Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الجنائز
فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيّ، فَقَالَ: ((أَلَيسَتْ
نَفسًا؟)).
١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيلَى قالَ: كُنْتُ
مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بَ. وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،
عَنِ ابْنِ أَبِي لَيلَّى: كانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيسٌ يَقُومانِ لِلجَنَازَةِ.
٥٠ - بابُ حَمْلِ الرِّجالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
١٣١٤ - حدّثْنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
أَبِيه: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الخُذَرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِِّ قالَ: ((إِذَا وُضِعَتِ
الجِنَازَةُ، وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كانَتْ
غَيرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيَلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إِلَّ الإِنْسَانِ، وَلَوْ
سَمِعَهُ صَعِقَ)). [الحديث ١٣١٤ - طرفاه في: ١٣١٦، ١٣٨٠].
وما ذكرهُ صاحِبُ ((الكنز)) من الترتيب، فهو على ما قيل خطابُ الإِمام لأبي يوسف
رحمهما الله تعالى. ثُم هذا الترتيب لمن أرادَ الحَمْل من المتبعين، لا لمن حَمَلوه أولًا، فإن
بقي الأُرْبع الأُوَل لا حاجة إلى دورهم، نعم لو تناول كل في الحمل فعليهم الترتيب المذكور.
١٣١٤ - قوله: (فَإِن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني) ... الخ، وهذا كلامه على السرير عند
الغُسْلِ.
٥١ - بابُ السُّرْعَةِ بِالحِنَازَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا بَينَ يَدَيهَا، وَخَلفَهَا، وَعَنْ
يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبًا مِنْهَا.
١٣١٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّوَِّ قَالَ: ((أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ،
فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ تَكُّ سِوَى ذلِكَ، فَشَرِّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقابِكُمْ)).
أي مِنْ غير تزعزع.
٥٢ - بابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي
١٣١٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِيه: أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخدرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ،
فَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كانَتْ غَيرَ
صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِها: يَا وَيَلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إِلَّ الإِنْسَانَ،
وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ)). [طرفه في: ١٣١٤].

٤٢
كتاب الجنائز
واعلم أنَّ مسألة كلام المَيِّت وسماعِه واحدةٌ وأنكرها حنفيةُ العَصْر. وفي رسالةٍ غير
مطبوعة لعليٍّ القاري: أنَّ أحدًا من أئمتنا لِم يَذْهَب إلى إنكارِها، وإنما استنبطوها مِن مسألةٍ في
باب الإيمان، وهي: حلف رجلٌ أن لا يكلُّم فلانًا فكلَّمه بَعْدَما دُفِن لا يَحَث، قال القاري: ولا
دليلَ فيها على ما قالوا، فإِنَّ مَبْنَى الأَيْمان على العُرْف وهم لا يُسِمُّونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابنُ
الهمام رحمه الله تعالى أيضًا في ((الفتح))، ثم أَوْرَد على نَفْسه: أنَّ السَّماع إذا لم يَثْبت فما معنى
السَّلام على القبر؟ وأجاب عنه: أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليلَ فيه على العُموم.
ثُم عاد قائلًا: إنه ثَبَت منهم سَماعُ قَرْعِ النِّعال أيضًا: فأجابَ عنه بِمثله.
أقول: والأحاديثُ في سماع الأمواتِ قد بلغت مَبْلِغَ التواتر. وفي حديثٍ صحَّحه أبو
عمرو: أن أحدًا إذا سَلَّم على الميتِ فإِنه يَرُدُّ عليه، ويعرِفُه إن كان يَعْرِفُه في الدَّنيا - بالمعنى -
وأخرجه ابن كثير أيضًا وتردَّد فيه. فالإِنكار في غير مَحَلُّه، ولا سيما إذا لم يُنقل عن أحدٍ من
أئمتنا رحمهم الله تعالى، فلا بد من التزام السماع في الجملة، وأما الشيخ ابن الهمام رحمه الله
تعالى فجعلَ الأَصْل هو النَّفّي، وكلَّ مَوْضِع ثبت فيه السَّماعُ جَعَله مستثنّى ومقتصِرًا على
المورد.
قلت: إذن ما الفائدة في عُنوان النَّفي؟ وما الفَرق بين نفي السَّماع، ثُم الاستثناء في
مواضِعَ كثيرةٍ، وادعاءِ الشَّخصِيص، وبين إثبات السَّماع في الجملة مَعَ الإِقرار بأنا لا ندري
ضوابِطَ أسماعِهم، فإِنَّ الأحياءَ إذا لم يَسْمعُوا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فمن ادَّعى الطَّرْد في الأموات،
ولذا قلتُ بالسماع في الجملة، بقي القرآنُ فَأَمْرُه صَعْبُ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا نُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾
[النمل: ٨]، وقال: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِ اٌلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وهو بظاهِرِه يدلُّ على النَّفْي
مُطلقًا، فقيل بالفرق بين السَّماع، والإِسماع، والمَنْفي هو الثاني دون الأَول، والمطلوبُ هو
الأوَّل دونَ الثاني، وأجاب عنه السّيوطي:
قد صَحَّ فيها لنا الآثارُ بالكُتُبِ
سماعُ مَوْتی کلام الخَلْقِ قاطبةً
وآيةُ النفي معناها سَمَاعُ هدئٌ
لا يَسْمَعُون ولا يُصْغون لِلأَدَبِ
قلت: نَزَل الشيخُ رحمه الله تعالى فيها على الغَرضِ. وحاصل الآية على طَوْره: أنَّ هؤلاء
الكفارَ كالمَوْتَى، فلا تَنْفع هدايتُك فيهم، لأن نَفْعها إنَّما كان في حياتِهم وقد مَضَى وَقْتُها،
كذلك، هؤلاء وإنْ كانوا أحياء إلاّ أنَّ هدايتَك غيرُ نافعة لهم، لكونِهِم مِثْلَ الأمواتِ في عدم
الانتفاع، فليس الغرضُ منه نفيَ السماع بل نفي الانتفاع.
قلت: عدمُ السَّماعِ والسَّمْع والاستِماعِ كُلّها بمعنى عَدَم العمل، لأنَّ السَّمْعِ يكونُ للعمل،
فإِذا لم يَعْمَل به فكأنَّه لم يَسْمَعْه، تَقولُ، قلتُ له مرارًا أن لا يتركَ الصلاةَ، ولكنه لا يَسْمَعُ
كلامي، أي لا يعمل به، يُقال في الفارسية "نشنود"، يعني عمل "نمى كند"، فلو قال الشيخ
رحمه الله تعالى: إنَّ مَن في القبور لا يعملُون لدُخل الكلام في اللغة، ولم يبق تأويلاً، بل
الأحسنُ أن يُقال: "مانتى نهين"، فإِن قلت. إِنَّ الأمواتَ إذا ثَبَت لهم السَّماعُ، فهل لهم
الانتفاع به أيضًا أو مجردُ سماع الصوتِ فقط.

٤٣
كتاب الجنائز
قلت: الصوت، مَنْ مات على الخيرِ فإِنَّه ينتفعُ به أيضًا. وأما مَن مات على الشرِّ والعياذ
بالله فأَين له أَنْ ينتفِعَ إذا لم يَنْتَفِعِ به فِي الدنيا، وليس له إلَّ سماعُ الصَّوتِ، والوجه الثاني: في
التَّفَضِّي عن الآية أنَّ هذا السماعَ الذي نحن بصددٍ إثباتِهِ مِن عالَم البَرْزَخ، أخبرنا به المُخْبر
الصادق فآمَنَّا به، أما في عالمنا فهو معدومٌ ولا يَلْزمُ للقرآنِ أن يعبر بما يأتي على العالمين،
فجاز أن يكونَ نَفْيُ السماعِ بحسب عالمنا، فإِنَّ التشبيهاتِ تكونُ للتوضيح فقط، ولَمَّا كان مَنْ
في القبور كالعدَم في عالمنا، ليس لهم سَماعٌ، ولا عِلْمٌ، ولا شيءٌ، جاز له أن ينفيَ عنهم
السَّماعَ أيضًا، والقولُ: بأنَّ الأمواتَ إذا ثبت لهم السَّماعَ عند القرآنِ لم يستقم له التشبيهُ
بالأموات جَهْلٌ وسَفَهُ، فَإِنَّ التشبيه إنما وَرَد بِحَسَب عِلْمنا وعالِمنا وإنْ ثبت السماعُ عنده وإذ
كانوا معدومين في عالمنا لطف التشبيه لا محالة، أما قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلم: ((نَم كَنَوْمَةِ
العَرُوس))، فقد مرَّ الكلام عليه فلا نعيده.
٥٣ - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنٍ أَوْ ثَلاَثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلفَ الإِمامِ
١٣١٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّهِ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ في الصَّفَِّ الثَّانِي أَوِ
الثَّالِثِ. [الحديث ١٣١٧ - أطرافه في: ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩].
واستَحبَّ فقهاؤنا أن يكون الناسُ ثلاثَ صفوفٍ وإن قَلُّوا، فإِنْ كانوا سبعةٌ يَصُفُّ الواحِدُ
في الثالث وإن كُره ذلك في المكتوبةِ.
٥٤ - باب الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ
١٣١٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَعَى النَّبِيُّ ◌َّةٌ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَصَفُّوا
خَلفَهُ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [طرفه في: ١٢٤٥].
١٣١٩ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ
شَهِدَ النَّبِيَّ ◌ََّ: أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَصَفَّهُمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلَتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قالَ: ابْنُ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [طرفه في: ٨٥٧].
١٣٢٠ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيجِ أَخْبَرَهُمْ
قالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َليّ:
(قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيهِ)). قَالَ: فَصَفَفنَا، فَصَلَّى
النَّبِيُّ ◌َُّ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قالَ أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جابِرٍ: كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. [طرفه
في: ١٣١٧].

