر عنهم فتكون الإسمان من صفات ١/١٩٣ ك
الذات، أو نفس الإنعام، والدفع فيعودان إلى صفات الأفعال(٣)،
(١) ساقطة من (ش).
(٢) ((ضر)) ساقطة من الأصل، ومثبتة في (ك، ش).
(٣) قول السيوطي: ((وأسماء الله تعالى وصفاته إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون
المبادي التي تكون انفعالات، فرحمة الله للعباد: إما إرادة الإنعام عليهم، ودفع ضر
الضرر عنهم، فيكون الأسماء من صفات الذات، أونفس الأنعام، والدفع، فيعودان إلى
صفات الأفعال ص(٢٢١٨ -٢٢٢٠).
"هذا الكلام جار على قانون أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم ، الذي هو في حقيقته
تعطيل الباري جلَّ وعلا عن أسمائه وصفاته، فهو يرجع صفة الرَّحمة إلى صفة الإرادة، فيقول:
الرَّحمة إرادة الإنعام عليهم، والذي ألجأه إلى هذا أنه فسر الرحمة في اللغة بأنها رقة القلب،
وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان على من رق له، ثم ظنَّ أنَّ هذا المعنى هو الثابت في حق
الله تعالى، عند من يثبت الصفة أو الاسم، فبادر هو بتأويلها إلى الإرادة، ولكن أهل السنة عندما
يثبتون الصفة للباري جلَّ وعلا إنما يثبتون معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته، ولا يثبتون ذلك
المعنى اللغوي الثابت في حق المخلوق، إنما يثبتون الاسم، والصفة التي يدل عليها على وجه
يليق بجلال الخالق جلَّ وعلا وعظمته، فلا ينفون لا يقولون: إنَّ الرَّحمة هي إرادة الإنعام .
قال الشيخ فالح بن مهدي: ((فدلالة النصوص على أنَّ له محبة ورحمة وغضبًا، ورضًا،
وفرحًا، وضحكًا، ووجهًا ويدين كدلالة النصوص على الصفات السبع أي التي يثبتها الأشاعرة
دون غيرهاومنها صفة الإرادة.
فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها بصفة الإرادة؟
فإن قلت إنَّ إثبات الإرادة لا يلزم منه تشبيه وتجسيم، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم
التشبيه والتجسيم، فإنها لا تعقل إلاَّ في الأجسام، فإنَّ الرَّحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان،
والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه، قيل لك:
وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها)). التحفة المهدية ص (٨٠-٨١).
وقال ابن القيم: ( ... الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرَّحيم دال على
تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أنَّ الرّحمة صفته،
والثاني دال على أنَّه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٦
أبواب الدعوات
والرَّحمن أبلغ من الرَّحيم لزيادة بنائه(١)(٢).
((الملك)) (٣) معناهُ ذو الملك، وهو إذا كان عبارة عن
رَحِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [التوبة] ولم يجىء قط رحمن بهم، فعلم
=
أنَّ رحمن هو الموصوف بالرَّحمة والرحيم هو الراحم برحمته فى أسماء الله الحسنى ص (٩٠).
وكلام السيوطي يشبه كلام الزمخشري الذي يجعل الرحمة مجازًاً في حق الله تعالى وأنها
عبارة عن إنعامه على عباده. [الكشاف (٤٥/١)] وقالوا: لسنا أغير على الله من رسوله [روح
المعاني (١/ ٦٠)] وقد رد ابن القيم على القائلين بأنَّ رحمة الله مجاز ردًا مفصلاً بما لا مزيد
عليه [مختصر الصواعق (١١٢/٢ - ١٢٦)].
(١) حكى ابن جرير الاتفاق على أنَّ ((رحمان)) أشد مبالغة من ((رحيم)) لأنَّ بناء ((فعلان)) أشد مبالغة
من فعیل، ونظيرهما ندیم وندمان.
انظر: ابن جرير، جامع البيان (٤٣/١)، وانظر كذلك محمد الحمود النجدي، النهج
الأسمی ص(٧٥).
