Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
کتاب الجهاد
١٣٨ - باب الجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَينِ
٣٠٠٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا
العَبَّاسِ الشَّاعِرَ، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ في حَدِيثِهِ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا يَقُولُ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نََّ فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٍّ وَالِدَاكَ؟)).
قالَ: نَعَمْ، قالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). [الحديث ٣٠٠٤ - طرفه في: ٥٩٧٢].
وفي الفِقْه أن الجهاد لا يجوزُ إلَّا بإِذن الوالدين، ثُم يُستفاد من تفاصيلهم، أنه إنْ كان يرى
أن نَهْيَهما لحبِّهما إيَّاه فقط، مع استغنائهما عن خدمتِهِ، جاز له الخروجُ بدون الإِذن أيضًا. وهذا
كلُّه إذا لم يكن فَرضَ عين. والحاصل أنه أيضًا مختلفٌ باختلافِ الأحوال.
٣٠٠٤ - قوله: (ففِيهما فجاهِد) وهذا قولٌ بالموجب، حيث أبقى اللفظَ على حاله، وغَيَّر
في متعلَّقِه، وجعل محله الأبوين معنًى، والجهادُ فيهما خِذْمَتُهما وطاعَتُهما؛ فهو على حدٍّ
قوله :
قلت: ثقلت كأهلي بالأيادي
قال: ثقلت إذا أتيت مرارًا
١٣٩ - باب ما قِيلَ في الجَرَسِ وَنَحْوِهِ في أَعْنَاقِ الإِبِلِ
٣٠٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ
عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ: أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّر في
بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ في مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ لَه
رَسُوَلًا: ((لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقََّةِ بَعِيرِ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرِ - أَوْ قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَتْ)).
وإنما نهى عنه لتنفر الملائكة منه، ولأنه سببٌ لاطلاع العدو.
٣٠٠٥ - قوله: (لا يَبْقَينَّ في رقبةٍ بعيرٍ قلادَةٌ مِن وَتْر إلَّا قُطِعَتْ) .. الخ، رُوي في قصَّة أن
دابة كانت تَعَلَّقت بشجرةٍ، فاختنقت، فنهى عن قلادةِ الوَتْر وأمر بِقَطْعه؛ وهذا أقربُ(١) مَحَامِلِهِ،
وراجع الهامش.
(١) وقد نقل الحافظ ابن عبد البرِّ أجوبةً أُخرى: قال ابنُ عبد البر: إذا اعتقد الذي قَلَّدها أنها تَرُدُّ العَيْن، فقد ظنَّ أنها
تَردِ القَدَر، وذلك لا يجوزُ اعتقاده؛ وثانيها: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابَّةُ بها عند شِدَّة الركض. ويُحكى ذلك
عن محمد بن الحسن، وأبي حنيفة، وكلام أبي عُبيد يرجِّحه، فإنه قال: نهى عن ذلك، لأن الدواب تتأذى بذلك،
ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت بشجرة، فاختنقت، أو تعوَّقت عن السَّير، وثالثها: أنهم كانوا يُعلِّقون
فيها الأجراس، حكاه الخطّابي، اهـ وذكر نحوه في ((المعتصر)) فانظر إلى براعة الشيخ، حيث ذكر أحرى الأجوبة
من وجوه؛ وهذا الذي كان دأبه في جملة المواضع، لم يكن يأتي بكل عجز وبجر، فإنه يمل الناظر، ويكل
الخاطر، ولكن كان ينتخبُ أحسنَ ما قيل في الباب، ثم يأتينا به، لم يعرَق فيه جبينُنا، اللهم أفسح مدخلَه،
واجعل منزِلَه الفردوسَ الأعلى، آمين.

٢٢٢
كتاب الجهاد
١٤٠ - باب مَنِ اكْتُتِبَ فِي جَيشِ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حاجَّةً،
وَكَانَ لَهُ عُذْرٌّ، هَل يُؤْذَنُ لَهُ
٣٠٠٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ
امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ)). فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذَا،
وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حاجَّةٌ، قالَ: ((اذْهَبْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)). [طرفه في: ١٨٦٢].
١٤١ - باب الجَاشُوسِ
التَّجَسُّسُ: التَّبَحْتُ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١].
٣٠٠٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُهُ مِنْهُ
مَرَّتَينِ قالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُحمَّدٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ
عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنَا وَالزُّبَيرَ وَالِمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قالَ:
((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا)). فَانْطَلَقْنَا
تَعَادى بِنَا خَيلُنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَّى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالطّعِينَةِ، فَقُلنَا: أَخْرِجِي الكِتَابَ،
فَقَالَتْ: ما مَعِي مِنْ كِتَابِ، فَقُلنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَئُلِقِيَنَّ الِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ
عِقَاصِهَا، فَأَتَيِنَا بِهِ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَ﴿ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حاِب بْنِ أَبِي بَلتَعَةَ إِلَىٍ أُنَاسٍ مِنَ
المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((يَا
حاطِبُ ما هذا؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلَ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأَ مُلِصَفًا في قُرَيشٍ،
وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِّهَا
أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَنَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ
بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضَا بالكُفرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلِ: ((لقدْ صَدَقَكُمْ)). فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ،
قالَ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ:
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). قالَ سُفيَانُ: وَأَيُّ إِسْنَادٍ هذا. [الحديث ٣٠٠٧ - أطرافه في:
٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩].
١٤٢ - باب الكِسْوَةِ لِلأُسَارَى
٣٠٠٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُبِينَةَ، عَنْ عَمْرٍو : سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أُتِيَ بِأُسَارَىٍ، وَأُتِيَّ بِالعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ
عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ وَِّ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ

٢٢٣
کتاب الجهاد
النَّبِيُّ ◌َّةُ إِيَّاهُ، فَلِذلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ◌َّهَ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ. قالَ ابْنُ عُيَينَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ
النَّبِيِّ بََّ يَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يُكافِئَهُ. [طرفه في: ١٢٧٠].
يعني أن الأسيرَ إذا لم يكن عليه ثوبٌ، لا ينبغي أن يُذْهب به هكذا عُريانًا، بل يُكْسى
بثوبٍ.
٣٠٠٨- قوله: (وقميصَ عبدِ الله بن أُبيّ، يَقْدُرُ عليه) مِن قَدَرْت الثوبَ عليه قَدْرًا، أي جاء
على مِقْدار كذا، وذلك لأن ابن أبي كان طويلًا، كالعباس.
١٤٣ - باب فَضْلٍ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيهِ رَجُلٌ
٣٠٠٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ القَارِيُّ، عَنْ أَبِي حازِمِ قالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ،
قالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأَعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)). فَبَاتَ النَّاسُ لَيَلَتَهُمْ: أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجِوهُ،
فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيٌّ؟)) فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيهِ، فَبَصَقَ في عَينَيْهِ وَدَعا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ
وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ، فَقَالَ: أُقاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّىٍ تَنْزِلَ
بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ
رَجُلًّا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم)). [طرفه في: ٢٩٤٢].
٣٠٠٩ - قوله: (فَقَال: أقاتِلهم حتى يكونوا مِثْلَنا) ... الخ، وحاصله أنَّ عليًا استأذَن
النبيَّ ◌ََّ في المقاتلة حتى يُقِرُّوا بالإِسلام من عند أنفسهم. فكأنه فَهِم أن ليس لهم مِنَّا إلَّا
السَّيْفُ، فَعَلَّمِه النبيُّ نَّهَ سُنَةَ القتالِ. وأخبره أَنَّ أَوَّل الأَمْرِ الدعوةُ إلى الإِسلام، والسَّيفُ آخِرُ
الحِيل، وذلك: لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَم)).
١٤٤ _ باب الأُسَارَى في السَّلَاسِلِ
٣٠١٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: ((عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَّ الَجَنَّةَ في
السَّلَاسِلِ)). [الحديث ٣٠١٠ - طرفه في: ٤٥٥٧].
وترجم المصنّف بلفظ الحديث، ولا يخالفه قوله تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
لأنه ليس معناه على ما يَفْهَمُ العوامُّ، أنه ليس فيِ الدِّين إكراهٌ أَضْلًا، بل المرادُ أن الإِكراه في
الدِّين لما كان إِكْرَاهًا على الخير المَخْض، فكان أَلْيقَ أن لا يُسمَّى بالإِكراه، ومَنْ يفهمه إكْراهًا
فقد سَفِه نَفْسه .
٣٠١٠ - قوله: (عَجِبَ اللهُ مِن قومٍ يدخُلُون الجنَّةَ في السَّلاسِل). واعلم أن التعجب،
والضحك، وأمثالهما مما يستحيلُ تحقّقُه في حضرته تعالى؛ والمرادُ منها أن هذا الشيء مما