٤٤
كتاب الجنائز
٥٥ - بابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجالِ عَلَى الجَنَائِزِ
١٣٢١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عامِرٍ
عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ مَرَّ بِقَبْرِ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: ((مَتَّى دُفِنَ
هذا؟)) قَالُوا:َ البَارِحَةَ. قالَ: ((أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟)). قَالُوا:َ دَقَِّّاهُ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ
نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصِفَفنا خَلفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَصَلَّى عَلَيهِ. [طرفه في: ٨٥٧].
قالوا في المكتوبة: إنَّ الصبيَّ إن كان واحدًا يَقُومُ معهم ويجوزُ في الجنازةِ مُظْلقًا، لأنَّ
الترتيبَ فيها غیرُ مُرَاعَى.
١٣٢١ - قوله: (أَفَلا آذَنْتُمُونِي، قالوا: دَفَنَّاه في ظُلْمةِ اللَّيل) ... الخ، قال أحمدُ رَحِمه الله
تعالى: ثَبَت ستةُ أحاديث في الصلاةِ على القَبْرِ (١). ثم هل هي وقائعٌ متعددةٌ أم واقعة واحدة؟
فلينظر فيه، ومذهبُه أن الصلاةَ على القبرِ تجوزُ إلى شَهْرٍ لِمَنْ كان له أن يُصلِّي عليه من أَهْلها
وإن كان صلَّى عليه مرةً، وهو مذهبُ الشَّافعي، وقال أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله تعالى: لا
يُصَلَّى على القَبْرِ إِنْ صلَّى عليه مرةً، وإلَّا يُصَلَّى عليه ما لم يَتَفَسَّخ.
أما الصلاةُ على الغائبِ فلم تَثْبُت فيها إلا واقعةُ النَّجاشي. أما واقعة ابن معاوية الليثي
فاختلفوا فيها، والظاهر أنه مُنْكر. فإذا لم تَثْبُت تلك الصلاةُ في عهد النبيِّ وَّرَ مع أنَّ كثيرًا مِنَ
المسلمينَ ماتوا في دار غربةٍ في عهدِهِ بَّرَ نَاسَبَ أن تختتم بِعَهْدِ النبيِّ يٍَّ ولا سيما إذا لم يَجْرِ
عليها توارثُ الأُمة أيضًا. بخلافِ الصلاةِ على القَبْر فإن بعضَهم عَمِلوا بها فيما بعد أيضًا. فلو
شئت ادعيت الخُصوصية وتمسَّكْت بما عند مسلم (٢) (ص٣٠٩). ((أنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلْمَةً
على أَهْلِهَا، وإنَّ اللَّهَ يُنوِّرُهَا لهم بِصَلاتِي عليهم)) - بالمعنى -. وهذه الخاصِّية لم تكن إلا
الصلاتِهِ وَ﴾ فلا تُقاس عليها صلواتُ الآخَرِين مع أن النبي ◌َّ- كان نهاهم أن يدفنوه بدونه فإذا
دفنوه ولم يؤذنوه صلى عليه ثانيًا. وهذا معَقولٌ فإنَّه لم يكن أن يصلُّوا عليه مع كونِ النبيِّ وَلـ
فيهم ولا سيما إذا كان نهاهم أيضًا. وقد شَهِدَ التوارثُ إلى يومنا هذا أنه لا يُصلِّي على الجنازةِ
إلّا الإمامُ وفي ((الوفاء)» للسَّمْهُودي: أن الأئمة كانوا يُنَصَّبون بأَمْر النبيِّ ◌َِّ. وَأَظُنُّ أنه ◌ٍَّ لم
(١) وهاك روايةً إثْر رواية تفيدُك المَذْهب. ففي ((العارضة)): وزاد النسائي: ((لا يموتُنَّ فيكم ميتٌ - ما دمتُ بين
أظهُرِكُم إلا أَذَنْتُموني به)). وفي حديث جابر عند النسائي: نهى أن يُقْبَرَ أحدٌ ليلًا.
(٢) ومرَّ الحافظ رحمه الله تعالى على حديث مُسلم في موضع، ونَقل عن أحمدَ رحمه الله تعالى أنَّ هذه القطعةَ
مُذْرجةٌ من الرَّاوي. وطريق الإِدراج أنها قطعةُ حديثٍ ثابت عن أنس رضي الله عنه، لا في حديث أبي هريرةً
رضي الله عنه فأخذ الراوي قطعةً حديث أنس رضي الله عنه وأَدرجها في حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. أقول:
رأيتُ في حديثٍ أبي هريرةً بغير هذا الطريق أيضًا. والزيادة التي عند ((مسلم)) في ((مُشْكِل الآثار)) فتكون القطعةُ
في حديث أبي هريرة أيضًا. ومنها ما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى في خصائصه عليه الصلاة والسلام في
أنموذج اللَّبيب أنَّ الحنفيةَ يقولون إن جنازَةً ما لا تتأدَّى في المدينة ما لم يكن النبي ◌َّ في الصلاة عليها.
أقول: لو كانت النسبةُ إلينا صحيحةً فالوجه يساعِدُه. انتهى ما في ((العَرْف الشذي)) بتصرف.

٤٥
كتاب الجنائز
يكن يَخْرج عن المدينةِ إلَّا بعد ما يَنْصِبُ لهم إمامًا يصلِّي بهم وفي ((الطبقات)) لابن سعد: ((أنه
نَصَبَ ابنَ أُمِّ مكتوم إمامَ المدينةِ مرةً. فكان يؤذِّنُ ويؤمُ بهم)). ولا أرى أذانَه بالليلِ إلا في تلك
الأيام. وقد مرَّ البحثُ في أذانه: أنه كان دائمًا أو في زمنٍ معيَّنٍ؟ والظاهر هو الثاني. فإن بيتَه
كان بَعيدًا، وقد كان استَرْخَص النبيَّ وَّرَ أيضًا في عدم حضورِ الجماعة. فقال له: هل تسمع
التأذين؟ قال: نعم. فلمْ يُرَخِّص له. فَدلَّ على أَنَّ المؤذِّنَ كان غيرَه.
وبالجملةِ قد يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أنا لو سلَّمنا أنَّ أذانَه كان بالمسجد النبويِّ، وكان قَبْل الفَجْر
فلعلَّه كان في زمنٍ إمامَتِهِ بالمدينةِ. فإذا دريتَ أن نَصْبَ الأئمةِ كان داخلًا في ولايةِ النبيِّ ◌ِّ،
عَلِمْت أنه لم يكنَ لأَحَدٍ أن يُصلِّي بها إلَّا بعد نَصْبه من جهةٍ، فإذا صلَّوا عليها فقد غَلِطُوا. ولذا
أعادها النبيُّ نَّهِ على قَبْرِهَا، لأنه كان وَليًّا. وفي عامة كُتُب الحنفيةِ: أنَّ الصلاة على القبر إنَّما
تَصِحُّ للوَلِيِّ فقط إذا لم يكن صلّى عليه وفي ((المبسوط)) جوازُ الإعادةِ مطلقًا لغير الولي أيضًا إذا
أعادها الولي.
قلتُ: وهذا أَيْسَرُ في الأحاديثِ. فظهر منه أنَّ إعادةَ صلاتِهِ وَ﴿ كانت من باب الولايةِ،
لا مِنْ بابِ الصلاةِ على القبر ثُمَّ أَمْعِن النظرَ في قوله: ((ولا يَجْلِسِ الرَّجُلُ على تَكْرِمَتِهِ في بيته،
ولا يَؤُمَّ الَرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ إلا بإِذْنِه)). يفيدك أنَّ هؤلاءِ الذَين صلَّوا عليه بدون إذنهم من
النبيِّ بَّرُ قد جاؤوا بأَمْرٍ عظيم. فإنَّ الجلوسَ على التَّكْرِمة في البيتِ والصلاة بدون الإذن في
ولايته من باب واحد على أنهم لم يُوقِظُوه ◌ََّ لِخِفَّةِ أمره في أذهانِهم. فقويَتْ داعيةُ الصلاةِ
لذلك أيضًا(١). فإنَّه رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَر لو أَقْسَمَ على الله لأبرَّه. فإذا احتفت هذه الصلاةُ بِمثل هذهِ
القرائن قَصَرْنَاهَا على مَوْردها، ولم نجعلها سنةً قائمةً وشريعةً مستمِرَّةً(٢) .
أما الصلاةُ على الغائب ففيه على ما مرَّ أنه لم يكن بالحبشةِ أحدٌ يُصلِّي عليه(٣) فصلى
عليه لذلك. مع ما عند ابنٍ حِبان في ((صحيحه)) عن عمران بن حُصَين أن الصحابةَ رضي اللَّهُ
تعالى عنهم كانوا لا يَظُنُّونَ إلَّا أَنَّ جنازَتَه بين يديه، فقد كانت جنازتُهُ كُشِفت له ◌ََّ. وحينئذٍ لم
تبق من باب الصلاةِ على الغائب، وبالجملةِ لا تُترك سنةٌ فاشيةٌ مستمرةٌ لأَجْل الوقائعِ الجزئيةِ
(١) ويؤيده السياق عند مالك في ((موطئه)): أن مسكينةً مَرضت فأُخبر رسولُ اللَّهِ وَليل بمرضها. قال: وكان رسول الله لَه
يعودُ المساكين ويسأل عنهم. فقال رسولُ الله ◌ٌَّ: ((إذا ماتت فأذنوني بها فخرج بجنازتها ليلًا فكرِهوا أن يُوقظوا
رسولَ اللهَلّ. فلما أصبحَ رسولُ الله ◌َلّ أُخبر بالذي كان من شأنها. فقال: ألم آمُرُكم أن تؤذنوني بها)) إلخ.
(٢) قال الشيخ بدر الدين العيني: ووقع في كلام ابن بَطَّال تَخْصِيصٌ، ذلك بالنجاشي فقال: بدليل إطباقِ الأُمة على
تَرْك العمل بهذا الحديث. قال: ولم أجد لأحدٍ من العلماء إجازةَ الصلاةِ على الغائب إلا ما ذكره ابنُ زيد عن
عبد العزيز بن أبي سَلَمة فإِنَّه قال: إذا استؤذن أنه غرق أو قتل أو أكله السباع ولم يوجد منه شيء صلى عليه كما
فعل بالنجاشي. وبه قال ابن حبيب. وقال ابن عبد البر: أكثر أَهْل العلم يقولون إنَّ ذلك مخصوصٌ به. وأجازه
بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريبٍ منه. وفي ((المصنف)) عن الحسن: إنما دعا له ولم يُصلِّ عليه.
(٣) قال ابن العربي: قال أبو داود، وإنَّما صلى عليه النبيُّ لأنه كان مُسلمًا وليه أَهْل الشِّرْك في بلدٍ آخر فلم يكن لهم
مَنْ يقوم بسنة فقام النبيُّ ◌َّة بها ! هـ ((العارضة)).

