Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الوكالة
اللَّهُ عَنْهُ: لَيسَ عَلَى الوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَأَثِّلٍ مالًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيهِمْ. [الحديث ٢٣١٣ - أطرافه
في: ٢١٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧].
أراد المصنِّفُ من الوكيل: ناظره ومتوليه.
٢٣١٣ - قوله: (وكان ابن عمر) ... إلخ، يجوز التصدُّق على الأصدقاء من مال الواقف،
عند إذن الواقف. ثم إن المسألةَ في قَبُول المتولِّي هدايا الناس: أنه إن ظَنَّها رِشْوةً لم تَجُزْ، وإلَّا
جازت. فلا إشكالَ في قَبُول ابن عمر هدايا أهل مكة، مع كونه متولِّيًا للوقف.
١٣ - بابُ الوَكَالَةِ في الحُدُودِ
٢٣١٤، ٢٣١٥ - حدّثنا أَبو الوَلِيدِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ،
عَنْ زَيدِ بْنِ خالِدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَّهُ قَالَ: ((وَاغْدُ يا أُنَيسُ إِلَى
امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). [الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢١٢٥، ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥،
٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩]. [الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في:
٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨].
٢٣١٤، ٢٣١٥ - قوله: (أغْدُ يا أُنَيْسُ)، ولمَّا تضمَّن قوله قذفًا للمرأة، وهو حقُّ العبد،
أمره النبيُّ ◌َّهُ أَن يَغْدُوَ إليها، ويَسْأَلُ عنه. وإلَّا فالحدود معناها على الستر دون التجسُّسِ،
والتَّسَاؤل، والله تعالى أعلم.
٢٣١٦ - حدّثنا ابْنُ سَلَّامٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيمانِ، أَوِ ابْنِ النُّعَيمانِ، شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ
اللَّهِ وََّ مَنْ كانَ فَي البَيتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ
وَالجَرِيدِ. [الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥].
١٤ - بابُ الوَكَالَةِ في البُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا
٢٣١٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَي مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: قَالَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاَ: أَنَّا
فَتَلَتُ قَلَائِدٌ هَذْي رَسُولِ اللَّهِ بَّهَ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِيَدَيهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ
أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ شَيءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ. [طرفه في: ١٦٩٦].
١٥ - باب إِذَا قالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِه:
ضَعْهُ حَيثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ الوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ ما قُلتَ
٢٣١٨ - حدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مالِكِ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

٥٤٢
كتاب الوكالة
أَنَّهُ سَمِعَ أَنسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ أَبو طَلحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مالًا ،
وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بِيرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿ يَدْخُلُهَا
وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّبَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَن تَالُواْ آَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]
قامَ أَبو طَلحَةَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَيهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالى يَقُولُ في كِتَابِهِ: ﴿لَن
ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ
اللَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيثُ شِئْتَ، فَقَالَ: ((بَخ، ذلِكَ
مالٌ رَائحٌ، ذلِكَ مالٌ رَائِحُ، قَدْ سَمِعْتُ ما قُلتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ)).
قالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ
مالِكِ. وَقَالَ رَوْحُ، عَنْ مالِكِ: ((رَابِحٌ)). [طرفه في: ١٤٦١].
١٦ - بابُ وَكَالَةِ الأَمِينِ في الخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا
٢٣١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيِ مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: ((الخازِنُ الأَمِينُ، الَّذِي يُنْفِقُ -
وَرُبَّمَاَ قالَ: الَّذِي يُعْطِي - ما أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ نَفسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ
المُتَصَدِّقَينِ)). [طرفه في: ١٤٣٨].

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحـ
٤١ - كِتَابُ الحَرْثِ والمُزَارَعَة
١ - باب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ
وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿أَفََّيْتُ مَّا تَخْرُونَ
حُطَمًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥].
٢٣٢٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح). وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
المُبَارَكِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ:
((ما مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كانَ
لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)). وَقَالَ لَنَا مُسْلِمُ: حَدَّثَنَا أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
[الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢].
٢ - بابُ ما يُخْذَرُ مِنْ عَوَاقِب
الاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ
٢٣٢١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمِ الحِمْصِيُّ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ زِيادِ الأَلهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمامَةَ البَاهِلِيِّ قالَ: وَرَأَىِ سِكَّةً وَشْيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ،
فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَيِّهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ هذا بَيتَ قَوْم إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ)). قَالَ مُحَمَّدٌ:
وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ: صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ. [طرفه في: ٢١٤١].
واعلم أن الحَرْثَ والمُزَارَعَةَ مِلاك العالم، لا يتمُّ نظامُهُ إلَّا به، ومع ذلك تَرِدُ الأحاديث
في كراهته، فيتحيّر منه الناظر. وما ذَكَرْنَاه في الحِجَامَةِ لا يَنْفَعُ لهُهنا، فإن الحجَّامَ الواحدَ يكفي
الجماعاتٍ، بخلاف الحَرْثِ. وأُجِيبَ أن الأهمَّ في عهده ◌ََّ كان الجهادُ، والاشتغالُ بالحَرْثِ
يُوجِبُ الاشتغال عنه، فذمَّه(١) لهذا. ثم إن مخالب السلطنة تَنْشَبُ بالمزارع، أكثر ممَّا تَنْشَبُ
بالتاجر. وكذا المُزَارِعُ يُخْرَمُ من الخير كثيرًا، فلا يَجِدُ فرصةٌ لاستماع الوَعْظِ، وصُحْبَةِ الصُّلَحَاء.
والحاصلُ: أن الشيءَ إذا دار بين خيرٍ وشرِّ، لا يُحْكُمُ عليه بالخيرية مُظْلَقًا، أو الكراهةِ
(١) يَقُولُ العبدُ الضعيفُ: إليه تُومىءُ ترجمةُ البخاريِّ: باب ما يُخْذَرُ من عَوَاقِب الاشتغال ... إلخ. فبؤَّب أولًا
بفضله، ثم حذَّر لِمَا فيه من العواقب السوأى، فقسَّم على الحالات، وحَمَلَ الأحاديثَ على مَحْمَلٍ مَحْمَلٍ.
٥٤٣

٥٤٤
كتاب الحرث والمُزارعة
كذلك. ولِتَجَاذُب الأطراف، فَتَرِدُ الأحاديثُ فيه بالنحوين لذلك، فافهم.
٢٣٢١ - قوله: (رَأَى سِكَّةَ). (پهال).
٣ - بابُ اقْتِنَاءِ الكَلبِ لِلحَرْثِ
٢٣٢٢ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُعَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((َمَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ
يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاٌ، إِلَّا كَلبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ)). قالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيرَةً، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((إِلَّا كَلبَ غَنَم أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيدٍ)). وَقَالَ أَبُو حازِمِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَسِ: ((كَلبَ صَيدٍ أَوْ ماشِيَّةٍ)). [الحديث ٢٣٢٢ - طرفه في: ٢٣٢٤].
٢٣٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيفَةَ: أَنَّ
السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سُفيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيرٍ، رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكانَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَِّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َّهَ يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنِى كَلبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا
وَلَا ضَرَّعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاظٌ)). قُلتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ؟
قالَ: إِي وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ. [الحديث ٢٣٢٣ - طرفه في: ٣٣٢٥].
ولا يَنْقُصُ هذا القيراطُ إذا اقْتَنَاهُ، فيما أَذِنَه الشارعُ كالحَرْثِ أو الماشية. أمَّا الملائكةُ(١)،
فلعلَّهم لا يَدْخُلُون بيتَهُ بعده أيضًا، كما مرَّ، والله تعالى أعلم.
٤ - بابُ اسْتِعْمَالِ البَقَرِ لِلحِرَاثَةِ
٢٣٢٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ
أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ
التَفَتَتْ إِلَيهِ، فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهذا، خُلِقْتُ لِلحِرَاثَةِ، قالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ،
(١) وقد مرَّ الشيخ مِرَاراً: أن لهم منافرةً طبيعيةً عن هذه الأشياء، فلا بحثَ لهم عن إباحة الاقتناء وعدمها. أَلَا
ترى أنهم لا يَدْخلون بيتًا فيه جُنُبٌ، وكذ لا يَحْضُرُون جنازته، وإن جَازَ له النومُ حال الجنابة! قلتُ: وَيُؤَيِّدُ ما
في الحديث الصحيح: ((أن النبيَّ ◌َّ أباح لهم أكل البصل والثوم، ثم لم يأكله هو، وقال: إني أُنَاجِي من
لا تُنَاجي)». فدلَّ على أن شغلَ المناجاة معهم يُوجِبُ أن لا يأكل هذه البُقُول، فإنهم يتأذُّون من الرائحة
الكريهة طبعاً، وإن جاز أكله. فالجوازُ يتعلَّق بعالمنا، والدخول بعالمهم، وكل يَعْمَلُ بما في عالمه، والله تعالى
أعلم.
قال الخطّابيُّ: إنما لم يَدْخُلْ إذا كان فيه شيءٌ من هذه مما يَخْرُمُ اقتناؤه من الكلاب والصُّوَر. وأمّا ما ليس
بحرام من كلب الصيد، أو الزرع، أو الماشية، والصُّور التي تُمْتَهَنُ في البُسُط، والوَسَائد، وغيرهما، فلا
يَمْتَنِعُ دخول الملائكة بسببه. وقال النوويُّ: الأظهرُ أنه عامٌّ في كل كلبٍ، وكل صورةٍ. عمدة القاري من بدء
الخلق اهـ.