(٢) قول السيوطي: ((والرحمن أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه)) [﴿الرحمن﴾ أشد مبالغة من
﴿الرحيم﴾ [النهج الأسمى ٧٨/١] فإنَّ الرحمن هو ذو الرَّحمة الشاملة لجميع الخلائق في
الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و﴿الرَّحيم﴾ هو ذو الرَّحمة للمؤمنين يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا ﴾﴾ [الفرقان] وقال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى مَ﴾ [طه]
فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَحِيمًا®﴾ [الأحزاب] فحض المؤمنين باسمه ﴿الرَّحيم﴾. انظر: ابن جرير جامع البيان
(٤٣/١)، وانظر: ابن القيم: أسماء الله الحسنى ص (٩٠)].
(٣) قول السيوطي ﴿الملك﴾ [٢٢٢٠].
[الملك: يذكر ويؤنث كالسطان، ومُلك الله تعالى وملكوته سلطانه وعظمته وعزته [انظر:
المنهج الأسمى (١ /٩٥)] والمَلْكُ والمَلِكُ والمَليك والمالك: ذو الملك.
قال ابن سيده: ((الملك والمُلك والملك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به.
وتملُّكه: أي ملكه قهرًا، وأملكه الشيء، وملَّكه إياه تمليكًا، جعله مِلكًا له، وأمْلكُوه،
زوجوه، شبه الزوج بملك عليها في سياستها .
والملكوت مختص بملك الله تعالى، وهو مصدر مَلكَ أُدخلت فيه التاء نحو: جبروت،
ورهبوت، ورحموت [المفردات: الراغب الأصبهاني (٤٧٥) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ
مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]
قال ابن كثير: ﴿ألم ينظروا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السموات
والأرض ... )) تفسير القرآن العظيم (٣٧٣/٣) وانظر: النهاية (٣٥٨/٤) لسان العرب
(٤٢٦٦/٦) غريب الحديث لأبي عبيد (٣٢٩/٣).
=
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٧
أبواب الدعوات
القدرة (١) على التصرف كان من صفات الذات، كالقادر، وإذا كان عبارة
عن التصرف في الأشياء بالخلق والإبداع(٢) والإماتة، والإحياء، كان من
أسماء الأفعال كالخلق، وعن بعض المحققين ((الملك)) هو الغني مطلقًا
في ذاته وفي صفاته عن كل ما سواهُ، ويحتاج إليه كل ما سواه(٣) .
((القُدُوسُ))/ فعول من القدس، وهو الطهارة، والنزاهة ومعناهُ ١٤٦/أ ش
المنزه عن سمات النقص، وموجبات الحدوث بل المبرّأ أن يدركه حس،
أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل(٤) وهو من أسماء
التنزيه(٥) .
معنى الملك في حق الله تعالى :
قال الزجاج: ((وقال أصحاب المعاني: الملك، النافذ الأمر في ملكه] إذ ليس كل مالك
ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعم المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، وإنما
استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى: [تفسير أسماء الله الحسنى ص (٣٠)] وقال
الخطابي: ((الملك: هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك، فهو الخاص
الملك)) [شأن الدعاء ص (٤٠)] وقال اللَّيث: ((الملك هو الله تعالى وتقدس، ملك الملوك، له
الملك ، وهو مالك يوم الدِّين، وهو مليك الخلق: أي ربهم ومالكهم [لسان العرب
(٦ /٤٢٦٦)].
وقال ابن جرير: ((الملك الذي لا ملك فوقه ولا شيء إلاَّ دونه)) [جامع البيان (٣٦/٢٨)
وقال ابن كثير: ((المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة)) [تفسير القرآن
العظيم (٤ / ٣٤٣) تفسير سورة الحشر، آية ٢٣ ].
(١) هنا أيضًا عود من السيوطي إلى تفسير ((الملك)) بالقدرة، وهو كما قلنا سير على قانون الأشاعرة.
انظر ما سبق عند التعليق على تفسير صفة الرَّحمة بالإرادة].
(٢) في (ك): ((الإجماع)).