٤٦
كتاب الجنائز
التي لم تَنْكَشِف وجوهُها ولم تُدْرَ أسبابها .
٥٦ - بابُ سُنَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَّائِرِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َجَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ))
وَقَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). وَقَالَ: ((صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ)). سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيسَ
فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا
طَاهِرًا، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيهِ. وَقَالَ الحَسَنِ: أَدْرَكْتُ
النَّاسَ، وَأَحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ
الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهِى إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهِمْ بِتَكْبِيرَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ، أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: تَكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقالَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبْدًا﴾ [التوبة:
٨٤]. وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمامٌ.
١٣٢٢ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ
قالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ وَيَّ عَلَّى قَبْرِ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا فَصَفَّفْنَا خَلفَهُ. فَقُلَنَا: يَا أَبًا
عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ قالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وحاصل هذه الترجمةِ أنَّ صلاةَ الجنازةِ تشتركُ مع سائر الصلوات في الشرائط كما هو
مذهب الجمهور. واستدل عليها بقطعاتٍ وَرَدَ فيها إطلاقُ الصلاةِ عليها. أما سجدةُ التلاوةِ فلم
يَنْكشف الحالُ فيها لاضطراب النُّسَخِ. وقد علمته مرارًا مع بيانِ وَجْه اختلاف السَّلف في هاتين
وهو خَفاءُ لَفْظ الصلاة فيهما. ومَنْ فَرَّق بين صلاةِ الجنازة وسجدةِ التلاوة فلعلَّ وَجْهه أن لصلاةٍ
الجنازة تحريمًا وتحليلًا فكانت صلاةً، بخلاف سجدة التلاوة فإِنَّها لا تحريمَ لها ولا تحليلَ إلا
ما رُوي عن مالك رحمه الله تعالى أنه يُكبَّر لها. وبالجملة شاكلةُ السجدةِ صارت كالأذكار وقد
مرَّ أنه لا تُشترط لها الطهارةُ.
قوله: (وإذا أَحْدَثَ يَوْمَ العيدِ أو عِنْدَ الجنازةِ يَظْلُبُ الماءَ ولا يَتَيَمَّمُ) خالف فيه الحنفيةُ،
فإِنه يصِحُّ لها التيممُ عندنا، بالتفصيل المذكور في الكتب.
قوله: (وإذا انتَهَى إلى الجنازة ... ) إلخ. هكذا عندنا.
قوله: (قال ابن المسيَّب ... ) إلخ. يعني به أن لا قَصْر في صلاة الجنازة وهو المذهب
عندنا. وقال أَنَس رضي الله عنه: التكبيرةُ الواحدةُ استفتاحُ الصلاة. وهذا نَظَرٌ في معنى التكبير.
وحاصل هذه الترجمة أن صلاة الجنازةِ لما كان لها تحريمٌ وتحليلٌ، ومراعاةُ الأوقاتِ
والصفوف والإِمام ورَفْع اليدين، والنهي عن التَّكَلم مع إطلاقٍ لَفْظ الصلاةِ عليها مِن لسان
صاحبِ النُّبوةِ، ووُرُودِ القرآن به، ظهر أنها يُشترط لها ما يشترطُ لسائر الصلوات من الطهارة
وغيرِهاَ. ثم إنَّ رَفْع اليدَيْن فيها إنْ كان مع كلِّ تكبيرٍ كما هو مَرْوي عن مشايخ بَلْخ، فهو مُستقَّى

٤٧
كتاب الجنائز
من الصلاة المطلقة وإِلَّا فلا دليلَ عليه من لَفْظ الحديث.
٥٧ - بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ
وَقَالَ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيتَ الَّذِي عَلَيكَ.
وَقَالَ حُمَيدُ بْنُ هِلَالٍ: ما عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنَا، وَلكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ
قيراطٌ .
١٣٢٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازِم قالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ
ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمْ يَقولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو
هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. [طرفه في: ٤٧].
١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُهُ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَقَدْ فَرَّطَنَا في قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿ فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦]:
ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
وقال زيدُ بن ثابت: إذا صليتَ فقد قَضَيت الَّذي عليك. يعني أن الاتِّباع إلى المَقْبرة ليس
من الواجباتِ، فإِنْ فَعَل فله في ذلك أَجْر.
قوله: (وقال حُمَيْد بنُ هِلال: ما عَلِمنا على الجنازةِ إِذْنًا) وهو ما في ((الهداية)): أن الإِذْن
لا يجبُ على الوَلي.
قوله: (قيراط بخمس شعيرات) رابعة عشر من درهم. وقِيراطُ الشافعيةِ أقلُّ منه. وأمّا
قيراطُ الآخِرَةِ فكالجبل.
٥٨ - بابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ
١٣٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قالَ: قَرَأْتُ عَلَىِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
استا
(ح).
وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ بْنِ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَني أَبِيِ: حَدَّثَنَا يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ
ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ الأَعْرَجُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّي فَلَهُ فِيرَاٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كانَ لَهُ قِيْرَاطَانٍ)). قِيلَ:
وَمَا القِيْرَاطَانِ؟ قالَ: ((مِثْلُ الجَبَلَينِ العِظِيمَينِ)). [طرفه في: ٤٧].
٥٩ - باب صَلَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَّائزِ
١٣٢٦ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبي بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا زَائِدةُ: حَدَّثَنَا
أَبُو إِسْحاقَ الشَّيبَانِيُّ، عَنْ عامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ

٤٨
كتاب الجنائز
قَبْرًا، فَقَالُوا: هذا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَصَفَّنَا
خَلفَهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيهَا .
[الحديث ١٣٢٦ - أطرافه في: ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠].
٦٠ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَائِ بِالمُصَلَّى وَالمسْجِدِ
١٣٢٧ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّبِثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَّعى لَنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذي ماتَ فِيهِ، فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا
لأخِيكُمْ)). [طرفه في: ١٢٤٥].
١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: حَدَّثَنِي سَعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وََِّّ صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيهِ أَرْبَعًا. [طرفه في: ١٢٤٥].
١٣٢٩ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُوِ ضَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ بَ بِرَ جُلٍ
مِنْهُمْ وَأَمْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. [الحديث ١٣٢٩ -
أطرافه في: ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣].
ولا يُصلَّى على الجنازةِ في المسجد عندنا، وعند مالك رحمه الله تعالى. والأفضلُ عند
الشافعي رحمه الله تعالى أن يصلَّى خارج المسجد، وجاز في المسجد أيضًا. ثم قال العلامة
القاسم: إِنَّها مكروهةٌ تحريمًا. واختار الشيخ ابن الهُمَام رحمه اللَّهُ تعالى التنزيه.
قلت: بل هي إساءةٌ على ما سماها صَدْرُ الإسلام أبو اليسر، وهو مَرْتَبةٌ بين التحريم
والتنزيه، وكذلك لا يناسِبُ وَضْع الجنازة في المسجد، ويُعلم من صَنيع البخاري رحمه الله
تعالى أنه مترِدِّدُ في ذلك. ولنا ما عند أبي داود: ((مَنْ صَلَّى على جنازةٍ فلا شيءَ له))، وعند ابن
ماجه مَنْ صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ فليس له شيءٌ)). قال النووي رحمه الله تعالى. وفي
النُّسخة الصحيحة: ((فلا شيء عليه)).
وصحّح الزَّيْلَعي الأول. وقال: إنَّ في النُّسخ الصحيحة ((فلا شيءَ له)).
قلت: ويؤيدُ لفْظَ ابن ماجه: ((فليس له شيء)» وهو لا يحتملُ التصحيفَ ليُقَال إنه تقريرٌ
عليه. واعتمد على الزيلعي أزيد من النووي. وكذا صحّحه الخطيب البغدادي، وهو صاحب
النسخة وهو مذهب ابن أبي ذئب، وهو راوي الحديث كما ذكره النووي. إلا أنَّ في إسناده
مَوْلى التَوْأَمةِ وفيه مقال(١). لأنه كان اختلط بآخِرِهِ إِلَّ أَنَّ العلماءَ صرَّحوا بأنَ سماع ابن أبي
(١) قال العلامة المارديني: ذكر صاحب ((الكمال)) عن ابن مَعين أنه قال: صالح ثقة حُجَّة. قيل: إنَّ مالِكًا ترَك
السَّماعَ منه. قال: إِنَّما أدركه مالك بعدما كبر وخرف، والثوري إنما أدركه بعدما خرف فسمع منه أحاديثَ =