٥٤٥
كتاب الحرث والمُزارعة
وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذُّئبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا
غَيرِي، قالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)). قالَ أَبو سَلَمَةَ: وَما هُمَّا يَوْمَئِذٍ في القَوْمِ.
[الحديث ٢٣٢٤ - أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠].
٢٣٢٤ - قوله: (آمَنْتُ)، إنما قاله حين تعجّب الناسُ، وقالوا: سُبْحَانَ الله.
قوله: (يَوْمَ السَّبُعِ)، وذلك في إيَّان الساعة، حين تَخْرَبُ البلاد، ويَهْلِكُ الناس، فَتَسْكُنُ
فيها الذئاب. قال العلماء: إن البقرَ يُسْتَعْمَلُ بِمَنْكِبِهِ، والفرسَ بظهره. وحينئذٍ لا يُنَاسِبُ العربة،
لأنه يُوجِبُ استعمال مَنْكِب الفرس، ولم يُخْلَقْ له، وإنما خُلِقَ للركوب على ظهره.
٥ - بابُ إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيرِهِ، وَتُشْرِكُنِي في الثَّمَرِ
٢٣٢٥ - حدّثنا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَتِّ الأَنْصَارُ لِلَّبِيِّ بَهِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَينَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ.
قالَ: ((لَا)). فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَؤُونَةَ، وَنُشْرِكَكُمْ في الثَّمَرَةِ، قالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [الحديث
٢٣٢٥ - طرفاه في: ٢٧١٩، ٣٧٨٢].
٦ - بابُ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ
وَقَالَ أَنَسٌِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ.
٢٣٢٦ - حذّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ: أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَّ البُوَيرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ
حَسَّانُ :
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَني لُؤَيِّ حَرِيقٌ بِالبُوَيرَةِ مُسْتَطِيرُ
[الحديث ٢٣٢٦ - أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤].
٧ - بابٌ
٢٣٢٧ - حدّثنا مُحمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَیسٍ
الأَنْصَارِيِّ: سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيج قالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضِّ
بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمَّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ
الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذلِكَ، فَنُهِينَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. [طرفه في: ٢٢٨٦].
٨ - بابُ المُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ قَيسُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ أَبِي جَعْفَرِ قالَ: ما بِالمَدِينَةِ أَهْلُ بَيتِ هِجْرَةٍ، إِلَّا يَزْرَعُونَ
عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارِّعَ عَلِيٍّ، وَسَعْدُ بَّنُ مالِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدٍ

٥٤٦
كتاب الحرث والمُزارعة
العَزِيزِ، وَالقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلْ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَابْنُ سِيرِينَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الَرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ في الزَّرْعِ، وَعامَلَ عُمَرُ
النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جاؤُوا بِالبَذْرِ فَلَّهُمْ كَذَا. وَقَالَ
الحسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا، فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَينَهُمَا .
وَرَأَى ذلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنِى القُطْنُ عَلَى النَّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ
وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلثِ أَوِ الرُّبُعِ
وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُوَنَ المَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى.
٢٣٢٨ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِع:
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ عامَّلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْهَا
مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ، ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ،
فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَّاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ
لَهُنَّ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكانَتْ عَائِشَةُ اخْتَرَتِ الأَرْضَ.
[طرفه في: ٢٢٨٥].
واعلم أن المزارعةَ على ثلاثة أنحاءٍ: كِرَاءُ الأرض بالنقد، وهذا جائزٌ بالاتفاق. والثاني :
المزارعةُ على ما خَرَجَ من الأرض، فإن عيَّن لنفسه حصةً معيَّنةً من الأرض لم يَجُزْ بالاتفاق.
وكذا إذا اشْتَرَطَ حصةً معيَّنةً من الخارج، كخمسة أَوْسُق أو نحوها، لِمَا فيه من المخاطرة، فجاز
أن لا تُنْبِتَ هذه، وتُنْبِت تلك.
أما إذا زَارَعَهُ على المُشَاعِ، وهو الثالث، كالنصف، والثُّلُث، فهذا هو مورد الخلاف.
نَهَى عنها أبو حنيفة، وأَجَازَهَا صاحباه، ولم أَكُنْ أفهم دهرًا ما في («الهداية»، في أول باب
المزارعة: لا تَجُوزُ المزارعةُ والمساقاةُ، عند أبي حنيفة، ثم أراه يَنْقُلُ الخلاف في المسائل بينه
وبين صاحبيه أيضًا. وكنت أتعجّبُ أن المزارعةً إذا لم تَجُزْ عنده، فمن أين تلك التفريعات
والمسائل. ولم يَكُن يَعْلَقُ بقلبي ما أجابوا عنه من أن الإِمامَ كان يَعْلَمُ أن الناسَ ليسوا بعاملين
على مسألتي، ففرَّع المسائلَ على أنهم إن زارعوها، فماذا تكون أحكامها؟
ثم رأيتُ في - ((حاوي القدسي)): كَرِهَهَا أبو حنيفة، ولم يَنْهَ عنها أشدَّ النهي. وحينئذٍ
نَشُطْتُ من العِقَالِ، وَثِلَج الصدر، وظَهَرَ وجهُ التفريعات مع القول بالبطلان. فإنه قد نبَّهناك فيما
مرَّ أن الشيءَ قد يكون باطلًا، ولا يكون معصيةً، فلا بُدَّ أن يكونَ له أحكامٌ على تقدير فرض
وقوعه، فإنه وإن كان باطلًا في نفسه، لكنه لا يَلْزَمُ من فرض وقوعه مَحَالٌ في الشرع. فلو
فرضناه واقعًا، يكون له حكمٌ لا مَحَالة. فلذا تعرَّض إليه.
ثم إنه وَرَدَ النهيُّ عن المُزَارَعَةِ بالنقد أيضًا، كما في كتاب البخاري، وهو محمولٌ على
الشفقة بالاتفاق، ومعناه: أن الأرضَ مما لا ينبغي أن يُؤْخَذَ عليها الأجر، فمن كان عنده فَضْلُ
أرضٍ فارغةٍ عن حاجته، فَلْيَمْنَحْ بها أخاه. وهو أيضًا حكمٌ على طريق المروءة، وبسط الخُلُق.