(٣) قول السيوطي: ((وعن بعض المحققين ... إلى قوله: سواه)) منقولة بنصها عن الرازي في
لوامع البينات ص (١٧٩).
(٤) هذه العبارة قريبة من عبارة أبي حامد الغزالي في المقصدالأسنى ص (٣٨).
قال أبوحامد: ((هو المنزه عن كل وصف يدركه حسن، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه
وهم، أو يختلج بن ضمیر، أو يقضي به تفکیر)).
(٥) قول السيوطي: ((القدوس)) إلى قوله ... ((وهو أسماء التنزيه)).
قال ابن القيم: ((القدوس: المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير، هو
الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة، وأصل الكلمة من الطهارة=
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٨
أبواب الدعوات
((السَّلام))(١) مصدر نعت به، والمعنى ذو السلام من كل آفة،
والنزاهة ومنه بيت المقدس؛ لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب ... ومنه سميت الجنة حظيرة
=
القدس لطهارتها من آفات الدنيا، ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب)).
[أسماء الله الحسنى ص(١٠٣)].
وقد يرد القدس بمعنى البركة، فالأرض المقدسة أي المباركة وهو قول قتادة، وإليه
ذهب ابن الأعرابي، ويقويه أنَّ الله تعالى قد بيَّن أنَّ الأرض المقدسة مباركة في قوله تعالى:
﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:
١] وقوله تعالى: ﴿ وَيِّنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ لَ﴾ [الأنبياء: ٧١] وهي
الأرض المقدسة، والقدوس على وزن (فُعُول)) بضم الفاء من أبنية المبالغة. انظر: النهاية لابن
الأثير (٢٣/٥)، لسان العرب (٣٥٤٩/٥) شأن الدعاء ص (٤٠)].
وقال ابن كثير: ((القدوس: أي المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال [تفسير
القرآن العظيم (٣٦٣/٤)] وبنحوه قال الشوكاني: [فتح القدير (٢٠٧/٥)].
وقال الألوسي: ((القدوس: البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانًا، أو الذي له الكمال في
كل وصف اختص به، أو الذي لا يحد ولا يتصور)) [روح المعاني (٢١/ ٦٢) وقال ابن القيم في
النونية .
. هذا ومن أوصافه القدوس ذوالستنزيه بالتعظيم للرحمن
.
(٢٣٣/٢)
(١) قول السيوطي: ((السلام)) [السلام والسلامة: البراءة، قال ابن العربي: السلامة
العافية ... والسلام في الأصل السلامة يقال سَلِمَ يَسْلَم سلامًا وسلامةً ومنه قيل للجنة دار
السلام لأنها دار السلامة من الآفات، وقوله عزَّوجل: ﴿فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ
إِسْرَِّ يلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمِّ قَدْ جِئْتَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْهُدَى الْ﴾ [طه] معناه أنَّ من اتبع
هدى الله سلم من عذابه وسخط. انظر: لسان العرب (٢٠٧٨/٣)، النهاية لابن الأثير
(٣٩٢/٢)، تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص (٣٠).
قال ابن القيم: ((وهو اسم مصدر في الأصل، كالكلام والعطاء)) [أسماء الله الحسنى
ص (١٠٥)] ومعنى الاسم في حقه تعالى: أنه تعالى هو السلام السالم من جميع العيوب
والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله. انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٣٤٣/٤).
قال ابن القيم: ((السلام: السالم من كل آفة وعيب ونقص وذم، فإنَّ له الكمال المطلق
من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ذاته، والسلام يتضمن سلامة أفعاله من العبث والظلم
وخلاف الحكمة، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين ، وسلامة ذاته من كل نقص
وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، فاسم السلام يتضمن إثبات جميع الكمالات له، وسلب
جمیع النقائص عنه. [أسماء الله الحسنى ص(١٠٥).
وقال في النونية :
=
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٧٩
أبواب الدعوات
ونقيصة، أي الذي سَلم ذاته عن الحُدُوث والعيب، وصفاته عن النقص،
وأفعاله عن الشرِّ المحض، فإن ما تراه من الشرور فهي مقضيّة لا لأنها
کذلك بل لما يتضمَّنه من الخير الغالب الذي يؤدي تر که إلى شر عظيم،
فالمقتضي، والمفعول بالذات(١) هو خير، والشر داخل تحت القضاء،
وعلى هذا يكون من أسماء التنزيه.
والفرق بينه وبين القدوس، أنَّ القدوس يدل على براءة الشيء من
نقص تقتضيه ذاته وتقُوم به فإنَّ القدس، طهارة الشيء في نفسه ولذلك
جاء الفعل منهُ على فعُل بالضم، و((السلام)) يدل على نزاهته عن نقص
يعتريه لعروض آفه، أو صدور فعْل، ويقرب منه ما قيل: ((القدُّوس)) فيما
لم يزل وَالسلام فيما لا يزال، وقيل: معناه: مالك تسليم العباد، من
المخاوف، والمهالك، فيرجع إلى القدرة(٢)، فیکون من صفات الذات،
وقيل ذُو السلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن
رَّبٍ رَحِيٍ ◌ٍ﴾(٣) فيكون مرجعه إلى الكلام/ القديم(٤).
١٠٤ / أت
=
وهو السلام على الحقيقة سالم من كل تمثيل ومن نقصان
(٢٣٣/٢)
(١) ((بالذات)): ساقطة من الأصل.
(٢) قول السيوطي: ((وقيل معناه: تسليم العباد من المخاوف المهالك، فيرجع إلى القدرة ... )).
هذا أيضًا يعود إلى منهج التأويل الذي يرجع جميع الصفات إلى الصفات السبع التي
أثبتها الأشاعرة، فهم كما قلنا سابقًا يفسرون الصفات إما بصفة أخرى أو يفسرونها ببعض
المخلوقات. انظر: التعليق عندالكلام على صفة الرَّحمة التي يدل عليها اسمه تعالى:
﴿الرحمن﴾].
(٣) سورة يلس، آية: ٥٨
(٤) قول السيوطي: ((وقيل: ذو السلام على المؤمنين في الجنان، كما قال تعالى: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِن ◌َّدٍ
زَّحِيمٍ ﴾ [يس] فيكون مرجعه إلى الكلام القدیم.
[هذا قول الأشاعرة في كلام الله تعالى، وهم يرجعون كل قول له سبحانه إلى أنَّ ذلك
الكلام القديم القائم بنفسه تعالى، وعقيدتهم في كلام الله تعالى مخالف لمعتقد أهل السنة
والجماعة، وأنا أبين عقيدتهم أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
فاالكلام القديم عندالأشعرية هو المعنى القائم بالنفس ويعبرون عنه بـ((الكلام النفسي)) =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨٠
أبواب الدعوات
ويعتبرون هذا الكلام النفسي هو الكلام الحقيقي، وأنَّ الألفاظ موضوعة للدلالة عليه. انظر:
=
الباقلاني: الانصاف ص (١٠٩، ١١٠)، وهو معنى واحد، غير مخلوق، صفة من صفاته، غير
بائن عنه، لم يزل موصوفًا به، ليس بحرف ولا صوت، وليس لغةً، ولا يتجزأ ولا ينقسم، ولا
يتفاضل، ولا يتعدد، ولا يتعلق بمشيئة الله واختياره، وهو الأمر والنهي والخبر تحفة المريد
ص (٧٢) ، يفهمه الله من شاء من عباده بعبارات مخلوقة تدل عليه، فعبارة القرآن بالعربية،
والتوراة بالعبرية، والإنجيل بالسريانية، البيهقي: الأسماء والصفات ص (٢٧٠) وهي عبارات
عن الكلام النفسي الحقيقي ودلالات عليه، وهي جميعًا معنى واحد، [الباقلاني: الانصاف
ص(١٠٧)، تحفة المريد ص (٧٢).