٤٩
كتاب الجنائز
ذئب عنه قبل الاختلاط. وعلى هذا فالإِسنادُ حَسَن، ولو قلت: صحيحٌ، فأيضًا سائغ. وعند ابن
أبي شيبة أيضًا: ((فلا صلاةً له)).
وقد استدلَّ محمد رحمه الله تعالى في ((مُوطئه)) أن مُصَلَّى الجنائز(١) في عهد النبيِّ
كان بِجَنْب المسجدِ. فهذا دليلٌ قويٌّ على أن صلاةَ الجنازةِ ينبغي أن تكون خارجَ المسجد،
حتى أَنَّ النبيَّ وَّ لما بلغه نَعْيُ النَّجاشيّ خَرَج إلى خارج المسجد ولم يصلِّ فيه. ولم يَثْبُت عن
النبيِّ وَّر أنه صلَّى في المسجدِ إِلَّ مرةً أو مرتين.
وللشافعيةِ أنَّ النبيَّ وَّهِ صلى على ابني بيضاءَ في المسجدِ. هكذا عند مسلم. وهو وَهْم
فإِنَّ سَهْلًا عاش بعد النبيِّ وَِّ، وإنما هو سَهْلُ ابن بيضاءِ. قال السَّرَخْسي في ((المبسوط)): وفيه
مِن تَطَرُّقِ الأَعذار ما لا يخفى نحو كونه معتكِفًا، أو لِعِلَّة المطر. بقِيت واقعةُ سعد بعد
النبيِّ ◌َّةَ، فما تحصَّل لي فيها بعد التنقيح: أنَّ أمهاتِ المؤمنين إنما أَرَدْنَ الدعاءَ عليها فقط،
فمرَّ بها مَنْ في المسجدِ وصلَّى عليه خارِجَ المسجد، فتسامح فيه بعضُ الرواةِ وعبَّروا عن
دعائهنَّ في المسجد بما أَوْهم صلاتَه في المسجد، مع ثبوت الإِنكار من الصحابة، رضي الله
تعالى عنهم عليها. هكذا يُستفاد من ((الطبقات)) لابن سعد(٢).
ثُم إِنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى لم يخرِّج حديثَ ابني بيضاء، بل أخرج حديثَ النجاشي
وهو حُجةٌ للحنفيةِ. وحينئذٍ وَسِع لي أن أقول: إنَّ البخاريَّ ذهب إلى مَذْهب الحنفيةِ. ولا
تمسُّك في صلاتِهم على عمرَ وأبي بكر رضي الله عنهما في (٣) المسجد، فإِنَّهما قد دُفِنا في
روضته الشريفة، ولم يكن الطريقُ إليها إلا من المسجد، فلما رأوه أنه لا بد مِن إدخالهما في
مُنْكرات. ولكنَّ ابنَ أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وقال العِجلي: صالح ثقة. وقال ابنَ عَدِي: لا بأس به إذا
=
سمعوا منه قديمًا مثل ابن أبي ذئب، وابن جُرَيْج، وزياد بن سعد، وغيره. ولا أعرف له قبل الاختلاط حديثًا مُنكرًا
إذا روى عنه ثقة. وقال ابن حنبل رحمه الله تعالى: ما أعلم بأسًا ممن سمع منه قديمًا، اهـ. ((الجوهر النقي)).
(١) قلت: ومما يدُلك على أن للجنائز مكانًا مستقلًا في عهد النبيِّ بَّر ما في ((المشكاة)) في باب الإفلاس والإِنظار
في الفصل الثالث بروايةٍ أحمد عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: ((كنّا جلوسًا بِفَناءِ المسجد حيث توضَعُ
الجنائزُ، ورسولُ اللَّهِ وَ﴿ جالسٌ بين ظهرانَيْنا)» إلخ.
(٢) قلت: وراجعت ((الطبقات)) لابن سَعْد فإِذا فيه: عن عائشةَ رضي الله عنها أنها أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص
أن يمر بها عليها قال فمر بها في المسجد فبلغها أن الناس أكثروا في ذلك فقالت: ما أسرع الناس إلى القول،
والله ما صلَّى رسولُ اللَّهِ وَل﴿ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. من تذكرة سهيل بن بيضاء فلينظر فيه فإني لم
أجد فيه غيرَ هذا وإن كان هذا هو مراد الشيخ فتلك الرواية موجودة عند مالك في ((موطئه)) أيضًا عن عائشة أنها
أَمرت أَن يمرَّ عليها بسعد بن أبي وَقَّاص في المسجد حين مات لتدعو له إلخ. قلت: ففيه تصريحٌ بما رامه الشيخ
رحمه الله تعالى، أَمَّا ما أخرجه ابنُ سعد فليس فيه ذلك. فيمكن أن يكونَ أراد الشيخُ رحمه الله تعالى موضِعًا
غيرَ هذا فلينظره.
(٣) وحديثُ الصلاة عليهما في المسجد أخرجه ابن أبي شيبةً في ((مصنفه)» كما في ((شَرْح الأحياء)» للزَّبيدي. أَما
الصلاةُ على عمرَ رضي الله عنه فهي عند مالك أيضًا في ((موطئه)).

٥٠
كتاب الجنائز
المسجد للدَّفن توسَّعوا في الصلاة عليهما أيضًا.
فائدة :
واعلم أنَّ الفرق بين الأحاديثِ القوليةِ والوقائع الجزئية: أنَّ تقديرَ المقدَّرات يُستبعدُ في
النَّحو الأَوَّل. لأنَّ الكلام إذا تَمَّ في مراده فالتقدير زيادةٌ مستغنىّ عنها، نعم يَسْهُل تأويلُها أعني
به تغييرَ مرادِها بنحو اعتبارٍ دون الاحتمالات الخارجية. وأما النحو الثاني فإِنه لا عُسْر في
حَمْلها على المحامل فلا يُستبعِد فيه إِخراجُ الاحتمالاتِ كما علمت آنفًا في الصلاةِ على سَعْد
رضي الله عنه. وكما مرَّ أنَّه صلَّى خمسًا الحديثَ. فإِنَّه يحتمِلُ أن يكونَ جلَس على الرابعة،
ويحتمل أن لا يكون جلس. فلمَّا استوى الاحتمالانِ فلو حملناه على الجلوس لم يَبْعُد، كيف
وإِنَّه محتمِلٌ أيضًا، بخلاف الأحاديثِ القوليةِ، فإِن إبداءَ الاحتمالاتِ فيها قد يعودُ زيادةً على
معناها .
١٣٢٩ - قوله: (جاؤوا إلى النبيِّ وَّرَ برجلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيا) وسيجيء الكلامُ في أنَّ
رَجْمهما كان على شريعتِهِ، أو على شريعة موسى عليه السلام. وادَّعى الطحاوي رحمه الله تعالى
أنه كان بِحُكْم التوراة. وربما كان النبيُّ وَِّ يَحْكُم بالتوراةِ فيما لم يَنْزل فيه شَرْعُه، فإِذا نزلت
ترك العملَ بها. ولا يُسمَّى هذا نسخًا.
٦١ - بابُ ما يُكْرَهُ مِن اتَّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ
وَلَمَّا ماتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنٍ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ القُبَّةَ عَلَى
قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائحًا يَقُولُ: أَلا هَل وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجابَهُ الآخَرُ: بَل
يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا .
١٣٣٠ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ موسى، عَنْ شَيبَانَ، عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الوَزَّانُ - عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِّ وَ قالَ في مَرَضِهِ الذَّي ماتَ فِيهِ: ((لَعَنَ اللَّهُ
اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا)). قالَتْ: وَلَوْلَا ذِلَكَ لِأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ
أَنِّي أَخْشى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. [طرفه في: ٤٣٦].
١٣٣٠ - قوله: (لَعَن اللَّهُ اليهود والنَّصارى ... ) إلخ. وقد قدَّمنا شَرْحه فيما مَرّ مع بيانٍ
سَهْو بعض الشارحين سهوًا بينًا. وتمسك به اللعين القادياني دجَّالُ هذه الأمة على وفاةٍ عيسى
عليه الصلاة السلام. ولم يَدْر أنَّ الأنبياءَ الذين آمَن بهم اليهودُ قد آمَنِ بهم النَّصارى أيضًا، بل
آمنًا بهم أيضًا، إلَّا عيسى عليه الصلاة والسلام حيث أنكره اليهودُ والنَّصارَى كلاهما. والباقون
كلَّهم مشترِكون فلا دليلَ فيه على كُفْرِه لعنه اللهُ وملأَ حضرتَه نارًا .
ثُم لو سلَّمنا ما يتفوَّه به هذا الشقيُّ لوَجَب أن يكونَ على قبرِهِ مَسْجِدٌ كما يقتضيه الحديثُ
ولا يجدهُ ولو رجع إلى بطن أُمِّه، فهو حيُّ على رغمه كما قد أخبره الله سبحانه، وتواتر به
رسولُه الكريم. ثُم هذا الآخَرُ الزَّنِيمُ له أقاويلُ في تحقيق قَبْرِه عليه الصلاة والسلام يناقضُ

