Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب البيوع
٩٠ - بابُ مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، أَوْ بِإِجارَةٍ
٢٢٠٣ - قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيكَةَ يُخْبِرُ عَنْ نَافِعِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَيَّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ، قَدْ أُبَّرَّتْ لَمْ
يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكْذلِكَ العَبْدُ وَالحَرْثُ، سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.
[الحديث ٢٢٠٣ - أطرافه في: ٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦].
٢٢٠٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قالَ: ((مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبْرَثَّ فَثَمَرَتُهَا لِلِبَائِعِ، إِلَّا أَنْ
يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ)). [طرفه في: ٢٢٠٣].
أي باع الزرع والحقل.
٢٢٠٣ - قوله: (قد أُبَّرَتْ لم يُذْكَرِ الثمرُ) ... إلخ، أي لم يُذْكَرْ لمن يكون له الثمر. ذهبَ
الشافعيُّ إلى ظاهر الحديث، واختار مَنْطُوقَ الحديث ومفهومه، فجعل الثمار قبل التأبير
للمشتري، وبعده للبائع. وجعلها أبو حنيفة للبائع في الحالين. وما أَجَابَ به المُحَثُّون من أنه لا
عِبْرَةَ بمفهوم المُخَالِف ليس بشيءٍ. والصوابُ(١) ما أجاب به الطِيبيُّ في ((شرح المشكاة))، وهو
شافٍ، فقال: إن التأبيرَ عند الإِمام كنايةٌ عن ظهور الثمار، فإنهم لم يكونوا يُؤَبِّرُونها إلَّا بعد
ظهورها. وعلى هذا لا تكون لها قبل التأبير ثمارٌ، فإذا أُبْرَتْ - ولا يكونُ ذلك إلَّا بعد ظهور
الثمار - فهي للبائع بنصّ الحدیث.
٩١ - بابُ بَيعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ كَيلاً
٢٢٠٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ:
نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ عَنِ المُزَابَنةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كانَ نَخْلًا بِتَمْرِ كَيلًا، وَإِنْ كانَ
كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيلٍ طَعَامٍ، وَنَهى عَنْ ذلِكَ كُلِّهِ. [طرفه
في: ٢١٧١].
٩٢ - بابُ بَيعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
٢٢٠٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
(١) قال الشيخُ في ((اللمعات)): إن هذا الحديث كنايةٌ عن ظهور ثمرتها، لكونه لازمًا له غالبًا. فلو أُبْرَتْ ولم يَظْهَر بعدُ
ثمرتها، لا يكون الحُكْمُ كما ذُكِرَ، وهو كون الثمرة للبائع غير تابع للأصل، وهو ظاهر. ثم هذا الحكمُ مُخْتَلَفٌ
فيه بين العلماء: فقيل: الثمرةُ تَتْبَعُ المحلَ بكل حالٍ. وقيل: لا تَتْبَعَّ. وقيل: تَتْبَعُ قبل الظهور والصلاح، ولا تَتْبَعُ
بعده. وقال الطِيبيُّ: الأول مذهب أبي حنيفة. وهذا الخِلَافُ في غير صورة الاشتراط، وأمَّا بالاشتراط فَيَدْخُلُ
بالاتفاق.

٤٨٢
كتاب البيوع
عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيِّ وََّقالَ: ((أَيُّمَا امْرِىءٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ،
إِلَّا أَنْ يَشْتَرَطَهُ المُبْتَاعُ)). [طرفه في: ٢٢٠٣].
يعني باعَ الثمارَ، وباع معها النخلَ أيضًا.
٩٣ - بابُ بَيْعِ المُخاضَرَةِ
٢٢٠٧ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلحَةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَهى
رَسُولُ اللَّهِ وََّعَنِ المُحاقَلَةِ، وَالمُخاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ.
٢٢٠٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ نَهِى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ الثَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ. فَقُلْنَا لِأَنَس: ما زَهْوُهَا؟ قالَ: تَحْمَرُّ
وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمْرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مالَ أَخِيكَ؟! [طرفه في: ١٤٨٨].
أي بيع الزرع الأخضر، وهو منهيٍّ عنه، كالبيع قبل بُدُوِّ الثمار.
٩٤ - بابُ بَيعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ
٢٢٠٩ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرِ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًاً،
فَقَالَ: ((مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كالرَّجُلِ المُؤمِنِ)». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولُ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا
أَحْدَثُهُمْ، قالَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). [طرفه في: ٦١].
والجُمَّارُ لبِّ يَخْرُجُ في رأس النخل، يُؤْكَلُ، ولا يُثْمِرُ الشجرُ بعده.
٩٥ - بابُ مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَفْصَارِ عَلَى ما يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ في البُيُوعِ وَالإِجارَةِ
وَالمِكْيَالِ وَالوَزْنِ وَسُننِهِمْ عَلَى نِيَّتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِم المَشْهُورَةِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلِغَزَّالِينَ: سُنَّئُكُمْ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ :
لَا بَأُسْ، العَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهْ لِهِنْدٍ: ((خُذِي ما يَكْفِيكِ
وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوِفَ)). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وَاكْتَرَى
الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا، فَقَالَ: بِكُمْ؟ قالَ: بِدَانقَينٍ، فَرَكِبَهُ ثُمَّ جاءَ مَرَّةً
أُخْرَى، فَقَالَ: الحِمَارَ الحِمَارَ، فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِظْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ.
٢٢١٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: حَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَبُو ◌َطَيبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ بِصَاعِ
مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّقُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. [طرفه في: ٢١٠٢].

٤٨٣
کتاب البيوع
٢٢١١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ هِشَام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا: قالَتْ هِنْدٌ أُمُّ معَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَيِّ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجلٌ شَحِيحٌ، فَهَل عَلَيَّ
جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مالِهِ سِرًا؟ قَالَ: ((خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ ما يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ)). [الحديث ٢٢١١
- أطرافه في: ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠].
٢٢١٢ - حدّثني إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ:
سَمِعْتُ عُثْمانَ بْنَ فَرْقَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ غُرْوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]
أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ في مالِهِ، إِنْ كانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ
بِالمَعْرُوفِ. [الحديث ٢٢١٢ - طرفاه في: ٢٧٦٥، ٤٥٧٥].
قوله: (ومَذَاهِبهم المَشْهُورَةِ) أي التعامل. وحاصلُه: أن ما تَعَارَفَ بينهم في المكيال
والميزان وغيرهما يُعْتَبَرُ به، وإن لم يكن مُطَّرِدًا. ولكن هناك جزئيات اعْتَبَرَ فيها العُرْف، كما في
((الهداية)): إذا اختلفت النقودُ تُحْمَلُ على غالب نقد البلد. فالمصنِّفُ ترجم على أصله: ((لا
بأس، العشرةُ بأَحَدَ عَشَرَ، يعني إذا تلفّظ بالعشرة، وأراد منه أحد عشرة على العُرْفِ، جَازَ له.
وراجع الهامش، فقد أوضحه.
قوله: (ويَأْخُذُ النَّفَقَةِ) (لا كت) ربحًا، أي في البيع المُرَابحة.
قوله: (ولم يُشَارِظُهُ، فَبَعَثَ إليه بنِصْفِ دِرْهَم) والدائق: سُدُس الدِّرْهَم، فنِصْفُ دِرْهَمٍ:
ثلاث دَوَانقٍ. وقد كان استأجره بدَنِقَيْن، فَزَادَهُ واحداً مروءةٌ.
وحاصلُه: أن البيعَ، كما يَصِحُّ بالتعاطي، كذلك الإِجارة أيضًا، وهو المذهب عندنا.
٢٢١٠ - قوله: (وَأَمَرَ أَهْلَهُ أن يُخَفِّفُوا عنه من خَرَاجِهِ)، واعلم أن هذا باب لا يَدْخُلُ فيه
القضاء. وقلَّ من توجّه إلى هذا الباب أحدٌ، مع أنه يُوجَّدُ في الأحاديث كثيرًا، فيكون أمرًا
صحيحًا في الخارج، ثم لا يتأتَّى على قواعد الفِقْهِ، وذلك لأن الناسَ كثيرًا ما يتعاملون فيما
بينهم، ويُسَامِحُون فيه، ولا يتنازعون بشيءٍ. وقد يجوز ذلك في نظر الشارع أيضًا، إلَّا أن
الفقهاءَ لا يتعرَّضُون إليه لكونه من الديانات عندهم، وجلُّ أحكامهم من باب القضاء. ومن لا
خِبْرَةَ له بذلك يظنُّها خلاف الفِقْهِ، ولا يدري أن ما ذُكِرَ في الفقه هو حكم القضاء، وذلك في
الدِّيَانة، وقد أوضحنا الفرق بينهما .
فائدة: ثم إن بعضهم زَعَمَ أن الفرقَ بينهما إنما يَظْهَرُ في المعاملات دون العبادات،
وليس كذلك. لما في باب القراءة من (الدر المختار)): أن فرضَ القراءة آيةٌ، وأقلُّها ستةُ
: [الرحمن: ٦٤] لا تَجْزئُه عن
أحرف. فإن كانت الآية كلمة فقط، كقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَتَانِ (مَ)﴾
فرضها، إلا أن يَحْكُمَ به الحاكمُ. مثلًا: لو قال رجلٌ: إن قَرَأْتُ قدر الفريضة، فعبدي حرٍّ،
فقرأ ﴿مُدْهَمَتَانِ ﴿﴾، فادَّعى العبدُ عِنْقَه، وأنكره المولى، فرافع العبدُ إلى القاضي، فإن قَضَى
بجوازها عُتِقَ العبد، وتَصِحُ صلاته تلك، وإن لم تَصِحَّ غيرها. وهذه تَدُلُّ على أن الفرقَ بين