فمعنى القرآن هو معنى التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كلام الله، وتكليم الله لمن كلمه
من عباده إنما هو خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالقرآن والتوراة والإنجيل، بألفاظها وحروفها
[انظر: ابن فورك، مشكل الحديث ص (٩٣) والأشعري: مقالات الإسلاميين (٢٣٣/٢)
والماتردي: التوحيد ص (٥٩)، مخلوقة، وهي دلالات على الكلام النفسي، خلقها الله في
شيء.
وقالوا في القرآن العربي خلقه الله في اللوح المحفوظ ، وهذا أشهر عند متأخريهم، وهو
الذي يقوله صاحب تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد)) انظر ص (٧٢) وغيره.
ومنهم من قال: خلقه في الهواء فأخذه جبريل عليه السلام ومنهم من قال: بل إنَّ الله
أفهم جبريل المعنى، فعبر عنه جبريل بقوله: فالقرآن هو كلام جبريل، وهذا قد صرح به أكبر
محققيهم على الاطلاق بعد الأشعري وهو أبوبكر الباقلاني .
ومنهم من قال: بل هو عبارة محمَّد ◌َّ وهو قول مرجوح عند متأخريهم، لكنه مذکور
و مشهور عندهم.
فهذا مجمل اعتقادهم في كلام الله تعالى.
ولكن جمهور العقلاء من أهل السنة والجماعة اتفقوا على فساد هذا القول، وأنَّ فساده
معلوم بالضرورة، وذلك من وجوه منها:
أولاً : أنَّ نفس قائلين لم يتصوروه، وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط.
قال ابن تيمية: ((الكلام القديم الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو؟ بل ولا تصورتموه، وإثبات
الشيء فرع تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبوسعيد بن كلاب
رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة لا يذكر في بيانها شيئًا يُعقل، بل يقول هو معنى
يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تُصوِر الكلام، فالساكت هو
الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه
عن الكلام ، وحينئذٍ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يُعرف الكلام، ولا يعرف الكلام حتى
يعرف الساكت والأخرس، فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه، ولم يثبتوه)) مجموع الفتاوى =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨١
أبواب الدعوات
=
(٢٩٦/٦).
ثانيًا: كون الأمر هو النَّهي، والنَّهي هو الخبر، مما لا يعقله عاقل، ولا يعقل عاقل أنَّ
القرآن العربي إذا ترجم إلى العبرانية كان هو التوراة، والتورة لو عربت كانت هي القرآن وهي
علی قولكم معنى واحد.
وعلى هذا يلزمهم أن تكون آية الدَّين هي آية الكرسي، وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ
وَتَبََّ﴾ هي ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٍَّ﴾ والعلم هو القدرة، وسائر الصفات كذلك.
قال شيخ الإسلام: ((فاعترف حذاقهم بأنَّ هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه)) مجموع
الفتاوى (١٨٣/٩).
وقال في موضع آخر: ((فاعترف أئمة هذا القول بأنَّ هذا الإلزام ليس لهم عن جواب
عقلي)) مجموع الفتاوى (١٢٢/١٢).
ثالثًا: الأشاعرة يقرون بأنَّ موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى فهل سمع موسى
جميع المعنى أم سمع بعض ٥؟
فإن قالوا: سمع جميع المعنى، فقد قالوا الكفر، إذ أنَّ هذا ادعاء أنَّ موسى أحاط بعلم
الله وكلامه الذي لا نهاية له، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءً﴾ [البقرة:
٢٥٥].
وإن قالوا: سمع بعضه، فقد نقضوا أصلهم، إذ الكلام عندهم لا يتبعض، وهذا مما
ألزمهم به جمهور العقلاء، مجموع الفتاوى (٢٨٣/٩، ٤٩/١٢، ٥٠) وانظر: درء تعارض
العقل والنقل (٩٠/٢، ٩٢).
رابعًا: المعنى المجرد لا يُسمع باتفاق العقلاء.
قال شيخ الإسلام : ((والمعنى المجرد لا يُسمع، ومن قال: إنه يسمع فهو مكابر))
[مجموع الفتاوى (١٢ /١٣٠).