٥١
كتاب الجنائز
بعضها بَعْضًا. فيزعُم تارةً أنه في كشمير المشهور بقبر ((يوز آسف)). ويدَّعِي أنه مُحَرَّفٌ من لَفْظ
المسيح، ولا يستحيي. ونعم ما قال رجلٌ من أهلٍ كَشْمير: إنه لو كان قبرَ عيسى عليه السلام
لكان إلى بيتِ المَقْدسِ، مع أنه إلى بيتِ الله. وقدَ رَدَّ عليه العلماءُ وكتبوا الرسائلَ لردِّ مقالَتِهِ،
فَأَلقموه حجرًا فجزاهم اللَّهُ تعالَى خيرًا .
٦٢ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا ماتَتْ في نِفَاسِهَا
١٣٣١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا حُسَينٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
بُرَيدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ بَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا،
فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. [الحديث ١٣٣١ - طرفاه في: ٣٣٢، ١٣٣٢].
يعني أنها وإن كانت لا تصلِّي في حياتها، لكنها إذا ماتت فقد انتهت أحكامُ النِّفاس
ويصلَّى عليها كما يصلَّى على غيرها.
١٣٣١ - قوله: (قَامَ عليها وَسَطَها) وعندنا يقومُ مِن الرجلِ والمرأة حِذاءَ الصَّدْر. وعند
الشافعي يقومُ مِن الرجلِ حِذَاءَ الرأسِ، ومن المرأةِ حِذاءَ العَجيزَة. وهو روايةٌ شاذةٌ عن إمامِنا
أيضًا كما في ((الهداية)). وظنِّي أن مسألةَ الحنفيةِ قويةٌ، فإِنَّ قيامَ الإِمام مقام عقد اليدين، ولهم
حديث أبي داود. ولا دليل في لفظ ((الوسط)) فإِنَّه قد قيل فيه إِنَّ المتحركَ منه ساكنٌ، والساكِنَ
متحرٌّ ولم يتعين واحدٌ منها .
٦٣ - بابٌ أَينَ يَقُومُ مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ
١٣٣٢ - حدّثْنا عِمْرَانُ بْنُ مَيسَرَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا حُسَينٌ، عَنِ ابْنِ
بُرَيدَةَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِّ ◌ََّ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ
في نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. [طرفه في: ٣٣٢].
٦٤ - بابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَرْبَعًا
وَقَالَ حُمَيدٌ: صَلَّى بِنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ؛
فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ .
١٣٣٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليَوْمِ الذِي
ماتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. [طرفه في:
١٢٤٥].
١٣٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ
جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. وَقَالَ
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ سَلِيم: أصْحَمَةَ. [طرفه في: ١٣١٧].

٥٢
كتاب الجنائز
ورُوي عن أبي يوسف خَمْسُ تكبيراتٍ أيضًا. ولنا ما مرَّ آنِفًا .
١٣٣٣ - قوله: (خَرَجَ بهم إلى المصَلَّى) أشار الراوي إِلى أنه لم يُصَلِّ عليه في المسجد.
٦٥ - بابُ قِرَاءَةِ فاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ
وَقَالَ الحَسَنُ: يَقْرَأُ عَلَى الطّفلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلَهُ لَنَا فَرَطًا
وَسَلَفًا وَأَجْرًا.
١٣٣٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ
طَلحَةَ قالَ: صَلَِّتُ خَلفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. (ح).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلحَةَ بْنِ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: صَلَّيِتُ خَلِفَ ابْنِ عِبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةٍ
الكِتَابِ، قالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ.
وهي جائزة عندنا ايضا(١) كما في ((التجريد)) للقدُوري، وصرح يحيى بن منقاري زاده
أستاذ الشُّرُنْبلالي في رسالته: ((الاتباع في مسألة الاستماع بالاستحباب، إلا أنها تكونُ كالثناء
عندنا(٢) لا كالقراءة. واستحبَّها أحمدُ رحمه الله. وقال الشافعية: أَنْ لا صلاةَ إِلا بفاتحةٍ
الكتاب. ولا ريبَ في أَنَّ أكثرَ عملِهِ وَّرِ كان على التَّرْك. وصرَّح ابنُ تيميةَ رحِمه اللَّهُ أن
جُمهورَ السَّلف كانوا يكتفون بالدعاء ولا يقرؤون الفاتحةَ، نعم، ثبت عن بعضهم. ثم هي عند
الشافعية بعدَ التكبيرة الأولى ففات عنهم الاستفتاح. فقلت لهم أن اقرؤوا بها أربعَ مراتٍ لأن
كلَّ تكبيرة في صلاة الجنازة تقوم مقامَ ركعةٍ. فأَوْلى لكم أن تقرؤوا بها أربع مرّات، فإِنَّه لا
صلاةً لمن يقرأ بها .
١٣٣٥ - قوله: (وقال: لتعْلَمُوا أنَّها سُنَّة(٣)).
(١) قال السندهي: ينبغي أن تكونَ الفاتحةُ أولى وأحسنَ من غيرها من الأدعية، ولا وَجْه للمَنْع عنها. وعلى هذا كثيرٌ
من محققي علمائنا إِلَّا أنهم قالوا: يقرأ بنِيَّة الدعاء والثناء لا بنِيَّةِ القراءة. والله أعلم كذا في ((حاشية على
النَّسائي)).
(٢) قال الشيخ بَذْر الدين العَيْني رحمه الله تعالى: قال ابن بَطَّال: وممَّن كان لا يقرأ في الصلاة على الجنائز وينكر
عمرُ بن الخطاب وعليُّ بن أبي طالبٍ، وابن عمرو، وأبو هريرة، ومن التابعين عطاءُ وطَاوس، وسعيد بن
المسيَّب، وابن سيرين، وسعيد بن جُبير والشَّعبي والحَكم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وقال الطحاوي ولعل
قراءة الفاتحة من الصحابةِ كان على وَجْه الدعاء لا على وَجْه التلاوةِ.
(٣) أخرج مالك عن نافع أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنه: كان لا يقرأُ في الصلاةِ على الجنازة، - ((موطأ)» - وهكذا
خلافُه مع ابنِ عباس رضي الله عنه في مسألة الإِقعاء أيضًا. وهذا هو مُختارُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه في الفاتحة
خَلْفَ الإِمام فإِنه كان لا يقرؤها. وإِنما نَقَلْتُ أَثْرَه خاصَّةً لأنَّ الشافعيةَ يرفعون عقيدتهم حين يُروى عنه رَفْع اليدين
وأَنا أُريد أَن أَنْظرُ ما حالُهم حين يروى عنه تَرْكُ الفاتحة في الصلاة مطلقًا، مع أنَّ مسألةَ الرَّفْع ليست كمسألةٍ
الفاتحةِ، فإِنَّ الخلافَ في الأولى في الاختيار، وفي الثانية في الجواز. والله تعالى أعلم بالصواب.
=

٥٣
كتاب الجنائز
قلت: وهذا مِن دأب ابنِ عباس رضي الله عنه أنه يُطلق على بعضٍ مختاراتِه لَفْظَ السنَّة،
كما فَعَله في الإِقِعاء مع أنَّ ابن عمرَ صرَّح بنقِيضه وقال: ((إن الإقعاءَ لَيس بسُنَّة. على أن في
((النسائي)) ((أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورةٍ، وجَهَرَ بِها)). وفي ((المنتقى)) لابن الجارود وكله
صحيح: أنه ضَمَّ سورةً أيضًا. فعلى الشافعيةِ أن يقولوا بالجَهْر وضمِّ السورةِ أيضًا إذ قالوا
بِبَعْضِها. ثُمَّ في (تاريخ مكة)) للأزرقي - وهو إِمَامُ الحديث متقدِّم على البخاري - عن ابن عباس
رضي الله عنه: أَنَّه سُئل عَمَّا يفعل داخلَ البيت. قال: يكبِّر عند الأَركانِ كالتكبيراتِ على
الجنائز)). مع أنه ينفي الصلاةَ في داخل البيت، فعلم أنْ لا فاتحةَ عنده في الجنازة. وتلك
مبالغاتٌ فقط تأخذُ الرَّجُلَ عند الأحوال.
٦٦ - بابُ الصَّلَةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ ما يُدْفَنُ
١٣٣٦ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمانُ الشَّيِبَانِيُّ قالَ:
سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قالَ: أَخْبَرَني مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ وَيَ عَلَى قَبْرِ مَنْبِذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلفَهُ.
قُلتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هذا يَا أَبَاَ عَمْرٍو؟ قالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [الحديث ١٣٣٦ .
أطرافه في: ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٤٠].
١٣٣٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَسْوَدَ، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَّمْ
يَعْلَمُ النَّبِيُّ ◌َ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: ((ما فَعَلَ ذلِكَ الإِنسَانُ؟))
قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: ((أَفَلَأَ آذَنْتُمُوني؟)). فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتَهُ. قالَ:
فَحَقَّرُوا شَأْنَهُ، قَالَ: ((فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ)). فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيهِ. [الحديث ١٣٣٦ - أطرافه في:
٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٤٠].
وقال ابن العربي في ((العارضة)) صلاةُ الجنازة عند أكثرِ العلماءِ دعاءٌ لا يفتقرُ إلى قراءة الفاتحة. واختارَه الشافعيُّ.
=
وأخرجه البخاريُّ عن ابن عباس رضي الله عنه: أَنَّ السُّنةَ قراءةُ الفاتحة في صلاة الجنازة واتفقوا على الطهارة لها ما
خلا الطبريَّ والشافعيَّ فإِنَّه قال: إِنَّه دعاءً فلا يَفْتَقِرُ إِلى طهارةٍ. والصَّحيحُ قول النبيِّ ◌َّرِ: ((لا صلاةَ إِلاَّ بطهورٍ)).
وهذه صلاةٌ بالإِجماع فوجَب فيها الوضوءُ فَأَما القراءةُ فلا تَرد في روايته وأَخافُ أَن يكونَ قولُ ابن عباس رضي الله
عنه: ((من السُّنة)) يقتضي من مقتضاها لقوله: ((لا صلاةَ إلا بطهور)) ثُمَّ أخرج برواية الدارقطني عن أبي أمامة سهل بن
حنيف عن عبيد بن السبان وقال: ((صلَّى بنا سَهْلُ بنُ حنيف على جنازةٍ، فلما كَبَّ التكبيرةَ الأُولى قرأ بأمّ القرآنِ
حتى اسمع مَنْ خَلْفَه قال: ثُم تابع بتكبيرةٍ حتى أيقنت بتكبيرةٍ واحدةٍ تَشَهَّدَ تَشَهُدَ الصلاةِ، ثُم كبّر وانصرف».
صوابه سَلَّم. قال الإِمام ابن العربي: وهذا لم يُتابع عليه ولا رواه غيرُه، ولعلَّه فَعَله بالاجتهاد والأشباه. اهـ. وإِنَّما
اعتنيتُ به لِيعلم المشغوفونَ بالفاتحةِ من الشافعية أَنَّ في الصحابة رضي اللَّهُ عنهم مَنْ كان يأتي بالتشهد أيضًا .
فليسروا بالقول ولا يجهروا به .، وفي النّسخة سهوّ في عدة مواضعَ فليصحح، فإِنا لم نشتغلْ به لوُضُوحِ المرادِ
بدونه أيضًا.

