Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الصّوم أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطَعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ)). [الحديث ١٩٣٣ - طرفه في: ٦٦٦٩]. ذَهَبَ مالكٌ إلى الفرق بين النَّفل والفرض، فمن أكل ناسيًا في الصِّيامِ الفرضِ والواجبِ، وَجَبَ عليه القضاء. وإن كان صومًا نفلًا، فلا قضاءً عليه. وعندنا، وعند الشافعيّ: ليس عليه قضاء مطلقًا، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وصومُه تامٌّ بخلاف النسيان في الصلاة. فإن أكل أو شَرِبَ ناسيًا، وهو يُصَلِّي فَسَدَت صلاتُه، والفرق في الفِقْهِ. ٢٧ - بابُ السِّوَاكِ الرَّطْبِ واليَابِسِ لِلصَّائِمِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َلِ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ، مَا لَا أُخْصِي أَوْ أَعدُّ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ». وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ النَّبِيِّي ◌َِّهِ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيرِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مَظْهَرَةٌ لِلفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ)). وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ : يَبْتَلِعُ رِيقَهُ. ١٩٣٤ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ قالَ: رَأَيتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى المَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى المَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ لَا يُحَدِّثُ نَفسَهُ فِيهِمَا بِشَيءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . [طرفه في: ١٥٩]. اختار المصنِّفُ مذهبَ الحنفية، ولم يفرِّق بين ما قبل الزَّوَالِ وبعده. قوله: (قال عَطَاءٌ، وقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَه). قال الشيخ ابن الهُمَام: إن جمع ريقَه في فمه، ثم ابتلعه ◌ُرِهَ، وإلّا لا. ٢٨ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نََّ: ((إِذَا تَوَضَّأَ فَلَيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ)) وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيرِهِ وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِل إِلَى حَلقِهِ، وَيَكْتَحِلُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ المَاءَ لَا يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَلَا يَمْضَغُ العِلكَ، فَإِنٍ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفِطِرُ، وَلكِنْ يُنْهِى عَنْهُ، فَإِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلقَّهُ لَا بَأُسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ. ٣٤٢ كتاب الصوم ٢٩ - بابٌ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ((مَنْ أَفطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيرٍ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صامَهُ)). وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ: يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ. ١٩٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ القَاسِم أَخْبِرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ خُوَيلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ نَّه فَقَالَ: إِنَّهُ أَحْتَرَقَ. قَالَ: ((مَا لَكَ؟)) قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِمِكْتَلٍ يُدْعى العَرَقَ، فَقَالَ: ((أَينَ المُحْتَرِقُ؟)). قَالَ: أَنَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهذا)). [الحديث ١٩٣٥ - طرفه في: ٦٨٢٢]. ذَهَبَ الجمهورُ إلى أن من جَامَعَ في رمضانَ، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ. واختار البخاريُّ أن لا قضاءَ عليه، وعليه الكفَّارة. وأمَّا في غيره، فلا قضاءَ ولا كفَّارةَ عند المصنِّفِ. وأوجبهما أبو حنيفة، ومالك في الأكل والشُّربِ أيضًا. خلافًا للشافعيِّ، وأحمد. أمَّا انتفاءُ القضاء عنده، فلمَا روى الترمذيُّ: ((أن من أَفْطَرَ متعَمِّدًا يومًا من رمضانَ من غير رُخْصَةٍ، ولا مرضٍ، لم يقضِ عنه صوم الدَّهْرِ كلِّه، وإن صامه)). وأمَّا انتفاءُ الكفَّارةِ، فلكونها تعزيرًا. والأصلُ فيه الظُّهَار، فإن الشَّرْعَ أَوْجَبَ فيه صيامَ شهرين متتابعين تَعْزِيرًا، لمَّا قال مُنْكَرًا من القول وزُورًا. ولذا يجبُ عليه قضاؤه عند الجمهور، فإن القضاءَ للصَّوْمِ الذي أفسده. وأمَّا صيامُ شهرين متتابعين فتعزيرٌ لِمَا فعله، وليس بدلًا عن صومه الذي أَفْسَدَهُ. فإذا عَلِمْتَ أن الكفَّارة بالصِّيام تعزيرٌ، وليس بدلًا عن الصوم، عَلِمْتَ أنها لا تنبغي أن تَجِبَ في الأكل والشرب، لأن التعزيرَ لا يجري فيه القياس، كما في الحدود، فتَقْتَصِرُ على موردها، لا سِيَّما إذا كان الأكلُ والشربُ أخفَّ من الجِمَاعِ أيضًا. هذا تقريرُ كلامه مع الجمهور. وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه أن الصِّيامَ إذا صار كفَّارةً عن الجِمَاعِ - وهو أشدُّ - فليكن عن الأكل والشرب بالأَوْلى، فإنهما أخفُّ. وتقريرُ الجواب أن الكفَّارةَ بالجماع ليست للتلافي، بل هي تعزيرٌ له. فكما أن الصِّيامَ ليست كفَّارةٌ له في الأكل والشربِ عندكم أيضًا، كذلك في الجِمَاع أيضًا، إلَّا أنا قلنا بها في الجِمَاعِ للنصِّ، تَعْزِيرًا لا تكفيرًا، ولا قياسَ فيه. قلتُ: وهذا يُؤَيِّدُ الحنفيةَ: أن الكفَّارات عند البخاريِّ زواجرُ لا سَوَاتِر، كما قاله الشافعیةُ، وقد مرَّ الكلامُ فيه في الإِيمان. ثم اختلف الجمهورُ فيما بينهم في إيجاب الكفَّارة بالأكل والشرب بعد اتفاقهم في إيجابها بالجِمَاعِ: فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى إيجابها فيهما. وذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أنها بالجِمَاعِ خاصةً. ٣٤٣ كتاب الصوم قلتُ: والأصلُ أن الأئمةَ اختلفوا في تنقيح مناطه(١): فذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أن إيجابَ الكفَّارة فيه لأجل الجِمَاع من حيث كونه جِمَاعًا. وقال أبو حنيفة، ومالك: بل لكونه مُفْطِرًا. ولا فرقَ بين الأكلِ، والشربِ، والجِمَاع في حقِّ الإِفِطار، فيستوي في حقِّ الكفَّارة أيضًا. ولا عِبْرَةَ بكون الجِمَّاع أغلظَ من غير هذا الوجه. ولعلَّك عَلِمْتَ مما قُلْنَا، إن إيجابَ الكفَّارة بالأكل والشرب ليس من جهة القياس، بل لتنقيح المناط، وهو غير القياس، كما مهَّدْنَاه في المقدمة. وأمَّا حديثُ الترمذيِّ، فَمَحْمَلُه عند الجمهور الفضلُ دون الفِقْهِ، أي من أفطر يومًا من رمضان، فإنه لا يُدْرِكُ فضله، وإن صَامَ الدَّهرَ. وليس فيه: أنه لا يَسْقُطُ عنه قضاؤه أيضًا. والحاصلُ: أن لا كفَّارةَ عليه عند المصنِّف بالأكل والشرب، وعليه الكفَّارةُ بالجِمَاعِ تعزيرًا. ولا قضاءَ عنده في الفصلين، ولا تَحْسِبْ أنه تخفيفٌ وتهوينٌ منه، بل هو تشديدٌ في غايته. كما قال إمامُنا الأعظم: أن لا حدَّ على اللُّوطي، وذلك لأنه عَدَّه أشنعَ من الزاني، فأغلظَ له في العقوبة، فيفعل به الإِمامُ ما شاء من الحَرْقِ، وهَدْم البناء عليه، وغير ذلك. وكما قال ابن حَزْم: من ترك الصلاة متعمِّدًا فلا قضاءً له، فهذا أيضًا تشَديدٌ. قوله: (وقال سعيدُ ... إلى قوله: يقضي يومًا مَكَانَهُ) ... إلخ، أخرج المصنِّفُ آثارًا متعارضةً. ففي الأول: أن لا قضاءَ عليه، وفي الثاني: أن عليه القضاء، وذلك لعدم جَزْمِهِ بالقضاء. (١) فائدةٌ: قد بيَّنا لك في المقدمة معنى الأعمال الثلاثة، فَظَهَرَ لنا الآن أن نَعُودَ إليه ثانيًا. قال الشيخُ: واعلم أن هذه الأعمال تعرَّض لها الشافعيةُ في كُتُبهم، وأخذ عنها الشيخُ ابن الهُمَام، فذكرها في ((تحرير الأصول))، وهو كتابٌ صَعْبٌ. وأَلَّف الشيخُ يعقوب باشا كتابًا سمَّاه ((تيسير الأصول))، وأراد فيه أن يُسهِّلَ ويُبَيِّن كلام ابن الهُمَام في ((التحرير)). ثم اعلم أن هنا ثلاثة أعمال: تحقيق المناط، وتنقيحُ المناط، وتخريجُ المناط. أمَّا الأوَّل، فهو أن تَرِدَ ضابطٌ كليةٌ من جانب الشرع، فتُجْرِيها في الجزئيات، نحو أنه وَرَدَ في الشرع: أن الماءَ الكثيرَ لا يتنجَّسُ بوقوع النجاسة فيه، فهذه ضابطةٌ، ثم تَبْحَثُ عن الماء المخصوص مثلاً أنه ماءٌ كثيرٌ أم لا؟ فهذا تحقيقُ المناط. فالمناط مذكورٌ من جهة الشرع، وأنت تحقّقُه وتُثْبِتُه في هذا الموضع فقط، وذلك لا يختصُّ بالمجتهد. وأمَّا تنقيحُ المناط، فهو تَتَبُّعُ المناط لحكم وَرَدَ من قَبلِ الشرع. وذلك من وظيفة المجتهد، فإنه يتفكِّرُ في أن الحكم المذكورَ مقصورٌ على المنصوص، أو يدورُ بعلةٍ، كالاستنجاء بالحجارة. فإن الحديثَ وَرَدّ في الاستنجاء بالحجارة، ولكن على المجتهد أن يتفكِّرَ في أن الحكمَ مقصورٌ على الحجارة، أو يدورُ بكل قالع للنجاسة تافهٍ غير محترم، فيتعدّاها. والثالث: تخريجُ المناط، وهو: أن الحكمَ الشرعيَّ وَرَدَ في محلٌّ، وفيه أوصافٌ عديدةٌ يَضْلُح كلٍّ منها أن يُنَاطَ به الحكم، فَيُخَرُّجُ المجتهدُ منها ما هو المناط عنده، ويَهْدِرُ الباقي، كحرمة الربا في الأشياء الستة. فخرَّج مالك: أن المناطَ منها الاقتياتُ والادخارُ وأبو حنيفة: الكيلُ والوزنُ، والشافعيُّ: الطعمُ والثمنيةُ. وقد صَرَّح ابن رُشْدٍ: أن الأسبقَ فيه الحنفية، ومناطُهم أقوى. إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن الإِمامَ أبا حنيفة لم يَقِس الأكل والشربَ على الجِمَاعِ، ولا شبههما به، بل عَمِلَ بتنقيح المناط، وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه ما أورده القومُ. ٣٤٤ كتاب الصوم فإن قُلْتَ: كيف! وأنه قد جَزَمَ بعدم القضاء في صدر الصفحة! قال أبو جعفر (١) - وهو ورَّاق البخاري -: سألتُ أبا عبد الله البخاري، إذا أفطر يُكَفِّرُ مثل المكور؟ قال: لا، أَلَا ترى الأحاديث: لم يَقْضِهِ، وإن صام الدهرَ! اهـ . قلتُ: لا تنافي بين عدم الجَزْم باعتبار وجوب القضاء وعدمه، وبين الجَزْمِ بعدم إنابته مناب صوم رمضان باعتبار الثواب. ومُحَصَّلُ الكلام: أن مرادَ البخاريِّ لا يتقرَّرُ إلَّا بعد الإِمعان في أمور: الأول: أن الكفَّارة عنده تعزيرٌ، وأنها ليست إلَّا بالجِمَاعِ، وأنه لم يَحْكُمْ بشيءٍ من إيجاب القضاء وعدمهُ(١١. ٣٠ - بابٌ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَيهِ فَلِيُكَفِّرْ واعلم أن الترتيبَ في الكفَّارة بين الإِعتاق، والصوم، والإِطعامُ واجبٌ عند الجمهور، وهو نصُّ الحديث. إلَّا أن مالكًا تفرَّد(٣) فيه، وقال بالتخيير، والظاهرُ أنه مذهبٌ مرجوحٌ. ويمكن العُذْرُ لمالك أن يكونَ الترتيبُ المذكورُ عنده محمولًا على الذكر فقط، فلا يَجِبُ في الحكم. مع أن الحديثَ وَرَدَ عند الطحاويِّ، وغيرِه بحرف التخيير أيضًا، عن أبي هُرَيْرَة: ((أن النبيَّ نَّ أمره أن يكفِّرَ بعِثْقِ رقبةٍ، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا)». اهـ. ١٩٣٦ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ جُلُّوسٌ عِنْدَ النَّبِّ وََّ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكتُ. قَالَ: ((ما لَكَ؟)) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَّى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ: ((هَل تَجِدُ رَقَبَةٌ تُعْتِقُهَا؟)) قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينٍ؟)) قَالَ: لَا. فَقَالَ: ((فَهَل تَجِدُ إِْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)) قَالَ: لَا، (١) قلتُ: والعبارةُ المذكورةُ من سؤال ورَّاق البخاريِّ عندنا في النسخة الأحمدية من باب اغتسال الصائم، ولا مناسبة لها بالحديث الذي أخرج بعده، وليست تلك في النسخة اليُونِينِية من ((القَسْطَلَّاني))، وهي أصحُّ النُّسَخ، فلا اضْطِرَاب. (٢) قلت: وما مرَّ من قبل: أن لا قضاءَ عند المصنّف بإِفساد صوم رمضان بالجِمَاعِ. فهذا أيضًا ممكنٌ، حيث نَفَاهُ صراحةً في جواب الورَّاق. وإنما حدث التردُّد في مراده، لنَقْلِهِ آثارًا متعارضةً، فإِن شِئْتَ، قُلْتَ: إنه لا قضاءً عنده في الصورة المذكورة. وإن شِئْتَ قُلْتُ: إنه متردّدٌ في إيجاب القضاء، والله تعالى أعلم. وإنما ذَكَرْتُ مراد الشيخ فَهْمًا مني، وإلَّا فمُذَكِّرَتي كانت مشكوكةً لا آمَنُ فيها الخطأ. (٣) قال ابن العربيُّ: رواه مالك في ((الموطأ))، عن أبي هُرَيْرَة: ((أن رجلًا أَفْطَرَ في رمضان، فأمره رسولُ الله ◌َّل أن يَعْتِقَ، أو يُكَفِّرَ بصيام شهرين مُتَتَابِعَيْن، أو يُطْعِمَ)). وتابعه عليه جماعةٌ، واختلف علماؤنا فيه. والصحيحُ في الرواية عن مالك في التخيير: والظاهرُ التخييرُ. والصحيحُ في الدليل الترتيبُ، لأن النبي ◌َّهُ رتَّب له، ونقله من أمرٍ بعد عَدَمِهِ، وتَعَذِّر استطاعته إلى غيره، فلا يكون فيه تخييرٌ . اهـ . ٣٤٥ كتاب الصوم قَالَ: فَمَكُثَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ. فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َلَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ - قَالَ: ((أَينَ السَّائِلُ؟)) فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: ((خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)). فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَينَ لابَتَيْهَا، يُرِيدُ الحَرَّتَينِ، أَهْلُ بَيت أَفقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ بَّهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَظْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [الحديث ١٩٣٦ - أطرافه في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١]. ١٩٣٦ - قوله: (فهل تَسْتَطِيعُ أن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن)، وفي روايةٍ عند البزَّار - في جوابه -: ((هل لَقِيتَ ما لَقِيتَ إلَّا من الصيام)). اهـ؛َ فتجري فيه خِلَافيَّةٌ أخرى، وهي أن شدَّةَ الشَّبَقِ عذرٌ، أو لا؟ فَأَنْكَرَهُ الحنفيةُ، وقال به الشافعيةُ. فالحديثُ حُجَّةٌ علينا، فإن النبيَّ ◌ََّ عدَّه عذرًا للعدول عنه إلى الإِطعام. وهو عندي محمولٌ على خصوصيته، كما أن كفَّارتَه بالمقدارِ المخصوصِ مختصٍّ به عند آخرين أيضًا. فعند أبي داود، عن الزُّهْرِيِّ: ((إنما كان هذا رخصةً له خاصةً))، وهكذا عند الدَّارَقُظْني. وأجاب عنه الطحاويُّ: أن النبيَّ ◌ٍَّ لمَّا عَلِمَ حاجةَ الرجل أعطاه ما أعطاه من التمر يَسْتَعِينُ به فيما وَجَبَ عليه، لا على أنه جميعُ ما وَجَبَ عليه. كالرجل يَشْكُو إلى الرجل ضَعْفَ حاله، وما عليه من الدَّيْن فيقول: خذ هذه العشرة دراهم، فَاقْضٍ بها دَيْنَكَ. ليس على أنها تكون قضاءً عن جميع دَيْنِهِ، ولكن على أن يكونَ قضاءً بمقدارها من دَیْنِهِ اهـ. ولك أن تقول: إنه كان أعرابيًا لم يكن له علمٌ بكثير من الحلال والحرام، وقد عَلِمْتَ أن الجهلَ كان عُذْرًا في بَدْءِ الشرع، فَتَسَامَحَ عنه النبيُّ نَّهِ، وجعل شِدَّةَ الشَّبَقِ عذرًا في حقِّه، واكتفى بذلك المِكْتَل كَفَّارةً في حقِّه. ومآَلَهُ إلى التخصيص مع بيان السبب له، وقد قرَّرناه في مواضعَ شتَّى. وإنما لم يَعُدَّ الحنفيةُ شِدَّة الشَّبق عذرًا، لأنه يُوجِبُ فتح باب الجنايات، فإن لكلِّ أحدٍ أن يتمسَّك به، ويَهْتِكَ حرمات الله تعالى، فَحَمَلُوه على الخصوصيّة(١). ٣١ - بابُ المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، هَل يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ؟ ١٩٣٧ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّنَ لِ فَقَالَ: إِن الآخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: ((أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟)) قَالَ: لَا. قَالَ: ((أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينٍ؟)) قَالَ: لَا. قَالَ: ((أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)) قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ الزَّبِيلُ، قَالَ: ((أَظْعِمْ هذا عَنْكَ)). (١) قلتُ: إن شدَّةَ الشَّبَقِ لم تُعدَّ عُذرًا عند الشافعية في الأبواب الأُخر، فمن وَاقَع امرأته في الحجّ قبل عَرَفة، فَسَدَ حُجُّه إجماعًا بدون فصلٍ، ويجب عليه الدمُ. ولم نَعْتَبِرْه ههنا أيضًا. ٣٤٦ كتاب الصوم قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: ((فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [طرفه في: ١٩٣٦]. ولم يَذْهَب إليه أحدٌ من الأئمة الأربعة، وإنما ترجم به البخاريُّ، تَبَعًا للحديث. ووضع حرف الاستفهام، كأنه لا يَحْمِلُهُ على نفسه، ويوجِّه الناظرَ إليه. ٣٢ - بابُ الحِجَامَةِ وَالقَيءِ لِلصَّائِمِ وَقَالَ لِي يَحْيِى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا قَاءَ فَلَّا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّهُ يُفطِرُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَحْتَجِمٌّ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيلِ. وَاحْتَجَمَ أَبُوٍ مُوسى لَيلًا. وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: احْتَجَمُوا صِيَامًا. وَقَالَ بُكَيْرٌ عَنْ أُمِّ عَلقَمَةَ: كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهِى. وَيُرْوَى عَنِ الحَسَنِ عَنْ غَيرٍ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا: فَقَالَ: (أَفَطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ)). وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ. قِيلَ لَّهُ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. ١٩٣٨ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. [طرفه في: ١٨٣٥]. قوله: (ويُرْوَى عن الحسن) ... إلخ، والمصنّفُ مرَّضَه، مع أن الحديثَ صحيحٌ في الخارج. لم يَذْهَب إلى الإِفطار من الحِجَامة أحدٌ من الأئمة غير أحمد، فقيل: معنى قوله: ((أفطرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ)): أي كادا أن يُفْطِرًا. أمَّا الحاجمُ، فلخوف دخول الدم في جوفه. وأمَّا المحجوم، فلضَعْفِهِ. وأجاب عنه الطحاويُّ: أن النبيَّ ◌َِّ رأى رجلين يَغْتَابَان، فقال: ((أفطر الحاجمُ والمحجومُ)، وذلك لأجل الغيبة، وهي أَكْلُ اللحم بالنصِّ. وإنما عِبَّر عنهم بالحاجم، لكونهما يَفْعَلَان الحِجَامة ساعتئذٍ، فكان وصفًا عنوانيًا لهما، لا أنها كانت عِلَّةٌ للحكم. وهذا كما تقول: فَسَدَت صلاةُ هذا الفاسق، لا تُرِيدُ أنها فَسَدَتِ لِفِسْقِهِ، بل الفِسْقُ عنوانٌ له، أمَّا فسادُ صلاته، فبأمرٍ ارتكبه في خلال صلاته. وكذلك فيما نحن فيه، أن الرجلين لمَّا كانا مَشْغُولَيْنِ فِي الحِجَامة، وكانا يَغْتَابَان، قال لهما النبيُّ ◌ََّ: ((أفطر الحاجمُ والمحجومُ))، فلا يَدُلُّ على أن عِلَّةَ الحكم هو الحِجَامة. نعم لمَّا حَذَفَ السببَ المذكورَ من صدره تُوُهِّمَ أنه كُلِّيةٌ، مع أنه كان واقعةً جزئيةً، والمناط فيها ما قلنا، دون الحِجَامة. قلتُ: الرواية التي تَدُلُّ على كونها واقعةٌ ضعيفةً جدًا. وفي البخاريِّ عن أنس أنه سُئِلَ: ٣٤٧ كتاب الصوم ((أَكُنْتُم تَكْرَهُون الحِجَامةَ؟ قال: لا، إلَّا من أجل الضَّعْف»، وهذا يُمْكِنُ أن يكونَ إشارةً إلى التأويل المشهور، أو بيانًا للواقع. واعلم أن هناك حديثًا في ((المسند)) لأبي يَعْلَى، وهو في ((المسند)) لأبي حنيفة أيضًا: ((أن الوضوءَ ممَّا خَرَجَ، والفِظْرَ ممَّا دَخَلَ))، ومقتضاه أن لا تكون الحِجَامةُ مُفَظِّرَةً، لأنها لم يَدْخُل منها شيءٌ، فَيُحْتِجُ بها على خلاف ما اختاره أحمد. قلتُ: ويمكن عندي أن يكونَ ممَّا خرج أيضًا شيءٌ من الفساد، كما في الاستقاء، فإنه يُوجِبُ الفسادَ مع عدم دخول شيءٍ فيه، فكذلك يمكن أن يكون خروجُ الدم أيضًا مُفْسِدًا، ولو في الجملة. وكما في الفِقْهِ أن من بَاشَرَ امرأته فأنزل، فَسَدَ صومُه، مع أنه ليس فيه دخول شيءٍ، ولكن لا يُدْرَى أن الحكمَ بالفساد فيه لأجل المُبَاشرة، أو خروج المنيِّ. فإن كان الثاني، فهو نظيرٌ ثالثٌ للفساد ممَّا خَرَجَ. على أن للملائكة مُنَافرةً تامةً من الدماء، ولذا قالوا: ﴿وَيَسْفُِ اُلْدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَلَا تَرَى أن الصومَ لا يَجُوز للطامث، مع عدم دخول شيءٍ فيه؟ فإذا عَلِمْنَا الفسادَ كلَّ، أو بعضًا مما خَرَجَ أيضًا، وَسِعَ لنا أن نقولَ به، فيما نحن فيه، لا سيَّما إذا كانت الملائكةُ تتأذَّى منه. ورأينا أن الشريعةَ قد تَعْتَبِرُ بالأشياء التي تُؤْذِي الملائكةَ أيضًا . ولولا الأحاديث دَلَّت على عدم الفساد من جانبٍ آخر، لادَّعَيْتُ أن الحِجَامَةَ مُفْسِدَةٌ في أحكام الدنيا أيضًا. إلَّا أن الدلائلَ لمَّا قامت على خلافه، اكتفيتُ بالفساد الأخرويِّ، وجعلتها كالغِيبة مُفْسِدةً في النظر المعنويِّ، مُحْبِطَةً للثواب فقط، وإن لم تكن مُفْسِدةً في الحكم. ١٩٣٩ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَحْتَجَمَ النَّبِيُّ وَلِهَ وَهُوَ صَائِمٌ. [طرفه في: ١٨٣٥]. ١٩٤٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ يَسْأَلُ أَنَسَ بَنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكُنْتُمْ تَّكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ. وَزَادَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: عَلَى عَهْدِ النَّبِّ وَلَ. ١٩٣٩ - أمَّا قوله: (احتجم النبيُّ ◌َّ وهو صائمٌ)، فعلَّله الإِمامُ أحمد، وبَسَطَه ابن عبد الهادي. وملخّصُهُ: أن الاحتجامَ المذكورَ كان في حال الإِحرام، ولم يَثْبُتْ إحرامه في رمضانَ، وإذن لا يكون صومه هذا إلَّا نفلًا. مع أنه لا دليلَ فيه على عدم قضائه أيضًا، على أن قضاءَ الصوم النفلِ مُجْتَهَدٌ فيه. وبعد اللُّتَيًّا والتي لمَّا صَحَّ الحديثُ فيه، وذهب إمامٌ ذو شأنٍ إلى ظاهره، بلاَ تأويلٍ فيه، التزمتُ أن في الحِجَامة إفطارًا في النظر المعنويِّ، وإن لم يكن في النظر الفقهيِّ. كيف لاً! وأنه تلطّخ بالدماء، وتجنَّب من سِمَات الملائكة، وتزيَّ بغير زِيِّهم في شهر التقوى. وقد قرَّرْنَاه مِرَارًا . ٣٣ - بابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ ١٩٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ الشَّيبَانِيِّ: سَمِعَ ٣٤٨ كتاب الصّوم ابْنَ أَبِي أَوْفِى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِل فَاجْدَحْ لِي)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الشَّمْسُ؟ قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لِي)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ؟ قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لِي)). فَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَىِ بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَّا فَقَدْ أَفَطَرَ الصَّائِمُ)). تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّشٍ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّّرُ فِي سَفَرٍ. [الحديث ١٩٤١ - أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧]. ١٩٤٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ هِشَام قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسَرُدُ الصَّوْمَ. [الحديث ١٩٤٢ - طرفه في: ١٩٤٣]. ١٩٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ وَّرَ: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلِّمِيَّ، قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّ: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفِطِرْ)). [طرفه في: ١٩٤٢]. ٣٤ - بابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ ١٩٤٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرِنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَلَِّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفطَرَ، فَأَفَطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالكَدِيدُ مَاء بَينَ عُسْفَانَ وَقُدَيدٍ. [الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]. وهُهنا مسألتان: الأولى: أنه لا يَجُوز له الإِفطار في يوم خروجه. فإذا خرج من بيته مُرِيدًا مدَّة السفر، فله أن لا يَصُومَ من الغدِ إن شاء. والثانية: أن المسافرَ إذا لم يترخّص برخصة الله، وعَمِلَ بالعزيمة وصام، ليس له الإِفطار قبل الغروب من ذلك اليوم إلَّا بعُذْرٍ، وعليه أن يتِمَّ صومَه ذلك. وقال الآخرون: إنه جائزٌ، كما جاز له أن لا يصومَ ابتداءً، فهكذا بقاءً. وحديثُ الباب واردٌ علينا. وأجاب عنه بعضُهم: أن النبيَّ زَُّ أمرهم بالفِطْرِ لما رأى بهم من المَشَقَّة. فقيل عليه: وهل كانت المشقَّةُ بلغت من كلِّهم مبلغ الإفطار؟ فلم يُجِبْ عنه ابن الهُمَام. قلتُ: والإِفطارُ عندنا جائزٌ للغُزَاة، تحصيلًا للقوة بدون تفصيلٍ، فنظر النبيُّ لَّه إلى مشقَّتهم، مع إشرافهم على القتال، فأمرهم بالفِظْر لذلك. فأخرج الترمذيُّ في الجهاد، عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، قال: ((لما بَلَغَ النبيُّ رَُّ عام الفتح مرَّ الظَّهْرَان، فآذَنَنَا بلقاء العدو، فأمَرَنَا بالفِظْرِ، فَأَفْطَرْنا أجمعين))، إلَّا أنه ينبغي أن يُمْعَنَ النظرُ في أن حديثَ أبي سعيدٍ هذا، وما رواه ابن عباس واقعةُ یومٍ واحدٍ، أو اثنين. ٣٤٩ كتاب الصوم ٣٥ - بابٌ ١٩٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِّ رَُّ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمِ حارّ، حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ نَّهُ وَابْنِ رَوَاحَةَ. ٣٦ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيهِ وَاشْتَدَّ الحَرُّ: ((لَيسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)» ١٩٤٦ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ فِي سَّفَرٍ، فَرَّأَىَ زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيهِ، فَقَالَ: ((مَا هذا؟)) فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: ((لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)). ذهب داود الظاهريِّ إلى أن الصومَ في السفر باطلٌ لأجل هذا الحديث. وذهب الفقهاءُ الأربعةُ إلى أنه أفضلُ لمن استطاع، ولم يَشُقَّ عليه. وأجاب الجمهورُ عن الحديث المذكور بأنه محمولٌ على المَشَقَّة، كما أشار إليه البخاريُّ في الترجمة، ودَلَّ عليه مَوْرِدُ نطقه. قلتُ: وقد أَصَابُوا في ذلك، إلَّا أنهم لم يَذْكُرُوا وِجْهَةَ التعميم في الحديث، أيَّ عموم، فإنه يَدُلُّ على أن الصومَ في السفر ليس من البِرِّ في شيءٍ. وقد عضٍّ به الظاهريُّ بالنواجذُ، وقضى بمقتضاه. قلتُ: وانكشف عندنا من غير واقعةٍ واحدةٍ أن الصومَ في السفر جائزٌ، وإذن فليس مَدَار المسألة على التعبير. نعم نَظْلُب له وجهًا، فإن انكشف فيها، وإلَّا فالمسألةُ بحالها، فإن التعاملَ أبينُ حُجَّةً. ولم أَرَ أحدًا منهم توجّه إلى بيان وجه هذا التعبير، وها أنا ذا أُلْقي عليك ما سَنَحَ لي فيه، وقد وَعَدْنَاك في الإِيمان: أنا نَذْكُرُ لك في الصيامِ سرَّ نفي البِرِّ عمَّا يكون من أبرِّ البرِّ. فاعلم أن الحديثَ مُقْتَبَسٌ من قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلخ، وفي مثله ينبغي النظر في المُقْتَبَس عنه، لأن المُقْتَبَس يكون تابعًا له في التعبير. وإذن التعميمُ في قوله ◌َّ، ليس قَصْدِيًّا وابتدائيًّا، بل جاء لحال الاقتباس. نعم، يكون مقصودًا في المُقْتَبَس عنه. فأقولُ: إن النصَّ وَرَدَ لإصلاح الطبائع السافلة التي تكون لهم بالأمور الصغار عنايةٌ، ولا تكون لهم بالأمور المهمَّة عباية. كما ترى اليهودَ، فإن جُلَّ بحثهم كان مقصورًا على أمر التحويل، وأن القِبْلَةَ هي بيت الله، أو بيت المقدس، ولا يَدْرُونَ أن التوجُّهَ ليس لكون الله سبحانه في تلك الجهة ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَّمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فليس هذا بأمرٍ أهمّ. ولم يكن لهم بحثٌ عمّا هو مِلَاك الأمر ومَدَارُ النجاة، وهو الإِيمان بالله، والإِيمان بالرسول، فينبغي لهم أن ٣٥٠ كتاب الصوم يَهْتَمُّوا بهذا البرِّ الذي لا برَّ فوقه، لا أن يَشْغَفُوا بما لا يُغْنِيهم، ويَلْهُوا عما يعنيهم. وهكذا فيما نحن فيه، شقَّ على بعضهم الفِظْرُ، وهم في شهر رمضان، فلم يُفْطِرُوا حتى غُشِيَ عليهم، ولم يَنْظُرُوا إلى أن الصومَ بهذه المشقّة يوجبُ النقصانَ في كثيرٍ من الفرائض. فالذي ينبغي أن يُرَاعَى الأهمُ فالأهمُ، ويُعْمَلَ بالرُّخَصِ عند تعسُّر العمل بالعزيمة. وبعبارةٍ أخرى: إن قلّة الفِقْه مع حُسْنِ النَّة قد يُوجبُ الاهتمام في الأمور اليسيرة، والتغافُل عن الأمور العظيمة. وهذا الاهتمامُ والاحتياطُ قد يَعُودُ وَبَالًا في حقٌّه، فنبَّه عليه الشرعُ، أن يقدِّم الأقدم فالأقدم. وفي مثله يأتي هذا التعبير قال الجامع: وكان الشيخُ يترجمه في لغتنا الأُرْدِيّة (اسمين نيك بخت بيوقوف كى اصلاح هى) ولعلّك عَلِمْتَ منه أن نفيَ البرِّ في النصِّ مَقْصُودٌ ومرادٌ، وفي الحديث اقتباسٌ منه، والكلامُ في مثله إنما يجري في الأصل المُقْتَبَس عنه. ٣٧ - بابٌ لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َِّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّؤْمِ وَالإِفِطَارِ ١٩٤٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفطِرِ، وَلَّا المُفطِرُ عَلَىَ الصَّائِمِ. والعجبُ من الشيخ النووي أنه ذكر مع هذه القطعة قطعةَ إتمام الصلاة في السفر وقَصْرِها أيضًا، ثم عَزَاه إلى مسلم، مع أنه ليس فيه اسمُها ولا رَسْمُها. وهذا نصُّه في باب صلاة المسافرين وقصرها: واحتجَّ الشافعيُّ ومُوَافِقُوه بالأحاديث المشهورةِ في ((صحيح مسلم))، وغيره: أن الصحابةَ رضي الله تعالى عنهم كانوا يُسَافِرُون مع رسول الله بَّر، فمنهم القاصرُ، ومنهم المُتِمُّ، ومنهم الصَّائِمُ، ومنهم المُفْطِرُ، لا يَعِيبُ بعضُهم على بعضٍ . اهـ . ٣٨ - بابُ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ ١٩٤٨ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِو ◌َ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَأَمَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيِهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ وَأَفَطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفطَرَ. [طرفه في: ١٩٤٤]. ٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُلِقُونَهُ بِذْيَةٌ ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿﴿ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْغُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ النَّهُرَ فْيَصُحَّةُ رَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنََّاءٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللَّهُ بِحْكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِذَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَذَنَّكُمْ وَلَّعَلَّعْكُمْ تَشْكُرُونَ (بَ)﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٣٥١ كتاب الصّوم وَقَالَ ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيلَى: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ بَّهُ: نَزَلَ رَمَضَانُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَظْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخّصَ لَهُمْ فِي ذلِكَ، فَنَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ. ١٩٤٩ - حدّثنا عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَرَأَ: ﴿فِذْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [الحديث ١٩٤٩ - طرفه في : ٤٥٠٦]. وقد مرَّ مِنَّا تحقيقُ الآية قريبًا. وحاصلُه: أنها ليست بمنسوخةٍ بالكليَّة، بل مُحْكَمَةٌ في بعض الجُزْئِيَّات بعد. وأرى جزئيات الفِذْية في المذاهب الأربعة، وليست تلك إلَّا لهذه الآية. وهذا كما قرَّرت في آية الوضوء: أن الواو في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للمعيَّة المَحْضَة، بمعنى أن لمسح الرأس مَعِيَّةً مع الأَرْجُلِ، سواء كانت المَعِيَّة بالغَسْل، أو المسح. والمَعِيَّة المطلقة تحتملهما، فهذا أيضًا إبقاء لأُنْمُوَذَج المسح بالأَرْجُل، ولو في حال التخفيف. ولولاه لارْتَفَعَ حكمُ المسح بالأَرْجُل عن القرآن رأسًا، وإنما بقي فيه لمثل هذه الإِشارات. وأيضًا قد بيَّنا لك فيما قدَّمنا أن الفِذْيَةَ مُتَرَتِّبَةٌ على عدم الصوم، والمعنى ﴿وَعَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ولم يَصُومُوا ... إلخ، وإنما حَذَفَهُ من اللفظ، ولم يَذْكُرْهُ لكونه غير مرغوبٍ عنده. وأجد صنيعَ القرآن أنه إذا كَرِهَ شيئًا تَرَكَ ذِكْرَهُ، وذلك لكونه في الذُّرْوَةِ العُلْيَا من الفَصَاحَةِ، فلا يَتْرُكُ مساغًا للطبائع المتكاسلة. وقد ذَهَبَ بعضُ الملاحدة إلى بقاء الفِذْيَةِ مطلقًا، تمسُّكًا بهذه الآية. وأجاز للمُطِيقِين أيضًا أن لا يَصُومُوا رمضانَ، ويُؤَدُّوا عنه الفِذْيَةَ. ما حمله عليه إلَّا الإِلحادُ، واللعبُ بالشريعة، واتباعُ الهوى، وإراحةُ النفس. قلتُ: ولم يُذْكَرْ في هذه الآيةِ الإِفطار أيضًا، فعليه أن يَلْتَزِمَ الصومَ والفِذْيَةَ معًا. فإن الآية لم تَحْكُمْ بالفطر للمُطِيقِين، ولكنها أَوْجَبَتْ عليهم الفِذْيَةَ، والصومُ بحاله، فَلْيَقُلْ بهما . نعم حديث الباب يُخالِفُ ما قرَّرْتُ سابقًا، من أنها في الأيام البِيضِ، فإنه يَدُلُّ على أنها في رمضانَ. والمسألةُ إذا كانت مختلفةً بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلا بَأْسَ أن يُؤْخَذَ بأحد جوانبها. فلنا أن نَعْمَلَ بما اختاره مُعَاذ، مع كونه أعلمَ بالحلال والحرام، وقد مرَّ وجهُ الجمع أيضًا . قوله: (قال أبو الزِّنَاد: إن السُّنَنَ) ... إلخ، في ((الأشباه والنظائر)): من كَثُرَتْ عليه الفوائت، ولم يَجِدْ وقتًا لأدائها مع السُّنَنِ يترك السُّنن، ويأتي بالفوائت، وإنما يهتمُّ بالأقدم فالأقدم - بالمعنى -. ٤٠ - بابٌّ مَتَى يُقْضِى قَضَاءُ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِذَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ٣٥٢ كتاب الصّوم وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ العَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُوَّمُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَمْ يَذكُرِ اللَّهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. ١٩٥٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيِى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ وََّ. ٤١ - بابُ الحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَةَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحَقِّ لتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْي، فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدَّا مِنِ اتِبَاعِهَا، مِنْ ذلِكَ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. ١٩٥١ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيدٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَلَيسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَّصُمْ؟ فَذلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا)). [طرفه في: ٣٠٤]. فإن أخّر في الأداء حتى هَجَمَ عليه رمضانُ آخر، يَصُومُ ويَقْدِي عن كل يومٍ عند الشافعيِّ، وعندنا لا فِذْيةَ عليه، ويقضي فقط. نعم أَسَاءَ في التأخير، وبه قال المصنّفُ. وفي «فتح الباري)): إن الطَّحَاوِيَّ أقرَّ في كتابه في اختلاف الفقهاء: أن بعضَ الصحابة كانوا يَفْدُون أيضًا. فدَلَّ على أنه جَنَحَ أيضًا إلى أداء الفِذْيَة، فلا بُدَّ أن يُقَالَ باستحبابها. والبخاريُّ وإن ذهب إلى عدم الاستحبابِ، كما هو المشهورُ من مذهبنا، لكنه أين يَقَعُ هذا من آثار الصحابة. وحديثُ الباب لا يَدُلُّ إلَّا على أدائه قبل دخول رمضان فقط (١). ٤٢ - بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ. ذَهَبَ أحمدُ إلى جواز النيابة في صيام النَّذْرِ، ولم يجوِّزها في رمضانَ. قال المحدِّثُون: ومذهبه أقربُ من الحديث، لما في ((البخاري)) وتصريحه بكونها صيامُ نذْرٍ. ولا نِيَابةَ عندنا مطلقًا، وهو القول الجديد للشافعي، وإن رجَّحَ النوويُّ القديمَ. وذلك لأنه من العبادة البدنيّة، (١) قول المُصَنِّف: ولم يَذْكُر الله تعالى الإِطعامَ، إنما قال: ﴿فَيِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال الحافظُ: هذا من كلام المصنّف قاله تفقُّهَا، لكن إنما يَقْوَى ما احتجَّ به إذا لم يَصِحَّ في السُّنة دليلُ الإِطعام، إذ لا يَلْزَمُ من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثْبُتَ بالسُّنة. ونقل الطحاويُّ عن يحيى بن أَكْثَم، قال: وَجَدْتُهُ عن ستةٍ من الصحابة لا أعلم لهم فيه مُخَالِفًا . اهـ. ومال الطحاويُّ إلى قول الجمهور في ذلك، انتهى ملخّصًا. قلتُ: لكن في ((الجوهر النقي)). وفي ((الاستذكار)) قال داود: من أَوْجَبَ الفِذْيَةَ على من أخَّر القضاء حتى دخل رمضان آخر ليس معه حُجَّةٌ من كتابٍ، ولا سنةٍ، ولا إجماع، اهـ . ٣٥٣ كتاب الصّوم والمقصودُ منها إتعابُ النفس، فلا تجري فيها النِّيَابة، ولنا قوله ◌ِّر: ((لا يَصُومُ أحدٌ عن أحدٍ))، أخرجه الزَّيْلَعيُّ، عن النَّسائي، وليس في «صغراه))، فيكون في ((كبراه)) وكثيرًا ما يَقَعُ مثله في حَوَالة النَّسائي، وأتردّد في رفعه ووقفه. ١٩٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ أَعْيَنَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)). تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو. وَرَوَاهُ يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ. ١٩٥٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم: حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ البَطينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ مَاتَتْ وَعَلِّيهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: ((فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضِى)). قَالَ سُلَيمَانُ: فَقَالَ الحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهذا الحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هذا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الحَكَم وَمُسْلِم البَطِينِ وَسَلَمَّةً بْنِ كُهَيل،َ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَّتِ امْرَأَةٌ لِلَّبِيِّ وَِّ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ بَخَّيى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُْ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ نَّهِ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ عُبَيدُ اللّهِ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَبِيَ أُنَيَسَةَ، عَنِ الحَكُمِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ بَّ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وَقَالَ أَبُوَ حَرِيزٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِّ وَّهِ: مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةً عَشَرَ يَوْمًا . ١٩٥٢ - قوله: (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)، وأوَّله الحنفيةُ بأن معناه: أَظْعَمَ عنه وَلِيُّهُ(١) . قلتُ: ومن أوَّله(٢) بذلك، فله ما أخرجه الترمذيُّ في باب ما جاء في الكفَّارة، عن ابن عمر مرفوعًا، قال: (١) وقد تكلّم عليه الطحاويُّ في ((مشكله))، وأخرج عدَّة أحاديث عن ابن عبّاس، وعائشةً في الصوم عن الميت، ثم قال: إن الصوم عن الميت إنما رُوِي من جهتهما، ثم أَثْبَتَ الفتوى عنهما بخلاف ذلك، وسرده بأسانيده عنده. وفي ((الجوهر النقي)) عن القاسم بن محمد، قال: لا يقضي ذلك أحدٌ عن أحدٍ لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، أهـ . (٢) قال ابن العربي: إن كلَّ نفسٍٍ إنما تُجْزَى بما كَسَبَتْ، لا بما كَسَبَتْ غيرُها. ولو كانت عباداتُ البدن تُقْضَى بعد الموت لقُضِيَتْ في الحياة، ولو قُبِلَتْ نيابةً في الممات لقُبِلَتْ في الحياة، كالحجّ. ومراعاةُ القواعد أولى من مراعاة الألفاظ. والسائلُ لمَّا قال للنبيِّ يَّرَ: ((إن ولييَّ مات، وعليه صومٌ، قال: أرأيت لو كان وليُّك مِدْيَانًا، أَكُنْتَ تُبَادِرُ بالقضاء؟ قال: نعم، قال: الله أحقُّ أن يُقْضَى))، فندبه، ولم يُلْزِمْه، وأنبأه أن مراعاةَ حقِّ الله أَوْلَى. ولو ازْدَحَمَ حقُّ الله وحَقُّ الآدميِّ، لَقُدِّمَ حقُّ الآدميّ، لفقره وحاجته، وتقدَّس الباري أن تَنَالُه آفةٌ، أو تجوز عليه حاجةٌ. = ٣٥٤ كتاب الصّوم ((من ماتَ وعليه صيامُ شهرٍ، فَلْيُظْعِمْ عنه مكان كل يومٍ مسكينًا)). اهـ. إلَّا أن الترمذيَّ لم يُحَسِّنْهُ، وحسَّنه القرطبيُّ، كما نقله العيني. قلتُ: والظاهرُ أن الحديثَ ليس قابلًا للتحسين، لأن في إسناده محمدًا، وهو ابن أبي لَيْلَى، كما صرَّح به الترمذيُّ في ((جامعه)). ثم رأيتُ التصريحَ به في ((السنن الكبرى)) في مَوْضعَيْن. وابن أبي لَيْلَى اثنان: الأول: عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، وهو ثقةٌ. والثاني محمد بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، ويُقَالُ له أيضًا: ابن أبي لَيْلَى، وهذا الذي اختلفوا فيه، وقد حَسَّنَ البخاريُّ حديثَهُ في أبواب السفر، كما عند الترمذيِّ. وفي ((تذكرة الحفاظ)): أنه من رواة الحِسَان. قلتُ: وقد جَرَّيْتُ منه التغيير في المتون والأسانيد، فهو ضعيفٌ عندي، كما ذَهَبَ إليه الجمهورُ. وبالجملة من حسَّن الحديثَ المذكورَ، ظنَّ أن محمدًا هو ابن سِيرِين. وإذن تحسينُ القرطبيٍّ غير مقبولٍ عندي، إلَّا أن يكونَ عنده إسنادٌ غير هذا. أمَّا الجوابُ عندي، فلا أقولُ: إن المرادَ من الصَّوْم هو الإِطعام، وإنما عبَّر بالصوم مشاكلةٌ. بل أقولُ: إنه ينبغي أن يُصَامَ عنه إثابةً، ويُطْعَم مكان كل يومٍ مسكينًا أيضًا، قضاءً ممَّا عليه. فالحاصل: أن الحديثَ محمولٌ على الإِثابة دون النِيَابة، والتعبيرُ المذكورُ يُصْلِحُ لهما بدون تأويل، لأنهما نِيَّان. أي قد يكونُ الصومُ عن أحدٍ بنية الإِثابة، وقد يكون بنية النِيَابة، ولا يَتَلَفَّظُ بها أَصلًا، فَيُقَال في الإِثابة أيضًا: صَامَ عنه، كما يُقَال في النِيَابة بدون فرقٍ. أمَّا حديثُ: ((لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ))، فهو محمولٌ على النِيَابة، فلا تنافي بين الحديثين. وبعبارةٍ أخرى: إن الإِتابةَ والنَِّابةَ من أنظار الفقهاء، وليست مما يَدُلُّ عليه اللفظ بمدلوله اللُّغَوِيِّ، بل هي أمرٌ وراء الهيئة التركيبية تُفْهَمُ عنها، ولا تكون مدلولةً وضعًا. وإنما كرَّرْناه لئلا تظنُّه تأويلًا، كيف! ولا بحثَ للغويِّ من أنظار الفقهاء، فلا يقولُ فيهما إلَّا أنه صَامَ عنه. ثم إنه انْعَقَدَ الإِجماعُ في باب وقد كان الآدميُّ يقضي عبادته من الصوم في حياته ببدنه إمساكًا، وكان أيضًا يقضيهما بماله في وقتٍ، وفي حالٍ = تصدُّقًا وإطعامًا، فقال النبيُّ ◌َّ للوليّ: صُمْ عنه الصيامَ الذي تُمْكِن النيابةُ فيه، وهو الصدقةُ عن التفريط في الصِّيَّام. ويكون إطلاقُ الصَّوْمِ بأحد معنيين، إذ الأصل له. ومن أَشْرَفَ من هذا المطلع بعين البصيرة، رأى أن غيرَه يسير في البنيان ولا حضرَ لهَ. ويَعْضُدُ هذا ما روى أبو عيسى عن ابن عمر أن النبيَّ ◌َّةِ، قال: ((من مات وعليه صيامُ شهرٍ، فَلْيُطْعِمْ عنه مكان كلّ يومٍ مسكينًا))، قال أبو عيسى: والصحيح وَقْفُهُ على ابن عمر. ومن قوله. رَكِبْنَا نحن هذا التأويل. فاعجَبِ الآن لمن يقول: إذا كان نَذْرًا صِيمَ عنه، وإن كان رمضان أَطْعَمُوا عنه، فَيَجْعَلُ تحت اللفظ الواحد في النازلة الواحدة حُكْمَيْن مختلفين، بدليلين مُتَعَارِضَيْن. وحديثُ ابن عمر الذي ذكره أبو عيسى صحيحٌ، فينبغي أن يَقِفُوا عنده . اهـ . ((العارضة)) بتغييرِ يسيرٍ، ولعلَّ في العبارة سهوًا من الناسخ. ثم قال في كتاب الحج: إن الصلاة لا خِلافَ فيها أنها لا يَنُوبُ فيها أحدٌ عن أحدٍ. وأمَّا الصدقةُ، فلا خِلَافَ في دخول النيابة فيها، والحجُّ كذلك على التفصيل فيهما. وأما الصيامُ، فاختلفوا فيه، ولمَّا دَخَلَ العِوَضُ في الصيام من الإِطعام، كان لنيابة العِوَض مَدْخُلٌ فيه من وجهٍ. اهـ. قلتُ: ومن ههنا ظَهَرَ وجهُ قوله ◌َّ: ((صومي عنها)) في معنى النيابة أيضًا. فاحفظه. ٣٥٥ كتاب الصّوم الصلاة: أن لا نِيَابةَ فيها، وحينئذٍ فالأقربُ أن يكونَ في باب الصيام أيضًا . وفي ((البحر)) من باب الحجِّ عن الغير: أن كلَّ عبادةٍ بدنيةٍ تجري فيها الإِثابة، أي إيصال الثواب إلى الغير. ثم قِيلَ: إنها تَجُوزُ في الفرائض والنوافل مطلقًا. أمَّا في الفرائض، فيكون الثوابُ لغيره، وإن لم يَسْقُطْ عنه الفرض. وقيل: إنها في النفل فقط. ثم قيل: إن الإِثابة إنما تكون للميت فقط. وقيل: للميت والحيِّ كليهما. وبالجملة الحديثُ المذكورُ محمولٌ عندي على الإِثابة، ولا يَأْبَاهُ لفظ ((عن))، فإنه يُسْتَعْمَلُ في الإثابة أيضًا . ٤٣ - بابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ وَأَفِظَرَ أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْس. ١٩٥٤ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَّا، وَأَذْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفَظَرَ الصَّائِمُ)). ٠ ١٩٥٥ - حدّثنا إِسْحاقُ الوَاسِطِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَفِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: ((يَا فُلَانُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيتَ! قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيتَ! قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)). قَالَ: إِنَّ عَلَيكَ نَهَارًا، قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)). فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ◌ََّ ثُمَّ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفَرَ الصَّائِمُ)). [طرفه في: ١٩٤١]. ١٩٥٤ - قوله: (إذا أَقْبَلَ الليلُ من هُهنا إلى قوله: فقد أَفْطَرَ الصَّائِمُ)، وفي كُتُبِ الفِقْهِ: أن رجلين كان أحدهما على رأس المَنَارة يرى الشمس، والآخر على سطح الأرض، وقد غَابَتْ عن نظره أنه يَصِحُّ الإِفطار للثاني، دون الأول. وظاهرُ اللفظ أنه أَفْطَرَ بعد غروب الشمس أكل شيئًا أو لا، فيكون حكمًا من قِبَل الشارع. فإن أَمْسَكَ بعده، لا شيءَ ولا أجرَ فيه. وقال ابن تَيْمِيَة: إن الوِصَالَ إلى السَّحَر مُسْتَحَبٌّ. وثَبَتَ عن أبي بكرٍ: أنه كان يُوَاصِلُ إلى ثلاثة أيام. وعن ابن الزُّبَيْرِ: أنه كان يُوَاصِلُ إلى تسعة أيام. ويُعْلَمُ من طَرِيق الرُّوَاة أنه كان عادةً لهم. وحينئذٍ شرحه عنده: أنه جَازَ لك الإِفطار بعد الغروب. وأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبِقُواْ أَلْضِيَامَ إِلَى الَبْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ففيه غايةُ التَّحَتُّم. وأمَّا من تحرَّى الفضلَ، فله أن يُمْسِكَ إلى السَّحَرِ. ٤٤ - بابٌ يُفطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيهِ، بِالمَاءِ وَغَيرِهِ ١٩٥٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الشَّيبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ٣٥٦ كتاب الصّوم أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَوَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمْسَيتَ! قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَّيكَ نَهَارًا، قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لَنَا)». فَنَزَلَ فَجَدَّحَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا رَأَيتُمُ اللَّيلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفطَرَ الصَّائِمُ)). وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. [طرفه في: ١٩٤١]. ٤٥ - بابُ تَعْجِيلِ الإِفِطَارِ ١٩٥٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِظْرَ)). ١٩٥٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّفِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسى، قَالَ لِرَجُلَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لِي)). قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيتَ اللَّيلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفَطَرَ الصَّائِمُ)). [طرفه في: ١٩٤١]. ومعنى الاستحباب فيه: مخالفةُ اليهود، ومحافظةُ الحدود، وأن لا تُفْسِدُوا شَرْعَكُم، كما أَفْسَدَ اليهودُ شَرْعَهُمْ. ٤٦ - بابٌّ إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ١٩٥٩ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: أَفَطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَلَيَوْمَ غَيِم، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدُّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِّعْتُ هِشَامًا: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَأَ . ٤٧ - بابُ صَوْمِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيَلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ، فَضَرَبَهُ. ١٩٦٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ وَغَدَاةَ عاشُورَاءَ إِلَّى قُرَى الأَنْصَارِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مُفطِرًاً فَلْيُتِمُّ بَقِيَّةَ يَوْمِهٍ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلَيَصُمْ)). قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللَّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفِطَارِ. قَالَ: العِهْنُ: الصُّوفُ. وقد مرَّ التنبيهُ على أن النوويّ سها في بيان مذهب الحنفية في حجِّ الصبيِّ، فقال: إن حَجَّه غيرُ مُعْتَبَرِ عند الحنفية، وهذا خلافُ الواقع؛ فإن عبادات الصِّبْيَان كلَّها مُعْتَبَرَةٌ عندنا، إلّا أن حجَّه لا يَقْعُ عن حجة الإِسلام فَيَحُجُّ ثانيًا بعد ما يَبْلُغ. ٣٥٧ كتاب الصوم ٤٨ - بابُ الوِصَالِ، وَمَنْ قَالَ: لَيسَ فِي اللَّلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِقُوْ اُلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وَنَهِى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ. ١٩٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نََّقَالَ: ((لَا تُوَاصِلُوا)). قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: ((لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى))، أَوْ: ((إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى)). [الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١]. ١٩٦٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وََّ عَنِ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى)). [طرفه في: ١٩٢٢]. ١٩٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِ ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌ِّهِ يَقُولُ: ((لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَليُوَاصِلِ حَتَّى السَّحَرِ)). قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينٍ)). [الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧]. ١٩٦٤ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةً وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ عَنِ الوِصَالِ رَّحْمَّةً لَهُمْ، فَقَالُواَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ كَهَيَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينٍ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ: رَحْمَةً لَهُمْ. واعلم أن الوِصَالَ على نحوين: الأول الوِصَال إلى السَّحَر، ولم يَرِدْ عنه النهيُّ في الحديث، ولم يتعرَّض إليه فقهاؤنا، وهو مستحبٌ عند الحافظ ابن تَيْمِية. وأمَّا وجه التفضِّي عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَئِنُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلخ، فقد مرَّ قريبًا، وثَبَتَ عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضًا. وبَحَثَ الحافظُ في ((الفتح)) أنه مكروهٌ لغيره بَّ أو لا. أمَّا البخاريُّ فلم يَقْدِرْ على الفصل، ونقل آثارًا مُتَعَارِضةً، فقوله: ومن قال: ((ليس في الليل صيامٌ))، يُؤيِّدُ الحنفية: أن الوِصَال إلى السَّحَر ليس بشيءٍ وقوله: ((نهى النبيُّ ◌ََّ عنه رحمةً»، يدُلُّ على جوازه. والثاني: وِصَالُ يوم بيوم، وفيه أيضًا بحثٌ أنه معصيةٌ، أو النهيُ فيه شفقةٌ أيضًا، ورجَّح الأول. ولذا وَضَعَ فيه التّكيلَ في الترجمة الآتية، ثم بَوَّبَ بالوِصَالِ إلى السَّحَر، وأخرج تحته حدیثَ الجواز. ٤٩ - باب التَّتْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ رَوَاهُ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ. ١٩٦٥ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ ٣٥٨ كتاب الصّوم عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ وََّ عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولُ اللهِ! قَالَ: ((وَأَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينٍ)). فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ: ((لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ)). كَالتَّنْكِيَلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا . [الحديث ١٩٦٥ - أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩]. ١٩٦٦ - حدّثنا يَحْيِى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ)). مَرَّتَينٍ، قِيلِّ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: ((إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينٍ، فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ)). [طرفه في: ١٩٦٥]. ١٩٦٦ - قوله: (إيَّكم والوِصَالَ)، اعلم أن قولهم: إِيَّاكَ والأسدَ، من باب التحذير عند النحاة. وعندي: الضميرُ المنفصلُ: مفعول به، والاسم المظهر: مفعول معه، والواو بينهما: للمفعول معه. والمقصودُ الاتقاءُ عن المجموع، وحينئذٍ لا حاجةَ إلى التأويل. هكذا اسْتَفَدْتُ من بعض إشارات سيبويه . ٥٠ - بابُ الوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ ١٩٦٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن خَبَّبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعٌّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلِيُوَاصِلِ حَتَّى السَّحَرِ)). قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينٍ)). [طرفه في: ١٩٦٣]. ويُسْتَفَادُ منه: جنوعُ المصنّف إلى اعتباره. ٥١ - بابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفطِرَ فِي التَّطَّوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ ١٩٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخِى النَّبِيُّ ◌َّهَ بَيْنَ سَلمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلمَانُ أَبَا الدَّزْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَذِّلَةٌ، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأُنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ: كُل، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: ما أَنَا بِآكِلِ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَّبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَّيكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ مَلَيْكَ حَقًّا، وَلَأَهْلِكَ عَلَيكُّ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((صَدَقَ سَلمَانُ)). [الحديث ١٩٦٨ - طرفه في: ٦١٣٩]. ٣٥٩ كتاب الصوم ويُقَالُ له: يمين الاستعطاف، ويستحبُّ للمُخَاطَب أن يجعله بارًّا في يمينه. قوله: (ولم يَرَ عليه قضاءً) وعليه قضاءٌ عندنا، لِمَا في ((البدائع)) عن أبي بكر البياضي: أن الشروعَ في التطوع بمنزلة النَّذر القوليِّ، فَيَجبُ عليه الإِتمامُ، أو القضاءُ عند عدمه. ١٩٦٨ - قوله: (صَدَقَ سَلْمَان) ... إلخ، وإنما حسَّنه ،َُّ على فِظْرَتِهِ السليمة، ونقل في ((الفتح)) جزئياتٍ عديدةٌ، حسَّنه النبيُّ وَِّ عليها، فدَلَّ على أن المدحَ للفِظْرَة السليمة دون المعلومات الكثيرة . ٥٢ - بابُ صَوْمِ شَعْبَانَ ١٩٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفطِرُ، وَيُفِطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َِّ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. [الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥]. ١٩٧٠ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: ((خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)). وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ ما دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةٌ دَاوَمَ عَلَيْهَا. [طرفه في: ١٩٦٩]. ومرَّ وجهُهُ أنه كان يَصُومُه لِيُمْهِلَ نساءَه لقضاء صيام رمضان قبل أن يَدْخُلَ عليهنَّ رمضانُ المُقْبِلُ. ٥٣ - بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَِّيِّ ◌َِّ وَإِفِطَارِهِ ١٩٧١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ نَّهِ شَهْرًا كَامِلًا قُطُ غَيرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ. ١٩٧٢ - حدّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُّوَلُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّ رَأَيَتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ. وَقَال سُلَيمَانُ، عَنْ حُمَيدٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَا فِي الصَّوْمِ. [طرفه في: ١١٤١]. ١٩٧٢ - قوله: (كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يُفْطِرُ من الشهر حتَّى نَظُنَّ أن لا يَصُومَ منه، ويَصُومُ ٣٦٠ كتاب الصوم حتى نَظُنَّ أن لا يُفْطِرَ منه شيئًا، وكان لا تَشَاءُ تَرَاهُ من الليل مُصَلِّيًا إلَّا رَأَيْتَهُ، ولا نَائِمًا إلَّا رَأَيْتَهُ) ... إلخ، واعلم أن النبيَّ ◌َّرِ لم تكن له عادةٌ مستمرةٌ في صيام الشهر، فتارةً صام فَسَرَدَ، وأخرى أفْطَرَ فَتَوَالَى، ومن ههنا جاء التعبيرُ المذكورُ. ثم إن الراوي ذكر نحوه في صلاته أيضًا، وذلك لا يَسْتَقِيمُ في الثُّلُث الأخير، فإنه كان من عادته إحياؤه، والاستراحة في السُّدُس الأخير، نعم يُمْكِن صدقه في فروع الليل وأوساطه. ١٩٧٣ - حدّثني مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ نََّ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفطِرًا إِلَّا رَأَيَتُّهُ، وَلَا مِنَ اللَّيلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلََّ رَأَيتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلِيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَظْيَبَ رَائِحَةٌ مِنْ رَائِحَةٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. [طرفه في: ١١٤١]. ١٩٧٣ - قوله: (خَزَّةٌ) [الخَزُّ]: حيوان في بلاد رُوس، تتخذ الفَرْوُ من جلده، وليس بالحرير، نعم القُزُّ حریرٌ. ٥٤ - بابُ حَقِّ الضَّيفِ في الصَّوْمِ ١٩٧٤ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْماعيلَ: حَدَّثَنَا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِوِ بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ، فَذَكَرَ الحَديثَ يَعْنِي: ((إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)) فَقُلتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قالَ: ((نِصْفُ الدَّهْرِ)). [طرفه في: ١١٣١]. وفي ((المنتقى)) أن الضِّيَافةَ عُذْرٌ مبيحٌ للفِظْرِ للضيف، والمُضِيفِ جميعًا. ٥٥ - بابُ حَقِّ الجِسْمِ في الصَّوْمِ ١٩٧٥ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْروِ بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُّ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)) فَقُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ((فَلَا تَفْعَل، صُمْ وَأَفِطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكٌ عَلَيكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَينِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذلِكَ صِيَامُ الذَّهْرِ كُلِّهِ». فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةٍ؟ قالَ: (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ)). قُلت: وَما كانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ قَالَ: (نِصْفَ الدَّهْرِ)). فَكَانَ عَبَّدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَمَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ وَلَةِ. [طرفاه في: ١١٣١، ١١٥٢].