وموسى عليه السلام سمع كلام الله، وكذلك سمع نداءه، والنداء لا يكون إلاَّ صوتًا
مسموعًا .
قال شيخ الإسلام: ((ولا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع، لاحقيقة
ولا مجازً)) [مجموع الفتاوى (١٣٠/١٢)].
وقول الأشاعرة في قول الله تعالى قد أنتج لهم نتيجتين سيئتين هما في حقيقتهما بدعتان:
أولهما: أنَّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، كما قال الباقلاني الانصاف
ص (٩٩)، وابن فورك شعب الإيمان (١/ ١٢٤).
والغزالي نقله عنه ابن عساكر، في تبيين كذب المفتري ص (٣٠٢)] وصاحب كفاية
العوام ص (١٠٢) وصاحب تحفة المريد ص (٧١).
وهذه البدعة توافق قول الجهمية .
قال شيخ الإسلام: ((وأصل هذا أنَّ ما يوصف الله به ويوصف به العباد، يوصف الله به =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨٢
أبواب الدعوات
((المؤمن)) (١) هو في الأصل الذي يجعل غيره آمنًا، ويقال:
۔
على ما يليق به، ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع
=
والبصر والكلام، فإنَّ الله له حياة وعلم وقدرة و سمع وبصر، وكلام، فكلامه يشتمل على
حروف، وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر، وكلام، فكلامه
يشتمل على حروف، وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر
وكلام، وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه فهذه الصفات لها ثلاث
اعتبارات :
تارةً تعتبر مضافة إلى الرب.
وتارةً تعتبر مضافة إلى العبد.
وتارةً تعتبر مطلقة لا تختص بالرب ولا بالعبد.
فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله، وقدرة الله، وكلام الله، ونحو ذلك فهذا كله غير
مخلوق ، ولا يماثل صفات المخلوقين.
وإذا قال: علم العبد، وقدرة العبد، وكلام العبد، فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات
الرب.
وإذا قال: العلم والقدرة والكلام ، فهدا مجمل مطلق لا يقال عليه كله إنه مخلوق ولا
إنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتصف به العبد من ذلك
فهو مخلوق، فالصفة تتبع الموصوف فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن
كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة)) [مجموع الفتاوى (٦٥/٨٢، ٦٦)].
وقال الحافظ أحمد بن الحسن الترمذي، قلت لأحمد بن حنبل: إنَّ النَّاس قد وقعوا في
أمر القرآن، فكيف أقول؟ قال: أليس أنت مخلوقًا؟ قلت: نعم، فكلامك منك مخلوق، قلت:
نعم قال: أوليس القرآن من كلام الله؟ قلت: نعم قال: ((وكلام الله؟)) قلت نعم ، قال: [فيكون
من الله شيء مخلوق؟] (رواه اللالكائي في السنة رقم (٤٥١) بسند صحيح .
والثانية: أنَّ البدعة الثانية التي نتجت من كلام الأشاعرة هي قولهم: إنَّ الله تعالى لا
يتكلم بمشيئته واختياره، وهذا خلاف اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أنَّ الله تعالى
يتكلم بمشيئته واختياره أي متى شاء تكلم، ومتى شاء لم يتكلم، وهو سبحانه يتكلم بكلام بعد
كلام، فهو متكلم أزلاً وأبدًا [ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٢٩٤/٦، ٢٩٥)]
(١) ((المؤمن)) (٢٢٢٩) له في اللغة معنيان:
الأول: التصديق، قال الزجاج: ((أصل الإيمان التصديق والثقة، وقال الله عِز قائلاً:"
﴿ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ﴾ [يوسف: ١٧] أي لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا)) [تفسير الأسماء
ص(٣١)].