٥٤
كتاب الجنائز
٦٧ - بابُّ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفقَ النِّعَالِ
١٣٣٨ - حدّثنا عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ح. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ:
حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ: حَدَّثَنَا سَعِيِدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قالَ:
((العَبْدُ إِذَا وُضِعٍّ في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكانٍ
فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ لهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ◌ٍَّ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ
وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَفْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَفْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ)). قالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّ الكافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ: فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُ
النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِظْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَينَ أُذُنَيهِ، فَيَصِيحُ
صَيحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّ الثَّقَلَينِ)). [الحديث ١٣٣٨ - طرفه في: ١٣٧٤].
١٣٣٨ - قوله: (هذا الرَّجُلِ) وفي ((تنوير الحوالك)) أنه إشارةٌ إلى المعهودِ في الذِّهن.
قوله: (وأمَّا الكافِرُ أو المُنَافِقُ) وقد مرَّ في الأَيْمان أنَّ السؤال في القبر عند بَعْضِهم يكون
من المسلمِ والمنافقِ دون الكافرِ، وفيه نَظَر كما مرَّ .
قوله: (تَلَيْتَ) وهو في الأَصْلِ تَلَوْتَ، فصار تَلَيْت رعايةً لقرينة دَرَيْت، كما قيل في الغدايا
والعشايا. وترجمته (ترني بيروي زكي).
قوله: (إِلَّ الثَّقَلَين) والعذاب فيه مِن أشياء عالمٍ آخَرَ، كسعة القَبْر وتضييقه. فإِنَّها كلَّها مِن
عالم الغيب على أنَّ أوزانَ الأشياءِ ومقاديرَها ليست بأمرٍ متعيَّن، فإِنَّ الشيءَ الواحِد يُرى صغيرًا
وكبيرًا باعتبار آلاتِ النَّظر. وكذا يختلفُ وزنُ الشيء الواحدِ عند وَزْنِه بخط الاستواء، ثم وَزْنِه
عند القُطْبين. وقد ذكر ((نيوتن)) أن الشيءَ الواحدَ يختلفُ ثِقَلًا وخِفَةً بحسبٍ تَجَاذُبِ الأَرض.
فإِذَا وَزَنْتَ شيئًا على الأَرْض ثُمَّ وَزَنْته في الهواء تجدُه أَثْقَلَ فَإِذَا عَلِمت أَنَّ الَشيءَ الوَاحِدَ يمكنُ
أن يكونَ صغيرًا وكبيرًا بحسب المَرْأَى، وكذلك اختلف وَزْنُه بحسب اختلافِ المواضع لم تبق
للبَصَر حقيقة. فربَّ شيءٍ تَرَاه صغيرًا يمكنُ أن يكونَ كبيرًا في الواقع وبالعكس، فطاحت
المقاديرُ رأسًا .
بقي حالُ الأصوات، فقد تَسْمَعُ من بُعُد بعيدٍ، وقد لا تسمع مِمَّن هو في البيتِ. فأيُّ بُعْد
في رؤيةِ الميتِ قبرَه القصيرَ مبسوطًا في ستين أو سبعين ذِرَاعًا مثلًا، فقد شاهدنا اختلافَ
المقاديرِ لشيءٍ واحدٍ في هذا العالم فما البعدُ فيه عند اختلافِ العالَمين. على أنه يمكنُ أن
يكونَ في الأرضِ شيءُ يقبض ويبسط، كالجسم التعليمي عند الفلاسفة، فيصيرُ ممدودًا عند
الثواب، ومقبوضًا عند العذاب. وأيضًا يمكنُ أن تترفعَ عنه الحُجُب إلى مسافةٍ متعينةٍ مع بقاء في
نَفْسه، كما ترى في بعض الآلاتِ الجديدة: يُرى منها باطنُ الإِنسان من فَوْق جِلْده. ثُم لا حاجةً
في إثبات عذاب القبر إلى ما قاله الصوفية: إن العذاب على البدنِ المثالي دون المادي. وحينئذٍ
لا بعد إن لم نشاهد أحدًا يعذب في قبره، فإِنَّ الأسهل أن يقال: إنه مِن عالم الغيب وإقامةُ

٥٥
كتاب الجنائز
الدلائل العقليةِ عليه جَهْلٌ، وَمَنْ يُطِيقُ ذلك. وإنَّما يشتغلُ به مَنْ لا يَعْرِفُ الفَرْقَ بين الخَطَابة
والبُرْهَانِ .
٦٨ - بابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفنَ في الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا
١٣٣٩ - حدّثنا مَحْمُودٌ: حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِيِه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ((أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَىَ مُوَسى عَلَيهِمَا
السَّلَامُ، فَلَمَّا جاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ! فَرَدَّ
اللَّهُ عزَّ وجلَّ عَلَيهِ عَينَهُ، وَقالَ: ارْجِعْ، فَقُل لَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَثْنٍ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ ما
غَظَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قالَ: أَي رَبِّ، ثُمَّ ماذَا؟ قالَ ثُمَّ المَوْتُ. قالَ: فالآنَ،
فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ)). قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَلِ: ((فَلَوْ
كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكُتيبِ الأَحْمَرِ ». [الحديث ١٣٣٩ - طرفه
في: ٣٤٠٧].
ثبت منه جوازُ تمنِّي جوار الصالحين.
قوله: ((ففقأ عينه)) وإنما فُقِئَتْ عينه فقط لأَنه كان مَلَكَ الموتِ وإِلَّ لاندقَّتْ السمواتُ(١)
السَّبْعُ مِن لَظْمَةِ غَضَبِهِ. وإِنَّما غَضِب عليه لأَن مِن سُنَّة مَلَكِ الموتِ بالأَنبياء أن يكلِّمهم
بالتخيير، فلمَّا تَرَكها وأخبرهُ بالوفاةِ أخذَتهُ الغَضْبةُ فَلَطَمه.
١٣٣٩ - قوله: (بكُلِّ شَعْرةٍ ... ) إلخ. فاللَّهُ تعالى يدري ماذا صار عُمُرهِ لو وَضَعِ يدَه على
مَتْنِ الثَّوْر. واللَّعِين القادياني يتعجَّب من عُمُر المسيح عليه السلامَ، مع عِلْم اللَّعين أنَّ نوحًا عليه
السلام عاش ما عاش. وفي البخاري: أنَّ كِلَّ نبيِّ يَخَيّرُ بين البقاءِ والفناء قبل وفاتِهِ، فلو أرادَ أن
يعيشَ لعاش بما أراد. وقد يَسْخَرُ اللعينُ أنَّ عيسى عليه السلام إذا لَمْ يَنْزِل بَعْدُ، مع أنَّ الزمانَ
قد انقلب ظهرًا لبطن، فماذا يفعلُ إِنْ ينزل بعده سَخِر اللَّهُ منه أَلا يدري أنه لو جاز إنكارُ
المتواتراتٍ بِمِثْل هُزْئه لصحَّ إنكارُ القيامةِ أيضًا. فإِنَّا قد انتظرِنَاها ولم تأتِ بَعْدُ فلعلَّها لا تقومُ
والعياذ بالله. وقد حُكي في القرآنِ مِثْلُه عن بعضِ الملاحدةِ فَأَحْيِى سُنَّتَهم: ﴿ وَيَقُولُونَ مَنَ هُوْ قُلْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١].
قوله: (عند الكَثِيب الأَخْمرِ) ولم يتحقق لي قبره بعد، إِلَّا أَني أسمع الآن أن السلطان عبد
الحميد قد بَنَى على قبره قُبةً، فلا أدري من أين حصل له العِلْم بذلك. ولعله اعتمد فيه على خَبر
اليهود.
(١) وفي العيني أنه كان في طبع موسى عليه الصلاة والسلام حدة روى أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً. وقد
بسط الكلام في سر لطمته فراجعه ص ١٦٥ ج٤.