٤٨٤
كتاب البيوع
القضاء والديانة قد اغْتُبِرَ في باب العبادات أيضًا، فاعلمه.
وبالجملة باب المُسَامَحَات والمروءات مفقودٌ من الفِقْهِ، مع كونه أهم. ومن هذا الباب
واقعةُ ليلة البعير، فإنه وإن كان بيعًا أولًا، لكنه هِبَةً آخرًا. فإن النبيَّ ◌َِّ أَضْمَرَ فيها أولًا ما
أَظْهَرَهُ آخرًا. وهو: رَدُّ بعيره عليه، مع إعطاء الثمن من عنده، لِيَخْلُصَ لَه بعيره وثمنه، فكأنه أراد
به الإِعانةَ بهذه الشاكلة. ولعلَّ في مثل هذه البيوع لا تُرَاعَى شروط البيوع، ولذا أقول فيما أظنُّ -
والله تعالى أعلم -: إن من البيوع الفاسدة ما لو أتى بها أحدٌ جَازَتْ دِيَانةً، وإن كانت فاسدةً
قضاءً. وذلك لأن الفسادَ قد يكون لحقُّ الشرع، بأن اشتمل العقدُ على مَأْثَم، فلا يجوز بحالٍ .
وقد يكون الفسادُ لمخافة التنازع، ولا يكون فيه شيءٌ آخِرِ يُوجِبُ الإِثم، فذلك إن لم يَقَعْ فيه
التَّنَازُعُ جاز عندي دِيَانَةً، وإن بقي فاسدًا قضاءً، لارتفاع عِلَّة الفساد، وهي المُنَازَعةُ. ويَدُلُّ عليه
مسائلهم في باب المضاربة، والشركة، فإنها ربما تكون فاسدةً مع أن الرِّبْحَ يكون طيِّبًا، وراجع
((الهداية)).
ونَّه الحافظُ ابن تيمية في رسالته على أن من البيوع ما لا يَقَعُ فيها النِّزَاعِ، فتكون تلك
جائزةً، فإذا أدخلتها في الفِقْهِ وجدتها محظورةً، لأن أكثرَ أحكام الفِقْهِ تكون من باب القضاء،
والدياناتُ فيها قليلةٌ. وإنما يُصَارُ إلى القضاء بعد النزاع، فإذا لم يَقَع النِّزَاعِ، ولم يُرْفَع الأمرُ إلى
القاضي، نزل حكم الديانة لا مَحَالة، فيبقى الجواز.
٩٦ - بابُ بَيعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ
٢٢١٣ - حدّثني مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِنََّ الشُّفْعَةَ في كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ،
فَإِذَا وَقَعَتِ الحُذُّودُ، وَصُرِّفَتِ الْظُرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ. [الحديث ٢٢١٣ - أطرافه في: ٢٢١٤، ٢٢٥٧،
٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦].
وهذا البيعُ جائزٌ عندنا، ولا يَضُرُّه الشيوعُ، بخلاف هِبَةِ المُشَاعِ.
فائدة: وعبد الرحمن هذا مدنيٍّ من تعليقات البخاري، دون الواسطيّ، فإنه ضعيفٌ.
٩٧ - بابُ بَيعِ الأَرْضِ وَالذُّورِ وَالعُرُوضِ مُشَاعًا غَيرَ مَفْسُومٍ
٢٢١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَضى
النَّبِيُّ وََّ بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الظُّرُقُ، فَلَا
شُفِعَةً. [طرفه في: ٢٢١٣].
حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: بِهِذا، وَقالَ: في كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ. تَابَعَهُ هِشَامٌ،
عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ عَبْدُ الرَّاقِ: في كُلِّ مالٍ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

٤٨٥
كتاب البيوع
٩٨ - بابٌ إِذَا اشْتَرَى شَيئًا لِغَيرِهِ بِغَيرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ
أشار إلى جواز بيع الفضوليِّ، ووافق فيه أبا حنيفة. وكذلك الحكمُ في شراء الفضوليِّ بعد
لُحُوق الإِجازة عنده. وهذا الباب معدومٌ عند الشافعيِّ، فلا اعتداد لبيع الفضوليِّ عنده، ولا
لشرائه، ولو لَحِقَتْهُ الإِجازةُ.
٢٢١٥ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصِم: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ قالَ:
أَخْبَرَنِي مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عُنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ:
((خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ المَظَّرُ، فَدَّخَلُوا في غارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَطَّتَّ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ،
قالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللَّهَ بِأَفضَلِ عَمَلٍ عَمِلِتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمُّ إِنِّي
كانَ لِي أَبَوَانِ شَيخَانٍ كَبِيْرَانٍ، فَكُنْتُ أَخَرُجُ فَأَرْعىٍ ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالحِلَاب،
فَآَتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامَرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا
نَائِمَانِ، قالَ: فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَل ذلِكَ دَأْبِيٍ
وَدَأْبُهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافِرُجْ عَنَّا
فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قالَ: فَفُرِجَ عَنْهُم. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ
أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّ كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: لَا تَنَالُ ذلِكَ مِنَهَا حَتَّى
تُعْطِيهَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيهَا قَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ
وَلَا تَفْضَّ الخَاتَمَ إِلَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ، فَافِرُجْ عَنَّا فُرْجَةً، قالَ: فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ، وَأَبِى ذَكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذِكَ الفَرَقِ
فَزَرَعْتُهُ، حَتَّى اشْتَرَيتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلتُ:
انْطَلِقْ إِلَى تِلكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّها لَكَ، فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِىءُ بِي؟ قالَ: فَقُلتُ: مَا أَسْتَهْزِىءُ
بِكَ وَلكِنَّهَا لَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافِرُجْ عَنَّا، فَكُشِفَ
عَنْهُمْ)). [الحديث ٢٢١٥ - أطرافه في: ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤].
٢٢١٥ - قوله: (والصِّبْيَةُ يَتَضَافَوْنَ عند رِجْلَيَّ) ... إلخ. وهذا عملٌ غيرُ صالح في
الظاهر، كيف! وأنه ظلم على الصبيان الصغار المَعْصُومِين، فلم يُسْقِهِمْ لبنًا، وهم ساغبون. نعم
نيتُه كانت صالحةً، فَأُجِرَ عليها، ولا بُعْدَ أنه لو كان من أهل علم لأُخِذَ عليه، وعُوقِبَ به، فإن
صلاحَ النية مع فساد العمل إنما يعتدُّ من جاهلٍ، وقد نبَّهناك غير مرةٍ على أن هذا أيضًا باب في
الشرع غَفَلَ عنه الناسُ، أي القَبُولِيَّةُ بحُسْنِ النّة، مع الخطأ في العمل. وأسمِّيه صالحًا سفيهًا
(نيك بخت بيوقوف)، فإن السفاهةَ قد تَدْعُوَ إلى مثل هذا الغلوِّ والمبالغة التي لم تُكْتَبْ عليه.
قوله: (اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا). واخْتُلِفَ في أنه إن تصرَّف في مال غيره، ثم رَبِحَ فيه، هل
يَطِيبُ الربح للمتصرّف، أو يكون لصاحب المال؟ فذهب أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله إلى أن

٤٨٦
كتاب البيوع
المالَ إن كان من جنس النقدين طاب للمتصرِّف، وإن كان من القروض فهو أيضًا يَمْلِكُهُ، لکن
بِمِلْكِ خبيثٍ، إلَّا أن خُبْئَه لحقِّ الغير، فلا يَظْهَرُ في حقُّه.
ونُقِلَ عن أبي يوسف: أن الربحَ يكون للمتصرُّف في الفصلين بلا خُبْثٍ. وحُكِيَ عنه أنه
كان يتَّجِرُ في أموال اليتامى في زمن قضائه، فَيَرْبَحُ فيه، فيجعل الأصلَ محفوظًا على حاله،
ويأخذ الربحَ لنفسه. واعْتَرَضَ عليه بعضُ من لا فِقْهَ له في الدين، ورَمَاه بأنه كان يَأْكُلُ أموال
اليتامى، وحَاشَاهُ أن يَهِمَّ به. ولكنه عَمِلَ بما عمل به أبو موسى من قبله.
ففي ((الموطأ)) لمالك في باب ما جاء في القرض: مالك، عن زَيْد بن أسلم، عن أبيه أنه
قال: ((خرج عبد الله، وعُبَيْد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيشٍ إلى العراق، فلمَّا قَفَلَا مَرًّا على
أبي موسى الأشعريِّ - وهو أميرُ البَصْرَة - فَرَخَّبَ بهما، وسَهَّلَ، ثم قال: لو أَقْدِرُ لكما على أمر
أَنْفَعُكُمَا بِه لَفَعَلْتُ، ثم قال: بلى، هُهنا مالٌ من مال الله أُرِيدُ أن أَبْعَثَ به إلى أمير المؤمنين
فَأُسْلِفُكُمَاه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العِرَاق، ثم تَبِيعَانِهِ بالمدينة. فَتُؤَدِّيَانِ رأسَ المال إلى أمير
المؤمنين، فيكون لكما الربحُ. فقال: وَدِدْنَا، ففعل وكتب إلى عمر بن الخطّاب أن يأْخُذَ منهما
المال. فلمَّا قَدِمَا باعا، فَربِحًا. فلما رَفَعَا ذلك إلى عمر ابن الخطّاب، فقال: أَكُلُّ الجيش أَسْلَفَهُ
مثل ما أَسْلَفَكُمَا؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطّاب، ابنا أمير المؤمنين فَأَسْلَفَكُمَا، أدِّيَا المالَ
ورِبْحَه. فأمَّا عبد الله فَسَكَتَ، ورَاجَعَهُ عُبَيْد الله. فقال رجلٌ من جُلَسَاء عمر: يا أمير المؤمنين،
لو جَعَلْتَهُ قِرَاضًا. فقال عمر: جَعَلْتُهُ قِرَاضًا - أي مُضَارَبَةً - فأخذ عمر رأس المال ونِصْفَ رِبْحِهِ،
وأخذ عبد الله، وعُبَيْد الله نِصْفَ رِبْحِ المال)).
ففيه دليلٌ على جواز الاكتساب من مال الله عند أبي موسى، وتقريرٌ من عمر، فإنه لم يَقْدَحْ
في إسلافه، ولكنه خَشِيَ أن يكونَ ذلك رُشْوَةً، لأنهما كانا ابناه، فقال ما قال.
ونقل في ((الدر المختار)): أن أبا يوسف كان يبكي حين احْتَضَرَ، وكان يذكر أن ذِميًّا اذَّعَى
على الرشيد أمير المؤمنين، فَرَاعَيْتُ الذِمِّيُّ، وكان يقول: إنه لم يُخْطِىء في غير ذلك فيما يظنُّ.
قلتُ: ولو كانت الدنيا دَعَتْهُ إلى هذه الرعاية، لرجَّح أميرَ المؤمنين، ولكنه رجَّح الذميَّ
عليه. فَظَهَرَ أنها كانت لأمرٍ غير ذلك، فما ظنُّك برجلٍ هذا شأنه؟ ولكن من لا دينَ له يُرِيدُ أن
يَصْرِفَ وجوه الناس إليه بكل حِيلةٍ.
٩٩ - بابُ الشِّرَاءِ وَالبَيعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الحَرْبِ
٢٢١٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَاَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا مَع النَّبِيِّ وَّةِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ
مُشْعَانُّ طَوِيلٌ، بِغَنَمْ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((بيعًا أَمْ عَطِيَّةً؟)) أَوْ قَالَ: ((أَمْ هِبَةً؟)) فقالَ:
لَا، بَل بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً. [الحديث ٢٢١٦ - طرفاه في: ٢٦١٨، ٥٣٨٢].
يعني به أن اتحاد الملة ليس بشرط في البيع.
٢٢١٦ - قوله: (مُشْعَانٌ) أي مُسْتَنِدًا.

٤٨٧
كتاب البيوع
١٠٠ - بابُ شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلَِّ لِسَلِمَانَ: ((كَاتِبْ)) وَكَانَ حُرًّا، فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ، وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيبٌ
وَبِلالٌ. وَقالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُرْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِّ فَمَاَ الَّذِينَ فُضِلُواْ بِآدِى
رِزَّفِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٍ أَفَبِعْمَةِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٣)﴾ [النحل: ٧١].
وفيه مسألتان: الأولى: أن العبدَ هل يُمْكِنُ أن يكونَ تحت مُشْرِكٍ، فإن الظاهرَ يأباه، فإنه
يكونُ بإِيجاف الخيل عليهم وأَسْرِهِمْ، وإحْرَازِهم إلى دار الإِسلام، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك فيهم. نعم
يُمْكِنُ ذلك فيهم بطريق الغَصْب، ونحوه.
والثانيةُ أنه هل يَجُوزُ الشراء منه، وهل يَصُحُّ مُلْكُه عليه. واعلم أنه لا استرقاقَ في رجال
العرب عند أبي حنيفة، وليس فيهم إلَّ السيف، أو الإِسلام. فإن ارتدَّ أحدٌ منهم، فهو واجبُ
القتل. نعم يجوز استرقاق ذُرِّيَّتهم(١). ولا يَظْهَرُ ممَّا نَقَّلَهُ البخاريُّ من القصة جواز الاسترقاق
المُخْتَلَفِ فيه. فإن مسألة الإِمام الأعظم فيما بعد الدورة الإِسلامية، وتلك قصةٌ ممن سَبَقَ قبلها،
فلا حُجَّةَ فيها علينا .
قوله: (وقال النبيُّ وَّ لسَلْمَان: كَاتِبْ، وكان حُرًّا، فَظَلَمُوه وباعُوه) اهـ. وعند البخاريِّ
عن سلمان: ((أنه تَدَاوَلَه بضعة عشرة من ربِّ إلى ربِّ، اهـ. وأنه لقي وصيَّ عيسى عليه الصلاة
والسلام أيضًا، وذلك لأن زمن الفترة بين النبيِّ بَّ، وبين عيسى عليه الصلاة والسلام خمس
مائة وسبعون سنة - ٥٧٠- على حساب التوراة، فعاش ذلك الوصيِّ إلى زمنٍ طويلٍ بعده عليه
الصلاة والسلام، وعمر سَلْمَان كان مائتان وخمسون سنة، فَحَصَل اللقاء لطول العمرين. وكان
سلمان يَسِيحُ في الأرض لطلب دين الله حتى أُسِرَ، وجُعِلَ رقيقًا قبل مبعثه بَّه. ثم كان من أمره،
كما في ((شمائل الترمذي))، فإنه جاءه أول يوم بصدقةٍ، فلم يَقْبَلْهَا، ثم جاء بعده بهديةٍ فَقَبِلَها،
وكان وُصِفَ به في التوراة، فَأَسْلَم سَلْمَان، ثم أمره أن يُكَاتِبَ سلمانُ مولاه، فَقَبلَهُ على أن
يَغْرِسَ له سَلْمَان نخيلًا حتى تُؤْكَلَ. فَغَرَسَ له النبيُّ ◌َّهَ بيده الكريمة نخيلًا غير نخلةٍ، فَأَثْمَرَتْ
كلَّها غير تلك. ففتش عنها، فعلم أنه غَرَسَهَا عمر. فَغَرَسَهَا ثانيًا بيده الكريمة، فَأَثْمَرتْ أيضًا من
تلك السنة، فعُتِقَ على ذلك.
وغرضُ البخاريِّ: أن النبيَّ وَُّ لمَّا أمره أن يُكَاتِبَ من اليهوديِّ عَلِمَ أنه قرَّر مِلْكَهُ عليه.
وعند أبي داود ما يَدُلُّ على أن النبيَّ وَلِّ لم يتعرَّض إلى معاملات الجاهلية، وقال: ((ما كان من
قسم الجاهلية فعلى ما كان، وأمَّا ما أوجده الإِسلامُ، فیکون كما حَكَمَ به)).
قوله: (﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾﴾ [النحل: ٧١] أي ليسوا بسواءٍ، وذكر الزَّجَّاج: أن الجملةَ الاسميةَ
قد تَجِيء لمعنى الإِنكار أيضًا .
(١) قلتُ: وفيه دليلٌ على أن ذُرِّيَّةَ المرتدِ ليسوا بمرتدِين، وإلّاّ لوَجَبَ قتلهم أيضًا. وقد تكلّم فيه الشاميُّ في ((باب
المرتد»، فراجعه.