الثاني: الأمان الذي هو ضدالإضافة، قال تعالى: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾﴾﴾ [قريش]،
والأمان والأمانة بمعنى، وقد أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان، والأمن =
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨٣
أبواب الدعوات
للمصدق من حيث أنه جعل الصِّدق(١) أمنًا من التكذيب، والمخالفة،
وإطلاقه على الله تعالى باعتبار كل واحدٍ من المعنيين صحيح فإنه تعالى
المصدق بأنَّ صدق رسله، بقوله: الصِّدق فيكون [مرجعه](٢) إلى الكلام
أو بخلق المعجزات، وإظهارها عليهم فيكون من أسماء الأفعال(٣)،
وقيل: معناه الذي آمن البريّة بخلق أسباب الأمان، وسد أبواب
المخاوف، وإفادة آلاتٍ يدفع بها المضار فيكون أيضًا من أسماء
الأفعال، وقيل: معناه؛ أنه يؤمن عباده الأبرار يوم العرض من الفزع
ضدالخوف، والأمانة ضدالخيانة .
=
والإيمان ضدالكفر، والإيمان بمعنى التصديق: ضده التكذيب، يقال: آمن به قوم
وكذب به قوم وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾﴾ [التين] أي: الآمن، يعني مكة،
ورجل أُمَنة: يأمن كل واحد، وقيل : يأمنه النَّاس ولا يخافون غائلته، ورجل أَمَنة الذي يصدق
ما يسمع ولا يكذب بشيء، وإذا كان يطمئن إلى كل واحد ويثق بكل أحد. لسان العرب
(١/ ١٤٠، ١٤١)، والراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن ص (٣٦).
معنى اسم ((المؤمن)) في حقه تعالى.
قال الضحاك عن ابن عباس: المؤمن أي: أمِن خلقُه من أن يظلمهم.
وقال قتادة: المؤمن آمن بقوله أنه حق، أخرجه ابن جرير عنه بسند حسن (٣٦/٢٨).
وقال ابن جرير: ((المؤمن الذي يؤمِّن خلقه من ظلمه)) جامع البيان (٣٦/٢٨) نسبة إلى
قتادة .
وقال الشوكاني: ((المؤمن: أي الذي وهب لعباده الأمن من عذابه، وقيل المصدق لرسله
بإظهار المعجزات، وقيل: المصدق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدق للكافرين
بما أوعدهم به من العذاب.
وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فتح القدير
(٢٠٧/٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤٦/١٨) والحليمي، المنهاج (٢٠٢/١).
وقال السعدي: ((المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال وبكمال الجلال
والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان،
ويدل على صدقهم وصحة ماجاءوا به)) تيسير الكريم المنان (٣٠١/٥).
(١) في (ك): ((المصدق)).
(٢) ((مرجعه)) مطموسة في الأصل.
(٣) انظر: الرازي: لوامع البينات ص (١٩٠) الشوكاني، فتح القدير (٣٠٧/٥)، والجامع
لأحكام القرآن (٤٦/١٨) والحليمي: المنهاج في شعب الإيمان (٢٠٢/١)، والسعدي:
تيسير الكريم المنان (٣٠١/٥).
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨٤
أبواب الدعوات
الأكبر إما بقول مثل: ﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ
تُوعَدُونَ ٣)﴾ (١)، أو بخلق الأمن، والطمأنينة فيرجع إلى الكلام، / ١٤٦/ب ش
أو الخلق .
(المُهَيْمِنُ)) (٢) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ (٣).
من قولهم: هيمن الطائر إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له هكذا
(٤)
قاله الخلیل
فإن قيل: كيف يجعله مُرادفًا(للرقيب)) والمستفاد من أحد
المترادفين غير المستفاد من الآخر فلا يكون في إحصاء المباني فائدة لأنَّ
(١) سورة فصلت، آية: ٣٠.
(٢) ((المهيمن)) قال ابن جرير: ((وقوله المهيمن اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم
((المهيمن)) الشهيد، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما)) رواه عنهما بأسانيد صحيحة، جامع البيان
(٣٦/٢٨) وقال أيضًا: ((وأصل المهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال: إذا رقب الرَّجل الشيء
وحفظة وشهده قد هيمن فلان عليه فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن، وبنحو الذي قلنا في
ذلك قال أهل التأويل إلاّ أنهم اختلف عباراتهم عنه جامع البيان (٦/ ١٧٢).
وقال ابن عباس وغير واحد: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم))
تفسير ابن كثير (٣٤٣/٤) وانظر الشوكاني، فتح القدير (٣٠٨/٥)، الألوسي: روح المعاني
(٦٣/٢٨)، والجلالين ص (٤٦٥).
وقال السعدي: ((المهيمن: المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط
بكل شيء علمًا)) تيسير الكريم المنان (٣٠١/٥).
[عند نقل السيوطي كلام الغزالي في معنى اسمه تعالى المهيمن (٢٢٣٨) عبارة الغزالي
هکذا: اسم لمن کان موصوفًا مجموع صفات ثلاث:
أحدهما: العلم بأحوال الشيء، والثاني: القدرة التامة على تحصيل مصالح ذلك
الشيء.
والثالث: المواظبة على تحصيل تلك المصالح، فالجامع لهذه الصفات اسمه ((المهيمن))
وأنى تجتمع على الكمال إلاّ الله تعالى، المقصدالأسنى ص (٤١) وانظر: المنهج الأسمى
ص(١٣٢) والرازي لوامع البينات ص (١٩٣)
(٣) انظر: الزجاج، تفسير الأسماء ص(٣٢) والقرطبي: أحكام القرآن (٢١٠/٦)، وابن كثير:
تفسير القرآن العظيم (٣٤٣/٤).
(٤) انظر: الزجاج بشرح الأسماء ص (١٩٢، ١٩٤) والغزالي: المقصد الأسنى ص (٤١)،
والرازي: لوامع البينات ص (١٩٣) وانظر: المنهج الاسمى (١٢٩/١).
قوت المغتذي على جامع الترمذي
٨٨٥
أبواب الدعوات
فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني فإذا دلّ عليه بلفظ لم يكن
للدلالة عليه بلفظ آخر مزيد فضل .
قلتُ لا أجعله مُرادفًا إذ في ((المهيمن))/ من المبالغة باعتبار ١٩٣/ب ك
الاشتقاق، والزنة ما ليس في الرقيب فهما (١) كالغافر والغفور، والرَّحمن
والرَّحيم، ومعناه الشاهد(٢)؛ أي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرَّة
فيرجع إلى العلم (٣) والذي يشهد على كل نفس بما كسبت فيرجع إلى
القول، وقيل: أصْلُهُ مُؤتمن(٤) فقلبت الهمزة هاء كما قلبت في هرقت،
وهناك، ومعناه الأمين الصَّادق وعده(٥) .
وقيل: هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم، وآجالهم،
فيرجع إلى القدرة .
قال الغزالي: ((المهيمن)) اسم لمن استجمع ثلاث خصال، العلم
بحال الشيء، والقدرة التّامة على مراعاة مصالحه، والقيام عليها، وهو
كالشرح، والتفصيل للقول الأول، فإنَّ المراقبة، والمبالغة في الحفظ
إنما تتم بهذه الثلاثة، وإن صحَّ وصفهُ لهذا كان من الأسماء المركبة من
صِفات المعنى، والفِعل.
((العزيز))(٦) الغالب من قولهم عزَّ إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة
(١) في (ك): ((فيهما)).
(٢) انظر: الرازي: لوامع البينات ص (١٩٢)، المنهج الأسمى (١٣١)، وممن فسره بالشاهد ابن
كثير نقلاً عن ابن عباس، تفسير القرآن العظيم (٣٤٣/٤) والشوكاني، فتح القدير (٣٠٨/٥)
الألوسي روح المعاني (٦٣/٢٨)، الأسمى (١٢٩/١) نقله عن الزجاج.
(٣) قال السعدي: ((الذي أحاط بكل شيء علمًا ... )) تيسير الكريم المنان (٣٠١/٥)، انظر:
المنهج الأسمى (١٣١/١).
(٤) في (ك): ((مؤيمن)).
(٥) انظر: المنهج الأسمى (١٢٩/١) نقله عن لسان العرب (٤٧٠٥/٦)، وانظر الرازي، لوامع
البينات ص (١٩٣).
(٦) العزّ في اللغة: القوة والشدة والغلبة.