٥٦
كتاب الجنائز
٦٩ - باب الدَّفنِ بِاللَّيلِ
وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلًا .
١٣٤٠ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: صَلَّى النَّبِيُّ نَّهِ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيلَةٍ، قَامَ هُوّ
وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: ((مَنْ هذا؟)) فَقَالُوا: فُلَانٌ ذُفِنَ البَارِحَةَ، فَصَلَّوْا عَلَيهِ.
[طرفه في: ٨٥٧].
وقد ورد فيه النهي عند الطحاوي في ((معاني الآثار)) بإسناد ضعيفٍ. ولكنَّه لئلا تقلَّ
الجماعةُ مع أن المطلوبَ تكثيرُها إذا لم تُقصد الشهرةُ والرياء ولذا بَوَّب البخاري بالدَّفْن بالليل
لیشیرَ إلیه.
٧٠ - بابُ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القَبْرِ
١٣٤١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكِى النَّبِيُّ ◌َهَ، ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةٌ رَأَينَهَا بِأَرْضِ
الحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَتَتَا أَرْضَ
الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ نَّهَ فَقَالَ: ((أُولِئِكَ إِذَا ماتَ مِنْهُمُ
الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلكَ الصُّورَةَ، أُولئِكِ شِرَارُ الخَلقِ
عِنْدَ اللَّهِ)). [طرفه في: ٤٢٧].
٧١ - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ
١٣٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنِ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيّ،
عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ وَرَسُولُ اللَّهِوَلَ جالِسٌ عَلَّى
القَبْرِ، فَرَأَيتُ عَينَيهِ تَدْمَعَانٍ، فَقَالَ: ((هَل فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟)) فَقَالَ أَبُو
طَلحَةَ: أَنَا، قالَ: ((فَانْزِل في قَبْرِهَا)). فَنَزَلَ في قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: قالَ
فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ. قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﴿وَلِيَقْتِفُواْ﴾ [الأنعام: ١١٣]: أَي لِيَكْتَسِبُوا. [طرفه
في : ١٢٨٥].
وأقاربُ الميت أَوْلى. ويجوز للأجنبي أيضًا عند الضرورة، ويجوزُ للزَّوْج أيضًا. وما
اشتُهر من أنَّ الزوجَ بعد الوفاةِ يصيرُ كالأجانب فليس بشيءٍ (١).
(١) قلت: وقد مر معنا عن قريب من كلام الطحاوي في تفسير المقاولة تصريحُ بانقطاع تلك العلاقة عنده، فلا أدري
ماذا وقع في النقل، فليحرره.

٥٧
كتاب الجنائز
٧٢ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى الشَّهِيد
١٣٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مالِكِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ
يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَينِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: (أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخِذًا لِلِقُرْآنِ؟)) فَإِذَا
أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وَقَالَ: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). وَأَمَرَ
بِدَفْنِهِمْ فِي دِمائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيهِمْ. [الحديث ١٣٤٣ - أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦،
١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩].
١٣٤٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِىِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ
أَبِي الخيرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ
عَلَّى المَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((إِنِّي فَرٌَّ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمَّ، وَإِنِّي وَاللَّهِ
لِأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِ الأَرْضِ - أَوْ: مَفَاتِيحَ الأَرْضِ -
وَإِنِّي وَاللَّهِ ما أَخافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلكِنْ أَخاف عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا)) .
[الحديث ١٣٤٤ - أطرافه في: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠].
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يُصلَّى على الشهيدِ. وفي عباراتِ بعضهم أنها حرامٌ.
قلت: وما أشبه هذا التشديد بما في حواشي ((مختصر الخليل)) أنَّ قضاءَ السُّنة حرام مع أن
في كتبِ المالكية عامةً نَفْي القضاء فقط. وقال المالكيةُ: إن المسلمينَ إن نهضوا إليهم
واستُشْهِدوا لا يصلَّى عليهم، وإن نهضَ الكفارُ إلينا يصلَّى عليهم. فكأنَّهم قَسَموا على
الأحوال، وفهموا أن في معنىِ شهداء أُحُدِ هم الذين هجم عليهم الكفّارُ، وبهٍ يتمُّ أَثَرُ الظُّلُم.
بخلاف ما إذا هجمنا عليهم فإِنَّه يخِفُّ به أَثَرُ الظُّلْم ولا يكون في معنى شهداء أُحُد، فإِنَّ الكفار
فيه كانوا هجموا علينا. وقال أحمد رحمه الله تعالى: إِنَّها مستحَبةٌ، وإن ترَكَها جاز، وهي واجبٌ
عندنا على كلِّ حالٍ بقي المصنّف رحمه الله تعالى فلم يُفْصِح بشيءٍ، وأحال الفَصْل إلى
الناظرين.
١٣٤٣ - قوله: (يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَينْ مِن قَتْلَى أُحُد في ثوبٍ واحدٍ) ولا يجوز الجَمْعُ بين
الاثنين إلا بالفَصْل بينهما بنحو إِذْخِر أو غيره. وعليه حَمَلَه عامّةُ الناس(١). وما ألطف شَرْحَ
الحافظ ابنِ تيميةَ رحمه الله إن معنى الجمع في ثوب شَقه لهما، ليُلَفَّ واحِدٌ في نِصْفِه، والآخَر
(١) وقال ابن العربي في «العارضة)): فيه دليلٌ على أن التكليفَ قد ارتفع بالموتِ، وإِلَّ فلا يجوزُ أَن يُلْصقَ الرَّجُل
بالآخَر إِلَّا لضرورةٍ، أو عند انقطاع التكليفِ بالموت. اهـ. قلت: وليتَ شعْري ما حَمَله على التَّوْجِيه المذكور،
مع أنَّ مِن سُنَّة الشُّهداءِ الذَّفنَ في ثيابهم ودمائهم فلا يلزم أن يكونوا عريانًا فثيابُهم تكفي للفَضل والله تعالى أعلم
بالصواب، إلا أن يُقال إِنَّ الفصل بالثوب لا يكفي، كمكامعة الرجلين في ثوبٍ واحدٍ، وإن كان عليهما ثيابُهما
في المضاجع إِذا عَرَفوا ما يعرِفُه الرِّجال.

٥٨
كتاب الجنائز
في نِصْفِهِ الآخَر. وهذا معنى الجَمْع بين الاثنين في ثَوْبٍ، وهو واسِعٌ باعتبار العربية.
قوله: (أَكْثَرِ أَخذًا للقرآنِ؟) والنَّظَرُ دائرٌ في أَنَّ تقديمه للتعظيم فقط، أو لكونِه أَوْلى بالإِمامة
كما في قوله: ((يَؤْم القومَ أقرؤهم))، وللنظر فيه مجالٌ وسيع.
قوله: (ولَم يُصَلَّ عَلَيْهِم) وهو دليلٌ للشافعيِّ رحمه الله تعالى أو لأَحْمدَ رحمه الله تعالى.
وقال المحدِّثون: إنَّ مذهبَ أحمدَ أقربُ إلى الحديث. فالحديث واردٌ علينا. ولنا في جوابه
سبيلان. الأول ما سَلَكه الطَّحاوي رحمه الله تعالى، ثُم تَبِعه الزَّيْلَعي، ثم تَبِعه ابن الهُمام.
والآخَرُ ما اختاره العَيْني رحمه الله تعالى. والأَرْجح عندي ما قاله الزيلعي رحمه الله تعالى.
وحاصل ما ذهب إليه العَيْنيُّ رحمه اللَّهُ تعالى أنَّ النبيَّ وَّه لم يُصَلِّ عليهم إذ ذاك، ثُم
صلَّى عليهم قُبيلَ وفاتِه كما تَشْهَدُ به الرواية التالية. وفيها: فصلَّى على أَهْلِ أَحُد صلاتَه على
الميتِ)). وفَهِم الشيخُ العَينيُّ رحمه الله تعالى أنه بهذا الصنيع يفوزُ باستدلال من حديثٍ
البخاري، وأنت تَعْلم أنَّ علماءَ المذاهب كلَّهم يتفاخرون بموافقةٍ حديث البخاري إيَّاهم لكونه
أصحّ عندهم. وأَوَّله النوويُّ رحمه الله تعالى وقال: إنَّ المرادَ مِن الصلاة هو الدعاءُ. وردًّ عليه
الشيخُ رحمه الله تعالى وقال: إنه ليسٍ بتأويلٍ بل تحريفٌ. فإِنَّ المفعولَ المطلقَ للتشبيه، فقوله:
((صلاته على الميت)) صريحٌ في أنه صلَّى عليّهم كما يُصَلَّى على الجنائز.
أقول: والصوابُ كما قاله النوويُّ رحمه الله تعالى. فإِنِّي تَتَبَّعْتُ الرواياتِ فتبيَّن أَنَّ صلاتَه
تلك كانت في السَّنة التي مات فيها وكانت في المَسْجد النبويِّ، وإليه يشيرُ لَفْظ البُخاري؛ ثم
انصرفَ إلى المِنْبر))، وأين كان المِنْبر في أُحُد. فَخُرُوجُه بَِّ في تلك الواقعةِ إنَّما هو في
المَسْجِد لا إلى أُحُد. وإنما أراد بذلك أن يَدْعُوِ لهم قُبيلَ خروجِه من الدنيا أيضًا لمزيدٍ فَضْلهم.
وحينئذٍ ظهر ما عند أبي داود أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثماني سنينَ، كالموَدِّع
للأَحياء والأمواتِ. انتهى. فإِنَّه بعد تلك السَّنةِ لم يبق في الدنيا إلا قليلًا، فَأَرادَ أن يُوَدِّعَ
الأمواتَ أيضًا كما ودَّعَ الأحياءَ فدعا لهم. وسها مَنْ زَعَم أن خُروجَه كان إلى أُحُد، فإِنَّه على
ثلاثة أميالٍ من المدينةِ. ولكنَّ البخاريَّ لما بوَّب على هذا الحديثِ بالصلاةِ على الشهيد، صاغ
للعينيِّ أن يَحْمِله على الصلاة المعهودة.
ومُحَصَّلُ مختارِ الزيلعي: أن النِفيَ محمولٌ على نَفْي الصلاة مُنفرٍدًا، ولكنه كان يصلِّي
على العشرةِ والعشرةِ وحمزةُ رضي اللَّهُ معهم(١). ويشهد له ما أخرجه الطحاويُّ عن أبي مالك
(١) وفي قصةِ حمزةَ رضي الله عنه: ((لولا أن تجدَ صفيةُ لتركته حتى تأكلَه العافيةُ فيُحْشَرُ من بطونِها)). ومن العجائب
ما ذكر فيه ابنُ العربي فقال: فيه دليلٌ على أن الأفضل للشهيدِ عدمُ الدفن ولكن يُحتملُ أَن النبيَّ # دَفَنهم إما
سترًا لهم لأنهم كانوا في عمارة أو قريب منها، وإما لئلا يتمكنَ الأَعداءُ منهم، وإما لئلا يجدَ الأولياء الحزن
العظيم في أنفسهم، فأراد أن يغيب آثارَهم ((العارضة)). قلت: وفيه من التكليف ما لا يَخْفَى، بل الأمرُ كما حقَّقه
إن شاء الله تعالى: أَنَّه لو فَعَله لكان خاصَّةً له ولم يكن تشريعًا أصلًا، وكان من بابٍ مُخْرم مات في إحرامه.
فقال له النبيُّ ﴾: ((لا تخمِّرُوا رَأْسَهُ فإنه يُبْعث يومَ القيامةِ يُلَبِّيِ))، فإِنَّه أيضًا بِشارةٌ في حَقُّه وخاصَّةً له، وليس =