٤٨٨
كتاب البيوع
٢٢١٧ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ بِسَارَةَ،َ فَدَخَلَ بِهَا
قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ
أَحْسَنِ النِّسَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هِذَهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا
فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيرِي
وَغَيرِكِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ
بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّظْ عَلَيَّ الكافِرَ، فَغُظَّ حَتَّى رَكَضَ
بِرِجْلِهِ)). قالَ الأَعْرَجُ: قالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: ((قَالَتِ: اللَّهُمَّ
إِنَّ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قامَ إِلَيْهَا فَقَامَّتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ
كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَخْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَىِ زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هذا الكافِرَ،
فَغُظَ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ)). قالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: قالَ أَبُو سَلَّمَةَ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((فَقَالَتِ:
اللَّهُمْ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِيَ الثَّانِيَةِ أَو فِي الثَّالِئَةِ فَقَالَ: وَاللَّهِ ما أَرْسَلْتُمْ
إِلَيَّ إِلَّ شَيطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الكافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً)). [الحديث ٢٢١٧ - أطرافه في: ٣٣٥٧، ٣٣٥٨،
٥٠٨٤، ٦٩٥٠، ٧٦٣٥].
٢٢١٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةً في غُلَامِ، فَقَالَ سَعْدٌ :
هذا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْن أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُر إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ
عَبْدُ بْنُ زَمْعَهَ: هذا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَّ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهَا بَيِّنَا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الوَلَّدُ لِلفِراشِ
وَلِلِعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةً)). فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةٌ قَظُ. [طرفه في: ٢٠٥٣].
٢٢١٧ - قوله: (فَقامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي) ... إلخ، دَلَّ على أن الوضوءَ كان في الأمم
السالفة أيضًا، وكذا الصلاة.
قوله: (وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً) وهي هَاجَرَ عليها السلام، أم بني إسماعيل.
واعلم أن التحقيق: أن هَاجَرَ عليها السلام لم تَكُنْ أَمَةً، بل كانت بنتًا للملك، وكان هذا
الملك من ذُرِّيَّة سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. وأمَّا أهلُ مصره فكانوا من ذُرِّيَّة حام، فكان
يُحِبُّ أن يُزَوِّجَ ابنته رجلًا من أسرته، حتى إذا مرَّ به إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام مع زوجتهِ
سارة، - وكان من سام - فَأَسَرَهَا، وأراد بها ما أراد. فلمَّا رَدَّ اللهُ كَيْدَه في نحره، تفطّن أن
زوجَها مقرَّبٌ من المقرَّبين، فأراد أن يُنْكِحَهُ ابنته. ومن دَأْبِ الناس أنهم إذا أرادوا أن يُنْكِحُوا
بناتهم أحدًا يقولون مثل هذه الكلمات، هَضْمًا لأنفسهم، فيقولون: نُعْطِيكَ وليدةً. فهذا العُرْف
٢
٠٠

٤٨٩
كتاب البيوع
قد جرى في الحرائر أيضًا، لا سِيَّما إذا ظنَّه مُقَرَّبًا، فَنَاسَبَ أن يقول: وليدةً.
هكذا حقَّقه عالمٌ من (جريا كوت) حين أمره بعضٌ من المتنوِّرين من بلادنا أن يُؤَلِّفَ رسالةً
على هذا الموضوع. وإنما حَمَلَهُ على ذلك الظنّ بأن في التوراة أن أولادَ الإِماء يكون محرومَ
الإِرث، لا يَرِثُ مالًا ولا نُبُوَّةً.
قلتُ: أمَّا ما حقَّقه في هَاجَرَ عليها السلام، فهو صوابٌ. وأمَّا ما ذكره من قصة حرمان
الإِرث، فليس بصحيح. فإنه لا لُزُومَ بين حرمان الإِرث، والحرمان عن النُّبُوة. ولو سلَّمناه، فلا
يَلْزَمِ أن تُحْرَمَ الذُّرِّيةُ بأسرها من النُّبُوة، على أن في التوراة وَصْفَ إسماعيل عليه الصلاة والسلام
أزيدُ من وصف إسحاق عليه السلام، بل فيه: إني سأبعث من ذريته: (بارامير).
٢٢١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ :
قالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِصُهَيبٍ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَدَّع ◌ِلَى غَيرِ أَبِيكَ. فَقَالَ
صُهَيبٌ: ما يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلتَُ ذلِكَ، وَلكِنِّي سُرِقْتُّ وَأَنَا صَبِيٍّ.
٢٢٢٠ - حدّثنا أَبو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيَتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ - أَوْ
أَتَحَنَّتُ - بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَل لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ حَكِيمٌ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيرِ)). [طرفه في: ١٤٣٦].
٢٢١٩ - قوله: (ولكِنِّي سُرِقْتُ) ... إلخ، كان صُهَيْب من العرب، واسْتُرِقَّ في صباه
ظلمًا، فكان في العجم إلى زمنٍ، ولذا تغيَّر لسانهُ، ولذا اعتذر عنه.
١٠١ - بابُ جُلُودِ المَيتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ
٢٢٢١ - حدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ
قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيِّ
اللَّهُ عَنْهُمَا أُخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِِّ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: ((هَلََّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا!».
قالُوا: إِنَّهَا مَيَِّةٌ. قالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). [طرفه في: ١٤٩٢].
وهذا البيع لا يَجوزُ عندنا، كما في ((الهداية)).
١٠٢ - بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ
وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّوَّهُ بَيْعَ الخِنْزِيرِ .
٢٢٢٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ المسَيَّبِ:
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُفْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ
الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). [الحديث ٢٢٢٢ - أطرافه في: ٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩].

٤٩٠
كتاب البيوع
٢٢٢٢ - قوله: (حَكَمًا)، أي لا يكون نبيًّا، ثم إنه يكون حَكَمًا بين اليهود والنصارى. أمَّا
اليهودُ فيقتلهم، وأمَّا النصارى فَيُؤْمِنُونَ به .
قوله: (مُقْسِطًا)، أي من يزيل الجَوْر.
قوله: (فَكْسِرَ الصَّلِبَ)، لأنه رَاجَ الصليبُ باسمه.
قوله: (يَقْتُلَ الخِنْزِيرَ)، لأنه استحلَّه النصارى، مع أنه حرامٌ في شرعنا، وكذا في شرع
عيسى عليه الصلاة والسلام أيضًا. وما في بعض كُتُبِنَا أنه كان حلالًا فيهم، فليس بصحيح. بل
الأصلُ أنه حَرُمَ عليهم كل ذي ظُفُرٍ، كما في نصِّ القرآن. فاختلفوا في تأويله، فظنَّ النصارى أن
الخنزيرَ ليس منه، فجعلوه حلالًا من اجتهادهم الفاسد، لا أنه كان حلالاً في شرعهم.
قوله: (يَضَعَ الجِزْيَةَ)، وهذا تشريعٌ من النبيِّ وَّر لزمنه: أن لا يكونَ فيه إلَّا الإِسلام، أو
السيف، فلا يَلْزَمُ النسخ. ثم الدنيا لمَّا كانت في زمنه على شرف الزوال، نَاسَبَ أن تَسْقُطَ
الجِزْيَةُ، ولا يبقى إلَّا الإِسلام، أو السيف. ومن لههنا تبيَّن الحكمة في نزول عيسى عليه الصلاة
والسلام، ووظائفه التي يَنْزِلُ لها.
وحاصلُه: أنه لا يَنْزِلُ بوظائف النبوة، ولا يَلْزَمُهُ سلب النبوة عنه، فإنه كان رسولًا إلى بني
إسرائيل بالنصِّ. ونزولُهُ فينا، كدخول يعقوب عليه الصلاة والسلام مصر في نبوة يوسف عليه
السلام. وأمَّا لعين القاديان الشقي المتنبِّىء الكاذب، فلم يُوجَدْ فيه شيءٌ من ذلك، لم يَحْكُمْ بين
اليهود والنصارى بشيءٍ، بل أَكْفَرَ المسلمين، وأَعَانَ الصليبَ، وجمع المالَ حتى ذاق طينة
الخَبَال، فكيف يدَّعي أنه عيسى؟ ! .
ثم اعلم أن الحديثَ لم يُخْبِرْ بأن الإِسلامَ يُحِيطُ في زمنه على البسيطة كلِّها، كيف! ولا
يُذْرَى أنه يَنْزِلُ بكلِّ بلدٍ. ولكنه - والله تعالى أعلم - يَشِيعُ الإِسلامُ حيث يكون عليه الصلاة
والسلام. فما أَخْبَرَ به الحديث إنما هو شيوع الإِسلام بموضع نزوله وتَطْوَافِهِ، وأمَّا في غير ذلك،
فالله أعلم بحاله، ما يكون فيه. لا أقول: إن الإِسلامَ لا يكون في جميع الأرض، ولكن أقول:
إن الأحاديثَ لم تَرِدْ به. فذا أمرٌ تحت أستار الغيب بعدُ، فجاز أن لا يبقى في الأرض كلِّھا إلَّا
الإِسلام، وجاز أن تَكونَ تلك الغلبة الموعودة بمكان نزوله وحَوَالَيْهِ فقط .
أمَّا مُكْتُهُ عليه الصلاة والسلام بعد النزول، فالصوابُ عندي فيه أربعون سنةً، كما عند أبي
داود: ((فَيَمْكُثُ في الأرض أربعين سنةً، ثم يتوفَّى، فيصلِّي عليه المسلمون)». اهـ. وأمَّا ما تُوهِمُهُ
رواية مسلم: ((أنه يَمْكُثُ في الأرض سبع سنين))، فهو مدَّة مُكْثِهِ مع الإِمام المهدي، كما عند أبي
داود: ((وبعد تمام سبع سنين يتوفّى الإِمام، ويَبْقَى عيسى عليه الصلاة والسلام بعد ذلك ثلاثًا
وثلاثين سنةً)).
وأمَّا رَفْعُهُ، فكان على ثمانين سنة، وصحَّحه الحافظ في ((الإِصابة))، وهو الذي رجع إليه
السيوطي في ((مرقاة الصعود)).
وأمَّا مجموع عمره عليه الصلاة والسلام فمائةٌ وعشرون، نُبِّىءَ على أربعين منها، ورُفِعَ

٤٩١
کتاب البيوع
على ثمانين، ويَمْكُثُ في الأرض أربعين. وقد مَضَى منها ثمانون، فَبَقيَ أربعون. وهو معنى
قوله {َّة، ((وإن عيسى عليه الصلاة والسلام عاش مائةً وعشرين، ولا أُرَاني ذاهبًا إلَّا على ستين)) -
بالمعنى -، يعني به نصف مجموع عمر عيسى عليه الصلاة والسلام. وإنما قال: ((عاش)) - بصيغة
الماضي - لكون أكثره ماضيًا، ونزوله معلومًا. وإنما لم يَفْصِلْ بين ثمانين وأربعين، لأن المقصودَ
كان بيان التنصيف، والإِجمالُ في مثله شائعٌ.
ثم إن التنصيفَ باعتبار أُولِي العَزْم من الأنبياء عليهم السلام الذين جَرَى بذكرهم التأريخ،
أو بحسب المجموع، لا بِحَسَبِ الأشخاص والأفراد، فاعلمه. وهو الذي يُنَاسِبُ، فإن الحسابَ
(١)
يكون باعتبار الوقائع المهمة، وبها يَنْضَبط التاريخ
.
١٠٣ - بابٌ لاَ يُذَابُ شَحْمُ المَيتَةِ وَلاَ يُبَاعُ وَدَكُهُ
رَوَاهُ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
٢٢٢٣ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيانُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قالَ: أَخْبَرَنِي
طَاوُسٌ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانَا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ:
قاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قالَ: ((قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيهِمُ
الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا)). [الحديث ٢٢٢٣ - طرفه في: ٣٤٦٠].
٢٢٢٤ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قالَ: ((قاتَلَ اللَّهُ
يَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيَّهِمُ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ:
لَعَنَّهُمْ. ﴿قُئِلَ﴾: لُعِنَ. ﴿الْخَرَّصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]: الكَذَّابُونَ.
الشحمُ: ما كان مُنْفَصِلًا عن اللحم، وما كان داخلًا في اللحم، فهو وَدٌَ.
٢٢٢٣ - قوله: (بلغ عُمَرَ أن فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا)، وقصته أن سَمُرَة كان عَاشِرًا من جانب
عُمَرَ، فمرَّ عليه الذميُّ بالخمر، فأخذ منه العُشْرَ، فَبَلَغَ ذلك عُمَرَ، وقال كما في الحديث. وفيه
زيادة ذكرها الحافظ في ((الفتح)): أن عمر قال: ((وَلَّوهم بيعَها)). اهـ. وهذا وإن كان في مسألة
العُشْرِ، لكنه دَلَّ على أن مسلمًا لو وَكَّلَ ذميًا ببيع خمرٍ، طاب له ربحُهُ.
(١) قلتُ: وهذا عندي على حدِّ قوله: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، مع أن فيها من يُجَاوِزُهَا، ومن يَقْصُرُ
عمره عنها. فإذن هو حكمٌ بالنظر إلى المجموع، دون الأشخاص. ثم تبيَّن لي: أن النبيَّ ◌َّ لو قُدِرَ بعده نبي،
لكان عمره ثلاثين على الحديث المذكور، وإذا لم تكن بعده نبوة، بل كانت خلافة، قدر أن تكونَ الخلافةُ على
منهاج النبوة ثلاثين سنةً، لأنه عمر النبيِّ لو قُدِّرَ بعده، فصارت تلك مدَّة الخلافة لذلك. والله تعالى أعلم. ولو
كان لعين القاديان نبيًا، لوجب أن يكون ذلك عمره، ولكن الشقيَّ جَاوَزَ السبعين، فهذا الحديث جَمْرَةٌ في فِيهِ،
فَلْيُخْرَقْ بها فمه، أعاذنا الله من الكفر والضلال.

٤٩٢
كتاب البيوع
١٠٤ - بابُ بَيعِ التَّصَاوِيرِ التي لَيسَ فِيهَا رُوحٌ،
وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ
٢٢٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعِ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِيِ الحَسَنِ قالَ: كُنْتُ عِنْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا
أَبَا عَبَّاسَ، إِنِّي إِنْسَانِ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةٍ بِدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هذهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ: لا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ
اللَّهَ مَّعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيِسَ بِنَافِخِ فِيهَا أَبَدًا)). فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةٌ شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ
وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيحَكَ، إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعِّ، فَعَليكَ بِهذا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيه
رُوحٌ. قالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ هذا الوَاحِدَ.
[الحديث ٢٢٢٥ - طرفاه في: ٥٩٦٣، ٧٠٤٢].
واعلم أن مسألةَ فعل التصوير مسألةٌ أخرى. وأمَّا مسألةُ المصوَّرَات، ففصَّلها الشيخُ ابن
الهُمَام في ((الفتح)) على أحسن وجهٍ، وضَبَطَهَا في ◌ِدَّة سطورٍ، فراجعها.
١٠٥ - بابُ تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ في الخَمْرِ
وَقَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: حَرَّمَ النَّبِيُّ نَّهِ بَيِعَ الخَمْرِ.
٢٢٢٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الَبَقَرَةِ عَنْ آَخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ وَّلـ
فَقَالَ: ((حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ في الخَمْرِ)). [طرفاه في: ٤٥٩، ٤٥٤٠].
١٠٦ - بابُ إِثْمٍ مَنْ بَاعَ حُرًّا
٢٢٢٧ - حدّثني بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيم، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيِرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَ قَالَ: ((قالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ
أَنَا خَضْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَغْطَىِ بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ
اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ)). [الحديث ٢٢٢٧ - طرفه في: ٢٢٧٠].
٢٢٢٧ - قوله: (أَعْطَى بي)، ولعلَّه يَنْسَحِبُ على العهود العامة أيضًا.
١٠٧ - باب أمْرِ النَّبِيِّ وَُّ
اليَهُودَ بِبَيعِ أَرَضِيهِمْ ودِمَنِهِمْ حِينَ أجْلَاهُمْ
فيه المَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةً.
واعلم أن بني النَّضِير لمَّا أُجْلُوا، قيل لهم: أن بيعُوا المنقولاتِ من أموالكم، وأمَّا

٤٩٣
کتاب البيوع
الأراضي فهي لله ولرسوله، هكذا في كُتُبِ السِّيَرِ عامةً. ويمكن أن يكونَ أَمَرَ بعضَهم ببيع
الأراضي أيضًا (١)، كما في ترجمة البخاريِّ.
١٠٨ - بابُ بَيعِ العَبِيدِ وَالحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئةً
وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ. وَقالَ
ابْنُ عَبَّاسِ: قَدْ يَكُونُ البَعِيرُ خَيْرًا مِنَ الْبَعِيرَينِ. وَاشْتَرَىٍ رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بَعِيرًا بِبَعِيرَینِ
فَأَعْطَاهُ أَحِّدَهُمَا، وَقالَ: آتِيكَ بِالآخَرِ غَدًا رَهْوَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا رِبَا
في الحَيَوَانِ: البَعِيرُ بالْبَعِيرَيْن وَالشَّةُ بِالشَّاتَينِ إِلَى أَجلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ، بَعِيرٌ
بِبَعِيرَينِ وَدِرْهَمْ بِدِرْهَمِ نَسِيئَةً.
٢٢٢٨ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ في السَّبْي صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَخْيَةَ الكَلِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ وٍَّ.
[طرفه في: ٣٧١].
ويَجُوزُ بيعُ الحيوان بالمتعدِّد عندنا، لأنه ليس من الأموال الرِّبَوِيَّة، وهو قيميٍّ، وليس
بمثليٍّ. أمَّا إذا كان نَسِيئةً، فلا يجوز عندنا، سواء كان من الطرفين، أو عن طرفٍ. وخَالَفَنَا
الشافعيُّ في الثاني. قُلْنَا: إنه قيميٌّ، فلا يَصْلُحُ أن يكونَ واجبًا في الذِّمَّةِ، ولا بُدَّ من كونه مشارًا
إليه، بخلاف المثليِّ، فإنه يَصْلُحُ أن يكونَ واجبًا في الذِّمَّة. ولنا ما أخرجه الترمذيُّ، وصحَّحه:
(نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نَسِيئةً)). قال الشافعيةُ: هذا إذا كان نسيئةً من الطرفين. قال مولانا
شيخُ الهند: وهذا ليس بسديدٍ، لأن كون المناط نسيئةً من الطرفين لم يتعرَّض له في هذا
الحديث، بل هو مدلولُ حديث النهي عن الكالىء بالكالىء. وإنما المناطُ في هذا الحديث كون
الحيوان من الطرفين، مع كون واحدٌ منهما نسيئةً. وإرجاعُ هذا إلى ذلك إلغاءٌ لأحد الحديثين،
وحملُ الحديثين على المعنيين أَوْلَى.
قوله: (واشترى ابنُ عُمَرَ راحلةً بأربعةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عليه، يُوفِيها صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ)، قوله:
((مَضْمُونَةٍ عليه)) يعني (دَين دارهى أون أونتوكا). قلتُ: والظاهر أن الأَبْعُرَةَ كانت متعيِّةً موجودةٌ.
نعم القبضُ عليها كان بالرَّبَذَةِ، فهذا تَرَاخِ في القبض، وليس البيعُ نسيئةً.
قوله: (وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنٍ، ودِرْهَمٌ بدرهم نَسِيئَةً). قلتُ: إن بيعَ
الدِّرْهَم بالدِّرْهَمِ نسيئةً حرامٌ بالإِجماعِ، ولم يَشْرَحْ أَحَدٌ منهم ما أراد به ابن سِيرِين. والوجهُ
عندي أن يُقَالَ: إن قوله: ((نسيئة)) يتعلّق بالبعير والبعيرين، دون بيع الصَّرْف، فهو مطلقٌ، ولا
ريب في جواز بيع الدرهم بالدرهم. والذي صَرَفْنَا إليه قول ابن سِيرِين أَوْلَى من أن يُحْمَلَ على ما
يُخَالِفُ الإِجماع.
(١) قلتُ: وفي - مذكرةٍ أخرى عندي عن الشيخ: أن الأمرَ ببيعها لم يَكُنْ لبني النَّضير، فإن أراضيهم كانت فَيْئًا، وهو
الله ورسوله. وترجمةُ المصنِّف مُبْهَمَةٌ، لا يَنْفَصِلُ منها شيءٌ، فليحرَّر.

٤٩٤
كتاب البيوع
٢٢٢٨ - قوله: (كان في السَّبْي صَفِيَّةُ) ... إلخ، واشتراها النبيُّ ◌َّ بست رؤوسٍ، وفيه
الترجمة .
١٠٩ - بابُ بَيعِ الرَّقِيقِ
٢٢٢٩ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيرِيزِ:
أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا، فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيفَ تَرى في العَزْلِ؟ فَقَّالَ: ((أَوَإِنَّكُمْ
تَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذلِكُمْ، فإِنَّهَا لَيسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّ هِيَ
خارِجَةٌ)). [الحديث ٢٢٢٩ - أطرافه في: ٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩].
١١٠ - بابُ بَيعِ المُدَبَّرِ
٢٢٣٠ - حدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ بَّهِ المُدَبَّرَ. [طرفه في: ٢١٤١].
٢٢٣١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنْ عَمْرٍو: سمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا يَقُولُ: بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ.
٢٢٣٢، ٢٢٣٣ - حدّثني زُهَيْرُ بْنِ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا أبِي، عَنْ صَالح،
قالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّ عُبّيدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيدَ بْنَ خالِدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَخْبَرَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَّسُولَ اللَّهِ وَهِ يُسْأَلُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ، قالَ: ((اجْلِدُوهَا،
ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا)) بَعْدَ الثَّالِئَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [طرفاه في: ٢١٥٢، ٢١٥٤].
٢٢٣٤ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّ يَقُولُ: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ
زِنَاهَا، فَلَيَجْلِدْهَا الَحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلَيَجْلِذْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ
زَنَتِ الثَّالِئَةَ فَتَبَيَّنَ زِناها، فَلَيَبِعْها وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ)). [طرفه في: ٢١٥٢].
قد مرّ منا التنبيه على أن المصنّفَ ترجم على جواز بيع المُدَبَّرِ أيضًا، مع الإِشارة إلى أن
بيعَ النبيِّ وَّ كان من قَبِيلِ التعزير، وهذا يُوجِبُ أن لا يكونَ بيعُه جائزًا عنده، فتهافتت تراجمه.
ويُمْكِنُ أن يُقَالَ: إن الأَصَلَ عنده جوازُ البيع، وإنما التعزيرُ ببيعه بنفسه فقط، يعني بدون استفسارٍ
منه. وقد مرَّ عن الدارقطنيِّ ما يَدُلُّ على أن البيعَ يمكن أن يكونَ محمولًا على الإِجارة أيضًا .
٢٢٣٢، ٢٢٣٣- قوله: (يُسْأَلُ عن الأَمةِ تَزْني ولم تُحْصَنْ) ... إلخ؛ قلتُ: ومفهومُ
الإِحصان يَدُلُّ على أن المُحْصَنَةَ لا تُجْلَدُ، بل تُرْجَمُ، مع أنه لا رَجْمُ في الإِماء، مُحْصَنَةً
كانت، أو غيرَ مُخْصَنَةٍ. ثم المراد من الإِحصان: التزوُّج، دون الفقهي، فإن الفقهيَّ

٤٩٥
كتاب البيوع
يُشْتَرَطُ فيه الحرية، والأمومية تُنَافِيهَا. والجواب أن يُقَالَ: إن قَيْدَ الإِحصان جاء تَبَعًا
للقرآن. والحديثُ إذا تحقَّق اقتباسُهُ من القرآن، فالبحثُ في القيودِ يَدُورُ في الآية، قال
تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
[النساء: ٢٥] إلخ، قيَّد فيها بالإِحصان أيضًا. وراجع ((الفوائد)) للشاه عبد القادر، فلعلّه
يُنْجِحُ شيئًا، وقد ذَكَرْتُ حلَّه في مذكرتي، ولا يَسَعُهُ المقام.
١١١ - بابٌ هَل يُسَافِرُ بِالجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَها
وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَها أَوْ يُبَاشِرَها. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا
وُهِبَتِ الوَلِيدَةُ التَّي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عُِقَتْ فَلْيُسْتَبْرَأُ رَحِمُهَا بِحَيضَةٍ، وَلَّا تُسْتَبْرَأُ العَذْرَاءُ.
وَقَالَ عَطاءٌ: لَا بَأُسََّ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جارِيَتِهِ الحَامِلِ ما دُونَ الفَرْجِ، وَقالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا
عَلَىَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
والسفرُ بها جائزٌ عندنا. أمَّا الاستمتاعُ بالوَظْءِ، أو دَوَاعِيهِ، فلا يجوز، كما ذَهَبَ إلیه ابن
عمر، وهو مذهبُ العلماء كافةً، إلَّا أنه لا اسْتِبْرَاءَ عنده في العَذْرَاءِ، وفيها عندنا ذلك. قال
الشافعيةُ في أصول الفِقْهِ: إن الحكمَ الشرعيَّ لا ينبغي أن يَخْلُوَ عن الحكمة. ومرادُهم به عدم
خلو ذلك النوع، لا أن تتحقَّقَ تلك الحكمة في جميع الجزئيات من ذلك النوع أيضًا. ثم جاء
شارحُ ((الوقاية)) وأوضحه، وزاد من عنده قيدًا آخر، وقال: إن المرادَ من النوعِ النوعُ المنضبطُ،
وهو الذي تُعْرَفُ جزئياته من وصفه العنواني، ولا يبقى فيها شبهةٌ.
وإذن الأصلُ أن لا يَخْلُوَ النوعُ المنضبطُ عن الحكمة، أمَّا النوعُ المنتشرُ، فيمكن أن يَخْلُوَ
عنها. والعذراء لههنا نوعٌ منضبطٌ يُعْرَفُ بهذا الوصف ما صدقاته بدون ارتيابٍ وشبهةٍ، مع خلوه
عن الحكمة. فإنها لا تحتاجُ إلى استبراءٍ أصلًا، لأنه لا احتمالَ فيها بشغل الرَّحْم، والاستبراءُ
يكون له فقط. فحكمُ الاستبراء في العَذْرَاءِ حكمٌ خالٍ عن الحكمة. وكذا أوردواً علينا مسألَةً
نكاح المشرقية بالمغربي، حيث يَثْبُتُ النَّسَبُ عندنا مع عدم إمكان الوطء فيها، وقد فَرَغْنَا عن
جوابها. أما مسألة الاستبراء، فقد أجاب عنها الشيخ ابن الهمام: بأنه لا يُشترط تحقق تلك
الحكمة حقيقةً، بل يكفي تحقُّقها تقديرًا أيضًا. كما قالوا فِيمَنْ أَسْلَمَ في آخر ساعة الظهر، أو
طَهُرَتْ فيها الحائضة: إن الصلاةَ تَجِبُ عليها، مع عدم التمكُّن على الأداء. فإن القدرةَ وإن
انْتَفَتْ هُهنا حقيقةً، لكنها متحققةٌ باعتبار التوهُم، فعُلِمَ أن تحقَّقَها باعتبار التوهُّم أيضًا كافٍ.
قلتُ: وهذا الجواب ليس بمرضيٍّ عندي، وما أشبهه بأجوبة المعقوليين، فالجواب عندي:
بأن الحملَ يُمْكِنُ في العَذْرَاء حقيقةً، كما في ((قاضي خان))، ولعلَّه في باب الحظر والإِباحة: أن
رجلًا لو كان يُبَاشِرُ زوجتَه البِكْرَ، فدخل الماءُ في رحمها عَلِقَت، فالعُذْرَةِ تُزِيلُها القابلةُ بيدها.
ولو كانت تلك المسألة في ذهن الشيخ لَمَا احتاج إلى هذا التأويل البعيد الذي صار مطْعَنًا للقوم.
وأمَّا مسألةُ وجوب الصلاة، فليس مبناها على تَوَهُم القدرة، بل سببُ الوجوب عندهم هو جزءٌ
من الوقت، وقد وُجِدَ، وليس تمامَ الوقت.

٤٩٦
كتاب البيوع
٢٢٣٥ - حدّثنا عَبْدُ الغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
أَبِي عمروٍ، عَنْ أَنَس بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ نَّهِ خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْهِ الحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُبَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدَّ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا،
فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنا سَدَّ الرَّوْحاءِ حَلَّتْ، فَبَنِى بِهَا، ثُمَّ
صَنَعَ حَيْسًا في نِطَعِ صَغِيرٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ)). فَكانَتْ تِلكَ وَلِيمَةً
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ، قالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يُحوِّي
لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَها عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى
تَرْكَبَ. [طرفه في: ٣٧١].
٢٢٣٥ - قوله: (ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةً) ... إلخ، وقد كانت صَفِيَّةُ رَأَتْ قبله رُؤْيَا: أن القمر
في حِجْرِهَا، فقصَّتْها على زوجها، فَنَهَرَهَا، وقال: أَتُرِيدُ أن تَنْكَحَ هذا الصَّابىء. ثم إن النبيَّ وَّ
لمَّا دخل المدينةَ جاء والدها وعمها لِيَرَوْهُ، فقصًا عليَّ قصصهما مَحْزُونَيْنِ مَهْمُومَيْنٍ، قالت
صَفِيَّةُ: قال والدي: أهوهو؟ قال عمِّي: نعم. قال: فماذا نفعل؟ قال: نُخَالِفُهُ، ولا نُؤمِنُ به.
قال أبي: وذاك إرادتي. فِصَفِيَّةُ كانت سَمِعَتْ تلك القصة. وهي صغيرةٌ. وعندي مذكرةٌ علَّقتها
في أنَّ أَنْكِحَةَ النبيِّ وََّ كلَّها كانت من أسبابٍ سَمَاوِيَّةٍ، وقد عَلِمْتُ شيئًا منه في صَفِيَّةَ رضي الله
تعالى عنها .
١١٢ - بابُ بَيعِ المَيتَةِ وَالأَصْنَامِ
٢٢٣٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أَبِي
رَبَاح، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَقُولُ عامَ الفَتْحِ،
وَهُوَّ بِمَكَّةَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ)). فَقِيلَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ شُحُومَ المَيتَةِ، فَإِنَّها يُظْلَى بِها السُّفُنُ، وَيُذْهَنُ بِها الجُلُوَدُ، وَيَسْتَصْبِحُ
بِهَا النَّاسُ؟ فَقالَ: ((لَا، هُوَ حَرَامٌ)). ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عِنْدَ ذلِكَ: ((قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ
اَللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ))، قالَ أَبو عاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الحمِيدِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ.
[الحديث ٢٢٣٦ - طرفاه في: ٤٢٩٦، ٤٦٣٣].
٢٢٣٦ - قوله: (لا، وهُوَ حَرَامٌ) أي استعماله حرامٌ. وقال الشافعيةُ: أي بيعُه
حرامٌ. وظاهرُ الحديث حُجَّةٌ لنا، لأنه ذَكَرَ فيما سَبَقَ: تَظْلِيةَ السُّفُنِ، والادِّهانَ،
والاسْتِصْبَاحَ، وكلُّ ذلك استعمالاتٌ، فيكون الحرامُ تلك. ثم إن شَحْمَ الميتة، لا يَجُوزُ
استعماله بأي نحو كان. أمَّا الدهن الذي تنجَّس، فهو مُتَنَجِّسٌ، وليس بنَجِسٍ، فيجوز
الاسْتِصْبَاح به خارج المسجد، أمَّا في المسجد فلا يَجُوزُ.

٤٩٧
كتاب البيوع
١١٣ - باب ثَمَنِ الكَلبِ
٢٢٣٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرْ نَهَى عَنْ ثَّمَنِ
الكَلبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلوَانِ الكاهِنِ. [الحديث ٢٢٣٧ - أطرافه في: ٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١].
٢٢٣٨ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيفَةً
قالَ: رَأَيِتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ، فَسَأَلتُهُ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ نَهى عَنْ ثَمَنِ الدَّم وَثَمَنِ الكَلْبِ وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ
وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوَّرَ. [طرفه في: ٢٠٨٦].
٢٢٣٧ - قوله: (ومَهْرِ الْبَغِيِّ)، وترجمة المهر ههنا (خرجى). واعلم أنه وَقَعَ في ((حاشية
جَلَبي على شرح الوقاية): أن أجرةَ الزانيةِ حلالٌ عند أبي حنيفة، وهو شنيعٌ جدًا، ومُخَالِفٌ
للنصِّ أيضًا. فأجاب عنه مولانا الكَنْكُوهِي: بأن ما كَتَبَه جَلَبي مسألةٌ من باب الإِجارة الفاسدة،
كما يُعْلَمُ من صنيع أصحابنا، فإنهم لم يَذْكُرُوها إلَّا في هذا الباب، فدلَّ على ما قَصَدُوه، فلا
يكون المعقودُ عليه هو الزنا. وصورةُ المسألة: إن استأجر امرأةً لِتَخْبِزَ مثلًا، واشْتَرَطَ أن يَطَأَهَا
أيضًا، فهذا الشرطُ فاسدٌ. والمسألةُ في الإِجارة الفاسدةِ عندنا: أن الأَجرَ فيها طيبٌ، لكونها
مشروعةً بأصلها، وغير مشروعةٍ بوصفها، فلا تكون باطلةً من كل وجهٍ. فالأجرةُ لهُهنا على
الخبز، ولا خَبْثَ فيه، وإنما الخبثُ، لمعنى خارجٍ، وليست الأجرةُ بدلًا عنه، فتبقى طيبةً لا
مَحَالَةً.
أقول: لكن يَرِدُ عليه أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارة الفاسدة، كما في ((الشامي))، نقلا
عن ((المحيط)): أن ما أخذته الزانيةُ، إن كان بعقد الإِجارة فحلالٌ، وإلَّا فحرامٌ اتفاقًا. فهذا يَدُلُّ
على كون الزنا نفسه معقودًا عليه، مع التصريح «كون أجرته حلالًا، فدَلَّ على أن المسألةَ لا
تَقْتَصِرُ على الوجه المذكور.
ثم العجبُ أن أصحابَنا نَفَلُوا الإِجماعَ على حُرْمَةٍ أجرة الزنا أيضًا، كما في ((البحر)).
وهكذا نقله النوويُّ. وقد مرَّ الحافظُ ابن تَيْمِيَة على تقرير تلك المسألة في كتابه ((الصراط
المستقيم)). ويُسْتَفَادُ منه أيضًا: أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارةِ الفاسدةِ، وغيرها، وحينئذٍ يَعُودُ
المحذورُ. ولم يتعرَّضْ ابن تَيْمِيَة إلى هذه المسألة، بل قال: إن الإِجارةَ على عملٍ خاصٍ، تَقَعُ
على مطلق العمل. فمن اسْتَأْجَرَ رجلًا لِيَحْمِلَ إليه الخمرَ، فهو جائزٌ، لأن الإِجارَةَ، وإن كانت
على خصوص حمل الخمر، لكنها تَقَعُ على مطلق العمل، فيجوز له أن يَأْمُرُهُ بحمل الماء مكان
الخمر. فَخَرَجَ من تعليله هذا: أن المسألةَ عندنا لا تَقْتَصِرُ على الوضع الذي ذُكِرَ، وإن كان
الفقهاءُ ذكروها في باب الإِجارة الفاسدة.
فالجوابُ عندي: أن أصلَ تلك المسألة في ((المحيط)) للبرهاني، ويُعْلَمُ منه: أن المسألةَ
مفروضةٌ بين المولى وجاريته خاصةً، فإن أَجَرَهَا المولى للزنا، وجعل له أُجْرَةً طابت له الأُخْرَةُ،

٤٩٨
كتاب البيوع
لكون المعقودُ عليه فيها تسليمَ النفس دون الزنا خاصةً. فإن زَنَتْ من غير أن يُؤْجِرَهَا المولى لا
تَطِيبُ له الأجْرَةُ، لأنها لا تَمْلِكُ منافعَ بُضْعِهَا، فلا تَمْلِكُ إجارتها أيضًا. نعم يَجِبُ له العُقْرُ،
ويَسْقُطُ الحدُّ. فإن وجوبَ المهر، أو العُقْرِ يَمْنَعُ وجوب الحدِّ عندنا.
وقد ذَكَرَ الحنفيةُ: أن الأجيرَ على قسمين: أجيرٌ مطلقٌ، وذلك يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ بتسليم
النفس، ولو لم يَعْمَلْ شيئًا. والثاني: أجيرٌ مُشْتَرَكٌ، ويكون المعقودُ عليه فيها عملًا خاصًا، فلا
يَسْتَحِقُّ الأُخْرَةَ إلَّا بعد عمله، كالقَصَّار، والخيَّاط، والصبّغِ. فإن جَعَلَ تسليمَ النفس، والعملَ
كليهما معقودًا عليه، فَسَدَتِ الإِجارة، كما في ((ما لا بد منه)) - رسالة بالفارسية - للشيخ العارف
بالله ثناء الله الفاني فتى، من أَجِلَّة علماء الهند. وهناك قسمٌ ثالثٌ أيضًا، وفيه بحثٌ، وراجع له
((الدرر والغرر)).
وبالجملة كانت المسألةُ مختصةً بالمولى وجاريته، فأَجْرَاها الشاميُّ بين الحرائرِ أيضًا، مع
أنه لا تعلُّق لها بالحرائر. ثم ذاك أيضًا بحسب زمانهم، فإنهم كانوا في زمانٍ لم تَكُن الإِجارة
على الزنا شَاعَتْ فيه. وإنما كان الفُسَّاقُ يَخْتَالُون له، فيستأجرون الجواري على طريق الأجير
المطلق، ثم كانوا يَزْنُونَ بهنَّ أيضًا، فساغ للفقهاء أن يَحْمِلُوها على تسليم النفس، تصحيحًا
للعقد مهما أمكن، وحملًا لحال المسلم على الأَصْلَح. وإن كان عَقَدَ على الزنا وسمَّاه، فإنه من
مسخ فطرته، وسوء بِطَانَتِهِ، فلا يُلْتَفَتُّ إليه، ولا يُصْغَى لقوله، كما مرَّ عن ابن تيمية: أن الإِجارةَ
على حمل الخمر تَنْصرفُ إلى مطلق الحمل.
أمَّا إذا شاعت الإِجارةُ، والاستئجارُ في الزنا، كما في زماننا، تعذَّرَ التأويلُ المذكورُ،
وتعيَّن كون الزنا هو المعقودُ عليه، فَتَحْرُمُ الأجرة مطلقًا. أمَّا في الحرائر فظاهرٌ، وأمَّا في جاريته
فلانقلاب الحال.
ومن هُهنا ظَهَر سرُّ الفرق بين أجرة النائحة والمغنية، حيث جَزَمَ فقهاؤنا بحُرْمَةِ أجرة المغنية
والنائحة، كما في ((الكنز)) مع جريان هذا التأويل فيهما أيضًا. وذلك لأنهم لمَّا نَظَرُوا في
زمانهم، وجدوا الإِجارةَ قد فَشَتْ في باب الغناء والنَّوْحِ، فجعلوهما معقودًا عليه، ولم يَحْمِلُوها
على تسليم النفس. بخلاف الزنا، فإنهم لم يَجِدُوا الإِجارةَ فيه شائعة، كما في زماننا. فإن الناسَ
لقلَّة الدين والدِّيَانة، وضعف الإِيمانِ والأمانة، يستأجرون ولا يُبَالُون، يَزْنُونَ ولا يَسْتَحْيُون،
فكيف يكون اليوم لهم التأويلُ. وإلَّا فلا أعرف فرقًا بين النوعين، حيث حَرُمَت الأجرة في
الغناء، وطابت في الزنا، مع كون الزنا أشنعَ وأفحشَ، ويَلْحَقُ به ما عند البخاريِّ في كتاب
الإِكراه، باب إذا اسْتُكْرِهَتِ المرأة على الزنا، فلا حدَّ عليها، وعن الزهريِّ: ((أنه لو زنى أحدٌ
من أَمَةٍ بِكْرٍ يَجِبُ عليه الحدُّ، وضَمِنَ النقصان)).
وفي ((الهامش))، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثَوْر: فكما أن إيجابَ الضمان في
الصورة المذكورة لا يُعَدُّ أجرةً لزناه، بل يُعَدُّ ضمانًا للنقصان، كذلك الأجرة فيما نحن فيه، لا
تكون أجرةً للزنا، بل أجرةً للحبس، وتسليم النفس. ثم إن عبارة ((المحيط)) تقتضي أن تلك
المسألة لعلَّها حَدَثَتْ من لفظ المهر، فإنه يقتضي تَمَادِي تلك المعاملة، وطول فيها، وذاك إذا

٤٩٩
کتاب البيوع
كانت بطريق الاستئجار. بخلاف لفظ الأجرة، فإنه لا يقتضي ذلك، ويأتي في الزنا مرةً أيضًا.
فلمَّا نَظَرُوا لفظَ المهر، وضعوا المسألةَ في الإِجارة لذلك. ولذا عَدَلْتُ عن ترجمته، إلى الترجمة
بـ (خرجى)، فإنه يُسْتَعْمَلُ في معنى الأُخْرَةِ.
ومحصِّلُ الكلام، وجِملةُ المرام: أن أجرة الزنا حرامٌ عندنا أيضًا، أمَّا في الحرائر فمطلقًا،
وأمَّا في الإِماء فكذلك، إلّا ما وقع بين المولى وجاريته، ثم ذلك أيضًا في الزمن القديم. أمَّا
اليوم، فلا تَحِلُّ مطلقًا، لا في الحرائر، ولا في الإِماء، لا في حقِّ مَوَالِيهنَّ، ولا في حقٌّ
غيرهن. وكان الواجبُ على أصحابنا أن يَنْظُرُوا في عبارة ((المحيط))، ولا يَهْدِرُوا القيودَ المذكورةَ
فيها، لئلا يَرِدَ علينا ما أورده الخصوم. ولكن الله يَفْعَلُ ما يشاء؛ ويَحْكُمُ ما يريد، والله تعالى
أعلم، وعلمُه أحكم.
فائدةٌ: واعلم أن ((المحيط)) اثنان: الأول للبرهاني، لجدّ شارح ((الوقاية)) وقد ذَكَرَ مولانا
عبد الحيِّ أنه في أربعين مجلدًا، وقد رأيته في خمس مجلدات. والثاني للشيخ رضي الدين
السَّرَخْسِيِّ، فاعلمه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٣٥ - كِتَابُ السَّلَم
١ - بابُ السَّلَمِ في كَيلٍ مَعْلُومٍ
٢٢٣٩ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن عُلَيَّةَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحِ،
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُوَّلُ
اللّهِ ﴿ِ المَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ في الثَّمَرِ الَعَامَ وَالْعَامَينِ، أَوْ قالَ: عامَينٍ أَوْ ثَلَاثَةً،
شَكَّ إِسْمَاعِيلُ، فَقَالَ: ((مَنْ سَلَّفَ في تَمْرٍ، فَلَيُسْلِف في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ)).
حدّثنا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ بِهِذَا: ((فِي كَیلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزٍْ
مَعْلُومٍ)). [الحديث ٢٢٣٩ - أطرافه في: ٢٢٤٠، ٢٢٤١، ٢٢٥٣].
٢ - بابُ السَّلَمِ في وَزْنٍ مَعْلُومٍ
٢٢٤٠ - حدّثنا صَدَقَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ المَدِينَةَ وَهُمَّ
يُسْلِفُونَ بِالثَّمْرِ السَّنَتَينِ وَالثَّلَاثَ، فَقَّالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ فَفِي كَيلٍ مَعْلُومِ، وَوَزْنٍ
مَعْلُومٍ، إِلَّى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). [طرفه في: ٢٢٣٩].
حدّثنا عَلِيٍّ بن عبد الله: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَقَالَ:
(فَلْيُسْلِفِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، إِلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)).
٢٢٤١ - حدّثنا قُتَيبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي المِنْهَالِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ ... وَقالَ:
((فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَغْلُومٍ» .
٢٢٤٢، ٢٢٤٣ - حدّثْنَا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي المُجَالِدِ. ح.
وَحَدَّثَنَا يَحْيى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، أَوْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ، قالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ وَأَبو بُرْدَةً في السَّلَفِ، فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: في الحِنْطَةِ
٥٠٠