٥٤٧
كتاب الحرث والمُزارعة
فإن المُمَاكسةَ بما لا يَضُرُّه أبعدُ عن معالي الأخلاق، فحرَّضَهُ على ما هو الأحرى بشأنه.
والحاصلُ: أن حقَّه على الأرض كأنه ضعيفٌ بالنسبة إلى المنقولات، وكأن الله تعالى
خلقها للزراعةِ، أو المِنْحَةِ، ومن أراد غيرَ ذلك، فقد سَلَكَ مَسْلَكَ الشُّحِّ والبُخْل. وأمَّا
المنقولات، فإن الشرعَ أباح له أن يَنْتَفِعَ بها كيف شاء، بيعًا وهِبةً، فإنها خُلِقَتْ للتحوُّل والنقل
من مِلْكِ إلى مِلْك. بخلاف الأرض، فإنها تَبْقَى على مكانها، وانتفاع أخيه الملهوف لا يُنْقِصُ
منها شيئًا. نعم يُجْبِرُ الكَسِيرَ، ويُكْسِبُ المُعْدَم.
ثم إن مادةَ جوازها، والنهي عنها موجودةٌ في الأحاديث. وراجع له الطحاويّ، وقد قرَّرنا
لك مذهبَ الإِمام من ((الحاوي))، فلا تَلْتفِتُ إلى ما اشتهر على الألسنة. وبعد ذلك تَسْتَرِيحُ عن
الأجوبة، والأسئلة.
قوله: (وعامَلَ عُمَرُ) وقد مرَّ مني التردُّدَ فيه أنه كانت مُزَارَعَةً، أو خَرَاجًا مقاسمةٌ.
والمصنِّفُ لا يفرِّق بينهما، ويَجْعَلُ معاملةً السلطان مع رعيَّته مُزَارَعةً، مع أن السلطان أيضًا ليس
بمالكٍ للأرض ههنا .
قوله: (وقال الحَسَنُ) ... إلخ، وهذه شَرِكةٌ.
قوله: (لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بالثُّلُثِ) ... إلخ، وتسمَّى عندنا بقَفِيز الطّخَّان، وهي
إعطاءُ الأجير أُجْرَتَهُ مما حَصَلَ له من عمله. وأجازه مشايخ بَلْخ، فلذا لا أتشدَّد فيه، وللقول
المشهور قوله: ((نهى رسولُ الله ◌َّ عن قَفِيزِ الطَّحَّان)).
قوله: (وقال مَعْمَرٌ: لا بَأْسَ أن تُكْرَى المَاشِيَةُ على الثُّلُثِ)(١) ... إلخ، أي أنه يُعْطِيه
الثُّلُث أو الرُّعُ من نسلها. وفي ((شرح الكنز)) - للعيني - في باب الشركة: أن المعاملةَ المذكورةَ
لا تَجُوزُ عندنا، ويكون فيها أُجْرَةُ المِثْلِ فقط. قلت: وهذا فيما إذا وَقَعَ التَّنَازُعِ، أمَّا إذا لم يَفَع
التنازعُ، فهما على ما اصطلحا عليه فيما بينهما .
٢٣٢٨ - قوله: (وقَسَمَ عُمَرُ): أي خيَّرهنَّ بين أن يُعْطِيَهُنَّ أرضًا من خَيْبرَ، أو يَأْخُذْنَ من
الثمار.
٩ - باب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ في المُزَارَعَةِ
٢٣٢٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: عامَلَ النَّبِيُّ ◌َ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ.
[طرفه في: ٢٢٨٥].
ويُشْتَرَطُ تعيين الأجل في المُزَارَعَةِ. والمصنِّفُ يُطْلِقُ فيه، ولا يميِّزُ بين المُزَارَعَةِ، وَخَرَاج
(١) قال العينيُّ: معناه أن يُكْرِي دابةً تَحْمِلُ له طعامًا مثلًا إلى مدَّةٍ معيَّنةٍ، على أن يكونَ ذلك بينهما أثلاثًا، أو أرباعًا،
فإنه لا بَأْسَ. وعندنا لا يَجُوزُ ذلك، وعليه أَجْرَةُ المِثْلِ لصاحبه . أهـ .

٥٤٨
كتاب الحرث والمُزارعة
المقاسمة، ويتمسَّك بمعاملة أهل خَيْبَرَ، وكلُّ ذلك لعدم بلوغه في الفِقْهِ مَبْلَغه في الحديث.
١٠ - بابٌ
٢٣٣٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: قالَ عَمْرٌو: قُلتُ لِطَاوُسِ: لَوْ
تَرِكْتَ المُخابَرَةَ، فَإِنَّهِمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَهى عَنْهُ! قَالَ: أَي عَمْرُو، إِنِّي أُعْطِيهِمْ
وَأُغْنِيهِمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أُخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّلَمْ يَنْهَ
عَنْهُ، وَلَكِنْ قالَ: ((أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، خَيرٌّ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيهِ خَرْجًا مَعْلُوْمًا)).
[الحديث ٢٣٣٠ - طرفاه في: ٢٣٤٢، ٢٦٣٤].
قوله: (لم يَنْهَ عَنْهُ) ... إلخ، ولذا حملتُ النهيَ على الإِرشاد.
١١ - بابُ المُزَارَعَةِ مَعَ اليَهُودِ
٢٣٣١ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَّسُولَ اللَّهِ بَيْ أَعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ، عَلَى أَنَّ يَعْمَلُوهَا
وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ ما خَرَجَ مِنْهَا. [الحديث ٢٣٣١ - طرفاه في: ٢٢٨٥، ٤٢٤٨].
١٢ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ في المُزَارَعَةِ
٢٣٣٢ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ يَحْيَى: سَمِعَ حَنْظَلَةَ
الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكانَ أَحَدُّنَا يُكْرِي
أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذهِ القِطْعَةُ لِي وَهذهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ
السَّبِيُّ وَِِّّ. [طرفه في: ٢٢٨٦].
وما في الحديث لا يَجُوزُ بالاتفاق.
١٣ - بابٌ إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ، وَكانَ في ذلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ
٢٣٣٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبو ضَمْرَةَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ
نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرِ يَمْشُونَ
أَخَذُّهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوَا إِلَى غارِ فِي جَبَلٍ، فَانْحَظَّتْ عَلَى فَم غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَل
فَانْطَبَقَتْ عَلَيهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أنَّظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوَّهَا صَالِحَةٌ للَّهِ، فَادْعُوا اللَّهُ
بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ، قَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كانَ لِي وَالِدَانِ شيخَانٍ كَبِيرَانٍ، وَلِي صِبْيَةٌ
صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعِى عَلَيهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ،
وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْم، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلبْتُ كما كُنْتُ
أَخْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوَسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ

٥٤٩
كتاب الحرث والمُزارعة
يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الِفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافِرُجْ لَنَا
فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ، وَقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ
عَمّ، أَحْبَيْتُهَا كَأَشَدِّ ما يُحِبُّ الرِّجالُ النِّسَاءَ، فَطَلبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ حَتَّى أَتَّيتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ،
فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَح الخَاتَّمَ
إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافِرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَّ، وَقَالَ
الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ أَرُزْ، فَلَمَّا قَضى عَمَلَهُ قالَ: أَعْطِنِي حَقِّي،
فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَل أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ:
اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعاتِهَا فَخُذْ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي،
فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِىءُ بِكَ فَخُذْ، فَأَخَذْهُ، فَإِنْ كِنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ،
فَافِرُجْ ما بَقِيَ؛ فَفَرَجَ اللَّهُ)). قالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةً، عَنْ نَافِعِ: فَسَعَيتُ. [طرفه
في: ٢٢١٥].
من غَصَبَ أرضًا وزَرَعَهَا، فالزرعُ تابعٌ للبَذْرِ. ولمَّا كانت الصورةُ المذكورةُ صورةً
الغصب، لا يستحقُّ الغاصبُ أجرَ العمل أيضًا(١)، إلَّا أن تكونَ الأرضُ معروفةً بالاستغلال،
وأن تُوقَى الشروط. ثم المسألةُ في المُزَارَعَةِ الصحيحة: أن تُوَفَّى الشروط ما كانت، وفي
الفاسدة: أن الزرع (٢) يَتْبَعُ البَذْر، فيكون مِلْكًا لصاحبه.
١٤ - بابُ أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََِّ،
وَأَرْضِ الخَرَاجِ، وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ
وَقَالَ النَّبِيُّ بَّهُ لِعُمَرَ: (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ، وَلكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ)). فَتَصَدَّقَ بِهِ.
(١) هكذا وجدته في مذكرتي.
(٢) واعلم أنه روي في حديث عن رافع بن خديج مرفوعاً، قال: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وهذا
الحديث يرد على الحنفية، فإن الزرع عندنا يكون لصاحب البذر، ويملكه الغاصب بملك خبيث، ويجب عليه
الأجرة لصاحب الأرض، والشيخ قد أجاب عنه في - درس الترمذي - أن الحديث محمول على بيان ما هو الطيب
والخبيث منه، فقال: إنه يطيب له الزرع بقدر نفقته، وهو المسألة عندنا، ولم يسق لبيان الملك، ثم رأيته في
كتاب ((الأموال)» ص٢٨٨، قال أبو عبيد، ففي هذا الحديث وجهان: أحدهما أن يكون أراد به أنه لا يطيب للزارع
من ربع ذلك الزرع شيء إلا بقدر نفقته، ويتصدق بفضله على المساكين، وهذا على وجه الفتيا، والوجه الآخر:
أن يكون مر قضى على رب الأرض بنفقة الزارع، وجعل الزرع كله لرب الأرض طيباً، اهـ. قلت والأول هو
مذهبنا .
ثم ذكر أبو عبيد في الفرق بين الزرع والنخل - حيث أمرنا بقلع النخل دون الزرع - كلاماً حسناً، قال: وإنما اختلف
حكم الزرع والنخل، فقضى بقلع النخل، ولم يقض بقلع الزرع لأنه قد يوصل في الزرع إلى أن ترجع الأرض إلى
ربها من غير فساد، ولا ضرر يتلف به الزرع، وذلك أنه إنما يكون في الأرض سنته تلك، وليس له أصل باق في
الأرض، فإذا انقضت السنة رجعت الأرض إلى ربها، وصار للآخر نفقته، فكان هذا أدنى إلى الرشاد من الزرع بقلا، =

