Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
يَخْلُقْ فيه شيئاً، فكان هو يومُ التعطيل، وهو يومُ العيد للخَلْقِ. وفي التوراة: إن مُوسَى
عليه السلام كان يَعِظُهُمْ في هذا اليوم، ويُذَكِّرُهُم. فَعُلِمَ أن السبتَ كان يوم الجمعة، فلا
أَعْلَمُ متى وقع فيه التحريفُ(١)، حتَّى جَعَلُوِهِ أَوَّلَ يوم من الأسبوع. ثُمَّ إن هذه السنَّةَ،
ستةُ آلافٍ عند ربك: ﴿وَإِنَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، فالستةُ
عنده ستُ آلافٍ عندنا .
أمَّا خَلْقُ آدم عليه الصلاة والسلام، فهو وإن كان في يوم الجمعة، لكنه ليست
الجمعة المتصلة، لأنه حَصَلَ فيها الاستواء على العرش، ثُمَّ خلقه في جمعةٍ أخرى.
والله يَعْلَمُ المدَّةَ بين الستة، وبين تلك الجمعة التي خلقه فيها. ولذا ترى القرآن لا يَذْكُرْ
خَلْقَ آدم عليه السلام مع خلق العالم في موضع، ولكن يَذْكُرُ بعده الاستواء، ليكونَ دليلاً
على أنه لم يَخْلُقْ فيما بعده شيئاً. ونقل الدَّمِيرِّي، عن السُّبْكي في ((حياة الحيوان)): أن
آدم عليه الصلاة والسلام خُلِقَ في الجمعة المتصلة، والتحقيقُ عندي ما نبَّهناك. ومن
لهُهنا قيل: إن النبيَّ رَُّ نبيُّ السابعة من سبعة آلاف.
ثم الاستواءُ على العرش لبيان نهاية عالم الأجسام، فليس فوق العرش شيءٌ غيرَ
حضرة الربوبية، بشأنها التي تَلِيقُ به، وعالم الإِمكان كلَّه تحته، كذا ذكره صاحب
((اليواقيت))، عن محدِّثٍ.
قوله: (ويُقَالُ: مُنْتِنٌ، يُرِيدُونَ به صَلَّ)، أي المتغيِّر ((سترى هوئی)).
(١) قلتُ: وفي مذكرةٍ أخرى عندي: أن اليهودَ لَمَّا عَلِمُوا أن العالمَ خُلِقَ في ستة أيامٍ، وأن آدَمَ عليه الصلاة والسلام
خُلِقَ في يوم الجمعة، حَمَلُوه على الجمعة المتصلة، فلم تَكُن الجمعة عندهم يوم الفراغ، والتعطيل، وإذن لا
يكون يوم التعطيل إلاَّ بعده، فَجَعَلُوا السبت يوم التعطيل. وقد عَلِمْتَ مما قُلْنَا: إن آدَمَ عليه السلام، وإن خُلِقَ
يوم الجمعة، لكنه جمعةٌ أخرى. وانتهى خَلْقُ العالم إلى يوم الخميس، فيكون يوم التعطيل، ويوم السبت هو
الجمعة. وأما النَّصَارى، فإنهم فَهِمُوا أن الفضلَ في يوم الخلق، دون التعطيل، ولمَّا كان يوم التعطيل عند اليهود
هو السبتُ، لَزِمَ أن يكونَ بدايةُ خلق العالم من يوم الأحد لا محالة، وهذا هو أوَّلُ أيام الخَلْقِ، فَجَعَلُوه عيداً،
ثُمَّ ما يَدُلُّكَ على أن السبتَ هو الجمعة: ما في الإنجيل: أن عيسى عليه الصلاة والسلام مَكَثَ في قبره ثلاث
ليالٍ: ليلة السبت، وليلة بعدها، ثم ليلة بعدها، ثم رُفِعَ صبيحة يوم الأحد.
قلتُ: وهَذَا يَدُلُّ على أن السبتَ هو هذا الجمعة، وإلاَّ فلا يستقيم الحساب. فإنه إذا رُفِعَ صبيحة الأحد، وقد
مَكَثَ ثلاث ليال قبلها في قبره لا يكون الثالث إلاَّ ليلة الجمعة، وهي الليلةُ الأولى. وكذا في التوراة: أن بني
إسرائيل كانوا يُعَظِّمُون اليوم السابع، لكونه يوماً لخاتم الأنبياء صلَّى الله عليه وسلَّم. وفيه: أن موسى عليه
السلام كان يَعِظُهُمْ السبت، ولأنه من السُّبَات، وهو بالعبرانية الاستراحة. وإنما سُمِّ به يوم الجمعة، لأن الله
تعالى لم يَخْلُقْ في ذلك اليوم شيئاً، لا أن مسَّه لُغُوبٌ، والعياذ بالله. وقيل: السبت من الأعداد معناه السبعة،
ولا بُعْدَ فيه أيضاً، فإن لفظ السبت، والسبعة أيضاً متقارب. وكذلك / هفت/ بالفارسية، بمعنى السبت فهو أيضاً
مُتَغَارِبٌ. فهذه كلُّها قرائنُ ظاهرةٌ على كون السبت يوم الجمعة، فلا أَدْرِي متى وَقَعَ فيه التحريف.

٣٤٢
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
قوله: (صَرَّ البَابُ)، أي تصوَّت.
قوله: (أَنْ لاَ تَسْجُدَ: أن تَسْجُدَ) يريد أن ((لا)) زائدة. قلتُ: وترجمته: "تجهى كس
نى منع كياهى كه سجدة هنين كرتا"، وعلى هذا لا حاجةً إلى القول بزيادتها، فهي إذن
للبيان بعد الإِبهام في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: ١٢] على حدٍّ قوله: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ أَلْيِمْ مَا
غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وليست مفعولاً لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾، وكذلك لا أقول بزيادة ((لا)) في قوله:
﴿لَاَ أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾﴾ [البلد: ١] فإنها لنفي ما قبلها، وأمَّا القَسَمُ، فعلى ما بعدها .
قوله: (﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾)، ومِصْدَاقُه الأَوَّليُّ ما ذَكَرَه علماء الشريعة، ومِصْدَاقُه
الثانويُّ ما ذكره الشيخ الأكبر: أنه حيِّزٌ لجهنم التي نحن الآن فيه.
قوله: (سوءتهما) ولم يكن يريا فرجهما قبله، فإذا نزع اللباس عنهما، علما الآن أن
لهما شيئاً يجب ستره، ويقبح كشفه، فساءهما انكشافه.
٣٣٢٦ - قوله: (فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ) ... إلخ، وأنكره ابن خَلْدُون، وقال: لم
يَثْبُتْ عندنا من حال عماراتهم أنه كان طولهم ستون ذِرَاعاً في زمنٍ، بل بيوتُهم في
الارتفاع فيما مضى كما هي اليوم.
قلتُ: سبحان الله، ما حمله على إنكار حديثٍ صحيح(١) عند القوم، مع أنه قد دَلَّ
تاريخُ عَادٍ على طول قامتهم. وشاهدنا الآن أيضاً الفرق بينّ المولَّدين في عهد الإنكليز،
وقبله، وبين الحَضَرِيِّ والبدويِّ. فإن البدويَّ أبسطُ جسماً، وأطولُ قامةً، وأعرضُ
صَدْراً، وأوسعُ هِمَماً بالنسبة إلى الحضريِّ، وكذلك من وُلِدُوا قبل عهد الإِنكليز، كانوا
أشدَّ قوةً، وأكثرَ طولاً. ونحوه قد شاهدنا في الحيوانات أيضاً. والذي ينبغي أن يُنْقَدَ في
مثل هذا بالحديث الصحيح، لا أن يُحَرَّفَ الحديث، أو يؤوَّل بغير تأويله، ثم هذا فريد
وجدي صاحب ((دائرة المعارف)» محرومٌ عن الإِيمان والخير كلِّه، فَيَنْقُلُ الأحاديثَ، ثم
يَسْخَرُ منها، سَخِرَ الله منه .
٣٣٢٧ - قوله: (ستُّونَ ذِرَاعاً في السَّمَاءِ)، أي في الطول، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مرادُ
(١) قلتُ: وقد منَّ اللَّهُ تعالى على قوم بقوله: ﴿وَزَادَكُمْ في الخَلْقِ بَصْطَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وأخرج الشيخ الأَلُوسي
تحته آثاراً تُؤَيِّدُ هذا المعنى، فنقلَ عن الكَلْبِيِّ، قال: كانت قامةُ الطويل منهم مائة ذراعِ، وقامةُ القصير منهم ستين
ذراعاً. وأخرج ابن عساكر، عن ابن وَهْبٍ أنه قال: كانت هامةُ الرجل منهم مثل القبَّةَ العظيمة، وعينه يفرِّخ فيها
السباع. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً. وعن الباقر: كانوا كأنَّهم
النخل الطوال، وغير ذلك من الآثار التي ذكرها. فَدَلَّ القدرُ المشتركُ منها على طول قاماتهم جداً. وأي حاجةٍ
لنا إلى تلك الآثار بعد ما قد مَنَّ الله عليهم بذلك. فلو كانوا أمثالَنا في القامة والجنَّة، فبأي أمرِ امْتَنَّ به عليهم.
فإذا صرَّح به القرآن، وصَحَّ فيه الحديث، فبأي حديثٍ بعده يُؤْمِنُونَ. ومَنْ لم يَجْعَلِ اللَّهُ له نوراً فما له من نورٍ .

٣٤٣
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
الحديث أنه كان قدر طولهم هذا في الجنة، فإذا نَزَلُوا عادوا إلى القصر. فإن الأحكامَ
تَتَفَاوت بتفاوت البلدان، والأوطان. كما أن يوماً عند ربك كألف سنةٍ مما تَعُدُّون، فهو
يومٌ في العالم العلويِّ، وألف سنةٍ في العالم السفليِّ، هكذا يُمْكِنُ أن تكونَ قاماتهم تلك
في الجنة، فإذا دَخَلُوها عادوا إلى أصل قامتهم.
٣٣٢٩ - قوله: (فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِب). واعلم أن الأحاديثَ
تُخْبِرُ أن الخيرَ والصلاحَ في ◌ِبَّان الساعة يكون بالشام، وقد حَمَّلْتُهَا على زمن عيسى عليه
الصلاة والسلام. وهذا يَدُلَّكَ ثانياً على أن الغلبةَ المعهودةَ إنما هي بِالأرض التي يَنْزِلُ
بها عيسى عليه الصلاة والسلام، لا على البسيطة كلِّها، وما ذلك إلاَّ من تَبَادُرِ الأوهام
فقط .
قوله: (زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ). قال السُّهَيْلِيُّ في ((الروض الأنف)): إن في هذا النُّزُلِ
إشارةٌ إلى انتهاء نشأة الدنيا، فإنها إمَّا بحرٌ، أو برٌّ، والبرُّ على الثور، والبحرُ على
الحوت، فإذا استعملا في النُّزُل، فقد انتهت الدنيا أيضاً.؟ !!.
٣٣٣٠ - قوله: (لَمْ يَخْتَزِ اللَّحْمُ). وفيه دليلٌ على أن من سَنَّ سنَّةً سيئةً فإنها
تتسلسل(١)، وتلزم. كقابيل، فإنّه قَتَل أخاه، فظهر شُؤْمَهُ في سِبْطِهِ السابع. فكانت الدنيا
على صرافتها خاليةً عن المعاصي، فجاء شقيٍّ، وسَنَّ معصيةً، ثم تسلسلت، وهكذا إلى
أن امتلأت ظلماً وجَوْراً. وهذا معنى قوله: «لولا بنو إسرائيل لم يَخْتَزِ اللَّحْمُ، ولولا
حَواءُ لم تَخُنْ أنثى زوجها))، أي ظهرت معصيةٌ من أحدٍ على وجه الأرض، ثم
تسلسلت، وبقيَ أثرُها .
٣٣٣١ - قوله: (فإنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع). والمشهور أنها خُلِقَتْ من ضِلْع
أيسر. ورأيت مصنّفاً مرَّ عليه، وقال: إن آدم عليه السلام انتبه مرَّةً من منامه، فإذا حواءً
جالسةٌ على يساره، وهذا معنى مخلوقة من ضلع، أي رآها مخلوقةً نحو يساره. وإنما
ذَكَرْتُ هذا الاحتمال، لأن الناسَ في هذا العهد قد تعوَّدوا بإنكار كلِّ شيءٍ لا تُحِيطُ به
عقولهم، ما أجهلهم. فإنهم إذا أَخْبَرَهُمْ أهل أوروبا بما شاهدوه بالآلات آمَنُوا به، وإن
كان أبعدَ بعيدٍ، ولا يَشُكّون فيه مثقالَ ذَرَّةٍ، كقولهم: إن الإِنسانَ كان أصلُه قردةً،
وكقولهم: إن في السيارات عمرانات. ثم إذا أخبرهم أصدقُ القائلين عمَّا رآه بعينه، كما
[النجم: ١٢]، أو يُخْبِرُ به ربُّه جلَّ وعزَّ. إذا هم مُعْرِضُون.
١٢
قال: ﴿أَفَتُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى
وحينئذٍ لا يَمْلِكُ المرءُ إلاَّ أن تتقطعَ نفسُهُ عليهم حسراتٍ، فهداهم الله سواء الصراط.
(١) وعند الدارميُّ كما في ((المشكاة)، عن حسَّان، قال: ما ابتدع قومٌ بدعةً في دينهم إلاَّ نَزَعَ اللَّهُ من سُنَّتِهِم مثلها،
ثُمَّ لا يُعِيدُها إلى يوم القيامة. اهـ.

٣٤٤
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
٣٣٣٤ - قوله: (وأَنْتَ في صُلْبٍ آدَمَ). فيه دليلٌ على أنه كانت لذريته صورة، وهي
في صلبه. أمَّا الفلسفيُّ، فإِنه يَحْمِلُهُ عَلى كون مادتها في صُلْبِهِ .
قوله: (لأَنَّهُ أَوَلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ)، يعني: أن الدنيا كانت طاهرةً عن هذه المعصيةِ،
وإنما سَنَّها هو، فينبغي أن يكون عليه كِفْلٌ منها .
٢ - بابٌ الأَزْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ
٣٣٣٦ - قَالَ: وقَال اللَّيثُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نََّ يَقُولُ: ((الأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا انْتَلَفَ، وَما
تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)). وَقَالَ يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: بِهذا .
وقد عَلِمْتَ الخلافَ في خَلْقِ الأرواح مع الأجساد، كما اختاره ابن القيِّم، أو
قبلها، كما ذَهَب إليه آخرون. والظاهرُ من الحديث أنها مخلوقةٌ من قبل. فإذا خَلَقَ اللَّهُ
الأجسادَ، يُحدِثُ بين تلك الأرواح والأجساد علاقةً، تسمَّى بالنفخ. إلاَّ أن ابن القيِّم
أوَّلَهُ أيضاً، وقال: إنها حالها في المستقبل، أي تكون جنوداً مجنّدةً حين تُنْفَخُ في
الأجساد. والذي نفهم أن التناكرَ والتعارفَ بينها قبل ذلك، ولو تبيَّن لي فيه عقيدةٌ
السلف، لسلكتُ مدرجهم.
٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِة﴾ [هود: ٢٥]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿بَادِىَ الرَّأَعِ﴾ [هود: ٢٧] مَا ظَهَرَ لَنَا. ﴿أَفْلِى﴾ [هود: ٤٤] أَمْسِكِي.
﴿وَفَارَ النَُّّورُ﴾ [هود: ٤٠] نَبَعَ المَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ. ﴿دَأَبٍ﴾ [غافر: ٣١] مِثْلُ حَالٍ .
﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ يَقَوْرِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ الَّهِ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢].
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [نوح: ١ - ٢٨]
٣٣٣٧ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَ
ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي النَّاسِ، فَأَثْنِى عَلَّى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،
ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَّبِيّ إِلاَّ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ،
وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلُهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلُّمُونَ أَنَّهُ أَغْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِأَغْوَرَ)).
[طرفه في: ٣٠٥٧].

٣٤٥
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
٣٣٣٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: سَمِعْتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ: ((أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً عَنِ الدَّجَّالِ، مَا
حَدَّثَ بِهِ نَبِيِّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَغْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الجَنَّةُ
هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ».
٣٣٣٩ - حذّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ
تَعَالَى: هَل بَلّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَي رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَل بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ مَا جَاءَنَا
مِنْ نَبِيّ، فَيَقُولُ لِنُوحِ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ نَّهَ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ
قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُوْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾)) [البقرة: ١٤٣].
وَالوَسَطُ العَدْلُ. [الحديث ٣٣٣٩ - طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩].
٣٣٤٠ - حدّثني إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ
أَبِيٍ زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعَ إِلَيهِ
الذُّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسةً، وَقَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ القَوْمِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَل
تَدْرُونَ بِمَن؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمُ
الدَّاعِي، وَتَذْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، إِلَى مَا
بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَبُوكُمْ آدَمُ،
فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ
المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ
وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ،
وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ
نُوحاً، فَيَقُوَّلُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُّ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدَاً شَكُوراً،
أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلاَ تَشْفَّعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّي
غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفسِي نَفسِي، اثْتُوا
النَّبِيَّ نََّ، فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
وَسَل تُعْطَهُ)). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ: لاَ أَحْفَظُ سَائِرَهُ. [الحديث ٣٣٤٠ - طرفاه في: ٣٣٦١،
٤٧١٢].
٣٣٤١ - حذّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ نَصْرٍ: أَخْبَرِنَا أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
إِسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إَِّ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ
مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] مِثْلَ قِرَاءَةِ العَامَّةِ. [الحديث ٣٣٤١ - أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩،
٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤].

٣٤٦
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
٣٣٣٧ - قوله: (ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ). واعلم أنه لا يكونُ مع الدَّجَّالِ إلاَّ تَخَيُّلاَت (١)
ليس لها حقائق، فلا يكون لها ثباتٌ، وإنما يَرَاه النَّاسُ في أعينهم فقط " دجال كيساته وه
كر شمه هوكا جيسا آجكل مداری راسته مين دكهلاتاھی او سمين "بائيداری نھین
هوتى. " ولكن نقل الشيخُ المجدِّدُ السَّرْهَنْدِي حكايةً في ذلك تَدُلُّ على أن تَخَيُّلاتِ
المُشَعْبِذِين لها أيضاً حقيقةً. قال: إن رجلاً جاء عند ملكِ، وقال له: إنه يريد أن يُرِيَهُ
شَعْبَذَةً، فأجازه، ففعل، حتَّى خُيِّلَ إلى الناس أنه خَلَقَ حديقةٌ نفيسةً، فلمَّا تمَّت تلك
الحديقة، وهم ينظرون، أمر الملك أن يُضْرَبَ عُنُقُهُ، وهو لا يَشْعُرُ به وقد كان الملكُ
سَمِعَ من أفواه الناس: أن التخييل يَتْبَعُ صاحبَهُ، فإن قُتِلَ يَبْقَى كما هو، فَبَقِيَتْ تلك
الحديقةُ، حتَّى أكل منها .
قلتُ: ولو كان الشيخُ سمَّى هذا الملك، أو عيَّن المكان، لكان في أيدينا أيضاً
سبيلٌ إلى تحقيقه، حتَّى نَعْلَمَ صِدْقَ الحكاية من كذبها. ويُمْكِنُ أن يكونَ الشيخُ الأجلُّ
قد بَلَغَهُ ما بَلَغَهُ من أفواه الناس، فإنه لم يَنْقُلْ مشاهدته بعينيه، وإنما نَقَلَ ما بلغ عنده،
ففيه احتمالٌ بعيدٌ.
وصرَّح الشيخ الأكبر في ((الفصوص)): أن في الإِنسان قوَّةً يَخْلُقُ بها في الخارج ما
شاء وأراد، وقد أقرَّ به اليوم أهل أوروبا أيضاً. ورأيتُ في رسالةٍ تُسمَّى بديده ودانش:
أن رجلاً من أهل أوروبا قَصَدَ أن يَذْهَبَ إلى موضع فلانٍ، فَوُجِدَ في ذلك المكان على
أثره، مع أنه لم يتحرَّكْ من مكانه. فهذا تصوُّرٌ للخيال، فإنه لم يَذْهَبْ، ولا تحرَّكَ على
مكانه، ولكن صار خياله مصوَّراً بقوَّته. إلاَّ أن ما نَقَلَهُ الشيخُ المجدِّدُ فوق ذلك، فإنه يَدُلُّ
على بقاء هذا المخيَّل أيضاً. أمَّا تصوُّرُ الخيال، وتمثُلُه، فممَّا لا يُنْكَرُ، وقد أقرَّ به ابن
خلدون أيضاً: أنه يُمْكِنُ إنزال الصورة من المَخِيلَةِ إلى الخارج. ثم ذَكَرَ حقيقتَهُ أنها لا
تكون فيها إلاَّ الكميَّة، ولا تكون فيها المادة.
٣٣٣٨ - قوله: (وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ تِمْثَالَ الجَنَّةِ والنَّارِ). والمرادُ من التِمْثَال ما قرَّرنا
آنفاً، أي تخيُّلات المُشَعْبِذِينَ. وفي ((الفتوحات)): أن نبي الله سليمان عليه الصلاة
والسلام كان مرَّةً يصلِّي، فأراه الشيطانُ جنَّةً مخيَّلة، ولكنه عليه الصلاة والسلام بقي على
حاله، ولم يَلْتَفِتْ إليها، ثم كَتَبَ أن تلك الجنةَ بَقِيَتْ مدَّةً. فلا يُقَالُ في ذلك التِمْثَال: إنه
(١) قلتُ: ويَشْهَدُ له ما في ((المشكاة)) من الفصل الثالث: عن المُغِيرَة بن شُعْبَة، قال: ((ما سُئِلَ رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم عن الدَّجَّالِ أكثر مما سألته، وأنه قال لي: ما يَضُرُّكَ، قلتُ: إنهم يقولون: إن معه جبلَ خبزٍ، ونَهر
ماءٍ، قال: هو أهونُ على الله من ذلك)»، اهـ. متَّفقٌ عليه. قال عليُّ القاري في ((المرقاة)): أي هو أحقر من أن الله
تعالى يحقّق له ذلك، وإنما هو تخييلٌ، وتموية للابتلاء. اهـ.

٣٤٧
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
كان مشبَّهاً بالجنة والنار، ولكنه يُطْلَقُ عليه الجنة والنار. وهذا ما قلتُ: إن الضميرَ في
قوله تعالَى يَرْجِعُ إلى المسيح عليه الصلاة السلام نفسه، فإن شَبَهَ المسيح لا يُقَالُ له إلاَّ
المسيح عليه الصلاة والسلامَ، وقد قرَّرناه مبسوطاً فيما مرَّ.
قوله: (فالتي يَقُولُ: إِنَّهَا الجَنَّةُ هِيَ النارُ)، يحتملُ أن يكونَ معناه: من يَدْخُلُ جنته
يكون مآله إلى النار، ويحتملُ: أنه من يَدْخُلُ فيها يَحْتَرِقُ ويَمُوتُ.
٥ - بابٌ
﴿وَ إِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ- أَلَا نَفَّقُونَ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِفِينَ
١٢٥
(١٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَرُونٌ ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
وَتَرَكِّنَا عَلَيْهِ فِ اُلْآَخِرِينَ
(٧٨) ﴾ [الصافات: ١٢٣ -١٢٩]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيرٍ. ﴿سَلَمُّ
﴾ [الصافات: ١٣٠ - ١٣٢].
﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
عَلَىَّ إِلَّ يَاسِینَ
يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِلَيَاسَ هُوَ إِذْرِيسُ.
قوله: (قال ابن عبَّاس: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ): "نيك نام " تفسيرٌ لقوله: (﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِى
١٢٩
اُلْآَخِرِينَ
.. [الصافات: ١٢٩، ١٣٠] إلخ، ويُذْكَرُ عن ابن
سَلَمُّ عَ إِلَّ يَاسِينَ
مسعود، وابن عباس: أن إلیاسَ هو إدریسُ.
واعلم أن لههنا مقامين: الأوَّلُ: في الترتيب بين إدريس، ونوح عليهما السلام.
فقيل: إن إدريسَ عليه الصلاة والسلام نبيٌّ متأخّرٌ عن نوح عليه الصلاة والسلام، وحينئذٍ
لا يَجِبُ كونه من أجداد النبيِّ وَِّ. وقيل: إنه متقدِّمٌ عليه. ولمَّا كان نوحُ عليه الصلاة
والسلام من أجداد النبيِّ ◌َّ، كان إدريسُ عليه الصلاة والسلام المتقدِّم عنه من أجداده
وََّ بالأَوْلَى. والمصنِّفُ أخَّر ذكرَه عن نوح عليه الصلاة والسلام بناءً على كونه بعده،
وحينئذٍ لا يَلْزَمُ أن يكونَ من أجداده ◌ََّ. ولكن يُشْكِلُ عليه ما في نسخة الباريِّ لابن
عساكر. ((وهو جدُّ أبي نوح، أو جدّ نوحٍ))، فإنها تَدُلُّ على كون إدريسَ عليه الصلاة
والسلام متقدِّماً على نوح عليه الصلاة والسلام، لكونه من أجداده. ووضْعُهُ في التراجم
بعد نوحٍ عليه الصلاة والسلام، يَدُلُّ على كونه متأخِّراً عنه، فلا يكونُ من أجداده.
قلتُ: لو ثَبَتَتْ نسخة ابن عساكر من جهة المصنِّف. وَجَبَ أن تكونَ ترجمةُ إدريس
عليه السلام متقدِّمةً على نوح عليه الصلاة والسلام، لكونه من أجداده على هذه النسخة.
إلاَّ أن يُقَالَ: إن المصنِّفَ اتَّبَعَ في ترتيب التراجم القول المشهور عند الناس من تقدُّم نوح
عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر رجحانه إلى تقدُّم إدريس عليه الصلاة والسلام، وأشار إليه
بقوله: ((وهو جَدُّ نوح عليه الصلاة والسلام)). وهكذا فَعَلَ في ((المغازي)) أيضاً.
والمقام الثاني: أن إدريسَ، وإلياسَ عليهما الصلاة والسلام، هل هما نبيَّان، أو

٣٤٨
كتاب أَحَادِيثِ الأَنِْيَاءِ
اسمان لنبيٍّ واحدٍ، كما يَدُلُّ عليه قول ابن مسعود، وابن عبّاس؟ والجمهور على أنهما
نبيَّان، فإن إدريسَ عليه الصلاة والسلام نبيٌّ قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وبعد شيث
عليه الصلاة والسلام. وأمَّا إلياسُ عليه الصلاة والسلام، فهو نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل،
بعد موسى عليه الصلاة والسلام، وحينئذٍ وَجَبَ تأويل قول ابن مسعود، وابن عباس: إن
إلياسَ هو إدريسُ عليهما الصلاة والسلام. فقيل: إن ابن عباس فسَّر قراءةً أخرى فيه،
وهي - سلام على إدراسين - وكان قوله: هكذا إن إدراس هو إدريس، فسُومِحَ فيه.
وقيل: إن إلياسَ هو إدريسُ، مکان إدراس.
وقيل: إن لهذين اسمان متبادلان، يُظْلَقُ أحدهما على الآخر، فيقال الإِدريسَ:
إلياس أيضاً عليهما الصلاة والسلام، وبالعكس، على أن اسمَ أحدهما لقبٌ للآخر،
فإِدريسُ عَلَمٌ له، ولقبُه إلياسُ عليهما الصلاة والسلام، وكذا العكس، فهما مشهوران
بِعَلَمَيْهِمَا، وأَظْلَقَ ابن عباس باعتبار اللقب.
وقال الشيخُ الأكبرُ: إن إدريس وإلياس نبيٌّ واحدٌ عليه الصلاة والسلام. وقال في
(الفصوص)): إن إدريسَ عليه الصلاة والسلام كان نبيّاً حين رُفِعَ، ثُمَّ إذا نَزَلَ، وقد جَعَلَه
اللَّهُ رسولاً، سُمِّي بإِلياسين، فهو نبيٌّ واحدٌ في النشأتين، كعيسى عليه الصلاة والسلام،
وهذا يَدُلُّ على أنه ذَهَبَ إلى وَحْدَتِهِمَا. وناقضه في مواضعَ عديدةٍ، حين ذَكَرَ الأنبياء
الذين اشتهرت حياتُهم، وذكرهم أربعة، إدريس، وإلياس، وعيسى، والخَضِر عليهم
الصلاة والسلام، فَدَلَّ على تغايُرِهِمَا عنده. وتأوَّله بحر العلوم أنهما اثنان، باعتبار
العُهْدَةِ، لكونه نبيّاً قبل الرفع، ورسولاً بعد النزول، وأمَّا باعتبار الشخص، فواحدٌ.
ثم إن الشيخَ الأكبرَ تمسَّك بقوله: ((مرحباً بالنِبِيِّ الصالح، والأخ الصالح))، في ليلة
المعراج، على عدم كونه من أجداد النبيِّ وَّرَ، وإلاَّ لَقَالَ: بالابن الصالح.
قلتُ: وهو غيرُ تامٌّ، فإنه لم يُخَاطِبْهُ بالأبنية أحدٌ منهم غير آدم، وإبراهيم عليهما
الصلاة والسلام، تنبيهاً وتعظيماً لأمره، أمَّا آدمُ عليه الصلاة والسلام، فقد كان أبا البشر،
فما له إلاَّ أن يَدْعُوَه بالابن. وأمَّا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام، فإنه أراد إشاعةَ هذه
النسبة من قبله، وفي الحديث: ((إني دعوة أبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام)) ... إلخ.
وأمَّا غيرُهُما، فاكتفوا في المخاطبة بالأخوَّة العامة، ((فإن الأنبياء عليهم السلام إِخْوَة
لِعَلاَّتٍ، إلى آخر الحديث، وكلُّهم بنو آدم، فصَحَّت الأخوَّة بلا ريب.
والذي تبيَّن لي أنهما نبيَّان قطعاً، ومن ظَنَّ أنهما واحدٌ، فقد نَظَرَ إلى شهرة رفع
إدريس عليه الصلاة والسلام في أهل الإِسلام، وشهرةٍ رفع إلياس عليه الصلاة والسلام
في بني إسرائيل، فركَّب من مجموع ذلك الاتحاد، وإلاَّ فهما نبيَّان.

٣٤٩
كتاب أَحَادِيثِ الأَنِْيَاءِ
ثم إنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾، و﴿إدراسين﴾. فقيل: معناه: أتباعُ
إلياس، وإدريس عليهما الصلاة والسلام، فالياء، والنون للجمع، وللنسبة إلى مفرده،
كما في ((خُبَبِيُّون)) نسبةً إلى قبيلة خُبَيْب "خبيب والى يعنى اسكى نسل سى. " وقيل: إنه
لغةً في إلياس. ومرَّ عليه الحافظ، وقال: بل هو كجبرين، لغةً في جبرائيل، فالنون
زائدة. وذكر مفسِّرٌ: أن إلياسين، معناه: أتباع إلياس عليه الصلاة والسلام، كما مرَّ.
قلتُ: ويوافقه اللغة أيضاً، فعند البخاريِّ: ((عليك إثم الأَرِيسِينِ))، على وجهٍ،
وفسَّر معناه: متبعي الأروس، كان رجلاً اخْتَرَعَ مذهباً، فسمَّى أتباعه: أَرِيسِين، وكان
هرقلٍ منهم. ولم يَشْعُرْ به الحافظُ، فقال بزيادة النون. والظاهرُ أن إلياسين، وإدراسين،
نظيرُ أَرِيسِين.
٦ - باب ذِكْرِ إِذْرِيسَ عَلَيهِ السَّلاَمُ وهُوَ جَدُّ أَبي نُوح،
ويُقالُ جَدُّ نُوحٍ عليهما السَّلامُ
﴾ [مريم: ٥٧].
٥٧
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا
٣٣٤٢ - قَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح). حدَّثنا
أَحْمَدُ بْنُ صَالحِ قال: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ
أَبُو ذَرّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((فُرَجَ عن سُقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ،
فَنَزَلَ جِبْرِيلٌ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً
وَإِيمَاناً، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَظْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ
إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افتَحْ، قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا جِبْرِيلُ،
قَالَ: مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَافَتَحْ، فَلَمَّا عَلَوْنَا
السَّمَاءَ إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ
قِبَلَ شِمَالِهِ بَكى، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: هذا آدَمُ، وَهذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنَّ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيِهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ
الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ
شِمَالِهِ بَكى، ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افَتَحْ، فَقَالَ لهُ
خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَّالَ الأَوَّلُ فَفَتَحَ)).
قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ إِذْرِيسَ وَمُوسى وَعِيسِى وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ
يُثْبِتْ لِي كَيفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي
السَّادِسَةِ، وَقَالَ أَنَسٌ: ((فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِذْرِيسَ قَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ
الصَّالِحِ، فَقُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِذْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسى، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيّ
الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا مُوسى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسى، فَقَالَ:

٣٥٠
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: عِيسى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ
فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ هذا إِبْرَاهِيمُ)).
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَيَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانٍ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ثُمَّ عُرِجَ بِي، حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوّى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلَامِ)).
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ
خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرُّجَعْتُ بِذلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسى، فَقَالَ مُوسى: مَا الَّذِي فَرَضَ عَلَىْ
أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسِينَ صَلاَةٌ، قَالَ: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذلِكَ،
فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ: فَذَكَرَ مِثْلَهُ
فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذلِكَ،
فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ
إِلَى مُوسى، فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ
المُنْتَهِى، فَغَشِيَهَا أَلوانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلتُ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا
المِسْكُ)). [طرفه في: ١٦٣].
٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًّا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٦٥]
وَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى اٌلْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:
٢١ - ٢٥]. فِيهِ: عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
وقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٨] شَدِيدَةٍ ﴿عَلِيَةٍ﴾،
قَالَ ابْنُ عُيَينَةَ: عَتَتْ عَلَى الخُزَّانِ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ﴾ مُتَتَابِعَةً
﴿فَرَ الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أَصُولُهَا ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ (جـ)﴾ بَقِيَّةٍ
[الحاقة: ٦ - ٨].
٣٣٤٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَيْهِ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالَصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عادٌ بِالذَّبَوَرِ)).
[طرفه في: ١٠٣٥].
٣٣٤٤ - قالَ: وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ عَلِّيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ بِذُهَيبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَينَ
الأَرْبَعَةِ: الأَقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ المجاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرِ الفَزَارِيِّ، وَزَيدٍ
الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِّ بَنِي نَبْهَاَنَ، وَعَلقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبِ، فَغَضِبَتْ
قُرَيشٌ وَالأَنْصَارُ، قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَّعُنَا، قَالَ: (إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ)). فَأَقْبَلَ
رَجُلٌ غَائِرُ العَينَينِ مُشْرِفُ الوَجْنَتَينِ، نَاتِىءُ الَجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ

٣٥١
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ((مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيتُ؟ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ
تَأْمَنُونِي؟)). فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ - أَحْسِبُهُ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ((إِنَّ مِنْ
ضِتْضِىءٍ هذا، أَوْ: في عَقِبٍ هذا قَوْمٌ يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ
الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا
أَذْرَكْثُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عادٍ)). [الحديث ٣٣٤٤ - أطرافه في: ٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣،
٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٧٤٣٢، ٧٥٦٢].
٣٣٤٥ - حدثنا خالدُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّتَنَا إِسْرَائيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقْرَأُ: ((﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾)) [القمر: ١٧]. [طرفه في: ٣٣٤١].
٣٣٤٧ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: «فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوَجَ وَمَأُجُوجَ مِثْلَ
هذا)). وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ. [الحديث ٣٣٤٧ - طرفه في: ٧١٣٦].
٣٣٤٨ - حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا
آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبِيَكَ وَسَعْدَيكَ، وَالخَيرُ في يَدَيكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وَما بَعْثُ
النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ
حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكَارَى، وَلكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) [الحج: ٢]
قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذِلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ وَمِنْ يَأْجُوجَ
وَمَأُجُوجَ أَلِفٌ)). ثُمَّ قالَ: ((وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ».
فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: ((أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: ((أَرْجُو أَنْ تَكُوَنُوا نِصْفَ
أَهْلِ الجَنَّةِ)). فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: ((ما أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّ كالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ
كَشَعَّرَةٍ بَيضَاءَ في جِلدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ)). [الحديث ٣٣٤٨ - أطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣].
واعلم أن هُودَ عليه الصلاة والسلام لم يُبْعَثْ في وسط العرب، ولكنه بُعِثَ لمن
كانوا في ناحية البحر من حَضْرَمَوت إلى الشام.
٨ - باب قِصَّةٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَالُواْ يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوَجَ وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤].
وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْثَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿﴿ إِنَّ مَكَنَّا لَهُ فِى
· طريقاً إِلَى قَوْلِهِ: ﴿َثُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾
اْأَرْضِ وَءَانْتَهُ مِنْ حٍُ شَىْءٍ سَبَبًّا ﴿ فَنْحَ سَبِيًّا (
﴿حَتَّىَ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّلَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] يُقَالُ
[الكهف: ٨٣ -٩٦] وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهْيَ القِطَعُ.
﴿خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] أَجْراً ﴿قَالَ أَنفُخُواْ حَتَّىَ إِذَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الجَبَلَينِ. وَالسُّدَّينِ الجَبَلَيْنِ

٣٥٢
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
جَعَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] أَصْبُبْ عَلَيْهِ رَصَاصاً، وَيُقَالُ: الحَدِيدُ،
وَيُقَالُ: الصُّفرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ. ﴿فَمَا أُسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] يَعْلُوهُ،
اسْتَطَاعَ اسْتَفْعَلَ، مِنْ أَطَعْتُ لُهُ، فَلِذلِكَ فُتِحَ أَسْطَاعَ يَسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتَطَاعَ
يَسْتَطِيعُ. ﴿وَمَا أُسَتَطَاعُواْ لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِ جَعَلَهُ ذَكَ﴾ [الكهف: ٩٧ -
٩٨] أَلْزَقَّهُ بِالأَرْضِ، وَنَاقَةٌ دَاءُ لاَ سَنَامَ لَهَا، وَالدَّكْدَاكُ مِنَ الأَرْضِ مِثْلُهُ، حَتَّى صَلُبَ مِنَ
الأَرْضِ وَتَلَبَّدَ. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا لَا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٨٨ - ٩٩].
[الأنبياء: ٩٦].
﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوْجُ وَهُم مِّن ككُلِّ حَدَبٍ يَسِلُونَ (®﴾﴾[
قالَ قَتَادَةُ: حَدَبٌ: أَكَمَةٌ، قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وََّ: رَأَيتُ السَّدَّ مِثْلَ البُرْدِ المُحَبَّرِ،
قالَ: ((رَأَيتَهُ؟)).
٣٣٤٦ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلُمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِيَ سُفِيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ
ابْنَةِ جَخْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ عَلَيهَا فَزِعاً يَقُولُ: ((لاَ إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَيِلٌ
لِلعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْم يَأْجُوجَ وَمَأُجُوجَ مِثْلُ هذهٍ)). وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ
الإِبْهَاَمَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَينَبُ ابْنَةُ جَخْش: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا
الصَّالِحُونَ؟ قالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)). [الحديث ٣٣٤٦ - أطرافه في: ٣٥٩٨، ٧٠٥٩، ٧١٣٥].
قوله: (﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى اُلْقَرْنَيْنِ﴾) وفيه عِدَّهُ فوائد:
الفائدة الأولى في تحقيق الإسكندر:
ولا ريب في كونه رجلاً صالحاً. أمَّا إنه كان نبياً، أو وليّاً، فالله تعالى أعلم به.
والذي يَظْهَرُ أنه ليس بالإسكندر اليونانيٌّ، وإليه ذهب الرازي(١)، والحافظ. فإن أرسطو
(١) قلتُ: وقد تكلّم عليه الحافظُ علي في ((الفتح)) مبسوطاً، وأنا آتيكَ ببعض كلماته. قال: وفي إيراد المصنّف
ترجمة ذي القرنين، قبل إبراهيم، إشارةٌ إلى توهين قول من زَعَمَ إنه الاسكندرُ اليونانيُّ، لأن الاسكندرَ كان قريباً
من زمن عيسى عليه السلام، وبين زمن إبراهيم، وعيسى عليهما السلام أكثر من ألفي سنةٍ. والذي يَظْهَرُ أنه
الاسكندرُ المتأخِّرُ، لُقِّبَ بذي القرنين تشبيهاً بالمتقدِّم، لسَعَةِ ملكه، وغلبته على البلاد الكثيرة. والحقُّ إن الذي
قصَّ اللَّهُ نبأه في القرآن، هو المتقدِّم.
والفرق بينهما من أوجهٍ، ثم ذكر في ثاني الأَوْجُهِ، قال الفخر الرازيُّ في «تفسيره)»: كان ذو القرنين نبيّاً، وكان
الاسكندر كافراً، وكان معلِّمُه أرطاطاليس، وكان يأْتَمِرُ بأمره، فهو من الكُفَّار بلا شك. أمَّا الكلامُ في السدْ، فَرَوَى
الحديثَ فيه عن الطبرانيِّ، وغيره، ولم يَجْنَخ إلى جانبٍ في هذا الموضع. وتكلّم عليه في ((الفتن))، فلينظر ثَمَّةً.
وحقَّق نحوَه الشيخُ العينيُّ في ((عمدة القاري))، ثم نَقَلَ الخلافَ في كونه نبيّاً أو لا، وكذلك في زمانه، فنقل عن
الثَّعَالبيِّ في الأوَّلِ أنه قال: الصحيحُ إن شاء الله أنه كان نبيّاً غير مرسلٍ، وفي الثاني: أن الأصحَّ أنه كان في أيَّام
إبراهيم عليه الصلاة والسلام. اهـ.

٣٥٣
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبَِاءِ
كان من وزرائه، وكان يَسْجُدُ له. وهو أوَّلُ من دوَّن الجغرافية، وذكر فيه السدَّ، فَدَلَّ
على أنه كان مبنيّاً قبل الإسكندر اليونانيّ، اللهم إلاَّ أن يُقَالَ: إنه أراد به السدَّ الذي
بناه ملكه، والظاهرُ هو الأوَّلُ. على أن اليونانيَّ لم يَخْرُج إلى مطلع الشمس
والمغرب، ولكنه كان بسَمَرْقَنْد. وقاتل دار فقتله، ثُمَّ فتح الاسكندرية، ثم أتى أرضَ
بابل، ورجع منِ هُهنا إلى كابل، ثم إلى راولبندى حتى ألقى عصاه بموضع تیکسله،
وضرب فيها سِكَّةً، ثم سافر إلى السند، ومات ثَمَّةَ. فليس اليونانيُّ هو ذو القرنين
الذي ذكره القرآن. وراجع صورة العالم من آخر ((التفسير)) للشيخ عبد الحق الدَّهْلَوِي،
فإنه مهمٌّ، ويَنْفَعُكَ في هذا الباب. واسْتَنْبَظْتُ من سفره إلى مطلع الشمس ومغربها، أنه
لم یکن من سكانهما .
الفائدة الثانية في تحقيق موضع السد:
أمَّا الكلامُ في السدِّ، فاعلم أنه عديدٌ، والذي بناه ذو القرنين، هو في الجانب
الشماليّ عند جبل قوقيا. أما الذي هو في بلدة الصين في طول ألف ومائتي ميلٍ تقريباً،
فهو سدٌّ آخر. ومن ظنَّه السدَّ المعروفَ، فبعيدٌ عن الصواب. وسدٌّ آخر باليمن بناه شدَّاد،
وظنَّ البيضاويُّ - وهو مؤرِّخٌ فارسٌ - أنه عند "دربند" ثم رَوَى الحافظُ عن صحابيٍّ: ((أنه
لمَّا رَجَعَ بِعد رؤيته السدَّ، سأل النبيَّ نَّهَ، قال: رأيته كالبُرْدِ المُحَبَّرِ)). وحمله الحافظُ
على سدٍّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قلتُ: هذا غلطٌ، بل هو سدٌّ آخر كان باليمن، وسدُّ يَأُجُوجَ ومَأْجُوجَ في موضعٍ
وراء بُخَارَى. ثم إن سدَّ ذي القرنين قد اندكَّ اليوم، وليس في القرآن وعدٌ ببقائه إلى يوم
خروج يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ، ولا خبرٌ بكونه مانعاً من خروجهم، ولكنه من تَبَادُرِ الأوهام
فقط. فإنه قال: ﴿وَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿حَقََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ
وَمَأْجُوِيٌ﴾ ... إلخ [الأنبياء: ٩٦] فلهم خروجٌ مرَّةً بعد مرةٍ. وقد خَرَجُوا قبل ذلك أيضاً،
وأَفْسَدُوا في الأرض بما يُسْتَعَاذُ منه. نعم يكون لهم الخروجُ الموعودُ في آخر الزمان،
وذلك أشدُّها. وليس في القرآن أن هذا الخروجَ يكون عَقِيبَ الاندكاك مثَّصلاً، بل فيه
وعدٌ باندكاكه فقط، فقد اندكَّ كما وَعَدَ.
أما إن خروجَهم موعودٌ بعد اندكاكه بدون فصلٍ، فلا حرفَ فيه. أَلاَ ترى أن
النبيَّ ◌ََّ عدَّ من أشراط الساعة: قبضَه من وجه الأرضّ، وفتحَ بيت المقدس، وفتحَ
القسطنطينية، فهل تراها متّصلةً، أو بينها فاصلةٌ متفاصلةٌ، فكذلك في النصِّ. نعم فيه:
أن خروجهم لا يكون إلاَّ بعد الاندكاك، أمَّا إنه لا يندك إلاَّ عند الخروج، فليس فيه
ذلك.

٣٥٤
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
الفائدة الثالثة في تحقيق يأجوج ومأجوج:
أمَّا الكلامُ، في يَأُجُوجَ ومَأُجُوجَ، فاعلم أنهم (١)، من ذُرِّيَّة يافث باتفاق
المؤرِّخين. ويُقَال لهم في لسان أروبا: "كاك ميكاك"، وفي مقدمة ابن خَلْدُون: ((غوغ
ماغوغ)). وللبريطانية إقرارٌ بأنهم من ذُرِّيَّة مَأْجُوجَ، وكذا ألمانيا أيضاً منهم، وأمَّا الروس
فهم من ذُرِّيَّةِ يَأْجُوجَ. وليس هؤلاء إلاَّ أقوام من الإِنس، والمراد من الخروج: حملتُهم،
وفسادُهم، وذلك كائنٌ لا محالة في زمانه الموعود، وكلُّ شيءٍ عند ربِّك إلى أجلٍ
مسمَّى. وليس السدُّ مَنَعَهُمْ عن الفساد، فهم يَخْرُجُون على سائر الناس في وقتٍ، ثم
يُهْلَكُونَ بدعاء عيسى عليه السلام. هكذا في ((مكاشفات يوحنا)) وفيه: أنهم يُهْلَكُونَ بدعاء
المسيح عليه الصلاة والسلام عليهم.
وإنما ذكرنا نبذةً من هذه الأمور، لِتَعْلَمَ أنها ليست بشيءٍ يُفْتَخَرُ بها عند العوام،
ولكنها كلَّها معروفةٌ عند أصحاب التاريخ. أمَّا من لم يُطَالِعْ كُتُبَهُمْ فالإِثمُ عليه. وهذا
الجاهل - لعين القاديان - يَزْعُمُ أنه أتى بعلم جديدٍ، كأنَّه أوجده من عند نفسه، وكان
النَّاسُ غَافِلُونَ عنه قبل ذلك. وقد بَسَطْنَاها في رسالتنا ((عقيدة الإِسلام))، وحاشيته بما لا
مَزِيدَ عليه، فراجعها .
وبعدُ، فإن العِلْمَ بيد الله المتعال، وأمَّا من زَعَمَ أنه قد أَحَاطَ بوجه الأرض كلِّها
عِلْماً، ولم يَتْرُكْ موضعاً إلاَّ وقد شَاهَدَ حاله، فذلك جاهلٌ. فإنهم قد أقرُّوا بأن كثيراً من
حصص الأرض باقيةٌ لم تقطعها بعدُ أعناق المطايا، منها ساحةٌ طويلةٌ في أرض الروس
الشهيرة بسيبيريا وغيرها، فما هذه الزقازق؟ !.
وإذ قد فَرَغْنَا عن نقل القطعات التاريخية على القدر الذي أردناها، فالآن نتوجَّه إلى
بعض ألفاظ الحديث.
فاعلم أنا لم نَجِدْ في القرآن، ولا في حديثٍ صحيح أن السدَّ مانعٌ عن خروجهم، إلاَّ
ما عند الترمذيِّ(٢)، فإنه يُشْعِرُ بظاهره أنه مانعٌ عنه، لِمَا فَيْه: ((أنهم يَحْفِرُونه كل يوم، حتَّى
إذا بَقِيَ منه شيءٌ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولون: نَعُود إليه غداً، ونَحْفِرُ الباقي، ولا يَقُولون:
إن شاء الله تعالى. فإذا عَادُوا إليه، وَجَدُوه كما كان قبله، فَلاَ يَزَالُ أمره وأمرهم هكذا،
حتَّى إذا جاء الموعدُ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولون: إنا نَحْفِرُه غداً إن شاء الله تعالى، فإذا
(١) هكذا حقَّقه العينيُّ في ((العمدة))، وقال: وإنما خصَّ العرب - أي في قوله: ((ويلٌ للعرب))، لاحتمال أنه أَرَادَ ما
وقع من الترك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين، وهم من نَسْلِ يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ. والحديث يأتي
برقم (٣٥٩٨) أيضاً، غير أنه لم يتكلّم هناك شيئاً.
(٢) أخرجه الترمذيُّ في تفسير سورة الكهف، [برقم (٣١٥٣)].

٣٥٥
كتاب أَحَادِيثِ الأَنِْیَاءِ
رَجَعُوا إليه غداً، وَجَدُوه كما تَرَكُوه، لم يَزِدْ عليه شيئاً، وحينئذٍ يَدُكُونه، ثم يَخْرُجُون
مفسدين في الأرض)) - بالمعنى .. ولكنه مخالفٌ لِمَا في الصحيح، لأنه يَدُلُّ على أن السدّ
في زمنه ◌ََّ: ((كان فُتِحَ مثلَ هذه، وحَلَّقِ بِإِصْبَعَيْهِ: الإِبهام، والتي تليها)). وقد ذَكَرْنَا تمامه
في ((عقيدة الإِسلام))، مع أن ابن كثير علَّله، وقال: إن أبا هريرة قد يَرْفَعُهُ، وقد يُوقِفُهُ على
كَعْبٍ، وبه يَحْكُمُ وجداني : أنه ليس بمرفوع، بل هو من كعب نفسه .
قال الشيخُ في كتابه ((عقيدة الإِسلام، في حياة عيسى عليه السلام(١))): قد تَوَاتَرَ في
الأحاديث أنه عليه السلام يَنْزِلُ بعد خروج الدَّجَّال، فَيَقْتُلُه، ويُرِيهم دمَه على حَرْبَتِهِ، ثم
يَخْرُجُ يَأْجُوجُ ومَأُجُوجُ، فَيُهَلِكُهُم الله بدعائه. وقد حرَّف المُلْحِدُون تلك الأحاديث
أيضاً. وكُنْتُ قد أفردت في مبحث يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ مقالةً حديثيَّةٌ تاريخيَّةٌ، لا يسعها
المقام، وهذه نبذةٌ منها أوردتها .
فالذي ينبغي أن يُعْلَمَ، ويكفي ههنا: أن الظاهرَ من أمر ذي القرنين أنه رجلٌ ليس
من أهل المشرق، كما قيل: إنه مغفور الصين، الذي بنى سدّاً هناك، في طول ألف
ومائتي ميلٍ، ويَمُرُّ على الجبال والبحار. لأنه لو كان كذلك، لقيل في القرآن العزيز بعد
سفره إلى المغرب: إنه رَجَعَ إلى المشرق، كالراجع إلى وطنه. ولا من أهل المغرب،
وإنما هو من أهل ما بينهما. والراجحُ أنه ليس من أذواء اليمن، ولا كيقباد من ملوك
العجم، ولا هو اسكندر بن فيلقوس، بل ملكٌ آخر من الصالحين، ينتهي نَسَبُهُ إلى العرب
الساميِّين الأوَّلين. ذكره صاحب ((الناسخ)) وأرَّخ لبنائه السد: سنة ٣٤٦٠ من الهبوط.
وذَكَرَهُ قبل العرب الساميِّين الذين مَلَكُوا مصر، كشَدَّاد بن عاد بن عود بن أرم بن
سام، وابن أخيه سنان بن علوان بن عاد، وبعدهما الريان بن الوليد بن عمرو بن عمليق
بن عولج بن عاد. قال: ومن أَظْلَقَ على هؤلاء الفراعنة بعد الريان العمالقة، فللنسبة إلى
عمليق بن عولج، لا إلى عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام الذين كانوا سَكَنُوا بمكة. وكذا
هو - أي ذو القَرْنَيْن - قبل ضحاك بن علوان، أخي سنان المذكور الذي قَتَلَ جمشاد ملك
الإِیران، وملكه.
(١) هذه مقالةٌ قيِّمةٌ، لحضرة إمام العصر، شيخنا رحمه الله تعالى، كان أدخلها فضيلة الجامع في ضمن تعاليقه،
ولكنِّي أَحْبَيْتُ أن تَدْخُلَ في متن الكتاب، فإنها بلفظ الشيخ رحمه الله. وكان من دَأُبِهِ الشريفِ أنه إذا بَسَطَ
موضوعاً في تأليفٍ له، وطُبِعَ، فكان يُجْمِلُ الكلامَ عليه بعده في إلقائه، ودرسه، ويَأْمُرُ بالمراجعة إليه، حِرْصاً
على الوقت، وإضراباً عمَّا لا يهمه كثيراً. فهكذا على عادته بعد طبع كتابه ((عقيدة الإسلام)) كان يُجْمِلُ الكلامَ في
بيان يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وربما كان يأتي بأمورٍ لم يَذْكُرْهَا في الكتاب، فَجَبَر حضرة الجامع ذلك بإدخال المقالة
هنا في التعليق، وجَبَرْتُه بإدخالها في الأصل، فليتنَّه. محمد يوسفَ البنوري - عفا الله عنه وعافاه.

٣٥٦
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
وذكر اسم ذي القرنين: صعب بن روم بن يونان بن تارخ بن سام، فهو إذن من عادٍ
الأُولَى، لا من الروم، أو اليونان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ
بَعْدٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وذكر أيضاً أن كورش ليس هو كيقباد، بل هو من الطبقة
الثانية من ملوك بابل. والأشبه في وجه تسميته ما عن عليّ، وقد قوَّاه في ((الفتح)) وشرحه
في ((شرح القاموس))، وذكر في التنزيل ثلاثة أسفار له: الأوَّل إلى المغرب، ثم إلى
المشرق، ولم يَذْكُرْ جهةَ الثالث، ولا قرينةَ له على أنَّه إلى الجنوب، فهو إذن إلى
الشمال، وسدُّه هناك في جبل قوقايا، الذي يسمى الآن الطائي، غير مجموعة الجبال
الأورالية، وهو المرادُ بآخر الجربياء في كتاب حزقيال عليه السلام، كما في ((روح
المعاني)).
قلتُ: الجِرْبِياء في اللغة: الريح التي تَهُبُّ من الشرق والشمال. وبنى أيضاً بعضُ
ملوك الصين سدّاً لنحو ضرورة ذي القرنين، وهو سدٌّ كان المغول سَمَّوْهُ: أتكووة، وسمّاه
الترك: بوقورقه، ذكره صاحب ((الناسخ))، وأرَّخ لبنائه: سنة ٤٣٨١ من الهبوط. وكذا
بعض ملوك العجم من باب الأبواب لمثل ما ذَكَرْنَاهُ. وهناك سدودٌ أُخَر، وكلُّها في
الشمال.
ثم لو ثَبَتَ ما اشتهر، وشهَّره المؤرِّخون، وذكره في ((حياة الحيوان))، عن ابن عبد
البَرِّ في ((كتاب الأمم من الكركند)): أن مَأُجُوجَ من ولد يافث، سَكَنَ هناك، وأن جوج
لَحِقَ بهم، وأن ماغوغ - كما ذَكَرَه ابن خَلْدُون - بالعبرية، هو: مَأُجُوجُ في العربية،
وجوٍج، هو: يَأْجُوجُ. مع أنه لم يَذْكُرْ في كتاب حزقيل بلفظ يَأْجُوجٍ، وإنما ذَكَرَ: جوج،
وسلَّم أنهما معرَّبٌ "كاك ميكاك" في الإنكليزية، وأن روسيا من يَأْجُوج، وأهل بريطانيا
من مَأْجُوج. ولم يَدُلُّ على أن ذي القرنين سَدَّ على كلِّهم، بل سَدَّ على فِرْقَةٍ منهم هناك.
قال ابن حَزْم في ((الملل والنحل)) فيما يَعْتَرِضُ به النصارى على المسلمين قديماً :
إن أرسطو ذكر السدَّ ويَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ في (كتاب الحيوان))، وكذا بطليموس في
((جغرافياه)). بل سؤالُ تعيين السدِّ، أو تعيينُ ذي القرنين، وَقَعَ من اليهود أولاً عنه ◌َ.
كذا يُسْتَفَادُ من بعض روايات ((الدر المنثور)). وبعضُ الناس يَجْعَلُ اللفظين: "منكوليا
ومنجوريا"، وبعضُهم "كاس ميكاس"، وبعضهم: "جين ما جين"، وهو كما تَرَى.
وأعجبُ منه ما في ((الناسخ))، من ذكر بناء بيت المَقْدِسِ: أن علماءَ بني إسرائيلَ
كانوا يُطْلِقُون على صور وصيدا: "جين ما جين"، ونَقَلَ بَعْضُهم عن («تاريخ كليسيا)» فِرْقَةً
من فِرَقِ الآريوسة لقبها: ياجوجي. والمُفْسِدُون في الأرض لا يَصْدُقُ على كلِّهم، فإنه
إهلاكُ النَّسْلِ والحَرْثِ، وتَخْرِيبُ البلاد، والنهبُ، والسفكُ، وشنُ الغارة، لا أخذ
الممالك بالسياسة والتدبير، وهؤلاء مَوْصُوفُون بذلك لا الأول. وإذا انقطع هذا اللقبُ

٣٥٧
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
عنهم الآن، لم تَبْقَ المعرفة إلاَّ بوصف الإِفساد. فإن كان شعبُهم ينتهي إليهم، فلينته .
ولعلَّه في بعض الآثار أَدْخَلَ نحو إنسان الغاب، أو الجبّارين في يأجوج ومأجوج فراجع
إنسان الغاب، والجبَّار من الدائرة.
وفي ((البحر)): أنه قد اخْتُلِفَ في عددهم وصفاتهم، ولم يَصِحَّ في ذلك شيءٌ. اهـ.
قلتُ: قد صَحَّ في كثرة عددهم أحاديث، وكذا نُقِلَ عن ((كتاب الجمان في تاريخ
الزمان)) للعينيِّ، عن ((تاريخ ابن كثير)): أنه لم يَصِحَّ في صفتهم كثيرُ شيءٍ. وإذا كان
هؤلاء الأورباويون خارجين من بلادهم، وأخلاقهم، وسيرتهم، فليسوا بمرادين. وإنما
المراد فِرْقَةٌ منهم، أي من شعبهم في الشمال، والشرق ولهم خروجٌ في آخر الأيَّام،
وليس أنهم مَسْدُودُون بالسدِّ، من كل جهةٍ، بل مُنِعُوا من شعبٍ هناك.
فإن قيل: إنهم أيضاً قد ارتفع عنهم المانع الحسيُّ منذ زمانٍ طويلٍ، واندكَّ السَّدُّ،
وقد خَرَجُوا، قيل: فإذن لم يَكُنْ هذا الخروجُ مراداً، فإنه لم يتحقَّق نزول عيسى عليه
السلام قُبَيْل ذلك. ويستمرُّ الأَمْرُ هكذا حتَّى يَخْرُجَ بعضٌ منهم، الذين لم يَخْرُجُوا إلى
الآن في عهد عيسى عليه السلام. ويكون الخروج مرَّةً بعد مرَّةٍ، كمثل خروج الخوارج،
لا خروجاً بالمرَّة من السدِّ، ولم يَذْكُرْ في القرآن لفظِ الخروج من هذا السدِّ فقط: ههنا،
ولما ذَكَرَ في الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الآية: ٩٦]، لم يذكر السد،
والردم، فكان الخروج لعمومهم، وكأن قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف:
٩٩] يومىءُ أن بعضَهم في مقابلة بعضهم الآخرين. فالبعضُ خارجون من السدِّ، والبعضُ
الآخرون من غيره، وكأن اندكاك السدِّ جَعَلَ موضعَ خروج بعضٍ، وميقاتَ خروج آخرين
منهم. وقَدْ وَقَعَ في مكاشفات يوحنا الإِنجيليِّ خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، أي من سُدَّ عليهم،
أو لم يُسَدّ.
وكذا ذكره في ((الناسخ))، عن الفصل الحادي عشر، من سفر سنهذرين، من كمار
اليهود، وهو عندهم كالحديثِ عندنا. قال فيه: وُجِدَ في خزائن الروم بالخط العِبْرِيِّ: أن
بعد أربعة آلاف سنة ومائتين وإحدى وتسعين سنة يبقى العالمُ يتيماً، وتَجْرِي فيه حروب
"كوك ما كوك"، وتكون سائر الأيام أيام "الماشيح. " وهذا التاريخُ - على ما يؤرِّخ به
اليهود - مولدُ خاتم الأنبياء وََّ، ويَبْقَى العالمُ بعده يتيماً، لا راعي له، أي تُخْتَتَمُ النبوّة،
وتجري بعد ذلك - وبعد خيرٍ كثيرٍ - ملاحم يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَنْزِلُ إذ ذاك عيسى عليه
السلام.
وصاحب ((الناسخ)) حمل "الماشيح" على خاتم الأنبياء ◌َ لإر، وكذا ذكرهم في
كتاب حزقيل، ولم يَذْكُر السدَّ. فيأجوجُ ومأجوجُ أعمُّ ممن سُدَّ عليهم. فقد جَمَعَ القرآنُ

٣٥٨
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
حالَ أعمِّهم وأخصِّهم، وذلك لسؤالهم عن ذي القرنين، لا عن يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ فقط.
فَذَكَرَ أوَّلاً من سُدَّ عليهم منهم، ثم عمَّم في قوله: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضِ﴾
[الكهف: ٩٩]، وهو إذن للاستمرار التجدديِّ، حتَّى يَتَّصِلَ خروجهم المخصوص بنزول
عيسى عليه السلام، فَوَقَعَ هنا في القرآن أعمُّ مما في الحديث. وكذا في قوله: ﴿وَهُم مِّن
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَذَكَرَ كلَّ حَدَبٍ، ولا بُدَّ من ذلك إن ثَبَتَ أن
الأورباويين منهم، وأن لهم خرجات. أو ذَكَرَ في القرآن من سُدَّ عليهم فقط، لكن لم
يَذْكُرْ أنه لا يَنْدَكُ، ويكون خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، حتى يكونَ خروجُهم المرادُ عند نزوله
عليه السلام.
وقد بُدِىء باندكاكه في زمانه وََّ، حيث قال: ((ويلٌ للعرب، من شرِّ قد اقترب،
فُتِحَ اليومَ من رَدْمٍ يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ مثل هذه)) وهؤلاء الذين خَرَجُوا كذلك، أي من غير
سدٍّ لا يُقَالُ: إنهمَ خَرَجُوا عليه، لأنَّهم نصارى نحلةً وانتماءً، وبقي بعضُ هؤلاء، أصلاً
وشعباً ليسوا نصارى، سَيَخْرُجُون عليه في آخر الزمان. وذَكَرَ في كتاب حزقيل خروجَهم
على بني إسرائيل. ففي (روح المعاني)): وفي كتاب حزقيال عليه السلامِ الأخبارُ
بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجِرْبِياء، في أمم كثيرةٍ لا يُخْصِيهم إلاَّ اللَّهُ تعالى،
وإفسادُهم في الأرض، وقصدُهم بيت المَقْدِسِ، وهَلاكُهم عن آخرهم بِرُمَّتِهِمْ بأنواعٍ من
العذاب. اهـ.
وذُكِرَ في الأحاديث النبوية توجُّهُهُم إلى الشام، فليس الخروج عليه متَّصلاً
بالاندكاك، وإنما المتَّصلُ به خروجُهم على الناس، وهو كذلك في بعض الألفاظ، كما
في ((الكنز)). وقد تأتي أحاديثُ أشراط الساعة بالتقاط أشراطها من البين، وترك ما بينها،
فلهم خروجٌ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وليس القرآنُ العزيزُ نصّاً في أن السدَّ مَنَعَهُم من كلِّ جهةٍ، ولا
أن عدمَ خروجهم في الأزمنة الآتية لعدم الاندكاك فقط، فإن ذلك إذ ذاك - أي عند بنائه .
ودَهْراً بعده. وأمَّا بعد ذلك، فلهم عِدَّةُ خروج، ففيه ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾
الآية، فلم يَقُلْ: حتَّى إذا فُتِحَ الرَدْمُ، والمراد تلك النَّوْبَة من الخروج.
وينبغي أن يُعْلَمَ أن قولَ ذي القرنين ﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَّةَ وَعْدُ رَبِ جَعَهُ ذَكَّءَ
وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] قولٌ من جانبه، لا قرينةٌ على جَعْلِهِ منه من أشراط الساعة.
ولعلَّه لا عِلْمَ له بذلك، وإنما أَرَادَ وعدَ اندكاكه. فإذن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَرَكْنَا بَعْضَهُمْ
يَوْمَيِذٍ يَعُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ للاستمرار التجدديِّ. نعم قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُنِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوِجُ وَهُم
(٤٦) هو من أشراطِ الساعة، لكن ليس فيه للرَّدْمِ ذِكْرٌ، فاعلم
مِّنِ كُلِّ حَدَبٍ يَسِلُونَ
الفرق .
واعلم أيضاً أن السَّدَّ الذي رآه صحابيٍّ، كما في ((الفتح))، و(الدر المنثور))،

٣٥٩
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
و((حياة الحيوان)) الظاهرُ أنه سَدٌّ آخر لا هذا السدّ، ويَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ فيه بمعنى أهل
الشرك. وحديث حَفْرِ السدِّ كلَّ يومٍ، أعلَّ ابن كثير في تفسيره)) رَفْعَهُ، بأنه لعلَّه سَمِعَه من
كَعْب. فإن كَعْباً رَوَى عنه مثل ذلكٌ، وقد ذكره أيضاً ابن كثير. وفي ((الفتح)): أن عبد بن
حميد رواه عن أبي هريرة موقوفاً. أَوْ كانوا حَفَرُوا أولاً، وتَرَكُوا، وسَيَحْفِرُونَه عند
خروجهم المخصوصِ أيضاً، وإن كانوا خَرَجُوا قبل ذلك خروجاً غير خروجهم على
عيسى عليه السلام، فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُمْ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] ذكره ابن
كثير أيضاً .
وأقول: إن كان في إيمان الناظرين سَعَةٌ، فلا ضَيْقَ في تسليمه أيضاً. والحاصلُ:
أنه إن كان قد اندكً، أو كان لم يَنْدَكَّ، ولكن كأن لم يَبْقَ مانعاً بحسب هذا الزمان بأن
يكون خروجهم من طُرُقٍ بعيدة من وراء الجبال، والسدُّ على البوابير والمراكب المُحْدَثة
للأسفار الطويلة. فخروجُهم المخصوصُ ليس متَّصلاً به. كيف! وهو مُنْدٌَ إذن منذ زمانٍ
طويلٍ، فَلَمْ يَبْقَ من السَّدِّ الذي جَعَلَهُ الناظرون سدَّ ذي القرنين، إلاَّ أثرٌ وطَلَلٌ، ولم يَتَّصلْ
خروجُهم ذلك به، فليكن من الزمان بُرْهَةٌ أخرى كذلك، لا أنهم خَرَجُوا في زماننا هذا،
فَيُطْلَبُ عيسى عليه السلام فيه. فإنه إذا تَرَاخَى من اندكاكه، أو من خروجهم من زمنٍ
طويلٍ، فَلْيُتَرَاخَى عهداً آخر أيضاً، وإن لم يندكَ مقدار ما بين الصَّدَفَيْن. وليس له زيادةٌ
طولٍَ حتَّى يُسْتَبْعَدَ خفاؤُه. كما في (روح المعاني)) في قوله تعالى: ﴿حٌَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
اُلسََّّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣]، في قراءة فتح السين، وضمها السُّد بالضم: الاسم، وبالفتح:
المصدر. وقال ابن أبي إسحاق: الأوَّلُ ما رأته عَيْنَاك، والثاني ما لا تَرَيَاهُ. اهـ.
وذكره كذلك في ((البحر))، فالأمرُ إذن على الانتظار، ويَدُورُ على الإِيمان،
فَلْيَنْتَظرْ، فإنهم وإن خَرَجُوا مثلاً من طريقٍ آخر، لكنَّهم لم يَخْرُجُوا على هذا التقدير من
السدِّ. وإذن كان السدُّ اندً، أو لم يَنْدَّ، لكن قد انْهَدَمَ ما بناه ذلك الملحد أساساً
ورأساً على كلِّ حالٍ. وكذا لم يُفِدْهُ أكان الأوروباويون منهم، أم لم يَكُونُوا، فإنهم لم
يَخْرُجُوا من السدِّ، وإن خَرَجُوا على الناس. كيف! وذلك المُلْحِدُ نفسه من ذُرِّيَّةِ مَأْجُوجٌ
على تحقيقه، فإنه من المَغُول. هذا، مع ما هو مسلَّمٌ عند الجغرافيين: أنه لم يَنْكَشِفْ
إلى الآن لهم حال بعض الجبال، والقفار، والبحار.
ثم لمَّا كان الإنكليزُ من الألمانيين وهم من ذِرِّيَّةِ جومر أخي مَأْجُوج، فَلَيْسُوا من
نَسْلِ مَأْجُوجٍ. ولا يُفيدُ ما ذُكِرَ في الألمان أنهم خَرَجُوا من كوه قاف، وأورال، فإن جبلَ
أورال سلسلةٌ مستطيلةٌ من الشرق إلى الغرب. ولم يَكُنْ نَسْلُ مَأْجُوجَ، أو الذين سُدَّ عليهم
إلاَّ في شرقه.
وذُكِرَ في ((دائرة المعارف)) جوج من جومر، وأنه ملك السكيثيين، فَيَأْجُوجُ إخوان

٣٦٠
كتاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
مَأُجُوج، وهو كذلك عند اليهود، كما في (لقطة العجلان))، فاحذر قول الخرَّاصين.
ومذهبُ السكيثيين: ميتها لوجي، أي علم الأصنام، فليسوا بني إسرائيل أيضاً. وجوج
الذي هو من ذُرِّيَّةِ يعقوب رجلٌ آخر، وجوج الذي عُدَّ مع مَأْجُوجَ في كتاب حزقيل، ليس
من ذُرِّيَّة يعقوب، بل هو معاذ لبني إسرائيل. فلو سُلُّمَ أن جوج والي روسيا، فليس الذي
سُدَّ عليهم إياهم، بل هم بعضٌ من جوج. والذي يُعْلَمُ من كتابه: أن جوج أقربُ مسكناً،
ومَأُجُوجَ أبعدُ. ولمَّا كان الأريانة، أصلَ الأروباويين، كيف يكون الأوروباويون من
مَأُجُوجَ؟ وإلاَّ لكان الهنودُ منهم، إلاَّ أن يُقَالَ: إنه قد تبدَّلت ألقابهم، فهذا يجري في
الأوروباويين أيضاً.
وقد قال في ((الفتح)) في حديث: ((أبشروا، فإن من يَأْجُوجَ ومَأْجُوج ألفاً، ومنكم
رجل)) قال القرطبيُّ: قوله: ((من يَأْجُوجَ، ومَأْجُوجَ ألفاً))، أي منهم، وممن كان على
الشِّرْكِ مثلهم، وقوله: ((ومنكم رجل))، يعني من أصحابه، ومن كان مثلهم.
قلتُ: وهو عن عِمْران بن حُصَيْن عند الحاكم في ((المستدرك)): ((وأبشروا، فوالذي
نفسُ محمدٍ بيده إنكم مع خَلِيقَتَيْنِ ما كانتا مع شيءٍ إلاَّ كثَّرَتَاه، يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَنْ
هَلَكَ من بني آدم، وبني إبليس)). اهـ. فوقع مفسَّراً، ولم يستمد به في ((الفتح)). وقد
صحَّحه الحاكمُ، وأقرَّه الذهبيّ، فاعلمه. وقد أَخْرَجَهُ الترمذيُّ، والنَّسَائِيُّ في تفسيره
كذلك. ونحوه في ((الدر المنثور))، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ
شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
واعلم أن ما ذَكَرْتُهُ ليس تأويلاً في القرآن، بل زيادةَ شيءٍ من التاريخ والتجربة،
بدون إخراج لفظه من موضعه. فلا يتَسِعُ الخرق، فإن التاريخَ لمَّا ذَكَرَ أن بعضَ الشعوب
الخارجة من السَّدٍّ من نَسْلِ يَأْجُوجَ أيضاً، قُلْنَا: إن ثَبَتَ، فالقرآن لم يَذْكُرْ السدَّ على
كلِّهم، ولا من كلِّ جهةٍ، فَلْيَّكُنْ الخارجون المذكورون من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ولكن لَيْسُوا
بمرادين في القرآن. وإن ثَبَتَ أنه اندكَّ، أو خَرَجُوا من جانبٍ آخرَ، فَلَيَكُنْ مَوْجُ بعضهم
في بعضٍ متجدِّداً مستمرّاً، حتَّى يَنْزِلَ عيسى عليه السلام، فَيَخْرُجُون أيضاً من بلادهم من
السَّدِّ الْمُنْدَكٌ، ويُفْسِدُون في الأرضَ حتَّى يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ تعالى بدعائه عليه السلام. كيف!
وقد قَالَ اللَّهُ تعالى في الأنبياء: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَِّعُونَ (9) حَتَّى
﴾ [الأنبياء: ٩٥، ٩٦]، أي حرامٌ
١٩٦
إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوْجُ وَمَأْجُوِجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (
عليهم غير ما نقول، وهو: أنهم لا يَرْجِعُون إلى الدنيا ثانياً، كقوله تعالى: ﴿أَلَّمْ يَرَوَأْ كُمْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ اُلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣)﴾ [يس: ٣١]، ويَدْخُلُ تحت النفي رَجْعَةُ
الروافض، وبروزُ ذلك المُلْحِدِ، فإنه جَعَلَهُ أنه هو حقيقةُ ما أَظْلَقَ عليه أنه رجوعٌ للأوَّل.
وقيل: إنه سَيَرجِعُ، كما جاء في عيسى عليه السلام مرفوعاً، وقد مرَّ: ((أنه رَاجِعٌ إليكم)) .