٢٢٤
كتاب الجهاد
يُتعجّب عليه، ومما يُضْحك عليه، فاستعمل التعجُّب والضحك مع الإسناد إلى الله تعالى في
أشياء كانت من شأنها أن يتعجب عليه، ممَّنْ يأتي منه التعجبُ، ففيه بيانُ لمادةِ التعجبِ، أي إن
تلك مادةٌ يتحقق فيها التعجبُ، وإنْ لم يتحقق فيه لخصوص الفاعل، وهو الله تعالى؛ ومن هذا
الباب قولُه تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] فإِنه تعسر عليهم أيضًا، لأن الله تعالى
لا يحجزُه شأنٌ عن شأن: قلت: هو كذلك، لكنه إذا ظهرت شؤونه في الكون يجيء التناوب
والترتب لا محالة.
فالحاصل أن الله تعالى، وإن كان لا يَشْغَله شأنٌ عن شأنٍ، لكن ذاك صِفَته، أما في
الخارج فلا مناص عن خروجها إلى بُقْعة الوجود إلا متعاقبة مترتبة؛ فجاءت العبارةُ المذكورة
بالنَّظر إلى وجودِها وترتبها في الخارج. والمعنى أن الله تعالى يحاسِبُهم يومَ الحَشْر، ولما كان
الحسابُ فيه مُؤخِرًا عن بعض ما في الحَشْرَ، عبر عنه بالفراغ، وإلّا فالله سبحانه لا يحتاج إلى
فراغ للحساب، فإِنَّ الله سبحانه لا يَشْغَلُه شيءٌ .
١٤٥ - باب فَضْلٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَينِ
٣٠١١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ بْنُ عُيَينَةَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيّ أَبُو
حَسَنِ قالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ:
(ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَغْلِيمَها، وَيُؤَدِّبُهَا
فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانٍ، ومُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ، الذي كان مُؤمِنًا، ثُمَّ
آمَنَ بِالنَّبِيِّ ◌َِّ فِلَهُ أَجْرَانٍ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيَّدِهِ لَهُ أَجرانٍ)).
ثُمَّ قالَ الشَّعْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكُهَا بِغَيرِ شَيءٍ، وَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ في أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى
المَدِينَةِ. [طرفه في: ٩٧].
وقد قصره بعضُهم على النصارى فقط، لأن اليهود لم يؤمنوا [به] وأنكروه. وقد مر معنا
في العلم أن الحديثَ مقتبسٌ من الآية، وقد نزلت في حقِّ عبد الله بنِ سَلام بالاتفاق، وكان
يهوديًا؛ فإِذن لا بد أن يَعُمَّ الحديثُ للقبيلتين أيضًا عمومَ الآيةِ لهما .
١٤٦ - بابُ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ، فَيُصَابُ الوِلدَانُ وَالذَّرَارِيُّ
﴿بَينَا﴾ [الأعراف: ٤]: لَيلًا. ﴿لَيُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩]: لَيلًا. ﴿يُبَيِّتُ﴾ [النساء: ٨١]:
لَیلاً .
٣٠١٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ◌َلَهَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ
بِوَدَّانَ، وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيِّئُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قالَ:
(هُمْ مِنْهُمْ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا حِمِى إِلَّ اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَ

٢٢٥
كتاب الجهاد
٣٠١٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيدَ اللّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنَا الصَّعْبُ في
الذَّرَارِيِّ: كَانَ عَمْرَوَ يُحَدِّثْنَا، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ. فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ، قالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)). وَلَمْ يَقُل كما قالَ
عَمْرٌو: ((هُمْ مِن آبَائِهِمْ)). [طرفه في: ٢٣٧٠].
وفي الفِقْه أنه ينوي المقاتلةَ، ثُم يقتل كائنًا مَنْ كان، وإلَّا فَقَتْل النسوان والصبيان قَصْدًا
ممنوعٌ، وهذا باب آخَرُ ظهر في الفِقْه، فإِنَّ الشيء قد يكون ممنوعًا في نَفْسه، ثُم يجوزُ بحسب
اختلافِ النية، كما رأيت في مسألة التبييت، وكذا إنْ تَتَرَّس الكفارُ بالمسلمين. فالحكمُ فيهم أن
نرميهم، وننوي الكُفّار، لأنه إمَّا أن نَكُفَّ عن القتال فنتهزم؛ أو نقاتل فنقتل المسلمين أيضًا. فلا
مناصَ إلا بإِحدى البَليتَين، فاخترنا أَهْوَهما، ونوينا الكفارَ، لئلا يلزم قَتْلُ المسلمين قَصْدًا (١).
٣٠١٣ - قوله: (هم مِن آبائِهم) وهذا لا يناقِضُ ما مَهَّدنا من قبل من التوقُّف في ذَرَاري
المشركين، لأن هذا الحديث واردٌ في أحكام الدنيا، أي في إباحة قتلهم، لا في حُكْم الآخرة،
أي النجاة والعقاب، فإِنَّه ورد فيه حديثٌ: ((الله أعلمُ بما كانوا عاملين)). وكذا لا تناقُضَ بين
الثَّهي عن قَتْلهم، وبين إباحته، فإِنَّ الأَوَّل إذا كان قَصْدًا؛ والثاني في التبييت (٢).
١٤٧ - باب قَتْلِ الصِّبْيَانِ في الحَرْبِ
٣٠١٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ في بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ وََّ مَقْتُولَةٌ، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَتْلَ
النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [الحديث ٣٠١٤ - طرفه في: ٣٠١٥].
١٤٨ - باب قَتْلِ النِّسَاءِ في الحَرْبِ
٣٠١٥ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: قُلتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً في بَعْضٍ مَغَازِي رَسُولِ
اللَّهِ وَّهِ فَنَهِىَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [طرفه في: ٣٠١٤].
(١) يقول العبد الضعيف: على أَنَّ مَنْ جلس في الكفار فقد هَدَر عِصْمَتَه المقوّمة، وإن بقيت له عصمته المؤثمة، فإِذا
هدر إحدى عِصْمتيه هو بنفسه، فما لنا أن نَكُف عن القتال لأجله، ومَنْ رضي بالضرر أَوْلى بأن يقطع عنه النَّظَر،
وتلك من كمال رحمةِ الشَّرْع، وإكرام المؤمنين أنه راعاه ههنا أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(٢) يقول العبد الضعيف: ونظيرُه ما مرَّ أن الأَمَة إذا زنت فليبعْها، ولو بِحَبْلِ من شعر، مع أنه يناقِضُ قوله: ((يحبُّ
لأخيه ما يحبُّ لِنَفْسه))، والأمر فيه أنه لا كلية في هذا الباب من الطرفين، بل يدور الأمْرُ فيه على الأحوال، على
أن المنهيَّ عنه إلزامُ المضِرة على أخيه قَصْدًا. وأما إذا كان المقصودُ دَفْعَ المضرةِ عن نَفْسه لاجَرَّها إلى الآخر،
فلا بأس به، وإلَّا فينْسدُّ بابُ الخصومات كلَّها؛ ولعل هذا أيضًا من الباب الذي نَبَّه عليه الشيخ آنِفًا: أن الأشياء
تختلف حِلّا وحُرْمةً، عند اختلاف النية، فإِذا باعها ونوى إضرارَ أخيه، فقد اقتحم فيما لا يحل له، وأما إذا قصد
دَفْعَ المضرة عن نفسه، فقد أتى بما وجب عليه.

٢٢٦
كتاب الجهاد
٣٠١٥ - قوله: (وُجِدت امرأةٌ مقتولةٌ) ... الخ، وفي بعض الروايات: ((ما كانت هذه
لتقاتل)) والاعتدال بهذه المثابةِ في المُنشَّط والمكره في الرضى والغضب، مما لا يمكن إلا من
عصائب الأنبياء عليهم السلام فسبحان الذي خلق الملائكة في جسمان الإِنس وسبحانه.
١٤٩ - باب لاَ يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ
٣٠١٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ فِي بَّعْثٍ فَقَالَ: ((إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا
وَفَلَانًا فَأَخْرِقُوهُمُا بِالنَّارِ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لهِ حِينَ أَرَدْنَا الخُروجَ: ((إِنِّي أَمَرْتُكُم أَنْ
تُخْرِقُوا فُلانًا وَفُلانًا، وإِنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُما فَاقْتُلُوهُمَا)). [طرفه
في : ٢٩٥٤].
٣٠١٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسِ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لَأَنَّ النَّبِيَّ ◌َ
قالَ: ((لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ)). وَلَقَتَلتُهُمْ، كما قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) .
[الحديث ٣٠١٧ - طرفه في: ٦٩٢٢].
٣٠١٧ - قوله: (إنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا) ... الخ، وكان رأسهم عبد الله بن سبأ، وكان يهوديًا
في الأصل. وفىِ ((الفتح)) عن ((التمهيد)) أنه حَرَّق نَعْشَهم. قلت: غير أنه يحتاج إلى النَّظر في
كلام العرب، أنَّ تحريقَ القوم هل يستعمل في تحريق النعوش أيضًا، كما قلت في حديث
التشديد في أَمْر الجماعة: إن قوله: ((لأحرِّقَ على الناس بيوتَهم)) محاورةٌ لا يَسْتدعي كونَهم في
البيوت عند التحريق أيضًا، بل تأتي في تحريق بيوتِ النَّاس أيضًا، وإن لم يكونوا فيه. فلو ثبت
لَتَم ما ذكره أبو عمر، وسيجيء عند البخاري. وفي قصّةَ حَرْقِ نبيِّ قريةَ النمل: «أَنْ قَرَصَتْك نملةٌ
أَحْرَقْتَ أُمةً من الأمم تُسبِّح الله))، وهذا لا يدلُّ على عدم جواز التحريق، بل يدل على جواز
إحراق (١) التي قَرَصت، وقد تكلَّمنا عليه في باب ((التوديع عند السفر)).
١٥٠ - بابٌ ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤]
فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧].
- قوله: (﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِذَ﴾﴾ [محمد: ٤] أي إذا غَلَبْتُم عليهم وأَسَرْتموهم، فأنتم حينئذٍ
بين خيرتين، وفي الفِقْه أَنَّ للإمام الاسترقاق، أو القَتْلَ، أو الفِدَاء(٢) بالمال؛ فهو بين ثلاثة
(١) نبه عليه العيني.
(٢) قال الطحاوي: اختلف قولُ أبي حنيفة في هذا، فَرُوي عنه أَنَّ الأسرى لاتُفَادى، ولا يُردُّون حربًا، لأن في ذلك
قوةً لأهل الحرب، وإِنما يُفادون بالمال، وما سواه مما لا قوةً لهم فيه. ورُوي عنه أنه لا بأس أن يُفادى
بالمشركين أسارى المسلمين، وهو قول أبي يوسف، ومحمد. اهـ ((عمدة القاري)).

٢٢٧
كتاب الجهاد
خيارات، إما الفِداء بالأَسارى والمَنّ، فليس له ذلك، فحملوا الآية على النَّسْخِ(١)، كما في
(الدر المختار)). قلت: كيف! وقد روى محمدٌ جوازَهما على رَأي الإِمامِ. فَهُما مشروعانٍ بعد،
إلَّا أنهما موقوفانٍ، على رأي الإِمام، فإِنْ رأى فيهما مصلحةً فَعَل، وإلَّا لا، اللهم إلا أن يُقال:
إنَّ إطلاقَ النَّسْخِ فيه عُرْفُ المتقدِمين. وقد مرَّ معنىِ النَّسْخ عندهم. والنَّسْخِ عند الطحاوي أَوْسعُ
مما عندهم، كما عَلِمت مرارًا، فإِنَّه يطلق على كلِّ أَمْر، فَلَّ فيه العملُ أيضًا، وإن بقي مشروعًا،
فمعنى قوله في بعض المواضع: إنَّ هذا نَسَخَة هذا، أي اشتهر به العمل، وخفي، وقلَّ بمقابله،
وبهذا المعنى أُطلق النَّسْخِ على رَفْع اليدين، يعني ثم صار التَّرْكُ مشهورًا بالعمل بالنسبة إلى
الرَّفْع، وإن الرَّفع ثابتًا في عهد النبوة، والحافظ لما لم يُدْرِك مرادَه اعترض عليه (٢).
قلت: وقد مرَّ معنا أن لا حُجةَ في الشيوع والكثرةِ بعد عهد النبيِّ وََّ، فإِنَّ العبرةَ بما كان
في عهد صاحب النبوة، لأنه ظهرت في المبالغات فيما بعد. وقد تكلمنا عليه مبسوطًا فيما مرَّ،
وذكرنا ما فيه من أعدل الأقوال عندنا .
١٥١ - باب هَل لِلأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ
وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الكَفَرَةِ
فِيه المِسْوَرُ، عَنِ النَّبِّ وََّ .
قال الحنفية: إنَّ الأسيرَ ليس بِمُعاهد، فله الغَدْر بكلِ نَوْعٍ، ولا تكون له أحكامُ المعاهد،
إلَّا أنه لا يحل له ما يتعلق بهَتْك حُرمةِ النِّساء، وأمور العَفَّة، فإِنَّها معصيةٌ مطلقًا. وبلغنا عن
الشاه إسحاق قُدِّس ◌ِرُّه من مُحدِّئي - دهلي - أنه كان يقول: إنَّ أهلَ الهند كالأُسارى في أيدي
السَّلْطَنَة، وليست لهم معاهدةٌ.
قلت: والذي تحقق عندي أنَّ أهل الهند وإنْ لم يعاهدوهم حقيقةً، غير أن المعاهدةَ قامت
بينهم وبين السَّلطنة عملًا؛ فإِنَّ رَفْع الدَّعوى إلى المحكمة والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم في
فَضْل الأقضية في الأموال والأنفس، والرجوع إليهم في كلِّ ما يُرْجع فيه إلى الحُكّام معاهدةٌ
حُكْمًا، وإن لم يكتبه أحدٌ من الفقهاء؛ وحينئذٍ تنقلب التفاريع، ولا تكون لنا أحكام الأَسْرى،
إلا أن تلك المعاهدةَ كانت قائمةً في الماضي في حق الأموال والأنفس جميعًا، وأما الآن فقد
نبذنا إليهم في حَقِّ الأَنفس على سواء، وهي باقية في الأموال بعد، فلا يجوزُ أَخْذُ أموالهم
سرقةً، نعم إن أخذناها منهم عوضًا عما لنا عليهم من الحقوق جاز، إلا أن أمثال تلك الأمور
(١) قلت: والقول بالنَّسْخ مُشْكِل، لما نقله العينيُّ عن أبي عُبيد؛ أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم عَمِل بالآيات كلَّها من
القتل، والأسْر، والفداء حتى توفاه اللّهُ على ذلك. ثُم أَخذَ في تفصيله، فلا جواب إلَّا ما ذكره الشيخ، وللناس
فيما يعشقون مذاهب. راجع العَيْني.
(٢) قلت: وهذا كما أوردوا في بئر بُضاعة، حيث ادَّعى الطحاوي أنها كانت جاريةً، فحملوه على الجريان المعروف،
وقد كشف الشيخ عما كان مراده، فيما مر، فليراجع.

٢٢٨
كتاب الجهاد
دناءةٌ، ولا نعطي الدنية في دِيننا، فإِنَّ القَتْلَ يُعدُّ جرأةً وشجاعةً، بخلاف السَّرِقة، والانتهاب،
فإِنَّه يُعد لُؤْمًا؛ نعم لو نبذنا إليهم في حق الأموال أيضًا لارتفع عن الأموال أيضًا، إلا أنه ينبغي
أن يكون على سواء، ليكون وفاءً لا غذْرًا.
وفي حديث «أن كافرًا لو أمن، واعتمد على مسلم بدون معاهدة وموادعةٍ بينهما، لا ينبغي
للمُسْلمُ(١) أن يقتله)). ولما غَلِط الناسُ في لفظ ((أمن)). وزعموه صيغةَ ماضٍ من الإِيمان. أشكل
عليهم مرادُه، والصواب ما قلنا: إنه مِن الأَمْن، وقد استفْتیت مرةً في کشمیر أن ملگھم قد حبس
الناس عن الصحراء، وجعلها حِمىّ لنفسه، فهل يجوزُ للمسلمين أن يأخذوا منها الخشب لبناء
المسجد؟ فأجبت عنه أنه إنْ فَعَلَه أحدٌ، وبنى مسجدًا جاز، لأن خشب الصحراء مباحُ الأصل،
والحبس عنه غَصْب، فلا يفيد له مِلكًا، فلا يكون الأخذ سرقةً، أو تملُّكًا لمال الغير، ولكنه من
باب الإِحراز مما هو مباح الأصل؛ والمسألة فيه أنه يكون لِمن سبقت يده إليه، وما في الفِقْه أنَّ
المِلْك يَحْصُل للكفار بعد الاستيلاء على أموال المسلمين، فذلك في أَوان الحرب، أما إذا
وضعت الحرب أوزارَها فلا، فإِنَّه لا يكون حينئذٍ إلَّا غَصْبًا. فإِنَّ ما خلقه اللهُ مباحَ الأصل، ليس
لأحدٍ أن يمنع عنه خَلْقَ اللهِ، فأدرك الفَرْقَ بين المسألتين، ولا تخبط خَبْطَ عشواء. ولا تُمار بعد
ما تبين ثورٌ من ◌ِراً.
١٥٢ - باب إِذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ
٣٠١٨ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَهْطَا مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَاجْتَوَوُا
المَدِينَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا، قال: ((ما أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ)).
فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلِبَانِهَا، حَتَّى صَحُوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا
الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ
حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأَحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ
بِالحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى ماتُوا. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُواَ وَحَارَبُوا اللَّهُ
وَرَسُولَهُ وَّهُ وَسَعَوا في الأَرْضِ فَسَادًا. [طرفه في: ٢٣٣].
١٥٣ - بابٌ
٣٠١٩ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِغَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
(١) يقول العبد الضعيف: وفي تقرير مولانا الفاضل عبد القدير: قال محمد في ((الجامع الصغير)): إن الكافِرَ إذا كان
معتمِدًا على المسلم، وفي الوثوق منه على عدم الإِيذاء، فالقتل بعد ذلك موجِبٌ للوعيد؛ نعم إذا أراد القتل فعليه
نَبِذُ الأَمْن علانيةً اهـ.

٢٢٩
كتاب الجهاد
يَقُولُ: ((قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحِى اللَّهُ إِلَيهِ: أَنْ
قَرَصَتْكَ نَمْلَةُ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَم تُسَبِّحُ الله!)). [الحديث ٣٠١٩ - طرفه في: ٣٣١٩].
ولم يذكر له ترجمة، وقد ذكرناَ نُكْتته في المقدمة.
٣٠١٩ - قوله: (أَخْرقت أُمةً [من الأُمم] تُسَبِّح الله) ثبت منه تسبيحُ الثَّملةِ. وقد أَقَرَّ صَدْرُ
الشيرازي في رسالته ((القضاء والقدر)) بأن في الحيوانات إدراكًا .
١٥٤ - باب حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ
٣٠٢٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَي قَيسُ بْنُ أَبِي حازِمِ
قالَ: قالَ لِي جَرِيرٌ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟)). وَكَانَ بَيتَاً
في خَثْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمانِيَةَ، قَالَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكانُوا
أَضْحَابَ خَيلِ، قالَ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَضَرَبَ في صَدْرِي حَتَّى رَأَيتُ أَثَرَ
أَصَابِعِهِ في صِّدْرِي وَقالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)). فَانْطَلَقَ إِلَيهَا فَكَسَرَهَا
وَحَرَّقُّهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يُخْبِرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، ما
جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ، أَوْ أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَارَكٌّ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا
خَمْسَ مَرَّاتٍ. [الحديث ٣٠٢٠ - أطرافه في: ٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، ٦٠٨٩،
٦٣٣٣].
٣٠٢١ - حدّثنا محَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: حَرَّقُّ النَّبِيُّ بَّهُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ. [طرفه في: ٢٣٢٦].
١٥٥ - باب قَتْلِ النَّائمِ المُشْرِكِ
٣٠٢٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِم: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بَّنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
رَهْطَا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِيَ رَافِع لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ، قالَ:
فَدَخَلتُ في مَرْبِطِ دَوَابٍ لَّهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ،
فَخَرَجُوا يَظْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، أُرِيهِمْ أَنَّنِي أَظْلُبُهُ مَّعَهُمْ، فَوَجَدُوا الحِمَارَ فَدَخلُوا
وَدَخَلتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الحِصْنِ لَيْلًا، فَوَضَعُوا المِّفَاتِيحَ في كَوَّةٍ حَيثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا نَامُوا
أَخَذْتُ المفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ الحِصْنِ، ثُمَّ دَخَلتُ عَلَيهِ فَقُلتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، فَأَجابَنِي،
فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ فَضَرَبْتُهُ فَصَاحَ، فَخَرَجَّتُ ثُمَّ جِئْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ، فَقُلتُ: يَا
أَبَا رَافِعٍ، وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: مَا لَكَ، لأُمِّكَ الوَيلُ؟ قُلْتُ: ما شَأْنُكَ؟ قالَ: لَا أَدْرِي
مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِيٍ، قالَ: فَوَضَعْتُ سِيفِي فِي بَظْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَرَعَ
العَظْمَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ، فَأَتَيتُ سُلَّمًا لَهُمْ لِأَنْزِلَ مِنْهُ فَوَقَعْتُ، فَوُثِئَتْ رِجْلِي،

٢٣٠
كتاب الجهاد
فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحابِي فَقُلتُ: ما أَنَا بِبَارِحِ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ
نَعَايَا أَبِي رَافِعِ تَاجِرِ أَهْلِ الحِجَازِ، قالٌ: فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ، حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ◌َلُِّ
فَأَخْبَرْنَاهُ. [الحديث ٣٠٢٢ - أطرافه في: ٣٠٢٣، ٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠].
٣٠٢٣ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي
زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَعَثَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ رَهْطَا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيتَهُ لَيلًا، فَقَتَلَهُ
وَهُوَ نَائِمٌ. [طرفه في: ٣٠٢٢].
يقول: إن الفتك أيضًا جائزٌ في بعض الأحوال، وإنْ نهى عنه عامَّةٌ.
٣٠٢٢ - قوله: (فوُثِثَتْ رِجْلي) ترجمة " مورج لك كئى" .
١٥٦ - باب لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ
٣٠٢٤ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا عاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ
كُنْتُ كاتبًا لَهُ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلَى الحَرُورِيَّةِ، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا
فِيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ِ فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ التيَ لَّقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ.
[طرفه في: ٢٨١٨].
٣٠٢٥ - ثُمَّ قامَ في النَّاس فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ
العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ قالَ:
(اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُم وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)).
وَقَالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ: كُنْتُ كاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ
كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ قالَ: ((لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ
العَدُوِّ)). [طرفه في: ٢٩٣٣].
٣٠٢٦ - وَقالَ أَبُو عامِرٍ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا
لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».
١٥٧ - بابٌ الحَرْبُ خَدْعَةٌ(١)
٣٠٢٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ،
(١) قال الحافظ: خَدعة بفتح المعجمة، وبضعها مع سكون المهملة فيهما؛ وبضم أوله، وفتح ثانيه. قال النووي : =

٢٣١
كتاب الجهاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ،
وَقَيصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيصَرُ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). [الحديث ٣٠٢٧ -
أطرافه في: ٣١٢٠، ٣٦١٨، ٦٦٣٠].
٣٠٢٨ - وَسَمَّ الحَرْبَ خَذْعَةٌ. [الحديث ٣٠٢٨ - طرفه في: ٣٠٢٩].
٣٠٢٩ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ
مُنَّبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضَي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمَّى النَّبِيُّ وََّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ. [طرفه في: ٣٠٢٨].
٣٠٣٠ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َُّ: ((الحَرْبُ خُدْعَةٌ)).
والأبلغ فيه أن يكونَ صيغةَ مبالغة من اسم الفاعل. والمرادُ أَنَّ الحربَ لا تُدْرى عاقِبتُها، ولا
يَتَأَتَّى فيها الاعتمادُ على الأسباب، فإِنَّه قد تبدو النُّصرةُ في أَوَّل الأَمْر، ثُم تنقلِبُ هزيمةً، وقد
تنعكس. وقيل: معناه جوازُ الخِداع، أي التدبير الخفي، والخداع عملًا، فإِنَّه يجوزُ في الحرب.
أما الخِداعُ اللساني، والكذب، والغدر، فلا يجوزُ بحالٍ (١) لا في أوان الحرب ولا في غيرها .
٣٠٢٧ - قوله: (هَلَك كِسْرى، ثُم لا يكونُ كِسْری بَعْدَه)(٢) وقد مَرَّ أنه لَقَبُ ملك فارس،
اتفقوا على أن الأولى أفصح، حتى قال ثَعْلب: بلغنا أنه لغةُ النبي ◌َِّ، وبذلك جزم أبو ذر الهروي، والقزاز، وذكر
=
الواقدي أن أول ما قال النبي ◌َّةُ: ((الحَرْبُ خُدْعة)) في غزوة الخندق. اهـ: مختصرًا، ونحوه في العيني.
(١) قال ابنُ بَطال: سألت بعضَ شيوخي عن معنى هذا الحديث، فقال: الكذبُ المباحُ في الحرب ما يكون من
المعاريض، لا التصريح بالتأمين مثلًا. اهـ: ((فتح)). وقال النووي: الظاهرُ إباحةُ الكَذبِ في الأمور الثلاثة: منها
الكَذِبُ في الحرب، لكن التعريض أوْلى ((عمدة القاري)). وحَمَله في ((المعتصر)) على المعاريض.
(٢) قال الطحاوي في ((مُشْكِله)): فتأملنا هذا الحديثَ لنقف على المعنى المراد به ما هو، فوجدنا المُزَني قد حكى لنا
عن الشافعيِّ في تأويله، قال: كانت قريشٌ تنتاب الشامَ انتيابًا كثيرًا، وكان أكثرُ معاشهم منه، وتأتي العراقَ؛ فلما
دخلت في الإِسلام، ذكرت ذلك له عليه الصلاة والسلام خوفًا من انقطاع معاشِها بالتجارة من الشام والعراق،
وفارقت الكفرة، ودخلت في الإسلام، مع خلاف مَلِك الشام، والعراق، لأهل الإِسلام. فقال: ((إذا هَلَك
كِسْرى؛ فلا كسرى بعده، فلم يكن بأرض العراق كسرى يَثْبت له أمرٌ بعده، وقال: إذا هلك قَيْصر، فلا قيصرَ
بعده، فلم يكن بأرضٍ الشام قيصر بعده)). فأجابهم النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم على ما قالوا، وكان ما قال إلى
اليوم، وقطع اللّه الأكاسرة عن العراق، وفارس، وقيصر، ومَنْ أقام بعده بالشام. وقال في قيصر: يثبت في ملكه
ببلاد الروم، وينحى ملْكُه عن الشام، وكل هذا متفق. يصدق بعضُه بعضًا.
قال أبو جعفر: وسألت أحمدَ بنَ أبي عمران عن تأويل هذا الحديثِ، فأجابني بخلاف هذا القول؛ وذكر أن معنى
قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، إلى يوم القيامة، وكان معنى قوله: إذا هلك قيصر
بعده))، إعلاماً منه إياهم أنه سَيَهْلك، ولم يهلك إلى الآن، ولكنه هالِكٌ قبل يوم القيامة، وخولف بينه وبينه في
تعجيل هلاك كِسْرى، وتأخير هلاك قيصر، لاختلاف ما كان منهما عند وُرُود كِتاب رسول اللّه بَّ على كلٌ واحد
منهما. ثُم أخرج الطحاوي عن ابن عباس ما يدل على أن قَيْصر، وَقَّر كِتابِه بُِّ، وعَظّمه، وبَجَّله. أما كسرى
فَمِزّقه، فدعا عليه النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم أن يُمزق كلَّ مُمزّق. ورجح الطحاوي هذا التأويل، لأن في التأويل =

٢٣٢
كتاب الجهاد
كما أن قَيْصر لَقَبُ ملك الروم، والنجاشي مَلِك الحبشة والخاقان مَلِكَ التُّرْك، وفرعون ملك
القِبْط، وتُبَّع ملك اليمن، والعزيز ملك مِصْر، والقيل ملك حِمْير. ثم إنه كان كما أخبر به
النبيُّ ◌َّ، فلم يبق من اسمه، ولا رسمه.
٣٠٢٧ - قوله: (وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ، ثُم لا يكونُ قَيْصَرُ بعده) قلت: أما قيصرُ الشام فقد هَلَكَ،
وانمحت آثارُه، فلم يبق له راثٍ، ولا باكٍ. أما بقاء الإِيطالية الذي يقال له: الرومُ، فإِنه خارجٌ
عن نظرِه، فإِنه أخبر عن هلاكه حيث كان في زمانه، وهو الشام، ولم تَقُم له سلطنةٌ فيه إلى
اليوم. وإنما قلنا: إنَّ المرادَ هلاكُه عن موضع مخصوصٍ، لا عن وَجْه الأرض، لما دلت عليه
الرواياتُ ففي ((الخصائص)): الفارس النطحة، والنطحتين؛ وأما الروم فذوات قُرون. اهـ. فدلَّ
على بقائه في الجملة. وكذا ما أخرجه في ((الفتح)) أن التنوخي رسولُ هِرَقل. جاء النبيَّ ◌َّ السنة
التاسعة في تبوك، ولم يكن أسلم يومئذ، ثُم أسلم. وحديثه في ((مسند)) أحمد. فقال له النبيُّ ◌َِلّ:
((إني أرسلت كتابًا إلى هِرَقْل، فإِن أعزه نجا))، ثم نقل أنه وضع كتاب النبيِّ ◌َّ في أنبوبة من
ذهب، فكانت سلطنته في الروم، تصديقًا لما أخبر به النبيُّ وَّ.
والحاصل أن المرادَ من هلاك قيصر، ليس عن وَجْه الأرض، بل عن الوضع الذي كان فيه
بعهده ◌َّ مع الإِخبار ببقائه في الجملة، ولذا حملنا النهي على التخصيص.
١٥٨ - باب الكَذِبٍ في الحَرْبِ
٣٠٣١ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذَىَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ؟)) قالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُوَلَ اللَّهِ؟ قالَ: (نَعَمْ)). قالَ: فَأَتَاهُ
فَقَالَ: إِنَّ هذا - يَعْنِي النَّبِيَّ وََّ- قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ.
قالَ: فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَن نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى ما يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَل يُكَلِّمُهُ حَتَّى
اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. [طرفه في: ٢٥١٠].
والمرادُ به عندنا التوريةُ.
الأول ذِكْر هلاك قَيْصر، ولم يهلك، إنما كان منه تحوُّلُه بِمِلْكه من الشام إلى الموضع الذي هو مقيمٌ به الآن. ومما
=
يحقق ذلك هنا قولُ رسولِ اللّه ◌َّ: ((والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزُهما في سبيل اللّه))، فقد أنفق كَنْز كسرى في
ذلك، ولم يُنفق كَثْز قيصر في مِثْله إلى الآن، ولكنه سينفق في المستأنف في مثل ذلك، لأقوال رسول اللّه صلى
اللّه عليه وسلم، فإنما هو عن الله تعالى، والله لا يخلف الميعاد. قال الطحاوي بعد إخراج عِدَّة أحاديث في
الملاحم، والأمور العظام التي هي كائنة قبل الدجال: فأخبرنا عليه الصلاة والسلام بالمعنى الذي يكون عنده هلك
قيصر حتی یکون هلاگه کهلاك کِسْری الذي لا یکون بعده قيصرٌ إلى يوم القيامة، کما لا یکون بعد کِسْری کسری
إلى يوم القيامة، وتكون البلدان كلّها خاليةً من كل واحد منهما، ويكون كنوزهما قد صرفت إلى ما قال
رسول اللّه ◌َّية، أنه ينفق فيه، انتهى مختصرًا؛ قلت: ولعل في العبارة سهوًا من الكاتب في مواضع، وإنما لم
نصححها مخافةً زيادة التحريف، فلينظر فيها الناظر، والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٣٣
كتاب الجهاد
١٥٩ - باب الفَتْكِ بِأَهْلِ الحَرْبِ
٣٠٣٢ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جابِرٍ، عَنِ
النَّبِّ ◌ََّ قال: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟)) فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قالَ:
(نَعَمْ)). قالَ: فَأُذَنْ لِي فَأَقُوَّلَ، قَالَ: ((قَدْ فَعَلتُ)). [طرفاه في: ٢٤٣، ٢٥١٠].
١٦٠ - باب ما يَجُوزُ مِنَ الاخْتِيَالِ
وَالحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشِى مَعَرَّتَهُ
٣٠٣٣ - قالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهَ وَمَعَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ اِبْنِ
صَيَّادٍ، فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِيَ بِجُذُوعٌ
النَّخْلِ، وَابْنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّدٍ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، فَقَالَّتْ: يَأْ
صَافِ هذا مُحَمَّدٌ، فَوَثَّبَ ابْنُ صَيَّدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: (لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). [طرفه في: ١٣٥٥].
١٦١ - باب الرَّجَزِ في الحَرْبِ
وَرَفْعِ الصَّوْتِ في حَفرِ الخَنْدَقِ
فِيهِ سَهْلٌ وَأَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. وَفِيهِ يَزِيدُ عَنْ سَلَمَةَ.
٣٠٣٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التّرَابُ شَعَرَ
صَدْرِهِ، وَكانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةً:
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّينَا
((اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ ما اهْتَدَينًا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِن لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَينًا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةٌ أَبَينَا))
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَينَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ. [طرفه في: ٢٨٣٦].
وقد مَرَّ عن الأخفش(١) أن الرَّجْزَ ليس بِشِعْر؛ ولذا كان الراجز عندهم غيرَ الشاعر.
قوله (ورفع الصوت في حفر الخندق) واعلم أنَّ الأَغْلب في الحروب إخفاءُ الصوت. وهو
الأَوْلى بحال الحرب؛ فأراد المصنّف أن يترجم بِرَفْع الصوت، لِيُعْلم أنه مختلِفٌ باختلاف
الأحوال.
(١) نقله العيني في المجلد السادس، وفي السابع، ولم يعده الخليل شعرًا. وقال ابنُ الأثير: والرَّجَز ليس بشعر عند
أكثرهم. اهـ ((عُمدة القاري)). وهكذا في ((المعتصر)) أيضًا عن الخليل.

٢٣٤
كتاب الجهاد
١٦٢ - باب مَنْ لاَ يَثْبُتُ عَلَى الخَيلِ
٣٠٣٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
فَيسٍ، عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما حَجَبَنِي النَّبِيُّ وَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا
تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. [الحديث ٣٠٣٥ - طرفاه في: ٣٨٢٢، ٦٠٩٠].
٣٠٣٦ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَضَرَبَ بِيَدِه في صَدْرِي
وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتُهُ، وَاجْعَلهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)). [طرفه في: ٣٠٢٠].
١٦٣ - باب دَوَاءِ الجرحِ بِإِحْرَاقِ الحَصِيرِ،
وَغَسْلِ المَرْأَةِ عَنْ أَبِيهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ،
وَحَمْلِ المَاءِ في التُّرْسِ
٣٠٣٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَّا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ قالَ: سَأَلُوا
سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَيِّ شَيءٍ دُورِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ◌َ؟ فَقَال: ما بَقِيَ
مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنٍِّ، كانَ عَلِيٍّ يَجِيءُ بِالمَاءِ في تُرْسِهِ، وَكَانَتْ - يَعْنِي فَاطِمَةَ -
تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَخِذُّ حَصِيرٌ فَأَحْرِقَ، ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللَّهِ وَله .
١٦٤ - باب ما يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ وَالاخْتِلاَفِ في الحَرْبِ
وَعُقُوبَةٍ مَنْ عَصَى إِمامَهُ
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيِحُكُمْ﴾
[الأنفال: ٤٦]. وقالَ قَتَادَةُ :
الرِّيحُ: الحَرْبُ.
٣٠٣٨ - حدّثنا يَحْيى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسى إِلَى الْيَمَنِ، قالَ: (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا
وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعا وَلَا تَخْتَلِفَا)). [طرفاه في: ٢٢٦١، ٢٢٦٤].
٣٠٣٩ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ
البَرَاءَ بْنَ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ قالَ: جَعَلَ النَّبِيُّنَّهِ عَلَّى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ -
وَكَانُوا خَمْسِينٌّ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيرٍ فَقَالَ: ((إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا
مَكانَكُمْ هذا، حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى
أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ)). فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ
وَأَسْؤُقُهُنَّ، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيرٍ: الغَنِيمَةَ أَي قَوْم الغَنِيمَةَ،
ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيرٍ: أَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ؟
قالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا
مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُم الرَّسُولُ في أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ غَيْرُ اثْنَي عَشَرَ

٢٣٥
کتاب الجهاد
رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ بَّهَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ
أَرْبَعِينَ وَمِائَةً وسَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا. فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: أَفِي القَوْم مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَتَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةً؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمَ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ
فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ
كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ ما يَسُوؤُك، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في
القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِيٍ، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلُ، أُعْلُ هُبَل، قالَ النَّبِيُّ ◌َ.
((أَلَاَ تُجِيبُوا؟)) قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ما نَقُولُ؟ قالَ: (قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ)). قَالَ: إِنَّ
لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَلَا تُجِيبُوا؟)) قالَ: قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
نَقُولُ؟ قالَ: ((قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)). [الحديث ٣٠٣٩ - أطرافه في: ٣٩٨٦، ٤٠٤٣،
٤٠٦٧، ٤٥٦١].
١٦٥ - باب إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيلِ
٣٠٤٠ - حدّثْنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، قالَ: وَقَدْ فَزِعَ
أَهْلُ المَدِينَةِ لَيلَةً، سَمِعُوا صَوْتًا، قالَ: فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ بَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلحَةَ عُرْي،
وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيفَهُ، فَقَالَ: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((وَجَدْتُهُ
بَحْرًا)). يَعْنِي الفَرَسَ. [طرفه في: ٢٦٢٧].
١٦٦ - باب مَنْ رَأَى العَدُوَّ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا صَبَاحاهُ، حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ
٣٠٤١ - حدّثْنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
قالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الغَابَةِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، قُلتُ: وَيحَكَ ما بِكَ؟ قالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ بَّهَ، قُلتُ: مَنْ
أَخَذَهَا؟ قالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا
صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحاهُ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ:
وَاليَوْمُ يَوْمُ الـرُّضَّعِ
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ
فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ◌َّهَ، فَقُلتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ القَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي أَعْجَلتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ في إِثْرِهِمْ،
فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الأَْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ القَوْمَ يُقْرَوْنَ في قَوْمِهِمْ)).
[الحديث ٣٠٤١ - طرفه في: ٤١٩٤].

٢٣٦
كتاب الجهاد
١٦٧ - باب مَنْ قالَ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلانٍ
وَقَالَ سَلَمَةُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ.
٣٠٤٢ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قالَ: سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَينٍ؟ قَالَ الْبَرَاءُ، وَأَنَا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ
اللَّهِ وَسِ﴿ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كانَ أَبُو سُفيَانَ بْنُ الحَارِثِ آَخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ
المُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ)). قالَ: فَمَا رُئِيَ
مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. [طرفه في: ٢٨٦٤].
١٦٨ - باب إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ عَلَى حُكْمٍ رَجُلٍ
٣٠٤٣ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي
أُمَامَةَ، هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ أَبِيَ سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو
قُرَيظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ - بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى
حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَه: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)). فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَةِ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)). قالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ،
وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قَالَ: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ)). [الحديث ٤٠٤٣ - أطرافه في:
٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢].
١٦٩ - باب قَتْلِ الأَسِيرِ، وَقَتْلِ الصَّبْرِ
٣٠٤٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهِدَخَلَ عامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جاءَ
رَجَلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلِ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). [طرفه في: ١٨٤٦].
فالقتل وإن كان جائزًا بحسب المسألة، لكنه إنْ كان مُؤذيًا يُقْتُلُ، ولا يكون له سبيلٌ غير ذلك.
قوله: (وَقَتْلِ الصَّبر) أي في حال الأَسْر، ولا يريدُ في أوان الحَرْب.
١٧٠ - باب هَل يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ
وَمَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ وَمَنْ رَكَعَ رَكْعَتَينٍ عِنْدَ القَتْلِ
٣٠٤٥ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي
سُفِيَانَ بْنِ أَسِيدِ ابْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِيَنِي زُهْرَةَ، وَكانَ مِنْ أَصْحَابٍ أَبِي هُرَيرَةً:
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيهِمْ
عاصِمَ بْنَ ثَابِتِ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عاصِمٍ بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُّوا بِالهَدْأَةِ، وَهُوَ بَيْنَ

٢٣٧
کتاب الجهاد
عُسْفَانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيلٍ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَي
رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالُوا :
هذا تُمْرُ يَثْرِبَ. فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَأُوا إلى فَدْفَدٍ وأَحَاطَ بِهِمُ
القَومُ، فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا وأَعْطُونا بِأَيَدِيكُمْ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَالِمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا .
قالَ عاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَّا أَنْزِل اليَوْمَ فِي ذِمَّةٍ كافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ
عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا في سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالعَهْدِ
وَالمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبُ الأَنْصَارِيُّ وَابْنُ دَثِنَةً وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اِسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَظْلَقُوا أَوْتَارَ
قِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هذا أَوَّلُ الغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لي في
هَؤُلَاءِ الأُسْوَةٌ، يُرِيدُ القَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ وَعالجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبِى فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا
بِخُبَيبٍ وَابْنِ دَئِنَةً حَتَّى بَاعُوهُما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ
نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيِبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ
أَسِيرًا، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضِ: أَنَّ بِنْتَ الَحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ
مِنْهَا مُوسى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ
مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسى بِيَدِهِ، فَفَزِعْتُ فَرْعَةً عَرَفَهَا خُبَيِبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ
أَنْ أَقْتُلَهُ؟ ما كُنْتُ لأَفعَلَ ذلِكَ. وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ أَسِيرًا قَطْ خَيرًا مِنْ خُبَيبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ
يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ، وَما بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ، وَكَانَتْ
تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ
خُبِيبٌ: ذَرُوَنِي أَرْكَعْ رَكْعَتَينٍ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلًا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ ما بِي
جَزَعْ لَطَوَّلْتُهَا، اللَّهُمَّ أَخْصِهِمْ عَدَدًا :
عَلَى أَيِّ شِقِّ كانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
ما أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالٍ شِلـوٍ مُمَزَّعِ
وَذِلِكَ فِي ذَاتِ الإِلهِ وَإِنْ يَشَأْ
فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَينِ لِكُلِّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا،َ
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَضْحَابَهُ خَبَرَهُمَّ وَمَا أُصِيبُوا .
وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيَشٍ إِلَى عاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكانَ
قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عَُمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ عَلَى عاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ
رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا.
[الحديث ٣٠٤٥ - أطرافه في: ٣٩٨٩، ٤٠٨٦، ٧٤٠٢].
يعني أيجوزُ له أن يسلم نفسه للأَسْر أم لا؟ وقد وُجِد في السَّلَفِ النَّحْوانِ.
٣٠٤٥ - قوله: (بَنُو الحارِث بنِ عامِرٍ) ... الخ، فالحارِث ابنٌ، وعامرٌ أبوه، وليس ابنُ
عامر، كُنْيَةً للحارث، وإنما كانوا يذكرون الكُنْيتين للمُسْلِمين، واحدة من قِبل أبيه، وأخرى من

٢٣٨
كتاب الجهاد
قِبل ابنه. وأما الكفار فلم يكونوا يذكرون لهم إلا كُنية واحدة، فإنهم أَحَقر من أن تُذكر كُناهم،
وإنما کانوا یکتفون بِذکر إحدی کُنیتھم.
قوله: (وبرأ النَسمة) قد تكلمنا على هذا اللفظ مرتين، ولا بأس أن نعودَ إليه ثالثًا، فاعلم
أن النَّسمة ترجمته "جان" وفي تعريفات الأشياء لابن سيناء أن النفس الحيوانيةُ يقال لها:
"روان"، والنفس الناطقة يقال لها: "جان" .
قلت: وقال الشاه وليُّ الله: إنَّها الروح الهوائي، وليس بصحيح عندي. ثُم الروح الهوائي
هي البخارات المملوءة في الشرايين، وهي مركب للحياة، وما أدركنا مرادَ النَّسمة إلَّا من حديث
أخرجه مالِك في ((موطئه)): ((إنما نسمةُ المؤمنِ طَيْرٌ يعلق في شجرة الجنة حتى يرجع)). فالروحُ
أَمْرٌ مستقِرٌ عند الشرع، مصونٌ عن التغير والتطور، فلا تتطور، ولا تتبدل في ذاتها من صورةٍ إلى
صورة، ولا تنتقل من شَكْل إلى شَكْل، ولا تُسند إليها الأَفْعالُ المادية؛ بخلاف النَّسمة، نعم
تُنْسب إليها النَّفْخُ والقبض، ولكنهما ليسا من الأفعال المادية.
ثُم تلك الروحُ تلبس لباسًا فيسنُد إليها من الأفعال المادية أيضًا، كالأَكْل، والشُّرْب، فلعلَّ
التسمية من أحوالِ الأرواح، في وقت مخصوص. أما الروحُ، فهي أَمْرٌ مستقر. وإذن الفَرْق بين
الروح والنَّسمة مِن قِبَل الأفعال، ولذا لم نجد في الأحاديث إسنادُ الأفعال الماديةِ إلى الروح،
ومهما وجدناه وَجَدْناه بلفظ النَّسمة، فدلَّ على تغاير بينهما. وعند الترمذي في باب فضائل
الشهيد: ((في جوف طير)). على خلاف لفظ ((الموطأ)) ففيه: ((طير))، وقد مَرَّ أنه على لفظ
((الموطأ)) تَمَثُّلًا، وتطورًا للروح، أي ظهورًا، بخلافه على لفظ الترمذي، وكذا عنده لَفْظ
الأرواح)). مكان النَّسمة، فراعه.
١٧١ - باب فَكَاكِ الأَسِيرِ
فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ وَّ.
٣٠٤٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِيِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِي
مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((فُكُوا العَانِيَ - يَعْنِي: الأَسِيرَ - وَأَظْعِمُوا
الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)). [الحديث ٣٠٤٦ - أطرافه في: ٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣].
٣٠٤٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ: أَنَّ عامِرًا حَدَّثَهُمْ، عَنْ
أَبِي جُحَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَل عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّ
ما في كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، ما أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهَ اللَّهُ
رَجُلًا في القُرْآنِ، وَما في هذهِ الصَّحِيفَةِ. قُلتُ: وَما في الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ
الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [طرفه في: ١١١].
وقد مرَّ أن استبدال الأُسراء جائزٌ عندنا أيضًا، لكنه موكولُ إلى رأي الإِمام، ولم يتعرض
إليه أصحابُ المتون، وقد ذكروه في المبسوطات.

٢٣٩
كتاب الجهاد
١٧٢ - باب فِدَاءِ المُشْرِكِينَ
٣٠٤٨ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيس: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ
مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شهابٍ قالَ: حَدَّثنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رِجالًا مِنَ
الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُوَّلَ اللَّهِ بِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ فَلنَتْرُكُ لإِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ
فِدَاءَهُ. فَقَالَ: ((لَا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهَمًا)). [طرفه في: ٢٥٣٧].
٣٠٤٩ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﴾
صَنَلىالله
وستـ
بِمَالٍ مِنَ البَحْرَينِ، فَجَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِيّ، فَإِنِّي فَادَيتُ نَفسِي
وَفَادَيْتُ عَقِيلًا فَقَالَ: (خُذْ)). فَأَعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ. [طرفه في: ٤٢١].
٣٠٥٠ - حدّثْني مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَكانَ جاءَ في أُسَارَى بَدْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقْرَأْ في
المَغْرِبِ بِالطُّورِ. [طرفه في: ٧٦٥].
وقد مرَّ عن محمد أنه جائز.
٣٠٥٠ - قوله: {عن مُحمد بن جُبير عن أبيه، وكان جاء في أُسَارَى بَدْر) ... الخ، وإنَّما
کان کافرًا يومئذٍ .
١٧٣ - باب الحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإسْلَامِ بِغَيرِ أَمَانٍ
٣٠٥١ - حذّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ
أَبِيهِ قالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َّه عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَّسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمّ
انَّفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ). فَقَتَلْتُهُ، فَتَقَّلَهُ سَلَبَهُ.
لا بأس بقتله.
١٧٤ - بابٌ يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلاَ يُسْتَرَقُونَ
٣٠٥٢ - حدّثنا مُوسىٍ بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
مَيمُونٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: وَأُوصِيِهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ نَّهِ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ
بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلِّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ. [طرفه في: ١٣٩٢].
يعني أنا نحفَظُ أموالَهم، وأعراضَهم، ومَنْ يحارِبْهم نقاتِلْ دونهم.
واعلم أن بَعْضَ مَنْ لا دينَ لهم، ولا عَقْل، ولا شيء زعموا أنَّ الجِزيةَ ظُلْمٌ، هيهات
هيهات؛ وهل عَلِموا قَدْر الجِزْية؟ هو دِرْهمٌ على فقرائهم، وأربعةُ دراهِمَ على أغنيائهم، وليس
على نسوانهم وصبيانهم شيءٌ، ثم هل عَلِموا قَدْرَ ما يُؤخذ من المسلمين، فهو أضعافُ ذلك،
يؤخذ منهم العُشرُ، والزكاةُ، والصدقاتُ، والجباياتُ الأخرى، بخلاف أهل الذِّمة، ثُم هل

٢٤٠
كتاب الجهاد
علموا أن ما نأخذُه منهم نكافئهم بأضعافه، نجعلُ دماءهم كدمائنا، وأعراضَهم كأعراضنا، نحفظ
أموالهم، ونناضِلُ أعداءهم. فلو وازيت ما يُؤخذ من المسلمين بما يُؤخذ منهم، لعَلِمت أن
المأخوذَ من أهل الذمة أقلُ قليل، مما نأخذُ من المسلمين. فَمَنْ ظنَّ أن الجزية ظُلْم، فقد سَفِه
نفسه .
قوله: (ولا يُسْتَرَقُّون) أي إذا عقدوا عَقْدَ الذِّمة، فلا يُسْتَرَقُّون بعده.
١٧٥ - باب جَوَائِزِ الوَفْدِ
١٧٦ - باب هَل يُسْتَشْفَعُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ
٣٠٥٣ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ سُلَيمانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَما يَوْمُ الخَمِيسِ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى
خَضَبَ دَمْعُهُ الحَضْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِّ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: ((انْتُونِي
بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا)). فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَّبِيِّ تَنَازٌُ، فَقَالُوا:
هَجَرَ رَسُولُ اللَّهَِّ؛ قالَ: ((دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ)). وَأَوْصى عِنْدَ
مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: ((أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفَدَ بِنَحْوِ ما كُنْتُ
أَجِيزُهُمْ)) وَنَسِيتُ الثَّالِئَةَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَقَالَ:
مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ وَاليَمامَةُ وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: وَالعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ. [طرفه في: ١١٤].
وقد كَثُرت الوفود إلى حضرةِ الرسالة في السَّنة التاسعة، ولذا سميت بعام الوُفود.
٣٠٥٣ - قوله: (أَخْرِجُوا المشرِكين مِن جزيرة العرب) واعلم أنَّ أصحابَ الجغرافية
اختلفوا في تحديد(١) جزيرة العرب من الجانب الشمالي اختلافًا، وقد مرَّ معنا وَجْهه في كتاب
الصلاة؛ أما مُكْث المُشْرِك في جزيرة العرب، فكما في الحديث.
١٧٧ - باب التَّجَمُّلِ لِلؤُقُودِ
٣٠٥٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: وَجَدَ عُمَّرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَّاعُ في
السُّوَقِ،َ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِنَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هذهِ الحُلَّةَ، فَتَجَمَّل بِهَا لِلِعِيدِ
وَلِلُفُودِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهَِِّ: ((إِنَّمَا هذهِ لِيَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هذهِ مَنْ
(١) وبسط العينيُّ الأقوال فيه، ونقل عن أبي حنيفة جوازَ سُكُناهم في الحرم، ومَنْع دخول حرم مكة. اهـ: هكذا في
النسخة الموجودة عندي، وراجع ما ذكره الدكتور محمد حسين هيكل في سيرته الشهيرة ((بحياة محمد صلى الله
عليه وسلم)).