٥٥٠
كتاب الحرث والمُزارعة
٢٣٣٤ - حدّثنا صَدَقَّةُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ مالِكِ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ
قالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلَا آخِرُ المُسَّلِمِينَ، ما فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَينَ
أَهْلِهَا، كما قَسَمَ النَّبِيُّ وَ خَيْبَرَ. [الحديث ٢٣٣٤ - أطرافه في: ٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦].
واعلم أن الوقفَ عندنا لا يجري إلَّا في العَقَار، إلَّا أن يكون تابعًا. وأمَّا عند محمد،
فيَصِحُّ بكلِّ منقولٍ جَرَى فيه التعاملُ بوقفه. ثم قالوا: إن الوقفَ عندنا تصدُّقٌ بالمنفعة مع حَبْس
الأصل على مِلْكِ الواقف، وعند صاحبيه: هو حَبْسُ الأصل على مِلْكِ الله، لا يُمَلَّكُ، ولا
يُوَرَّثُ.
ثم أُورِدَ على الحنفية: أن الوقفَ على طوركم، لم تَبْقَ له حقيقةٌ، لأن الشيءَ قد بقي على
مِلْكِه الآن كما كان، والتصدُّق بالمنفعة جائزٌ بدون الوقف أيضًا، فلم يَظْهَرْ للوقف ثمرةٌ، حتى
صرَّحِ السَّرَخْسِيُّ أن الوقفَ باطلٌ عند الإِمام، بمعنى أنه ليس له حكمٌ جديدٌ. وهكذا قرَّره ابن
الهُمَام. نعم استثنوا منه الوقف للمسجد، والوقف من الوصية، والثالث الوقف الذي قضى
القاضي بخروجه عن مِلْك الواقف، كذا في ((الكنز)).
قلتُ: أمَّا الوقفُ للمسجد، فخروجُهُ عن مِلْكِ الواقف ظاهرٌ. وأمَّا القسمُ الثاني، فالدَّخْلُ
فيه للوصية دون الوقف. وكذا الثالث لا دَخْلَ فيه للوقف، بل هي مسألةٌ عامَّةٌ في كلِّ ما قَضَى به
القاضي في الفصول المختلفة فيها .
ثم إن أبا يوسف قد ذَاكَرَ مع الإِمام مالك في أربعة مسائل: في تحديد الصاع، والأذان
قبل الفجر، والوقف، والرابعة لا أذكرها، وهي مذكورةٌ في شرح ((الجامع الصغير)). فلمَّا رَجَعَ
من المدينة أَعْلَنَ في أول مَجْلِسٍ جَلَسَ: أني أَرْجِعُ في هذه المسائل الأربعة عن قول الإِمام
الهُمَام.
والله لا يحب الفساد؛ وليس النخل كذلك، لأن أصله مخلد في الأرض، لا يوصل إلى رد الأرض إلى ربها بوجه
من الوجوه، وإن تطاول مكث النخل فيها - إلا بنزعها - فلما لم يكن هناك وقت ينتظر لم يكن لتأخير نزعها وجه،
فلذلك كان الحكم فيها تعجيل قلعها عند الحكم، فهذا الفرق بين الزرع والنخل، والله أعلم بما أراد رسول الله
بذلك، اهـ.
وقد تعرض إليه الطحاوي في ((معاني الآثار)) ص ٢٦٤ - ج٣، فقال: وجه ذلك عندنا على أن الزرع لا شيء له
في الزرع يأخذه لنفسه، فيملكه، كما يملك الزرع الذي يزرعه في أرض نفسه، أو في أرض غيره، ممن قد أباح
له الزرع فيها، ولكنه يأخذ نفقته وبذره، ويتصدق بما بقي، ثم احتج الطحاوي بأحاديث أخرجها: منها ما أخرجه
عن مجاهد مرسلاً، قال: اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله مَ له فقال أحدهم: على البذر، وقال الآخر:
على العمل، وقال الآخر: على الفدان - والنسَخ - في ضبطه مختلفة، فزرعوا، ثم حصدوا، ثم أتوا النبي ◌َّه
فجعل الزرع لصاحب البذر، وجعل لصاحب العمل أجراً معلوماً، وجعل لصاحب الفدان درهماً في كل يوم،
الخ. ثم قال الطحاوي: أفلا ترى أن رسول الله مَ ل لما أفسد هذه المزرعة لم يجعل الزرع لصاحب الأرض، بل
جعله لصاحب البذر، قال الشيخ: ومراسيل مجاهد مقبولة، عند الجمهور، وراجع ((معاني الآثار)) إن شئت
التفصيل.

٥٥١
كتاب الحرث والمُزارعة
واعلم أن صاحب ((البدائع والمبسوط)) مُعَاصِرَان. وظنِّي أن ((البدائع)) أُخِذَ من السَّرَخْسِيِّ،
كما قالوا في ((الهداية)): إنه مأخوذٌ من ((المبسوط)). وهذا عندي خلافُ التحقيق، لأن متانةً
عبارته، وعذوبتَها، وفخامةَ كلماتها، وجزالةَ ألفاظها تأْبَى ذلك، ولمَا رأيتُ بالمدينة أن وقفًا من
أوقاف الصحابة لم يُعَدْ إليهم ثانيًا، فدَلَّ على خروجها من أملاكهم. وأخْتَارُ أن الوقفَ لا يَقْبَلُ
النقلَ والتحويلَ من مِلْكِ إلى مِلْكِ. أمَّا عند الإِمام، فإنه يَصِيرُ إرثًا بعد الوفاة. ثم إن الوقفَ عُدَّ
من خصائص هذه الأمة، وليس بصحيح، لأنه ثَبَتَ وقف إبراهيم عليه السلام، فدعوى
التخصيص غير مسموعٍ، إلَّا أن يكونَ باعتبارٌ قیدٍ .
وبالجملة هذا الباب مهمّ جدًا، وقد مهَّدْتُ ونبَّهْتُ على أنه ليس وجوده وعدمه عندنا
سواء، وليس الأمرُ كما صرَّح به السَّرَخْسِيُّ، ثم بسطه الشيخ ابن الهُمَام. بل الأمرُ كما ذكره
في ((الحاوي)): أن الوقفَ عند الإِمام حبسٌ للشيء على مِلْكِ الواقف، ونَذْرٌ بتصدُّق المنفعة.
ومنه تبيَّن أن ما حرَّره الشيخ من مذهب الإِمام غير محرَّرٍ، بل هوِ نَذْرٌ، كما في عبارة
((الحاوي)). وحينئذٍ ظَهَرَ أن الوقفَ ليس بباطلٍ، بل يَعْمَلُ ما يَعْمَلُ النَّذْرُ، فله حقيقةٌ مستقلةٌ
عندنا أيضًا، وإن كان فيه ضعفٌ بالنسبة إلى الأئمة الأُخَر. فالرجوعُ عنه مكروهٌ تحريمًا ديانةً،
وإن جاز قضاءً.
وأما قوله {َّ لعمر: ((تصدَّق بأصله لا يُبَاعُ))، فلفظُهُ عند الترمذيِّ في الوقف: ((إن شِئْتَ
حَبَسْتَ أصلها، وتصدَّقت بها)) (١) أي بما خَرَجَ منها. وهذا عينُ ما ذَهَبَ إليه الحنفيةُ. وإنما عبَّر
عنه في البخاريِّ بالتصلُّق بالأصل، لأنه إذا نَهَى عن بيعه، فصار كأنه تصدَّق بالأصل.
بقي أنه يكون مُؤَبَّدًا، أم لا؟ فعند الطحاويِّ: ((أن عمر وَقَفَ حَّهُ من خيبر في زمن
النبي ◌َّة؛ وكان أول وقف في الإسلام))، ثم نقل عنه الطحاويُّ بإِسنادٍ قويٌّ(٢): ((لولا أني ذَكَرْتُ
صدقتي لرسول الله (َّه، أو نحو هذا لرددتها)). اهـ. وهو صريحٌ في نَفَاذِ الرجوعِ في الوقف،
وراجع الطحاويّ.
فائدة: ثم اعلم أن - ((الحاوي)) - ثلاثة: ((الحاوي)) للحَصِيري، والزَّاهِدِي، والقُدْسي، وما
ذكرناه، فهو في ((الحاوي)) للقدسي.
(١) قلتُ: وقد ذَكَرْنَا لك عن الشيخ: أن الحديثَ على لفظ الترمذي حُجَّةٌ للحنفية. ولعلَّ في لفظ البخاريِّ تقديمًا
وتأخيرًا، وقلبًا، فما كان من لفظ عمر، نقله الراوي في لفظ النبيِّ بَّ فأوْرَثَ خلافًا. فإن لفظ عمر عند
الترمذيِّ: ((لا يُبَاعِ ولا يُورَث))، وذلك هو لفظُ النبيِّ ◌َّ في البخاريِّ، فافهم.
(٢) وتُعُقِّبَ عليه من وجهين: الأول: أنه منقطعٌ، وأجاب عنه العينيُّ في موضعٍ آخرَ: أن المُنْقَطِعَ في مثل رواية
الزّهْري لا يَضُرُّ، لأن الانقطاعَ إنما يَمْنَعُ لنقصانٍ في الراوي لفوات شرط من شرائطه المذكورة في موضعها،
والزُّهْرِيُّ إمامٌ جليلُ القدر، لا يُتَّهَمُ في روايته. والثاني: أنه يَحْتَمِلُ أن يكونَ عمرُ يرى بصحة الوقف ولزومه،
إلَّا إن شَرَطَ الواقفُ الرجوعَ، فله أن يَرْجِعَ. فأجاب عنه: بأنه احتمالٌ غيرُ ناشىءٍ عن دليلٍ . اهـ . ملخصًا
بتصرّف.

٥٥٢
كتاب الحرث والمُزارعة
١٥ - بابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا(١)
وَرَأَى ذلِكَ عَلِيٍّ في أَرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهيَ
لَهُ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، وَقالَ في غَيرِ حَقٌّ مُسْلِمٍ: ((وَلَيْسَ لِعِرْقٍ
ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ)). وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ.
وراجع شرائط الإِحياء من الفِقْهِ.
قوله: (فِي أَرْضِ الخَرَابِ) (غير آبادزمين).
قوله: (فهي له)، وعندنا يُشْتَرَطُ فيه إذنُ الإِمام خلافًا للآخرين. أمَّا قوله: ((فهي له))،
فمحمولٌ على الإِذن، لا على بيان المسألة فقط، فإذا أَذَنَّهُ الأميرُ فهي له.
قوله: (وليس لِعِرْقٍ(٢ ) ظَالِمِ) ... إلخ، فَلَوْ غَرَسَ أحدٌ في أرض الغير يَجِبُ قلعه عندنا،
ولا یکون له حقٌّ.
(١) قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذيِّ)): قال علماؤنا: المَوَاتُ على قسمين: موات يَتَشَاحُ الناسُ فيه
لقربه من العُمْرَانات، ومواتٌ لا يتعلَّق به بالُ أحدٍ. فالذي لا يتشاُ من أحياه، كان له بغير إذن الإِمام، وما فيه
تشائعٌ وازدحامُ غرضٍ، لم يَكُنْ بدٌّ من إذن الإِمام فيه. وقال الشافعيُّ: لا يَفْتَقِرُ إلى الإِذن في الوجهين. وقال أبو
حنيفة: لا بُدَّ من إذنه في الوجهين. وقال أبو يوسف: لا يجوز إحياء ما قَرُبَ من العُمْران، - وإن لم تَكُنْ فيه
منفعةٌ لأحدٍ - إلى مدى صوتٍ. واعتمد الشافعيُّ على مطلق الحديث. واعتمد أبو حنيفة على ظاهر المعنى،
فقال: إن الأرضَ مشتركةٌ بين المسلمين لقول النبيِّ وَّه ((ثم هي لكم مني)). وما كان مشتركًا، لم يختصَّ به أحدٌ
إلّا بإِذن من له الإذن، كالغنيمة. اهـ. وراجع كلامه بتمامه، فإنه يحتوي على فوائد جمَّةٍ، وإنما نقلنا منه جُمَلًا
مختصرةً، تتعلَّق بموضوعنا .
ثم إن ما ذكره القاضي في حُجَّةٍ الحنفية، فصَّله الطحاويُّ مبسوطًا، كما ذكره الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله
تعالى هكذا روى الطحاويُّ عن محمد بن عُبَيْد الله بن سعيد أبي عَوْن الثّقَفيِّ الأَعْوَر الكوفيِّ التابعيِّ، قال: خَرَجَ
رجلٌ من أهل البَصْرَةِ يُقَالُ له: أبو عبد الله إلى عمر، فقال: إن بأرض البَصْرَةِ أرضًا لا تَضُرُّ بأحدٍ من المسلمين،
وليست بأرض خَرَاج، فإن شئت أن تُقْطَعنيها أَتَّخِذُهَا - قَضْبًا وزيتونًا. فكتب عمر إلى أبي موسى، إن كان حمى،
فأقطعها إياه)). أَفَلا ترى أن عمر لم يجعل له أخذها، ولا جَعَلَ له مِلْكَهَا، إلاَّ بإِقطاع الخليفة ذلك الرجل إياها،
لولا ذلك لكان يقول له: وما حاجتك إلاَّ - إلى - إقطاعي إيَّاك تَحْمِيها وتَعْمُرُها، فتَمْلِكُهَا. فَدَلْ على أن الإحياءَ عند
عمر: هو ما أذن الإِمام فيه للذي يَتَوَلاَ، ويُمَلِكُهُ إياه.
قال الطحاويُّ: وقد دَلَّ على ذلك ما حدَّثنا ابن مَرْزُوق: حدثنا أزهر السمّان، عن ابن عون، عن محمد، قال: قال
عمر: ((لنا رقاب الأرض))، فَدَلَّ ذلك على أن رقابَ الأَرَضِين كلّها إلى أئمة المسلمين، وأنها لا تَخْرُجُ من أيديهم،
إلاّ بإخراجهم إيَّاها. اهـ. ((عمدة القاري)).
واستدلَّ الطحاويُّ بقوله ◌َة: ((لا حِمَى إلاَّ الله)) لمذهبه في اشتراط إذن الإِمام في إحياء المَوَاتِ، وتُعُقب بالفرق
بينهما، فإن الحِمَى أخصُّ من الإحياء. قلتُ: حَصْرُ الحِمَى لله ولرسوله، يَدُلِّ على أن حكمَ الأراضي إلى الإِمام،
والموات من الأراضي، ودعوى الأخصية ممنوعةٌ، لأن كلاًّ منهما لا يكونا إلاَّ فيما لا مِلْكَ له، فيستويان في هذا
المعنى . اهـ . ((عمدة القاري)) بتصرُّفٍ يسيرٍ، وراجع معه كلام القاضي من ((شرح الترمذي)).
(٢) ونَقَلَ أبو عُبَيْد في (شرحه)) قال: ويُرْوَى عن كثير بن عبد الله المُزَني، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال:
=

٥٥٣
كتاب الحرث والمُزارعة
٢٣٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّثُ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ
مُحمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِّ ◌َّ قالَ: ((مَنْ
أَعْمَرَ أَرْضًا لَيسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ). قالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في خِلافَتِهِ.
٢٣٣٥ - قوله: (من أَعْمَرَ) ... إلخ؛ وههنا من الإِعْمَار دون العُمْرَى، وراجع شرح(١)
((الوقاية)) لمعنى العُمْرَى.
١٦ - بابٌ
٢٣٣٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ أُرِيَ وَهُوَ فيَ مُعَرَّسِهِ بِذِي الخُلَيْفَةِ
فيٍ بَظْن الَوَادِي، فَقِيلَ لَّهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ. فَقَالَ مُوسى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ
الذَّيِ كانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِنَّهِ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الذيِ
بِبَظْنِ الوَادِي، بَينَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌّ مِنْ ذلِكَ. [طرفه في: ٤٨٣].
٢٣٣٧ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قالَ:
حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنَ النَّبِيِّ وَّرِ قالَ:
(اللَّيَلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهُوَ بِالعَقِيقِ أَنَّ صَلِّ في هذا الوَادِي المَبَارَكِ، وَقُل: عُمْرَةٌ في
حَجَّةٍ)). [طرفه في: ١٥٣٤].
وغَرَضُ البخاريِّ منه: أن المسألةَ في إحياء المَوَات أنها تكون لمن أَحْيَاها. كما أن
النبيَّ ◌َّ نزل بذي الحُلَيْفَة عن بطن الوادي، ولم تَكُنْ أرضًا مملوكةً لأحدٍ، فصار له مُعَرَّسًا
ومُنَاخًا. فهكذا من أَحْيَا أرضًا غيرَ مملوكةٍ، تكونُ له.
١٧ - باب إِذَا قالَ رَبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ ما أَقَرَّكَ اللَّهُ
وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلاً مَعْلُومًا، فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا
٢٣٣٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَام: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمَانَ: حَدَّثَنَا مُوسى: أَخْبَرَنَا
نَافِعٌ، عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
((إن من حقوق الأودية سَلَمَ قوم على ما أَسْلَموا عليه. فمن أَحْيَا أرضًا مَوَاتًا، فَأَحْدَثَ فيها أحدٌ حَدَثًا: غَرَسَ غرسًا،
=
أو بَنَّى فيها بناءً، أو زَرَعَ زرعًا بغير شيءٍ وَرِثَهُ، ولا مال اشتراه، ولا قطيعةٍ من سلطانٍ، ولا سَلَمٍ أَسْلَمَ عليه، فذلك
العِرْقُ الظالمُ)). اهـ . كتاب ((الأموال)).
(١) وسنذكر عبارة ((شرح الوقاية) مع ما ذكره الآخرون في هذا المعنى في باب ما قيل من العُمْرى، من كتاب الهبة إن
شاء الله تعالى.

٥٥٤
كتاب الحرث والمُزارعة
ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَجْلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْض
الحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَ لِهِ، لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ، أَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ
الأَرْضُ حِين ظَهَرَ عَلَيْهَا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَمْ وَلِلمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا؛ فَسَأَلَتِ
اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ وَهْ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ
اللّهِ مَّهِ: ((نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذلِكَ ما شِئنا)). فَقَرُوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيماءَ
وَأَرِيحَاءَ. [طرفه في: ٢٢٨٥].
وهذه أيضًا من التراجم التي لا تَسْقُطُ على مَحَطِّ، ولا تَرْجعُ إلى أصلٍ. فإن حقيقةً
المعاملة مع أهل خَيْبَرَ لم تتنقَّحْ عنده بعد، فقد يجعلها إجارةً، وأخرى مزارعةً، ولا تَصِحَّان، إلَّا
أن تكونَ مِلْكًا للنِبِيِّ ◌َ﴿ِ، والمسلمين. وأمَّا إذا كانت مِلْكًا لأنفسهم، فلا تَصحُّ لا هذه، ولا
تلك، فلا تكون إلَّا خَرَاجًا مقاسمةً. ثم فرَّع عليها تفريعات لا تَسْتَقِيمُ بحالٍ أيضًا، فذكر إيهام
الأجل، وذا لا يَصِحُ على تقدير كونها إجارةً، أو مزارعةً باتفاق الفقهاء، لأن الطبائعَ قد جُبِلَتْ
على المُمَاكَسَةِ في هذا الباب. فالإِبهام فيها يُفْضِي إلى المُنَازَعَةِ لا مَحَالَة. أمَّا الخَرَاجُ مقاسمةً،
فيَصِحُ مع جهالة الأجل، لكونه بين الإِمام والرَّعِيَّةِ، والأمنِ من إفضائه إلى المُنَازَعةِ، فللإِمام أن
يُقِرَّ من شاء إلى ما شاء من غير مُدَافعٍ، ولا مُنَازِعٍ.
٢٣٣٨ - قوله: (حتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إلى تَيْمَاءَ وأَرِيحَاءَ). وقصتُه: أن ابن عمر كان ذَهَبَ
إليهم لحاجةٍ، فَأَسْقَطُوهُ من السَّقْفِ، فخرجتِ رِجْلَاه، فأجلاهم عمر من جزيرة العرب على ما
كانت حدودها في ذهنه. وقد كان النبيُّ ◌َّرَ أَخْبَرَهُمْ بهذا الإِجلاء في أول أمرهم أيضًا. ثم إن
أَرِيحَاءَ بلدةٌ في أطراف الشام، فَلْيُمْعِنُ النظرَ أصحابُ الجغرافية في أنها كانت داخلة في حدود
جزيرة العرب في الدورة الإِسلامية أم لا؟ وهذا يُفِيدُ في شرح قوله وَّةِ: ((أَخْرِجُوا اليهودَ
والنصارى من جزيرة العرب))(١).
١٨ - بابُ ما كانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِه.
يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا في الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ
٢٣٣٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي
النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: سمِعْتَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَیرِ بْنِ رَافِعِ،
قالَ ◌ُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَّافِقًا، قُلْتُ: ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ
(١) وفي ((المعتصر في تفسيره): فجزيرةُ العرب التي لا يُتْرَكُ اليهود، والنصارى يُقِيمُون بها إلّا مقدار ما يَقْضُونَ بها
حوائجهم مكَّةُ والمدينةُ، والطائفُ، والوبزة - الرَّبَذَة - ووادي القُرَى، على ما قال محمد بن الحسن. وقال أبو
عُبَيْدَة: ما بين حضر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأمَّا العرضُ فما بين بِيرِين إلى منقطع السَّمَاوة.
وقيل: الطولُ من أقصى عَدَن إلى ريف العراق، والعرض فمن جُدَّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف
الشام ... إلخ.
٠

٥٥٥
كتاب الحرث والمُزارعة
فَهُوَ حَقٌّ، قالَ: دَعانِي رَسُولُ اللّهِ نََّ، قالَ: ((ما تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟)) قُلتُ: نُؤَاجِرُهَا
عَلَىِ الرُّبُع، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ الثَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قالَ: ((لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا،
أَوْ أَمْسِكُوَهَا)). قالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمَّعًا وَطَاعَةٌ. [الحديث ٢٣٣٩ - طرفه في: ٤٠١٢].
٢٣٤٠ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جابِرِ رَضِيَ
اللَّهُ عنْهُ قالَ: كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((مَنْ كانَتْ لَّهُ أَرْضٌ
فَلَيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ فَلِيُمْسِكْ أَرْضَهُ)). [الحديث ٢٣٤٠ - طرفه في: ٢٦٣٢].
٢٣٤١ - وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعِ أَبو تَوْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَِّّ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلَيَزْرَعْهَا، أَوْ
لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ)).
٢٣٤١ - قوله: (قال الرَّبِيعُ بِن نَافِعٍ) ... إلخ، وهو شيخٌ للبخاريِّ، وأبي داود،
والطحاويِّ. وإنما حَصَلَ السماع منه للطحاوِيِّ، لأنه طال عُمْره، وبقي مُدَّةً طويلةً.
٢٣٤٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قالَ: ذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ، فَقَالَ:
يُزْرِعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ النَّبِيَّ نَُّ لَمَّ يَنْهَ عَنْهُ، وَلكِنْ قالَ: ((أَنْ يَمْنَحَ
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِّنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا)). [طرفه في: ٢٣٣٠].
٢٣٤٣ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَّعُثْمَانَ وَصَدْرًا
مِنْ إِمارَةٍ مُعَاوِيَةَ. [الحديث ٢٣٤٣ - طرفه في: ٢٣٤٥].
٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَذَهَبَ
ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِع، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ كِرَاءِ المَزَارَعِ، فَقَالَ
ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمَّتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهُ بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ،
وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ. [طرفه في: ٢٢٨٦].
٢٣٤٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ فَي عَهْدِ رَسُولِ
اللّهِ وَّهِ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ نَّهِ قَدْ أَحْدَثَ في ذلِكَ شَيْئًا
لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ. [طرفه في: ٢٣٤٣].
٢٣٣٩ - قوله: (قلت نؤاجِرُهَا على الرُّبُع) ... إلخ، أي (كول) وهذه الصورُ كلُّها لا تَجُوزُ
بالاتفاق. وإنما الخلافُ فيما يأتي في حديث جابر. وتلك الأحاديث تَدُلُّ على أن النهيَ عنها
ليس لمعنىّ في المُزَارَعَةِ، بل لأن أخذَ شيءٍ على أرضٍ فاضلةٍ عن حاجته بعيدٌ عن المروءة، فَلَهُ
أن يَمْنَحَ أخاه مجّانًا لِيَنْتَفِعَ منها، وقد مرَّ الكلامُ فيه.

٥٥٦
كتاب الحرث والمُزارعة
٢٣٤٥ - قوله: (فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ) ... إلخ، أي احتياطًا، وإلَّا فإِنه قد وَفَّقَ هو بين
الحديثين بنفسه، كما في الحديث الماضي.
١٩ - باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ ما أَنْتُمْ صَانِعُونَ: أَنْ تَسْتَأُجِرُوا الأَرْضَ البَيضَاءَ، مِنَ
السَّنَةِ إِلى السَّنَةِ.
٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمُنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ
الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَزَّبِعَاءِ، أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ،
فَتَهِى النَّبِيُّ وََّ عَنْ ذلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا
بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذلِكَ، مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْم
بِالحَلالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخاطَرَةِ. [الحديث ٢٣٤٧ - طرفه في: ٤٠١٣].
والنهيُ فيه محمولٌ على الإِرشاد بالاتفاق عندهم جميعًا.
٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - قوله: (وكَانَ الذي نُهِيَ عن ذلك ما لو نَظَرَ فيه) ... إلخ، يعني أن
الصُّورَ التي نَهَى النبيُّ بَيَّ من تعيين الخارج، أو قطعةٍ من الأرض، كلَّها على مخاطرةٍ لا تُدْرَى
عاقبتها. ولو لم يَنْهَهُ النبيُّ نَّر عنها لَمَا جوَّزها عاقلٌ أيضًا.
٢٠ - بابٌ
٢٣٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ: حَدَّثَنَا هِلَالٌ (ح). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نََّكَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَه رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ:
(أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قالَ: بَلَى،
وَلكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الَّطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِخْصَادُهُ، فَكَانَ
أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ، دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيءٌ». فَقَالَ الأَغْرَابِيُّ:
وَاللَّهِ لا تَجِدُهُ إِلَّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ
زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌ََّ. [الحديث ٢٣٤٨ - طرفه في: ٧٥١٩].
٢١ - بابُ ما جاءَ في الغَرْسِ
٢٣٤٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ، تَأْخُذُ مِنْ أُصَولِ سِلقٍ
لَنَا، كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا، فَتَجْعَلُهُ فِي قَدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ - لا أعْلَمُ إِلَّ

٥٥٧
كتاب الحرث والمُزارعة
أَنَّهُ قالَ -: لَيسَ فِيهِ شَحْمٌ، وَلَا وَدٌَ، فَإِذَا صَلَّينا الجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمٍ
الجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. [طرفه في: ٩٣٨].
٢٣٥٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الَحَدِيثَ، وَاللَّهُ
المَوْعِدٌ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ
المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ
أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَءًا مِسْكِينًا، أَلزَمُ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َ﴿ عَلَى مِلءٍ بَظْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ
يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه يَوْمًا: ((لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ
مَقَالَتِي هذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسِى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا)). فَبَسَطتُّ نَمِرَةً لَيسَ عَلَيَّ
ثَوْبٌ غَيرُهَا، حَتَّى قَضى النَّبِيُّ وَ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ،
ما نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلكَ إِلَى يَوْمِي هذا، وَاللَّهِ لَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ما حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا
أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩،
١٦٠]. [طرفه في: ١١٨].
٢٣٤٩ - قوله: (كُنَّا نَغْرِسُهُ في أَرْبِعَائِنَا) ... إلخ، وهذه الأَرْبَعاء كانت تُسْقَى من بئر
بُضَاعة، كما يجيء التصريحُ به في البخاريِّ. وهذا هو مراد الطحاويِّ من كونها جاريةً، أي أنها
كانت تُسْتَقَى منها الزروع كل وقتٍ، فلم تكن النجاسةُ تَسْتَقِرُّ فيها. فإن كان أبو داود زَرَعَها،
وذلك أيضًا بعد مُدَّة مديدةٍ، ثم لم يَجِدْها عشرًا في عشرٍ، فلا بَأْسَ به، فإنه كان في عهد النبوة
بحيث تُسْتَقَى منه المَحَاقل (كهيتيان)، والمزارع. ويكفي هذا القدرُ لإِثبات الجريان، فهو الجريانُ
حقيقةً، لا بمعنى كونه عشرًا في عشرٍ. ومن لم يتنبّه على مراد الطحاويِّ، طَعَنَ عليه، وقد بيَّنا
لك حقيقةً الحال.
٢٣٥٠ - قوله: (فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شيئًا أَبَدًا) ... إلخ، ولَيُحْفَظُ هذا اللفظُ، فإنه صريحٌ في
أن بركةَ دعاء النبيِّ وَّه لم تَكُنْ مختصةً بحفظ مقالةٍ دون مقالةٍ، بل كانت عامَّةً لكلِّ ما يسمع أبو
هريرة من مقالته، وهذا الذي يَلِيقُ بالإِعجاز، والبركة. وأمَّا قَصْرُهَا على المقالة التي في ذلك
المَجْلِسِ فقط، فلا يَعْلَقُ بالقلب، كما يُوهِمُه بعض الألفاظ، فهو قصورٌ من الرواةُ(١) .
(١) قلتُ: حينئذٍ فالمرادُ من قول أبي هريرة - ((ما نَسِيتُ من مَقَالَتِهِ تلك إلى يومي هذا)) - جنسُ المقالات، كما بين
السطور، نقلًا عن الطيبيِّ. قلتُ: ويُمْكِنُ عندي أن يكونَ مفعولُ الفعل محذوفًا، و((من)) زائدة، والمعنى: ما
نَسِيتُ شيئًا من أجل مقالته تلك، فافهم. وفي ((المعتصر)) - فكان الذي مع أبي هُرَيْرَة مما انْتَفَى عنه النسيان فيه،
هو ما كان من رسول الله ◌َّ في ذلك الموطن الواحد، لا فيما كان من قبله، ولا فيما كان منه بعده. اهـ. فانظر
جلالةَ الشيخِ رحمه الله تعالى.

٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٤٢ - كِتَابُ المُسَاقَاةِ
والكلام فيه كالكلام في المزارعة، والنقض النقض، والجواب الجواب، ولعل تفريعاتٍ
الإِمام الأعظم في ((باب المساقاة)) مع القول بالبطلان، لعدم كونها معصيةً في نفسها. وقد عَلِمت
أن الشيء مع كونِه باطلًا قد تكون له أحكامٌ.
١ - باب في الشِّرْب
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وَقَوْلِهِ
جَلَّ ذِكْرُه: ﴿أَفَعَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ﴿ ◌َأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ اَلْمُنْزِلُونَ (9) لَوْ نَشَآءُ
[الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. المُزْنُ: السَّحَابُ. الأُجَاجُ: المُرُّ.
جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ لـ
أي حظّ الماء. والماءُ عندنا على ثلاثة أقسام، وراجع له ((الهداية)).
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ... الخ. وعن ابن عباس أنَّ الله تعالى
خَلَق الماءَ أولًا، ثُمَّ خلق السمواتِ والأَرَضِين بتلطِيفه وتكثيفه، فظهر معنى ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ بلا
تأويل.
وادَّعَى علماءُ أوروبا أن أول المادة ((السَّديم)) "كهر"، ويا أَسَفي على الناس أنهم إذا بَلَغهم
أمرٌ مِن جِهتهم يُغْرِي بِقُلوبِهم، وإن كان من التُّرَّهات. وإذا سمعوا نبأً مِن وحي السماء إذا هم
يَنْكُصُون. أَوَ لا يرون حالَ تحقيقاتِهم أنهم يغْزِلُون أمرًا في سنين، ثم يَنْقُضُونَه في ساعةٍ، كما
حقَّقوا بعد مُضِي الدهور؛ أنَّ نوعَ الإنسان كان من أصله قِرَدَةٌ، فتدرَّج، وتدرَّج حتى رقى إلى هذه
النشأة، وسموه ارتقاءً، ثُم تبينَ لهم الآن أنه غَلَطَّ فاحش. فهذا حالُهم يؤمنون بأمرٍ وَجْه النَّهار،
ويكفرون آخِرَهُ. وهكذا قد أنكروا وجودَ الرُّوحِ دَهْرًا طويلًا، ثم آمنوا به.
حتى ذكر ((وجدي)) في ((دائرة المعارف)): إن مائتين وخمسينَ صحيفةً تشاعُ اليوم في إثبات
وجود الروح، والجن. فيا حسرَتا على الذين تركوا وحي نبيِّهم لهؤلاءِ السفهاءِ، وآمنوا بما
قالوه، وماتوا وهُم يَزْعُمون أن الروح والجنَّ أوهامًا. ولو كانوا اليومَ أحياءً لتحسَّروا على ما
فرَّطوا فيه، وهم بعدُ في قبورهم يتحسرون، فهدانا الله، وثبتنا على سواء الصراط. فَتَرْكُ الإِيمان
من ◌ُنونِهم الفاسدة، ليس من الكِياسة في شيءٍ، وإن زعموه كِياسةً، وعلمًا، وتحقيقًا، وَتَنَؤُّرًا.
فإنّه سَفَةٌ، وجهْلٌ، وحمق، وغباوة، وبعد ذلك عارٌ للإِنسانية إلى يوم التناد، أيتركون النورَ
بالظلمة، والعلمَ بالجهل، والمشاهدةَ بالإِخبار، واليقينَ بالشكِّ، والصواب بالأغلاط، فأنَّى
يذهبون، وبأي حديث بعده يؤمنون؟ !.
٥٥٨

٥٥٩
كتاب المساقاة
٢ - بابٌ في الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ المَاءِ
وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جائزَةً،َ مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيرَ مَقْسُومِ
وَقَالَ عُثْمَانُ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ يَشْتَرِي بِثْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلوُهُ فِيهَا كَدِلَاءٍ
المُسْلِمِينَ)). فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قوله: (ومَنْ رأى صَدَقَةَ الماءِ وهِبَتَهُ ووصِيَّتَه جائزةً) ... الخ. ويجوزُ بَيْعُه أيضًا، كما في ((الهداية)).
قوله: (مَنْ يَشْتَرِي بئر رُومةَ) ... الخ. وكانت ليهوديٍّ، وكان يمنعُ النَّاسَ عن مَائِهِ.
٢٣٥١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حازِمِ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّه بِقَدَحِ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ
القَوْم، والأَشْيَاغُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: ((يَا غُلامُ، أَتاذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟» قالَ: مَا
كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [الحديث ٢٣٥١ - أطرافه في: ٢٣٦٦،
٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠].
٢٣٥١ - قوله: (غُلامٌ أَصْغَرُ) وهو ابن عباس، واعلم أن التيامُنَ في غَسْل أيدي الناس على
الطعام يُعتبر من الصف. فالذي هو في يمين الصفِّ يَغْسِل يداه أولًا. وأما في تقسيم الهدية،
فيعتبرُ فيه يمينُ المُهدَى إليه، لأنها تُوضَع بين يَدَيْهِ، فالتيامُنُ فيما يكونُ باعتبار يمينِهِ، ولا عبرةَ
فیه بالصفِّ.
قوله: (فَأَعطاهُ إِيَّاه) وفي الرواية: أنه حرَّك يَدهُ، كما تُعْطَى الأُمُّ ولدَها سخطة وعنفًا،
وتُحرِّكُ يدَها.
٢٣٥٢ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللّهِ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهيَّ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مالِكِ،
وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الِثْرِ الَّتِي فِي دَارٍ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ القَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ،
حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُوَّ بِكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَغْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخافَ
أَن يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ،
ثُمَّ قالَ: «الأَيمَنَ فَالأَيمَنَ)). [الحديث ٢٣٥٢ - أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩].
٢٣٥٢ - قوله: (أعْطِ أبا بَكْر) ... الخ. وهذه واقعةٌ أُخْرَى.
٣ - باب مَنْ قالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى،
لِقَوْلِ النَِّيِّ ◌ََِّ: ((لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ»
٢٣٥٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قالَ: ((لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ
الكَلأُ)). [الحديث ٢٣٥٣ - طرفاه في: ٢٣٥٤، ٦٩٦٢].

٥٦٠
كتاب المساقاة
٢٣٥٤ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ
المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَِّ قالَ: ((لَا تَمْنَعُوا
فَضْلَ الَمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلاٍ)). [طرفه في: ٢٣٥٣].
تأويلُه أنَّ رجلًا إذا حَفَر بِئرًا في أَرضِ مواتٍ فيملكها بالإِحياءِ. فإذا نَزَل قومٌ في ذلك
المكانِ - الموات - يرعون نباتَه، وليس هناك ماء إلَّا تلك البئر، فلا يجوزُ له أن يمنعَ أولئك
القومَ مِن شُرْب ذلِك الماءِ، لأنه لو مَنَعهم منه لا يمكنهم الرَّعي، فكان مَنْعُهم عنه عِنادًا، وذا لا
يجوزُ، فالمعنى لا تَمْنَعوا ما فَضَل من الماءِ ليصيرَ به كالمانع عن الخلاء. لأنَّ الوارِدَ حول ما
أُعِد للرَّعي إذا مَنَعُهُ عن عَمَلِ الورود اضطر إلى تَرْكُ رَغْي الكلا أيضًا فيصير كَمَنْ منعَ عن الماءِ
المباحٍ. ونحوه ذكره الخَطَّابي.
٤ - بابٌ مَنْ حَفَرَ بِثْرًا في مِلكِهِ لَمْ يَضْمَنْ
٢٣٥٥ - حدّثنا مَحْمودٌ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((الَمَعْدِنُ جُبَّارٌ، وَالْبِثْرُ
جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ)).
وهي جُبارَ إذا كانت في مِلْكه.
٥ - باب الخُصُومَةِ في البِتْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا
٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مالَ امْرِىءٍ، هُوَ
عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآيَةَ، فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: ما حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ؟ فِيَّ أُنْزِلَتْ هذهِ الآيَةُ، كانَتْ لِي بِثْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمّ لِي، فَقَالَ لِي: ((شُهُودَكَ))
قُلتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قالَ: ((فَيَمِينَهُ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا يَخْلِفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ وََّ
هذا الحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. [الحديث ٢٣٥٦ - أطرافه في: ٢٤١٦، ٢٥١٥، ٢٦٦٦،
٢٦٦٩، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥]. [الحديث ٢٣٥٧ - أطرافه في: ٢٤١٧،
٢٥١٦، ٢٦٦٧، ٢٦٧٠، ٢٦٧٧، ٤٥٥٠، ٦٦٦٠، ٦٦٧٧، ٧١٨٤].
٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - قوله: (مَنْ حَلَف على يَمين) قال الشَّارحون: إذا اجتمع لَفْظُ الحَلِف
واليمين، فالمرادُ من اليمين المَحْلوفُ عليه.
٦ - بابُ إِثْمٍ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ
٢٣٥٨ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ قالَ: