Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب العِثْقِ
عِثْقُهُ كُلِّهُ، إِن كانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ عَلَى
المُعْتِقِ، فَأُعْتِقَ مِنْهُ ما أَعْتَقَ)).
حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ: اخْتَصَرَهُ. [طرفه في: ٢٤٩١].
٢٥٢٤ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِّ وَِّ قالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ في مَمْلُوكٍ، أَوْ شِرْكًا لَّهُ فِيَ عَبْدٍ، وَكانَ
لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ)). قالَ نَافِعٌ: وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ ما عَتَقَ.
قالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَيءٌ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ شَيءٌ في الحَدِيثِ. [طرفه في: ٢٤٩١].
٢٥٢٥ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ: حَدَّثَنَا الْفُضَيلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ:
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كانَ يُفْتِي في العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ، يَكُونُ بَينَ
الشُّرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِثْقُهُ كُلُّهُ، إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ
مِنَ المَالِ ما يَبْلُغُ، يُقَوِّمُ مِنْ مالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى
سَبِيلُ المُعْتَقِ، يُخْبِرُ ذلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿َ. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ
إِسْحَاقَ، وَجُوَيرِيَةُ، وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ مُخْتَصَرًا. [طرفه في: ٢٤٩١].
٢٥٢١ - قوله: (فإِنْ كان مُوسِرًا قُوِّم عليه، ثُمَّ يُعْتَق) ... الخ، وفيه إيماءٌ إلى مذهب
الحنفية، لأنه قال (ثم يعتق))، فأتى بحرف التراخي، ليدل على أن في عِثْقِه بتمامه تأخيرًا،
وتراخ، ولم يعتق كله بالفعل؛ ويؤيده ما في الروايةِ الآتية: منْ أعتق شِرْكا له في مملوك، فَعَلَيْهِ
عِثْقُهُ كُلُّه إن كان له مالٌ يَبْلُعُ ثَمَنَه))، اهـ، فإِنَّه أيضًا يدلُّ على أنه مُعْتَق البعض في الحال، ثم
سیعتق علیه کان إنْ كان له مالٌ.
٢٥٢٣ - قوله: (فإِنْ لم يكن له مالٌ يُقَوَّم عليه قيمةَ عَدْلٍ على المُعْقِ، فَأُعْتِقَ منه ما عتق)
اهـ. واعلم أن قوله: ((يُقَوَّم عليه)) ... الخ، صِفْةُ لمال؛ وجزاء الشَّرْطَ: فَأُعْتِقَ منه ما عتق،
والمعنى أنه إن لم يكن له مالٌ كذلك، فلا يكون له التَّضْمين، بل يَعْتِقِ منه ما عتق، وعليه
خلاصُه في الباقي، كما هو مذهب الحنفية، أو عَتَقَ منه [ما] عتق فَحْسب، كما هو مذهب
الشافعي؛ ولو جعلت قوله: ((يُقوَّم عليه)) جزاءً للشرط ينقلبُ المرادُ، ويَدُّ على التقويم والتضمين
عند عدم المال، وليس بمرادٍ، فاعلمه، وراجع ((الهامش)).
٥ - بابٌ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا في عَبْدٍ، وَلَيسَ لَهُ مالٌ،
اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ، عَلَى نَحْوِ الكِتَابَةِ
٢٥٢٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجاءٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازم:
قالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قالَ: حَدَّثَني النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مالِكِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِّي

٢٢
كتاب العِثْقِ
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَِّيُّ بَّهَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ)). [طرفه في: ٢٤٩٢].
٢٥٢٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ
أَنَس، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيِّ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ قالَ: «مَنْ أَغَتَقَّ
نَصِيبًا، أَوْ شَقِيصًا، في مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيهِ في مالِهِ، إِنْ كانَ لَّهُ مالٌ، وَإِلَّا قُوَّمَ عَلَيهِ،
فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوْقٍ عَلَيْهِ)). تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. [طرفه في: ٢٤٩٢].
قال مولانا شيخُ الهند: إن هذه الترجمة دليلٌ على أن البخاريَّ وافق الإِمامَ الأعظم، لأنه
وضع لفظ: ((على نحو الكتابة))؛ وهذا هو دعامةُ مذهب الحنفية، لأنهم اختلفوا في صِفة العبد
حال الاستسعاء، فقال إمامُنا: إنه في حُكُم المكاتب؛ فرَّب المصنّف هذه الترجمة من جملةٍ
الحديث، وتَفَقَّه الإِمام، والمسألةُ وإِنْ مَرَّت من قَبْل، لكنَّ الظاهر أنه لم يُرِد التقويةَ إلَّا هُهنا،
فوضع لفظ ((على نحو الكتابة)) مع جملةِ الحديث، وهذا اللفظ قاله الإمام أبو حنيفة، وإبراهيم
النَّخَعي، فيتبادر منه أنه اختار مَذْهَبَنا أيضًا؛ فالعجب أن البخاريَّ وافق الإِمام في تلك المسألة،
وخالفه صاحباه.
٦ - بابُ الخَطَإٍ وَالنِّسْيَانِ في العَتَاقَةِ
وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلاَ عَتَاقَةَ إِلاَّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى
وَقَالَ النَّبِيُّ بَّهَ: ((لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى)). وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي والمُخْطِىءِ.
٢٥٢٨ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ
أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا
وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، ما لَّمْ تَعْمَل أَوْ تَكَلَّمْ)). [الحديث ٢٥٢٨ - طرفاه في: ٥٢٦٩، ٦٦٦٤].
الخطأ أن يَسْبق على لسانه شيءٌ مِن غير قَصْدٍ منه، نحو أراد أن يقول: سبحان الله، فجرى
على لسانه: أَنْت حُرّ؛ وصورة النِّسيان نحو إنْ قال: والله لا أُطلِّقُ امرأتي، ثُم نسي أنه حلف به،
فقال: امرأتي طالِقٍ، كذا ذكره في (البحر))؛ وإلَّ فتصويرُ النِّسيان مُشْكِلَ ههنا. ثُمَ إنَّك قد عَلِمت
فيما مرَّ مرارًا؛ أَنَّ الجهل، والنِّسيان، والخطأ عُذْرٌ في فِقْه الأئمة في كثيرٍ من المسائل؛ واعتبره
البخاريُّ أَزْيَدَ منهم، ولم يعتبِرْها الحنفيةُ إلا أقَلَّ قليل، ولو وَسَّع فيها الحنفيةُ أيضًا لكان أحسنَ،
وهو الذي يُستفاد مِن نسق الشَّرْع، فإِنَّ سَطحه أَوْسع، وفِقْه الحنفيةِ أَضْيق، نعم ما وَسَّع به الإِمام
البخاريُّ لیس بجيد أيضًا .
قوله: (ولا عَتَاقَة إلَّا لِوَجْه الله) لعلّه تعريضٌ إلى الحنفية، فإِنَّهم قالوا: إن قال: أَنت حُرٍّ
للشيطان، عَتَقَ عَبْدُه، قلت: إن أراد به أن العَبدَ لا يَعْتِقِ إلَّا أن يعتقه لوجه الله، فليس بصحيح،
وإنْ أراد أنه أعتقه لغير الله، فإِنَّه لم يفعل فِعْل الإِسلام، فنحن لا نُنْكره أيضًا، بل نقول: إنه إن
نوى بذلك العبادة، كَفَر أيضًا، فأَيُّ وِزْر يريدُ فوقَه؟! ولم يُحْسن الشيخُ محي الدين النووي في

٢٣
کتاب العِتْقِ
نَقْل مذهب الحنفية، حيث يتبادر منه أن الحنفية لا يبالون به، وَيَرونه كعامَّة صِيغ العِثْق، مع أنك
علمت أنه كُفْرٌ عندنا، أما تَمَسُّكُه بقوله ◌َّهِ: ((إنما الأعمال بالنيات))، ولا نية للناسي،
والمُخْطىء، فينبغي أن لا تُعتبر تصرفاتُه، فهو كما ترى. وقد مرَّ عليه البحثُ معنا مبسوطًا: أن
الحديثَ لم يَردِ في صِحَّة الاعمال، وفسادِها أَضْلًا، وإنما ورد في بركة الأعمال، ونمائها؛
فكونُ النية شَرْطًا للصّحة خارجٌ عن مفهوم الحديث، وإذن التمسك به غيرُ تامّ.
٢٥٢٨ - قوله: (إنَّ الله تجاوَزَ إلي] عن أمتي ما وسْوَسَت به صِدُورُها ما لم تَعْمل أو
تتكلّم) وقد مرَّ عليه الطحاوي في ((مُشْكلّه)) على نظيره، واختار فيه النَّصْبَ، ولم يجعل النفس
فاعِلًا، فيكون لههنا أيضًا النصب؛ وترجمته: "جوابنى سينون مين وسوسه دالين" (١).
واعلم أنه قد سَبَق إلى بَعْض الأَذهان أَنَّ العَزْمِ(٢) على المعصية أيضًا عَفْوٌ، كسائر مراتب
الوَسْاوس، نظرًا إلى ظاهر هذا الحديث، لأنه وَرَد في صَدْرهِ ذِكْرُ الوَساوس، ثُمَّ بلغ إلى عَمَل
(١) في ((المعتصر)): وذُكر من طُرُق، وأنفسَها بالنصب على معنى حدثتها به من غير اختيارها إياه، ولا اجتلابها له
منها؛ ومما يَدُلُّ عليه أيضًا ما رُوي أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إنَّ أحدنا يُحدِّث نفسه بالشيء، لأن يكون
حممة، أحبّ إليه مِن أن يتكلم به، فقال: ((الحمد لله الذي لم يقدره مِنْكم إلَّ على الوسوسةِ، قالوا: وإنْ كان قد
قيل فيه: إنَّ أحدَنا يُحدِّثُ نَفْسه، أو إنا نحدِّثُ أَنْفُسنا)). كان جواب رسول الله ◌ٍَّ إياهم هو المعتمد عليه، وإليه
قصدنا، وهو ما ذكره عنه ابن مسعود: ((ذلك صَرِيحُ الإِيمان)»، وفي الحديث دليلٌ على صِحَّة النصب، وهو قوله:
(تجاوز الله)). والتجاوز لا يكونُ إلَّا عمَّا لو لم يتجاوز عنه. لَعُوقِبوا عليه؛ وذلك مما يُعْقل أنه لا يكون مِن
الخواطر المَعْفُوُ عنها، بل إنَّه من الأشياء المجتلبة بالهم بها؛ فالوجه أنه على ما يُهُم به العبد من المعاصي
ليعمَلها، فتجاوز الله تعالى لنبيِّه ◌ٍِّ ذلك، فلم يؤاخذهم به، ولم يعاقبهم عليه؛ ومن ذلك ما رُوي مرفوعًا:
قال الله عزّ وجل: (إذا همّ عبدي بحسنة)) الحديثَ، فانتفى ما قال أَهْلُ اللغة: ((أَنْفُسُها)) بالرفع، اهـ مختصرًا .
(٢)
قال الشيخ بدر الدين العَيْني: والذي عليه الجُمهور انَّ مَنْ نوى المعصيةَ، وأصرّ عليها يكون آئِما، وإن لم
يعملها، ولم يتكلم بها، قلت: التحقيق فيه أنَّ مَنْ عزم على المعصية بِقَلْبه، وَوطّن نفسه عليها، أَثِم في اعتقاده
وعَزْمه، ولهذا جاء بلفظ: الحِرْص فيه - أي في حديث التقاتل؛ أنه كان حريصًا على قتل صاحبه -، ويحمل ما
وقع مِن نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تجاوز لأُمتي)) ... الخ. وفي الحديث الآخر: ((إذا همّ عبدي
بسيئةٍ، فلا تكتبوها عليه، إنَّ ذلك فيما إذا لم يُوطِّن نَفْسَه عليها، وإنما مرَّ ذلك بِفِكْره من غيرِ استقرار، ويسمى
هذا هَمًّا، وإنْ عزم تُكتب سيئة، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، انتهى مختصراً، بتغيير. قلت: وأوضح منه ما قال
صاحب ((المدارك)): لا تدخل الوساوس، وحديث النفس فيما يخفيه الإِنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخُلُو
منه، لكن ما اعتقده، وعزم عليه .
والحاصل أن عَزْم الكُفْر كُفْرٌ، وخَطْرة الذُّنوب من غيرِ عزم مَعْفُوة، وعَزْم الذُّنوب إذا نَدِم عليه ورجع عنه، واستغفر
منه، مغفورٌ. فأما إذا هِمَّ بسيئةٍ، وهو ثابت على ذلك، إلا أنه مُنع عنه بمانع ليس باختياره، فإِنَّه لا يُعاقب على
ذلك عقوبةَ فعله، أي بالعَزْم على الزِّنا لا يُعاقب عقوبةَ الزُّنا؛ وهل يُعاقب عقوبةِ عَزْم الزِّنا؟ قيل: لا، لقولِه عليه
الصلاة والسلام: ((إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل، أو تتكلم به، والجمهور على أنَّ الحديثَ
في الخطرة دون العَزْمِ، وأن المؤاخذةَ في العَزْمِ ثابتةٌ، وإليه مال الشيخُ أبو منصور، وشمس الأئمةِ الحلواني؛
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية وعن عائشةَ: ما همَّ العبدُ
بالمعصيةِ مِن غيرِ عمل يعاقب على ذلك مما يلحقه من الهِمّ والحزن في الدنيا، اهـ. من أواخر سورة (البقرة)».

٢٤
كتاب العِثْقِ
الجوارح بالطفرة، وتَرَكُ العَزْم من البَيْن، فتردد فيه النظر؛ أنَّه داخِلٌ تحت حُكْم الغاية، أو
المُغَيًّا؟ فذهب بَعْضُهم إلى أنه عَفْوٌ، وتَوهَّم أنه داخِلُ في حُكْم المُغَيا؛ وهذا باطل قطعًا، كيف
وإنه إذا لم يُذكر له حُكْمٌ في الحديث نصًا، فما الدليلُ على أنه داخِلٌ تحت حُكُم المَغِيًّا؟ لِمَ لا
يجوز أن يكون داخلا في حُكْم الغاية، ويكون المعنى ما لم يَعْمل أو يتكلّم أو يَعْزِم.
وإنما يَحْدُث الإِشكالُ في مِثْل هذه المواضع، لأن الحديث قد لا يكون حاويًا على جميع
الشقوق، فيأتي واحدٌ منهم، وتعتريه عجلةٌ، فيزعمه حاويًا على جميعها، ثم يستنبط منه حُكْمًا
للشِّقِّ المسكوتِ عنه أيضًا حسب زَعْمه، فيقع في مناقضةٍ من التواتر من فِعْله. وهذا ظُلْمٌ
وتعسُّف، فإِنَّ مَنْشأه ليس إلا ظِنُّه الفاسد، أو العجلةُ التي أخذته؛ كما رأيت في الحديث
المذكور، أنه لم يتعرَّض إلى العَزْم، وإنما بيّن حُكم سائر الوساوس، فكبُر على بَعْضِهم أن لا
يكون له في الحديث حُكُم، فجعله حاويًا على جميع الشُّقوق، ثُم أخذ منه حُكْم العَزم أيضًا،
لكونه من متناوَلاتِ الحديثِ على ظَنِّه، فحكم عليه بكونِهِ عَفْوًا، مع أن المعروف عند الشَّرْع
خِلافُه، وجماهير العلماء قد ذهبوا إلى المؤاخذةِ عليه أيضًا.
ثم المشهور في شَرْح الحديث؛ أنَّ الوساوسَ لا تخلو إمَّا أن تقع فيما يكون مِن جنس
الأقوال، أو الأفعال؛ فإِنْ كانت من النَّحْو الأَوَّل، فإِنَّها لا تُؤخذُ بها حتى تتكِلَّم؛ وإن
كانت من الثاني فأيضًا كذلك، إلا إذا عَمِل بها؛ وحينئذٍ لا تُكْتب لكُلِّ نوع منهما إلَّا معصيةٌ
واحدةٌ .
وقد كان خَطَر ببالي شَرْحٌ آخر، فَعَرَضْتُه على مولانا شيخِ الهند، وهو أنَّ ما كان من
قبيل الوساوس إذا بلغ إلى حَدِّ العمل فَعَمِل به، ثُم تكلّم، فإِنَّ اقترف مَعْصِيتين: معصيةً
للعمل؛ ومعصيةً أُخْرى للتكلُّم بها، وهذه مغايرةٌ للأُولى، وذلك لأن الله تعالى قد أَمَرَه
بِسِتْرها، فإِنَّ الله تعالى لا يُحِبُّ الجَهْر بالسوء، إلَّا مَنْ ظلم، فلما افْتَات عليه، وجَهر بها،
استحق أَن تُكْتب له معصيتان، وحينئذٍ مرادُ الحديث أَنَّ الوَساوِس مَعْفوٍّ عنها، إلَّا إذا عَمِل
بها، فإنها تُكتب له معصية، فإِنْ تكلّم بها تُكْتب له معصية أُخرى، لكونها أَحْرَى بالتستُّر. فهذا
تَجَاسُرٌ منه، ووقاحةٌ بَيِّنَةٌ، فما أليقَ بأن تُكتب له معصيتان: معصيةٌ للعمل، ومعصيةٌ للتكلُّم؛
وعلى هذا التقرير تتعلق معصيتان على ارتكاب أَمْرٍ واحد، الأُولى لاقترافِه سيئةً، ومعصيةٌ
أخرى للتكلم. ولعلك عَلِمت الآن الفَرْق بين الشَّرْحين، وأن الحديث ساكتٌ عن حُكْم العَزْم،
لا أنه مَعْفُوُ عنه، كما زعم.
هذا ما سمعت في العزم الذي هو من مبادىء أفعال الجوارح؛ وأما العَزْم الذي لا يتعلَّق
بأفعال الجوارح، بل هي من معاصي القلب، كالعَزم على الأخلاق الفاسدة نحو: الحِقْد،
والكِبْر، فتؤاخذ عليها أيضًا، إلّا أنها ليست مذكورةً في هذا السياق، ولم يتعرَّض إليها
الحديث أَضْلًا؛ وإنما الحديثُ في الوساوس التي تَقعُ مبادىءَ لأفعال الجوارح، کالزِّنا،
والسَّرقة، فإِنَّهما من أفعال الجوارح قطعًا؛ وهذه الوساوس من مبادئها، ألا ترى أنَّ الإِنسانَ
إذا تمنى فاحشةً تتحدَّثُ بها نفسه أولًا، وقد تَخْطُر بباله، وأُخْرى تَهْجِس في نفسه هَجْسًا، وقد

٢٥
كتاب العِثْقِ
يَعْزِم عليها، ثُم إن غلبت عليه الشِّقْوة، وسبق القَدَر، فَقَد يَقْتَرِفها أيضًا، والعياذ بالله، فهذه
الوَساوسُ هي التي وَرَدَ فيها الحديثُ، أما العَزْم على معاصي القَلْب نحو الأحقاد والضغائن،
والشُّكوك في أَصْلِ الدِّين، فهذه الأفعالُ كلُّها ليست من الجوارح، بل أفعالُ القلب، فلم يَردِ
فيها الحديثُ رأسًا؛ نعم، ومِن الأشياءِ ما تكون من أفعال الجوارح أولًا، ثُم تصيرُ آخِرًا من
أفعال القلب، كالانتقام لمظلمة. فإِنَّ الإِنسانَ يجتهد فيه مهما أمكن، فإِذا عَجَزَ عنه القلب
حِقْدًا، فهي أيضًا داخلة في الأفعال القَلْبية آخِرًا. ومن لههنا عَلِمت السِّرَّ في عدم تَعَرُّض
الحديث لهذا النحو من العَزْم، وهو أن الحديث إنما ورد في مبادىء أفعالِ الجوارح فقط، أما
العَزْمُ على الأفعال القَلْبية، كالأخلاقِ الفاسدة، فليست من مبادىء أفعال الجوارح، كما
علمت، بمعنى أنها لا تقع في مبادئها، فإِنَّها تقتصر على الباطن فقط؛ بخلاف النحو الأول،
فإِنها تَنْبعث من الباطن، وتتقوَّى شيئًا فشيئًا حتى تُسخِّر الظاهِرَ أيضًا، فيتابعها تارة، ويركب
تلك المعصية .
والحاصل أنَّ الحديث ورد في الوَساوِس التي تكون مبادىءَ الأفعالِ الجوارح، وسكت عن
حُكم العَزْم عليها؛ وأما حُكْم سائر العزم، ممَّا لا تعلَّق لها بتلك الأفعالِ، فهي خارجةٌ عن سياق
الحدیث .
ثم نُلقي عليك شيئًا لتفصيل المسألة، وهو أن مَراتِبَ القَصْد خَمْسٌ، ضَبَطَها بعضُهم في
هَذین البیتین :
فخاطِرُ، فحديث النَّفس، فاستمعا
مراتِب القَصْد خَمْسٌ: هاجسٌ ذكروا
سوى الأخير، ففيه الأَخْذُ قد وقعا
يليه هَمٌّ، فَعَزْمٌ، كلُّها رفعت
فالخاطِرِ اسمٌ لما يَخُطُر ببالك، ولا يكون له استقرارٌ في الباطن؛ فان استقرَّ شيئًا يقال له:
الهاجِس، وإن استقِرَّ ولم يخرج، ولكن لم يترجح أحدُ جانبي الفِعْل، أو الترك عندك، يقال له:
حديثُ النَّفس، فإِنَّ ترجَّح، وتَرَدَّدت فيه النَّفْسُ، فَهَمّ؛ وإن أُجْمَعَتْ عليه، فعزمٌ. ثُم إنَّ الثلاثةَ
الأُوَل عَفْوٌ في طَرَفي الطاعة والمعصية، فلا ثوابَ عليها، ولا عقاب، أما الهَّم فهو عَفْوٌ في
جانب المعصية، ومُعتبرٌ في جهة الطاعة.
بقِي العَزْم، فإِنَّ مُعتبر في الجهتين؛ ومَنْ ظنَّ أَنه عَفْوٌ لهذا الحديث فقد غَلِط. لا أقولُ: إنَّ
العَزْم على المعصيةِ، كالعمل بها بعينه، بل هو دونه؛ فثوابُ العَزْم على الظَّاعةِ أَدْونُ من ثواب
العمل بالطاعة، وكذا ◌ِقاب العَزْم على المعصية، أَخفُّ من العمل بالمعصية. ثُم العَزْم إِنْ بلغ
إلى حَدِّ العمل حتى عُمِل بموجَبِهِ، فإِنْ كان على الطاعة تُكْتب له عَشْرُ حسنات، وإن كان على
المعصيةِ لا تُكْتب له إلَّ سيئةٌ، وإنْ لم يبلغ إلى حَدِّ العمل، فإِنْ كان على الطاعة تُكْتب له طاعةٌ
واحدةٌ، وإن كان على المعصيةِ تُكتب له معصيةُ العَزْم لا غير، فإِنْ كَفَّ عنها خَوْفًا من رَبِّه تُمحى
عنه مَعْصيةُ العَزْمِ، وتُكْتب حسنةٌ مكانها، كما يُعلم مما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا:
قال الله تعالى: ((إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنةً فأنا أَكْتُبها له حسنةً ما لم يعمل فإِذا عَمِلها فأنا
أَكْتُبها بِعَشْرةٍ أمثالها إلى أن قال في السيئة وإنْ تركها فاكتبوها له حسنةً إنما تركها مِن جَرَّائي))

٢٦
كتاب العِثْقِ
اهـ، أي من أجْلي، والمرادُ من التَّرْكُ تَرْكُه(١) باختياره.
وحاصلُه أنه إذا مَنَعَتْهُ عن ارتكاب السيئةِ عظمةُ رَبِّه، وخشيتُه، تُمْحِى عنه معصيةُ العَزْمِ،
وتُكتب له حسنةٌ أُخرى، ويُعد ذلك توبة، وأما إذا تركها لموانعَ سماويةٍ، فلم يُذْكر أَمْرُه في
الحديث، ويُستفادُ مما عند مسْلم أنه لا تُمحى عنه سيئةُ العَزْم، وتبقى مكتوبةً عليه، كما كانت؛
فإِنَّ الوَعْد إنَّما هو على تقدير تَرْكه من أجل عظمة الربِّ؛ أما تَرْكه لعجزه، فلا يُوجِب أجرًا، ولا
مغفرة، فيبقى عليه إِثْمُ العَزْم على المعصيةِ. ثُم لا يخفى عَليْك أنَّ المرادَ بحديث النَّفْس - في
حديث مُسْلم - هو مَرْتبة الهَمِّ، لما علمت أَنَّ مَرَتبةً حديث النفس غيرُ معتبرة في جانبي الطاعة
والمعصية، وإطلاق إحدى المراتب على الأخرى معروفٌ، والتوسُّع في اللغة معلومٌ، والله تعالى
أعلم .
٢٥٢٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، عَنْ سُفيَانَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ وَقَّاصُ اللَّيْثِيِّ قالَ: سمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((الأَغَمَالُ بِالْنِّيَّةِ، وَلَإِمْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجَرَتُهُ إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا،
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ)). [طرفه في: ١].
٢٥٢٩ - قوله: (فَمَنْ كانت هِجْرَتُه إلى الله وَرَسُولِه) ... الخ، قد سبق الكلامُ في مزايا
الحديث في اوَّل الكتاب، وقد نبهت هناك أني لا أدري ما السرُّ في حَذْف المصنّف هذه القطعةَ
من الحديث.
واعلم أن في إسنادِهِ عَلْقمةً بن وقَّاص، كما ترى، وقد سها فيه الشيخُ علاء الدين، حيث
قال: إنَّه عَلْقمةُ بنُ قَيْس؛ وهذا كما وقع السَّهو من الحافظ في قصة رَجْم اليهوديِّ، أنها في السنة
التاسعة، والصواب أنها في الرابعة، كما عند القَسْطلاني، وكذا الصحابيُّ فيها عبدُ الله بن أبي
أُوْفَى، وجعله عبد الله بن عباس، وهذا أيضًا ليس بصحيح، ويقضي العجب من مِثْل الحافظ أنه
كيف رَكِبَ الأغلاطَ التي في فَنِّ الحديث، مع كونه أَحْفَظَ أهلِ عَصْره في الحديث والرِّجال،
والرَّجُل إذا أتى بالأغْلاط في فَنِّه عيِّر عليه، أما إذا لم تكن من فنِّه فلا عارَ عليه؛ كما في ((تدريب
الراوي)) في حقِّ أبي بكر بن شَيْبة، وعثمان بن أبي شَيْبة، أنهما لم تكن لهما مزاولة كثيرةٌ
بالقرآن، فقرأ [عثمان] مرةً في المجلس سورة الفيل فتلفظ بحرف الاستفهام؛ وحرف الجَحْد،
كالمُقطعات، هكذا: ألف، لام ميم ترَ كيف، فَقِيل له، فأجابه: إني لا أقرأ قراءةً عاصم !!
وهكذا ابنُ شاهين، فإِنَّه لم يكن يَعْلَم الفِقْه أصلًا.
(١) قال الخطابي: مَحَلُّ كتابةِ الحسنات على التَرْك، أن يكون التارِكُ قد قدَرَ على الفعل، ثُم تركه، لأن الإنسان لا
يُسمَّى تارِكًا إلا مع القدرةِ، ويدخل فيه مَنْ حال بينه وبين حِرْصه على الفِعْلِ مانِعٌ، كأن يمشي إلى امرأةٍ ليزني بها
مثلًا، فيجد البابَ مُغْلقًا، ويتعسَّر فَتْحُه، ومَنْ تمكَّن من الزِّنا مثلًا، فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه
عاجلًا، اهـ.

٢٧
كتاب العِثْقِ
٧ - بابٌ إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ لِلَّهِ، وَنَوَى العِثْقَ، وَالإِشْهَاد في العِثْقِ
٢٥٣٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
فَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَاَمَ، وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ ◌ِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ:
(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ)). فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ، قالَ: فَهُوَ حِينَ
يَقُولُ:
يَا لَيلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفرِ نَجَّتِ
[الحديث ٢٥٣٠ - أطرافه في: ٢٥٣١، ٣٥٣٢، ٤٣٩٣].
٢٥٣١ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِّ ◌ِ، قُلتُ في الطَّرِيقِ:
عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفرِ نَجَّتِ
يَا لَيلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا
قالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي في الطَّرِيقِ، قالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا
أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ)). فَقُلتُ:
هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَقُل أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٍّ.
[طرفه في: ٢٥٣٠].
٢٥٣٢ - حدّثنا شِهَابُ بْنُ عَبَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ
قالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَعَهُ غُلَامُهُ، وَهُوَ يَظْلُبُ الإِسْلَامَ، فَأَضَلَّ
أَحَدُهُما صَاحِبَهُ: بِهِذا، وَقالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لِلَّهِ.
٢٥٣٠ - قوله: (عن أبي هريرةَ، أنه لما أَقْبل يريدُ الإِسلام) ... الخ، واعلم أنَّ أبا هريرة.
قَدِمِ السَّنة السابعة، وكان شريكًا في غزوة خَيْبر، كما هو عند الطحاوي. وعندي روايةٌ أُخرى،
تدلُّ على أنه جاء مرةً مِنْ قَبْلُ أيضًا، وقد ثبت مجيئه إلى المدينة مرَّةً أُخرى، ولو ثبت تلك
الروايةُ لنَفَعَتْنا في النَّفَصِّي عن قوله: ((بينا أنا أُصلي في حديث ذي اليدين، كما مرَّ.
٢٥٣٠ - قوله: (على أَنَّها مِن دارة الكُفْر نَجَّت)، ((على)) ههنا بمعنى مع؛ وبحث فيه ابنُ
هشام في ((المُغني)). ولم يجد لها شاهدًا، ولو كان هذا البيتُ في نظره، لكفاه شاهدًا.
٨ - بابُ أُمّ الوَلَدِ
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا)).
٢٥٣٣ - حدّثنا أَبُو اليّمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيرِ: أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: إِنَّ عُثْبَةَ بْنَ أَبِيَ وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ
أَبِي وَقَّاصٍ: أَنْ يَقْبِضَ إِلَيهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِيّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ عَه

٢٨
كتاب العِثْقِ
زَمَنَ الفَتْحِ، أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِّهِ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ
زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا ابْنُ أَخِيَ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، هذا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى ابْنِ
وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّيهِ: ((هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ)). مِنْ
أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ)).
مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ. [طرفه في: ٢٠٥٣].
- قوله: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا)، واستدل منه بَعْضَهم على جوازٍ بَيْعِ أُمِّ الولد، والآخرون على
عَدَمِه (١)، كما فَصَّله النوويُّ في ((شرح مسلم))؛ والكلّ في غيرِ موضعه، فإِنَّ الحديثَ مسوقٌ لبيانٍ
انقلاب الأُمور في إبّان الساعةِ، ولا مِسَاس له بهذه المسائل. ونقل الحافِظُ هُهنا كلامًا مِن نُسخة
الصَّغاني، مع عبارة الكِرْماني، وما فهمت مراده، ولعلَّه لم يتحصَّل مرادُه عند الحافظُ أيضًا؛
ولذا اكتَفَى بِنَقْل عبارةٍ الكِرماني، وسكت عليه؛ والذي يترشَّحُ منه انَّ بَيْع أُمِّ الولد جائز عند
المصنّف، كبيع المُدَّر عند الشافعي.
قلت: أما بَيْع أمِّ الولد، فلم يذهب إليه أَحَدٌ من الفقهاء الأربعة، واختاره الظاهريُّ، وفي
((طبقات الشافعية)): أنه جَرَت محاورةٌ بين الهِنْدَواني، والظاهري في مسألة بَيْع أُمِّ الولد، فحج
الهِنْدوانيُّ الظاهري، وهذه المسألةُ ليست من المسائل المُجْتَهِد فيها عندنا، حتى لو قضى بها
القاضي أيضًا لم تَنْفِذ، بخلاف المُدَّبر، ولنا ما عند محمد في ((موطئه)) عن عمرَ: ((أيما وليدةٍ
ولدت من سيِّدها، فإنه لا يبيعها، ولا يهبها، ولا يورثها، وهو يستمتع منها، فإِذا مات فهي
((حُرَّة))، ثمَّ إنَّ الصَّغاني هذا هو الحافظ شمس الدين الصَّغاني، من علماء المائة السابعة، سافر
من صغان - قرية - ونزل بلا هور، ثُم رحلٍ إلى اليمن، وهو إمامُ اللَّغة، حنفيُّ المذهب، وصنَّف
((المحكم)) و((العُبَاب)). و((القاموس)) مأخوذٌ من هذين الكِتابَيْن.
٢٥٣٣ - قوله: (هُو لك يا عبدُ بْنَ زَمْعَةَ) .. الخ. وقد مرَّ الكلامُ فيهٍ - في أول البيوع -
مُسْتوفىً؛ ولعلَّ البخاريَّ تمسك به على جوازِ البَيْع، بأن تلك الوليدةَ كانت أُمَّ ولد، ولما بقيت
في بيت مَوْلاها بعد وفاتها أيضًا، دَلَّ على عدم عِثْقِها، وبقائها على الرِّقِّية، كما كانت، فيجوز
بَيْعُها لا محالة؛ قلت: وقد مرَّ مني أنها كانت زانيةً، فلا تكون أُمَّ ولدٍ قَطْعًا، لتوقفه على
التحصين عندهم، ولم يوجد، وحينئذٍ لا يتم ما رامه المصنِّف.
(١) قال الشيخ بدر الدين العيني: إنَّ الثابت عن عمرَ عدمُ جواز بَيْعِها، ورُوي مِثْل ذلك عن عثمان، وعمر بن عبد
العزيز، وهو قولُ أكثر التابعين، منهم: الحسن، وعطاء، ومجاهد، وسالم، وابن شِهاب، وإبراهيم: وإلى ذلك
ذهب مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة، والشافعي في أكثر كُتُبه؛ وقد أجاز بَيْعَها في بَعْض
كُتُبِه؛ وقال المُزَني: قَطَع في أربعةَ عشر موضعًا مِن كُتبه بأن لا تُباع وهو الصحيح من مذهبه، وعليه جمهور
أصحابه، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، وزُفَر، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي
ثَوْر، اهـ.

٢٩
كتاب العِثْقِ
٩ - بابُ بَيعِ المُدَبَّرِ
٢٥٣٤ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ ◌ََّ بِهِ
فَبَاعَهُ. قالَ جابِرٌ: ماتَ الغُلَامُ عامَ أَوَّلَ. [طرفه في: ٢١٤١].
قد مرَّ الكلامُ فيه، وأَنَّ تراجِمَ المصنّف في هذا البابُ متهافتةٌ، والذي يَلُوح منها أنه اختارَ
مذهب الشافعي .
٢٥٣٤ - قوله: (عامَ أَوَّل)، من إضافةِ الموصوف إلى الصِّفة؛ وأصلُه العامُ الأَوَّل.
١٠ - بابُ بَيعِ الوَلاَءِ وَهِبَتِهِ
٢٥٣٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ : سَمِعْتُ ابْنَ
عُمَزَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. [الحديث ٢٥٣٥ -
طرفه في: ٦٧٥٦].
٢٥٣٦ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جرِيرٌ، عَنْ مَنْصِورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اشْتَرَيتُ بَرِيْرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْثَ
ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌ََّ، فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ)). فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا
النَّبِيُّ بَّرُ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ
نَفسَهَا. [طرفه في: ٤٥٦].
وهذه من الحقوق اللازمة، الغير القابلة للانتقال، وصرَّح محمدٌ في (موطئه)) بعدم جواز
بيعهما؛ وفيه حديثُ نقله في ((شَرْحِ السِّراجي)) وفيه كلامُ قال مُغُلْطاي: إنَّ الحديثَ المذكور
مُسَلْسَلٌ بالأئمة، فرواه أحمدُ عن الشافعيِّ عن محمد عن أبي حنيفة؛ وكذا رواه الشافعيُّ عن
مالك أيضًا، فاحفظه.
١١ - بابٌ إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ، أَوْ عَمُّهُ،
هَل يُفَادَى إِذَا كانَ مُشْرِكًا
وَقَالَ أَنَسٌ: قالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: فَادَيتُ نَفسِي وَفَادَيتُ عَقِيلًا. وَكَانَ عَلِيٌّ لَهُ
نَصِيبٌ في تِلكَ الغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ.
٢٥٣٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ: عَنْ
مُوسِى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رِجالاً مِنَ الأَنْصَارِ،
اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ نَّه فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنا فَلنَتْرُكُ لإِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسِ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: ((لَا
تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا)). [الحديث ٢٥٣٧ - طرفاه في: ٣٠٤٨، ٤٠١٨].

٣٠
كتاب العِثْقِ
ولعلَّ ترجمتَهُ ناظِرةٌ إلى ما قاله الحنفيةُ: إنَّ الرَّجُلِ إذا مَلَك ذا رَحِم منه عَتَق عليه؛ ولم
يَخُصُّوه بقرابةِ الوَلاء. وغَرضُه أنَّ النبيَّ ◌َيْ مَلك عَبَّاسًا، ثُم لم يَعْتِقِ عليه؛ قلت: وأين المِلْكُ
فيه قَبْل التقسيم، وليس هناك إلَّا حَقُّ الِمِلْك، والحريةُ تَعْقُبُ المِلْكِ نَفْسه، دون حَقِّه. أما
المُفَاداتُ كما في الحديث، فجائزةٌ عندنا أيضًا، كما في «الدُّر المختار)).
١٢ - بابُ عِتْقِ المُشْرِكِ
٢٥٣٨ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي: أَنَّ
حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْتَقَ في الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَّلَىٍ مِائَةٍ بَعِيرٍ، فَلَمَّا
أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةٍ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، قالَ: فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولُ اللَّهِ، أَرَأَيتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا في الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا؟ يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا،
قالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيرٍ)). [طرفه في: ١٤٣٦].
مِن باب إضافةِ المَصْدر إلی فَاعِله.
١٣ - بابُ مَنْ مَلكَ مِنَ العَرَبِ رَقِيقًا، فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا
حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّ وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعَلَمُونَ
١٧٥)
[النحل: ٧٥].
ولا استرقاقَ عِنْدنا في بَالغِيهم، غيرِ النِّسوان، والذُّرِّية، وهي المسألةُ في المرتدِ؛
والاختياراتُ المذكورةُ في الفِقْه في غيرِ مُشْرِكي العرب.
قوله: (﴿ومنْ رَزْقناه مِنّا رِزَقًا حَسَنًا﴾) ... الخ، أي جعلناه مولىّ أعلى؛ قلت: ولا تَمسُّك
له في الآية، إلا أن ينتفع من إطلاق قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوًا﴾ [النَّحل: ٧٥] فيدلُّ على أنه لا
فرق بين العجم، والعربِ في الاسترقاق، وهو مذهب الشافعيِّ، وغيره. وهو الذي نسبه
المُحشِّي إلى الكُوفيين، ولَعَلَّهِ سَهْوٌ من الكاتب، فإِنَّ مَذْهبهم عَدَمُ الاسترقاق في العرب، ولنا ما
عن عمرَ، كما في ((الهامش))، فراجعه، وأَبْسط منه عند الدارمي، فراجع لفظه، فإِنَّ أَنْفع، وقد
تَتَبَعت لذلك غزواتِ (١) النبيِّ ◌َلِّ لينكشِفَ الحالُ، أنه ماذا عامل مع بالغي العرب؟ فلم أجد فيها
(١) (قلت) وقد أشار إليه الرَّازي في ((أحكام القرآن))، فقال: إنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا بعث سَرِيةً، قال: ((إذا لَقِيتم عَدُوَّكم
من المشركين، فادعُوهم إلى شهادةٍ أَنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فإِن أبوا فادعوهم إلى إعطاء
الجِزية))، وذلك عامٌ في سائر المشركين، وخَصصَّنا منهم مُشْركي العرب بالآية، وسيرة النبيِّ مَّ فيهم: فدلَّ على
أنه لم يَثْبت عنده مِن سيرة النبيِّ ◌َ﴿ استرقاقُ رجال العرب.
وقال أبو عبيد في كتاب ((الأموال)): فهذه أحكامُ الأسرى: المَنُّ، والفِداء، والقتل؛ وكانت هذه في العرب خاصَّة،
لأَنَّه لا رِق على رجالهم؛ وبذلك فُهِمت سُنةُ رسول الله ◌ِّ، أنه لم يسترقَّ أحدًا مِن ذكورهم، وكذلك حَكم عمرُ
فيهم أيضًا؛ ثم رُوي عن الشّعبي، قال: ((لما قام عمرُ، قال: ليس على عربيٍّ مِلْك) الخ. وراجع تفصيله منه.

٣١
كتاب العِثْقِ
شيئًا فاصِلًا، نعم وَجَدْت في الصحابة أنهم كان لهم عبيدٌ بالغون من العرب، ولكنه ليس بفاصِلٍ
أيضًا، لأنه لا يُذْرى أنهم استرقُّوهم صِبيانًا، أو كانوا بالغين حين استُرِقُوا، ولا نِزاع في الأَوَّل،
والثاني غيرُ متعيَّن، فبقي الأَمْر في الإِبهام. أما إطلاقُ السَّبي على غنيمة هَوازن، فليسٍ فيه أيضًا
ما يَنْفصلُ به المَرام، لأنها كانت مِنْ جِنْس الأموال والنِّسوان، وأما رِجالُهم، فلم (١) يُسْتَرَقُوا،
كما في ((شَرْح المواهب))؛ وبالجملة لم أجد غزوةً من الغزوات يثبت فيها استرقاقُ رجال
العرب، ولو ثبت لكان فاصِلا في الباب.
٢٥٣٩، ٢٥٤٠ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ
(١) قلت: ويستأنس له بما أخرجه الحافظ عن مغازي موسى بن عُقبة))؛ قالوا: يا رسول الله، إنَّ فيمن أصبتُم
الأمهاتِ والأخواتِ والعمَّاتِ والخالاتِ، وهنَّ مَخازي الأقوام، وفي رواية ابن إسحاق: قام خطيبُهُم زهير بن
صَرَد، فقال: ((يا رسول الله، إنَّ اللواتي في الحظائر من السَّبايا، خالاتُك، وعماتُك، وحواضِنُك اللاتي كن
يَكْفُلْنَك، وأنت خيرُ مكفولٍ، ثم أنشد هذه الأبيات المشهورةِ، أولها:
أمنن علينا رسول اللّه في كرم
ويقول فيها :
فإنك المرء نرجوه وندخر
أمنُن على نسوةٍ قد كنت ترضعها
إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر
ولا بأس أَنْ نُتْحِفَك ببعضٍ أبياته الأخرى، ذكرها ابنُ العربي في شَرْحه:
فإِنَّك المرءُ نرجوه ونَنْتَظِر،
مفرَّقٌ شملها، في دهرها غير
على قلوبهم الغماء والغمر،
يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر
إذ فوك مملوءة من مخضها الدرر
وأن ربك ما تأتي وما تذر
واستبق منا، فإِنا معشر زهر
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
من أمهاتك، إن العفو يشتهر
هذي البرية أن تعفو وتنتصر
يوم القيامة إذ يهوى لك الظفر
أمُنن علينا رسولَ الله في دَعَةٍ
أمنن على بيضةٍ قد عاقها قدر
أبقت لها الحرب هتانًا على حزن
إن لم تداركهم نعمى تنشرها
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ أنت طفلًا صغيرًا كنت ترضعها
لا تجعلنا، كمن شالت نعامته
إنا لنشكر للنعمى، وقد كفرت
فالبس العفو من قد كنت ترضعه
إنا نؤمل عفوًا منك نسأله
فاعف عفا الله عما أنت واهبه
وبالجملة: لم نجا. في هذه الروايات تَعَرُّضًا إلى حالِ الرِّجال؛ نعم في كتاب ((الاموال)) لأبي عبيد، قال: أخبرني
سعيد بن المسيَّب، وعُزوة بن الزُّبير أنَّ رسول الله بَّهُ ردَّ ستة آلافٍ من سَبْي هوازن، من النِّساء، والصِّبيان،
والرجال إلى هوازن حين أسلموا. اهـ.
ثم إنَّ الشيخَ حَقَّق فيما يأتي أنَّ هذا الردَّ كان إعتاقًا؛ وحينئذٍ تسقط تراجمُ المصنّف في هبة المشاع.
قلت: وهو الذي ذهب إليه ابنُ العربي، قال: فقال رسول الله (َّم - بعد ما سمع الأبيات -: أما ما كان لي: ولبني
عبد المطلب فهو لكم، وقالت الأنصارُ: ما كان لنا فالله ولرسوله؛ فردت الأنصارُ ما كان في أيديها من الذَّراري،
والأموال، واستنقذنا رسول الله وََّ، فهذا عِثْقُ منه ◌َّهُ لِمَنْ لم يرضعه في حرمةٍ مَن أرضعه.

٣٢
كتاب العِثْقِ
شِهَابِ قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ: أَنَّ مَرْوَانَ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قامَ حِينَ
جاءَهُ وَفِدُ هَوَازِنَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ: ((إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ،
وَأَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ: إِمَّ المَالَ وَإِمَّ السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ
اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ)). وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ
لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ غَيرُ رَادٌّ إِلَيهِمْ إِلَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ
النَّبِيُّ ◌ََّ في النَّاسِ، فَأَثْنِى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ
جاؤُونَا تَائِينَ، وَإِنِّيَ رَأَيتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذلِكَ فَليَفْعَل،
وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظُّهِ حَتَى نُغْطِيَهُ إِيَّهُ مِنْ أَوَّلِ ما يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَيَفْعَل)). فَقَالَ
النَّاسُ: طَيِّبْنَا ذلِكَ، قالَ: ((إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ
إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)). فَرَجَعَ النَّاسُِ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ
صَ الله
فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ طَيِّبُوا وَأَذِنُوا. فَهذا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْي هَوَازِنَ. وَقَالَ أَنَسٌِّ: قالَ عَبَّاسٌ
لِلَّبِيِّ وَّرَ: فادَيتُ نَفسِي وَفادَيتُ عَقِيلًا. [طرفاه في: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨].
٢٥٣٩، ٢٥٤٠ - قوله: (قال عبَّاسٌ للنبيِّ ◌َّهَ) قلت: وفيه ذِكْر الأَسْر والقيد؛ والكلامُ في
الاسترقاق دون الأَسْر.
٢٥٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قالَ: كَتَبْتُ إِلَى
نَافِعٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى
عَلَىّ المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيرِيَةَ. حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكانَ في ذلِكَ الجَيشِ.
٢٥٤١ - قوله: (فَقَتَل مقاتِلَتَهُم، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُم) ... الخ قلت: وفيه ما يدل على خلافٍ ما
رامه المصنِّف، فإِنَّ فيه قَتْلَ المقاتلين مكان الاسترقاق، نعم فيه استرقاقُ الذرية، ولا خلاف فيه.
٢٥٤٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ ابْنِ مُحَيرِيٍ قالَ: رَأَيتُ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِو ◌َ لَ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي
العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَيْنا العَزْلَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَه
فَقَالَ: ((ما عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، ما مِنْ نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهيَ كائِنَةٌ». [طرفه
في: ٢٢٢٩].
٢٥٤٣ - حدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي
زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ. وَحَدَّثَنِي ابْنُ سَلامٍ:
أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ المُغِيرَةِ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ أَبِيَ زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةً.
وَعَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قالَ: ما زِلتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ

٣٣
كتاب العِثْقِ
سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّه يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ)). قالَ:
وَجاءَتْ صَدَقاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((هذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا)). وَكانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ
عائِشَةَ فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)). [الحديث ٢٥٤٣ - طرفه في: ٤٣٦٦].
٢٥٤٣ - قوله: (وكانت سَبِيةٌ منهم - بني تميم - عند عائشةَ، فقال: أَعْتِقِيها، فإِنَّها من ولدٍ
اسماعيلَ) فيه دليلٌ على كون بني تميم من ولدِ اسماعيلَ، وجملة الكلام أنَّ البخاريَّ إن ادعى
استرقاقَ العربِ في الجملة، أي بعد وقوع السَّبِي عليهم، فهذا مُسَلَّم، فإِنَّه يجوزُ في صبيانهم،
ونِسوانهم، وإن ادعى الإِطلاق والكُلية، فلا نُسَلِّمه.
١٤ - بابُ فَضْلِ مَنْ أَذَّبَ جارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا
٢٥٤٤ - حدّثْنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسىٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ لَّهِ: ((مَنَ
كانَتْ لَّهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَّهُ أَجْرَانٍ)). [طرفه في: ٩٧].
١٥ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّ: «العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ))
وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِأَلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْنَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى :
وَالْيَتَعَى وَالْمَسَلِكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضَاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ تُخْتَالًا فَخُورًا (٣)﴾ [النساء: ٣٦]. قَالَ أَبُو عَبْدٍ
اللَّهِ: ذِي القُرْبى: القَرِيبُ. وَالجُنُبُ: الغَرِيبُ. الجَارُ الجُنُبُ: يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي
السَّفَرِ .
٢٥٤٥ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ
المَعْرُورَ بْنَ سُويدٍ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا ذَرّ الغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَيهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ
حُلَّةٌ، فَسَأَلِنَاهُ عَنْ ذِلِكَ، فَقَالَ: إِنِّ سَابَبْتُ رَجُلًا، فَشَكَانِي إِلَىِ النَّبِيِّ وَ، فَقَالَ لِيَ
النَّبِيُّ ◌َ: ((أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟)) ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ إْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ
كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَليُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَليُلِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ،
فَإِنْ كَلَّمْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)). [طرفه في: ٣٠].
وهذه ديانةٌ لا قضاء.
٢٥٤٥ - قوله: (وَعَلَيْه حُلَّةٌ) ... الخ وَغلط فيه الراوي، فإِنه لم تكن حُلَّةٌ على واحد
منهما، إنما قيل له، أن يجعلها حُلَّة، باستبدال الرداء، أو الإزار.
١٦ .. بابُ العَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ سَيِّدَهُ
٢٥٤٦ - حدّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

٣٤
كتاب العِثْقِ
عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِيِّ قَالَ: ((العَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ
مَرَّتَينٍ)). [الحديث ٢٥٤٦ - طرفه في: ٢٥٥٠].
٢٥٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ وَلِ: ((أَيُّمَا رَجُلَ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ
فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَأَغْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَخَقَّ
مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانٍ)). [طرفه في: ٩٧].
٢٥٤٨ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولَّ اللَّهِ وَلِ:
(ِلعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحَ أَجْرَانٍ)). وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَوْلًا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَيْتُّ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوٌ.
٢٥٤٩ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َرُ: ((نِغَمَ مَا لِأَحَدِهِمْ، يُحْسِنُ
عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ).
٢٥٤٨ - قوله: (والذي نَفْسي بِيّده) ... الخ، هذا مِن قول أبي هريرة.
١٧ - بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ، وَقَوْلِهِ: عَبْدِي أَوْ أَمَتِي
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّابِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وَقَالَ: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوَكًا﴾
[النحل: ٧٥]، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابٍ﴾ [يوسف: ٢٥]، وَقَالَ: ﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥]، وَقَالَ النَّبِيُّ وَيِّ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)). ﴿وَ أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]
سَيِّدِكَ. وَ ((مَنْ سَيِّدُكُمْ؟)).
٢٥٥٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرِ قَالَ: ((إِذَا نَصَحَ العَبْدُ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ
أَجْرُهُ مَرَّتَينٍ)). [طرفه في: ٢٥٤٦].
٢٥٥١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسىٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َلَ قَالَ: ((المَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي
إِلَّى سَيِّدِهِ الَّذِي لَّهُ عَلَيهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ، لَهُ أَجْرَانٍ)). [طرفه في: ٩٧].
٢٥٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ: أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَقُلِ أَحَدُكُمْ: أَظْعِمْ
رَبَّكَ، وَضِّىءْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلَيَقُل: سَيِّدِي مَوْلَايَ، وَلَا يَقُلِ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي،
وَلَيَقُل: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي)).

٣٥
كتاب العِثْقِ
٢٥٥٣ - حدّثني أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّه: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ الْعَبْدِ، فَكَانَ لَهُ مِّنَ الَمَالِ مَا يَبْلُغُ
قِيمَتَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَذْلٍ، وَأُعْتِقَ مِنْ مَالِهِ، وَإِلَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
٢٥٥٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي
عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ،
وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَّلَى بَيتِ بَعْلِهَا وَوَلَدٍهٍ، وَهيَ مَسْؤُوَّلَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ
وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). [طرفه في: ٨٩٣].
قوله: (﴿وَالْصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكٌَ﴾) [النور: ٣٢] .. الخ.
واعلم أن الحديثَ ينهى أن يقول أَحَدُكم: عبدي، وأمتي، وسيدي، وسيدتي؛ والقرآن
يُظْلِقُه، حيث قال: ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ﴾ فكيف التوفيق؟ قلت: وقد مرَّ أنه من باب
تهذيب الآداب والألفاظِ، كالنَّهي أن يقول: ﴿رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وفي مثله تراعى الأحوالُ،
فإِذا أوهم خلافَ المراد حُجر عنه، وإلَّا لا .
ثم أقول (١): إنَّ مثار النَّهي في إطلاق لفظ ((عبدي، وأمتي)) أمران: كونُ هذه الألفاظِ مما
يُشْعِر بتكبُّر المتكلِّم في نفسه؛ الثاني: انتقالُ الذُّهن إلى الله تعالى، فإِذا كان إطلاقُه من ثالثٍ
انتفى الأمران، ويجوز إطلاقُه، كما يقال: عَبْد زيدٍ، وعَبْدُ عَمْرو؛ فإِنَّ التكبِّرَ في إضافة المتكلِّم
إلى نَفْسه، بأَن يقول: عبدي؛ أما إذا قاله ثالثٌ، فلا شائبةً فيه للتكبر، وكذا لا ينتقل فيه الذِّهنُ
إلى الله تعالى؛ وحينئذٍ لا إشكال في قوله تعالى: ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ﴾ فإِنَّه إطلاقٌ
مِن الله سبحانه، وكذا في قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ﴾ [يونس: ٢٥].
وأما قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فهو إطلاق، وإضافة إلى المالك
الغائب عن المجلس، أو مماشاة مع عامة الناس في محاوراتهم، وإنما يُوهِمُ التكبِّر إذا كان
(١) قال في ((المعتصر)): في وجه الجمع بين حديث الثَّهي، وبين قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرُ﴾ [النور:
٣٢] ... الخ إن المَنْهِيَّ إنما هو إضافةُ ملاكهم إلى أَنْفِسهم، بأنهم عبيدُهم، لأن فيه استكبارَهم عليه، وما في
القرآن فإِنّما هو بإضافة غيرهم إليهم. وروى أبو هريرة - أراه مرفوعًا -: لا يقولَنَّ أحدُكم: ((ربي، لمالكه، وليقل:
سيدي))، لا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] يعني مَليكَه الذي هو رئيسٌ
عليه، لأن يوسُف عليه الصلاة والسلام إنما خاطبه على ما عند المخاطب، لأن كان يُسميِّه ربًّا، لا أنه عند
يوسف عليه الصلاة والسلام كذلك، مثل قول موسى عليه السلام للسَّامري: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]
فخاطبه على ما كان عنده لا على ما هو عند موسى. وليس للمملوك أن يَجْعل مالِگه ربًّا؛ وجاز ذلك في البهائم،
والأمتعة، كما ورد في حديث ((ضالة الإبل)): ((دعها حتى يَلْقاها رَبُّها))، وقيل: إنما نَهى المملوكَ من بني آدم عن
هذا القول، لأنهم دخلوا في عموم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَى﴾ [الأعراف:
١٧٢] فكان المملوكُ ممَّن أُخِذ عليه الميثاقُ في ذلك، بخلاف البهائم.

٣٦
كتاب العِثْقِ
مِصْدَاقه موجودًا، ولذا نهى في الحديث الآتي أن يقول: ((أَظْعِم رَبَّك، ووضى رَبَّك، واسقِ
رَبَّك)). لأنه إطلاقُ المولى بحضُور مَمْلُوكِهِ، فَيُوهِم التكبُّر، قلت: هو على حَدِّ قولهم: أمير
المؤمنين يأمرك بكذا، مشيرًا إلى نفسه، وفيه استكبارٌ أَشدَّ الاستكبار. فإِذا استعمله ثالثٌ، فلا
بأس به، لانتفاء العِلَّة، فتلخص مما قلنا: إنَّ مثار النهي إمَّا التكبُّر - وهو في الحضور دون الغيبة
- أو إطلاقة بنفسه، لا مِن ثالثٍ، أو تَوَهم انتقالِ الذُّهْن إلى الله تعالى، فحيث لا يوجد واحدٌ
منهما، يَحِلُّ الإِطلاقُ لا محالة.
٢٥٥٥، ٢٥٥٦ - حدّثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي
عُبَيْدُ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيدَ بْنَ خَالِدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إِذَا
زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا - فِي الثَّالِئَةِ أَوِ
الرَّابِعَةِ - فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). [طرفاه في: ٢١٥٢، ٢١٥٤].
٢٥٥٥، ٢٥٥٦ - قوله: (إذا زَنَتِ الأَمَةُ فاجلِدوها) وهذا موكولٌ إلى الإِمام، ومعنى الأَمْر،
أن لا يمتنع عن إقامةِ الحدِّ عليها؛ وقد نبهناك فيما مرَّ أن الشيء قد يكون داخِلًا تحت ولايتين:
ولاية عامة وهي ولاية الإِمام، وولاية خاصَّة، ثُم تُحذف الولاية العامة من البين، مع كونها
منويةً، ويبقى ذلك الشيء منسوبًا إلى الولايةِ الخاصَّة، فيتوهم كونُها مدارًا؛ فهكذا في هذا
الحديث. أَمَرِ المَوْلى أنْ يَجْلِدَ أمته، مع كونِه تحت ولاية الإِمام فيجلِدُها كما هو المعهودُ، عند
الشَّرْع، وهو بإِحضارها عند الإِمام، ثم يأمر الإِمام به، فهذا هو طريقُ الولاية الخاصَّة مع
العامة. فاعلمه، وقد قررناه سابقًا .
قوله: (فبيعُوها ولو بِضَفِير) وهذا نحو التغريب في حقِّ الإِماء، وأما الحرائر فليس فيهن إلا
الرّجْم، أو الجَلْد.
١٨ - بابٌ إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ
٢٥٥٧ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ : سَمِعْتُ
أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ
مَعَهُ، فَليُنَاوِلهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَينَ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَينٍ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ)). [الحديث ٢٥٥٧ - طرفه
في: ٥٤٦٠].
١٩ - بابُ العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ
وَنَسَبَ النَّبِيُّ ◌َِّ المَالَ إِلَى السَّيِّدِ.
٢٥٥٨ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَيِّ يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاع
وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ

٣٧
كتاب العِثْقِ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ
سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). قَالَ: فَسَمِعْتُ هُؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ وَّةِ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ◌َهُ
قَالَ: ((وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلَّكُمْ رَاعٍ، وَكُلَّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ)). [طرفه في: ٨٩٣].
٢٥٥٨ - قوله: (فَسَمِعْتُ هؤلاء من النبيِّ وَّةِ) قال النُّحاةُ: إنَّ ((هؤلاء)) لا تُستعمل إلَّ في
ذوي العُقول: واستعملت لهُهنا في الكلمات؛ والحديثُ وإن لم يكن حجَّةٌ في باب القواعد، إلَّا
أن الأوْلى عندي أن يُقال بجوازِ استعمالِها مُطْلقًا، كما في الحديث.
٢٠ - بابٌ إِذَا ضَرَبَ العَبْدَ فَلَيَجْتَنِبِ الوَجْهَ
٢٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
ح. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ،
عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ. ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ قَالَ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ
الوَجْهُ».
والأَمْرُ بالاتقاء عن الوَجْه ليس مخصوصًا بالإِنسان، بل ينبغي أن لا يُضْرِب وَجْهُ (١) الفَرَس
أيضًا، كما في ((فصول - الفتوح - من باب الحظر والإِباحة)).
٢٥٥٩ - قوله: (وهو ابنُ سمعان) وهذا الراوي ضَعيفٌ، ولذا ذكره في السَّند بابن فلان،
ولم يذكره باسمه؛ وقد وقع نحوُه في - كتاب البخاري - في مَوْضِعَين، أو ثلاثٍ، ولا يقدح ذلكِ
في الحديث، لأنه ليس بمدارٍ في هذه المواضع، بل وقع مُقْترِنًا مع الغير، كما ترى لههنا، أنَّ
المَدار على مالك؛ أما ابنُ سمعان، فذكره بِحَرْف العَظْفِ تَبعًا؛ وحينئذٍ لو حذفه أيضًا لما كان
بأسٌ، فكذا إذا ذكره مقترِنًا بالغير. ثم هذا أيضًا خلافُ الاحتياط.
(١) أخرج مسلم، قال: ((نهى رسولُ اللهِ ﴿َ عن الضَّرْب في الوَجْه، وعن الوَسْم في الوَجْه)) وعنه عنده أن النَّبِي ◌َّةُ
مر عليه حمار، وقد وسم في وَجْهِهِ، قال: ((لعن اللهُ الذي وَسَمَه)).
٠٠

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٥٠ - كِتَابُ المُكَاتَب
١ - بابُ إِثم مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ
٢ - بَابُ المُكَاتَبِ، وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَِّيْنَ يَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم
مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج: قُلتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاحِبٌ
عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالَا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . قُلِتُ
لِعَطَاءٍ: تَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَخْبَرَنِي: أَنَّ مُوسى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سِيرِيْنَ سَأَلَ
أَنَسَا المُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ فَأَبِى، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: كَاتِبْهُ،
فَأَبِى، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.
٢٥٦٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَعَلَيهَا خَمْسَةُ أَوَاق، نُجِّمَتْ
عَلَيْهَا فِي خَمْسٍ سِنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ فِيهَا: أَرَأَيتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةٌ
وَاحِدَةَ، أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأَعْتِقَكِ، فَيَكُونَ وَلَا ؤُكِ لِي؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَعَرَضَتْ
ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الِوَلَاءُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلتُ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ
لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَالَ: ((مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِكُونَ شُرُوطًا لَّيسَتْ فِي
كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)).
[طرفه في: ٤٥٦].
- قوله: (﴿َمِن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾﴾ [النُّور: ٣٣] ويجوزُ عندنا أداءُ الزكاة إلى المكاتب.
قوله: (قال رَوْحٌ: عن ابن جُرَيجٍ: قلت لعطاءِ: أواجِبٌ عليَّ إذا عَلِمت له مالًا أَنْ
أُكاتبه) ... الخ. والعبدُ لا يملك مالًا، إلا أن يكون عبدًا لأصحاب المروءة، فتركوا ما اكتسبه
في يدِه. ولعلَّ البخاريَّ ذهب إلى وجوبِ الكِتابةِ إن سأله العَبْدُ.
٣ - بابُ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَِّّ
صَلى الله
وَلـ
٣٨

٣٩
كتاب المكاتب
٢٥٦١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَّمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا،
قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَا ؤُكِ لِي
فَعَلتُ، فَذَكَرَتْ ذلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْاَ، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيكِ فَلتَفْعَل،
وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهَِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((ابْتَاعِي،
فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ فَقَالَ: ((مَا بَالُ أُنَاسِ
يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ،
وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)). [طرفه في: ٤٥٦].
٢٥٦٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَّةً لِتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا :
عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذلِكَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [طرفه
في : ٢١٥٦].
قوله: (تَأْثُرُه عن أَحَدٍ) ... الخ، أي هل عندك نَقْلٌ على ما تقول؟ فقال: لا، ثُم تذكر
بعده، فأخبره، كما في الكتاب.
قوله: (ابن سيرين) ذكر عصام في ((حواشي شمائل التِّرمذي)) أنه غيرُ مُنْصرف لِلِعَلَمِية
والتأنيث. فظنَّ أنه اسمُ امرأةٍ، وهو كما ترى، وصَدَق الحافظ ابن تيميةَ انَّ الرَّجُلَ إذا تكلّم
في غير فَنِّه أتى بالعجائب، وهكذا جَرَّبناه في رجالٍ لا تكون لهم ممارسةٌ في فنٍّ، ثم إذا
تكلَّموا فيه، أتوا فيه بما يقضي منه العجب؛ منهم المولوي أحمد حسن السنبهلي - المحشيِّ
(للهداية))، و((مسند)) أبي حنيفة - مَرَّ على حديث عند الترمذي، ونقل عنه أنه قال: إن
في إسناده عبد الكريم بن أبي أمية، وهو ابن أبي المخارق، وضعفه المحدثون، أما عبد
الكريم بن مالك الجزري، فهو ثقةٌ، فقال: لم لا يجوزُ أن يكون هو ذلك الثُّقة دون ابن أبي
المُخارِق؟
قلت: مِثْل هذه المناقشةِ دليلٌ على عدم ممارستهِ لذلك العِلْم: فإنَّ المُحَدِّثين يعلمونَ
سلسلةَ الأساتذةِ والتلامذةِ، كرأي عَيْن، فإِذا حكموا على رجلٍ بأنه فلانٌ، نظروا أولًا إلى
أساتذته، وتلامذته، وطُرقه، فلا يحكمون بالإِبهام، والأوهام، فما حكم به الترمذيُّ، إنَّما حكم
بعد عِلْم منه أنه ابنُ أبي المُخارق، كالعيان، لا أنه ظنُّ منه، كالاحتمالات العقلية، فتنبه؛
وبالجملة إن اخترت عدمَ انصراف سِيرين، فلا وَجْه له إلَّا على مَذْهب الأَخْفَش، لأن ((الياء
والنون)) أيضًا من أسباب مَنْعِ الصَّرْف عنده، فيزيد عددُ أسبابِ مَنْعِ الصَّرف عنده.
٢٥٦٠ - قوله: (مَن اشترط شَرْطًا ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ) ... الخ، وظاهرُه أَنَّ كُلَّ
شَرْطٍ ليس له ذِكْر في القرآن، فهو رَدُّ باطل، مع أنه لم يذهب إليه أحد. وأجاب عنه الإِمام
الشافعيُّ، فراجعه، وتلخيصُ كلام الكبارُ عسيرٌ، ولك أن تقول: معنى كونه ليس في كتاب الله،

٤٠
كتاب المكاتب
أي يخالف كتابَ الله، فلا يجِب كونُه مذكورًا فيه، بل يجب كونُه غير (١) مخالفٍ لقواعد الشَّرْع.
٤ - بابُ اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّسَ
٢٥٦٣ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَىَّ تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي
كُلِّ عَامٍ أُوَقِيَّةٌ، فَأَعِينِيني، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِن أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً
وَأُعْتِقَكِّ فَعَلتُ، وَيَكُونَ وَلَّا ؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذلِكَ عَلَيهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ
عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيهِمْ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ بِذلِكَ رَسُولُ اللَّهِ يَِّ، فَسَأُلَنِي
فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((خُذِيِهَا فَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ نَيهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ
رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتَْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطِ لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ
بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطِ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ
أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ، إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [طرفه في: ٤٥٦].
٢٥٦٣ - قوله: (تسع أَواقٍ) وقَدَّم آنِفًا أنه كان خَمْسَ أواقٍ، ويوجدُ مِثل هذه الاختلافات
بين الرواة كثيرًا، ولا نتصدى إلى التطبيق بينها، وإنما نهتم بها إذا كانت مدارًا لمسألةٍ، أما إذا
كانت في ذيل القِصَّة، فلا نتعرَّضُ لها .
٥ - بابُ بَيعِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيءٌ، وَقَالَ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَقِيَ عَلَيهِ دِرْهَمٌ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ عَبْدٌ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ وَإِنْ جَنَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيءٌ .
٢٥٦٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةً
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ
لَّهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً فَأُعْتِقَكِ فَعَلتُ، فَذَكَرَتْ بَرِيرَةُ ذلِكَ
لأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَا ؤُكِ لَنَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيِى: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ
عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَيجَ فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
[طرفه في: ٤٥٦].
ذهب الشافعيةُ إلى جوازٍ بَيْع المكاتب، وبَيْعِ المُدَبَّر. مع أن التدبير من التصرُّفات اللازمة،
ولا يجوزُ عندنا بيع المكاتَب إلَّا بعد التَّعْجيزِ، فإِنْ عجز عن أداءِ بدلِ الكتابة جاز بَيْعُه لَصيرُورته
(١) قلت: وبه فسره العيني، وقال ابن خزيمة: معناه ليس في حكم الله جوازه، أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطاً
لم ينطق به الكتاب يبطل، اهـ: ص٣٤٨ - ج٦ ((عمدة القاري)).