٥٩
كتاب الجنائز
الغِفَاري قال: كان قَتْلَى أُحُدٍ يُؤتَى بتسعة وعاشِرُهم حمزةُ رضي اللَّهُ عنه. فيصلِّي عليهم
رسولُ اللهِ وََّ، ثُمَّ يُحملون. ثُم يُؤْتَى بتسعةٍ فَيُصلِّي عليهم وحمزةُ مكانَه، حتى صلَّى عليهم
رسولُ اللَّهِ وَلَّ ولخّص الذهبيُّ كتاب البيهقي - ولم يُطبع - ومرَّ فيه البيهقي على رواياتٍ
الطحاوي تلك، وظن أسانيدَه مستقيمةً ولم يَرَ فيها بأسًا .
قلت: ولعلَّه تَرك حمزةَ رضي اللهُ عنه مكانَه في كلِّ مرةٍ لمزيدِ البركة، فإِنَّه يُبعث يومَ
القيامةِ سيد الشهداءِ وإن كفت الصلاة مرةً أيضًا. ثُم عند أبي داود في باب الشهيد يُغَسَّل عن
أنس: ((أنَّ النبيِّهِ مرَّ بحمزةَ رضي الله عنه وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ مِن الشهداء
غيرِه). ومرادُه أنه لم يُصلِّ مستقِلًا إِلَّا على حمزةَ رضي الله عنه كما علمت. فإِنَّه لما كان
موجودًا في كلِّ مرةٍ، وكان الآخَرُون يحملونَ واحدًا بَعْد واحدٍ، فكأنَّه صلَّى عليه مستَقِلاً ولم
يُصَلِّ على غيره. كذلك وسأل ابنُ الماحِشُون مالِكًا رحمه الله تعالى عن الصلاة على النبيِّ وَلّ.
فأجاب: أنَّه صلَّى عليه كما صلَّى على حمزة رضي الله عنه. وفي السِّير: أنَّ النبيَّ وَّ صلَّى
عليه عِدَّةَ صلواتٍ. فسأله ابنُ الماجِشون مِن أين تقول هذا؟ فسرَد مالك رحمه الله تعالى إسنادَه.
وقد استوفينا دلائلُه فيما ألقيناه في درس الترمذي.
أما وَجْه الخلافِ في الصلاةِ عليهم مع كونِ المسألةِ مما يَكْثُر بها البلوى: أنَّ الأَصْلَ في
هذا البابِ هو غزوةُ أُحُد، وقد جُمِعَ فيها رجالٌ في صلاةٍ، فعدها بَعْضهم صلاةٌ، ولم يعتبرُها
بعضُهم لعدم كونها على الشاكلة المعروفةِ، فإِنَّها لم تكنِ عليهم فُرَادَى فُرَادَى، على أنَّ الشهداءَ
يفقدون من المعركة كثيرًا كما يكون اليوم أيضًا، فلا يُصلَّى عليهم. فإِذا صُلِّي علىِ البَعْضِ دون
البَعْض سرى الخلاف ألا ترى أن مالكًا رحمه الله تعالى بنى تفصيلَه في الصلاة كلَّه على شهداءِ
أُحُدٍ فَقط لما رأى شهرته في باب الشهادة فاختار أن الكفار إن خرجوا علينا تحققت المظلومية
كما في شهداء أُحد فندخل في ضمان الله تعالى كما دخلوا، ونستغني عن الصلاةِ كما استغنوا.
وإنْ خرجنا إليهم انتفت تلك المظلوميةُ ولا نكون في معنى شهداء أُحُدٍ، وحينئذٍ يُصلَّى على
قتلانا .
٧٣ - بابُ دَفْنِ الرَّجُلَينِ وَالثَّلَاثَةِ في قَبْرٍ
١٣٤٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيمانَ: حدّثنا اللَّيثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عِنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَجْمَعُ
بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ. [طرفه في: ١٣٤٣].
وإنما احتاجوا إليه لكثرة القَتْلى، وإِلَّ فالجَمْع لا يجوزُ.
بتشريع كما في ((العارضة)). وقد نَقَّلْنا عبارته فيما مَرَّ فهكذا حمزةُ رضي الله عنه، لو تركه النبيُّ ◌َّ كذلك لم يكن
=
ذلك تشريعًا وسُنَّةً عامةً، بل كان حُكْمًا مخصوصًا خُصَّ به سيدُ الشهداءِ، وحينئذٍ لا حاجةً إلى التأويل في دفن سائر
الشهداء، بل هم على الأصل. نعم لو تُرِك حمزةُ رضي الله عنه لكان خلافَ سُنةِ الشهداءِ، واحتاج إلى نكتة.

٦٠
كتاب الجنائز
١٣٤٦ - قوله: (ولم يُغَسِّلْهُم) وترجمته (غسل نه دلوايا) واعلم أن التعديةَ في اللغة
الفارسية تحصل بزيادة حَرْفٍ على الفعل اللازم، كقولهم: (خوردن وخورانيدن). فليُبْحث في
الصَّرف أنَّ مِثْل هذه التعديةِ توجدُ في لغة العرب أيضًا أم لا؟ ولا أراها ثابتةً فيها ولكن ترجمت
التفعيل ههنا على طريق التعدية في اللغة الفارسية، يقال: ((غسله ((«أوسكو غسل دايا وغسَّله))
((أوسكو غسل دلوايا)). والغَرَض مِن هذا التفتيشُ أنه لو ثَبت في الصَّرْف هذا النوعِ من التعدية
لكان للمالكيةِ وَجْهٌ في تأويلهم حديثَ التأمين. فإِنَّهم يقولون: معنى قوله: ((إذاَ أَمَّن الإِمام))
((جب أمام آمين كهلوائي)). وقد مرَّ تفصِيلُه وليس فعْلٌ في لغة العرب عندي يدل على تسخير أحدٍ
بهذا الفِعْلِ بِعَيْنه .
٧٤ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
كَعْبٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((ادْفِنُوهُمْ في دِمائِهِمْ)) يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمَّ
يُغَسِّلَهُمْ. [طرفه في: ١٣٤٣].
٧٥ - بابُ مَنْ يُقَدَّمُ في اللَّحْدِ
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ في نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]: مَعْدلا ،
وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كانَ ضَريحًا .
١٣٤٧ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا لَيتُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ
شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ كَغَّبِ بْنِ مالِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُمَاْ: أَنَّ
رَسُولَّ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَّيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فَيَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَيُّهُمْ
أَكْثَرُ أَخْذًا لِلقُرْآنِ؟)) فَإِذَا أُشِيرَ لَه إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وَقالَ: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى
هؤلاءٍ)). وَأَمَرَ بِدَفيِهِمْ بِدِمائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَم يُغَسِّلُهُمْ. [طرفه في: ١٣٤٣].
١٣٤٨ - قَالَ ابنُ المُبارَكِ وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ يَقُولُ لِقَتَلَى أُحَدٍ: ((أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا
لِلِقُرْآنِ؟)) فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقالَ جابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي
وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ سُلَيمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [طرفه في: ١٣٤٣].
٧٦ - بابُ الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ في القَبْرِ
١٣٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قال: حَدَّثَنَا
خالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّنَّه قالَ: ((حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ
وجلَّ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدَ قَبْلِي وَّلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى