Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الجمعة
فأجاب عنه أنّ هذا الطَّرْدَ غَلَطٌ، ولكنَّه حرامٌ لُبْسُه فقط، فقال: إنّي لم أَكْسُكَها، ويَسْتَفيد منه
الفَقيه أنّ البيعَ يَعتمِد المُلكَ دون الاسْتِعْمال. ثمّ أقول: إنّ الحرام إذا لم يُنْتَفع منه بجزءٍ من
جُزْئِيَّاته فَجُمْلَتْه أيضًا حرامٌ، وإلَّا لا كالحرير، فإِنه وإن كان حرامًا لكن جاز للنِّساء، ولو كان
حرامًا بجميع جُزْئياته لما جاز بيعُه وشراؤُه وحَرُمَتِ التّصرّفاتُ كلَّها. وفِي ((الهداية): أنّ الكِسْوة
قد تكون من ألفاظِ العارية، وأُخْرَى من ألفاظ الهِبَة، وتُبنَى على القَرائِن.
قوله: (فَكَسَاه عمرُ بنُ الخطّاب أخّا له بمكّة مُشْرِكًا) قد عَلِمْتَ أنّ المُلك يَثْبُت فيه للمُسْلِم
أيضًا فكيف بِمَن كان كافرًا. ويُمْكِن أن تُجْرَى فيه مَسألةُ كونِ الكفَّارِ مُخاطِبِين بالفروع، وفيها
ثلاثةُ أقوالٍ للحنفية: قيل: إنّهم مُخَاطِبون أداءً واعتقادًا، وقيل: لا أداءً ولا اعتقادًا، وقيل:
اعتقادًا لا أداءً، كذا في المِنار. وهذا البحث كلِّه في عذابِ الآخِرة، فيُعَذَّب عند الأَوّلين على
تَرْكِهما، وعند الثّاني لا يُعَذَّب إلا على ترك الإِيمان، وعندَ الثَّالث على تَرك الاعتقاد فقط، ولم
يَذْهَبْ أحدٌ منهم إلى إيجاب قَضَاء الصّلوات أو الصّيام بعد الإِسلام، والمختار عندي هو
الأول، واختاره صاحب البحر في شرح المنار ولم يُطْبَع، وهكذا عند الشّافعيّةِ والمالكيّة
والحنابلة.
واعلم أنّ ما يَظْهَر بعد سَبْر فِقْه الحنفيّة أنّهم يُغايرون بين أحكام المسلم والكافر في كثيرٍ
من الأحكام؛ بخلاف الآخرين فَهُم فَهِموا أنّ الدّين إذا نزل من السّماء وجب على العباد قَبوله
كائنًا ما كان، فإِذا ترافعوا إلينا نَحْكُم بينهم بشريعتنا ونُخْبِرُهم على قَبولِه فإِنّ الدّار دارنا، نَعَمْ
إذا كانوا في دار الحرب فالجَبْر غيرُ ممكنٍ لانقطاع الولاية. وفَهِم الحنفيّة أنّا إذا تركناهم وما
يَدينون ذمةً لنا فَحُكُمُهم في دارنا كحكمهم في دار الحرب فَتَرْكُهم وما يَدينون. وراجع الهداية
من نكاح الكافر، ومن العِدَّة من نكاحِ أهلِ الشِّرك فإنّه أهمُّ ويَحتاج إلى تحريرِ المقام.
تنبيه
واعلم أنّ الصِّحة والفساد من أحكام الدنيا، والحِلَّ والحُرْمة من أحكام الآخرة، فالأقوال
الثّلاثة في الحلّ والحرمة .
٨ - بابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((يَسْتَرُّ)).
٨٨٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّه قالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِيَ، أَوْ عَلَى
النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ)). [الحديث ٨٨٧ - طرفه في: ٧٢٤٠].
٨٨٨ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قالَ: حَدَّثَنَا شُعَيبُ بْنُ الحَبْحَابِ:
قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسِّ قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ)).
٨٨٩ - حدّثنا مُحَمدُ بْنُ كَثِيرِ قالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَن مَنْصُورٍ وَحُصَينٍ، عَنْ أَبِي

٤٢٢
كتاب الجمعة
وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ: ﴿ لَهَ إِذَا قامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ فَاهُ. [طرفه في: ٢٤٥].
وهذا الحديثُ لمّا كان على شَرْطه فكان المناسب له أن يُخَرِّجه في أبواب الوضوء لأنَّه
من سُنَن الصَّلاة والوضوء على اختلاف الأصلين. ومع هذا لم يُخَرِّجه فيه وراجع الكلام في
أبواب الوُضوء، ومُرادُ الحديث أنّي مأمورٌ بالسّواك ولولا مَخافةُ المشقّةِ لأَمَرْتُكُم به أيضًا كما قد
أُمِرْت.
٩ - باب مَنْ تَسَوَّك بِسِوَاكِ غَيرِهِ
٨٩٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ:
أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ
سِوَالٌ يَسْتَقُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ، فَقُلتُ لَهُ: أَعْطِنِي هذا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الَرَّحْمُنِ،
فَأَعْطَانِيهِ، فَقَصَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللّهِ إِلَهِفَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مستندٌ إِلَى صَدرِي.
[الحديث ٨٩٠ - أطرافه فى: ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧،
٦٥١٠].
ولو بَوَّب به في أبواب الوضوء لكان أَحْسَن، فإنّ هذا البابَ ليس له كثيرٌ تَعَلّقٍ مع أبواب
الجمعة، وهو جائزٌ عندنا أيضًا إذا لم يُوجِب كراهةٌ، سِيَّما إذا كان القصدُ تحصيلَ التبرّك وكان
المحلّ صالحًا .
١٠ - باب ما يُقْرَأُ في صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٨٩١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا سَفيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ،
هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الأعرَجَ، عَنِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يَقْرَأْ فَي
الجُمُعَةِ، فِي صَلَاةِ الفَجْرِ ﴿الَّمَ ﴿﴿ نَزِيٌ﴾ السَّجْدَة، وَ ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾. [الحديث ٨٩١
- طرفه في: ١٠٦٨]
وفي ((البحر)) أنّه يَنْبَغِي المُراعاة في القراءة للسُّوَر المسنونة.
١١ - باب الجُمُعَةِ في القُرَى وَالمُدُنِ
٨٩٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عامِرِ العَقَدِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
ظَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ
في مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿، في مَسْجِدٍ عَبْدِ القَّيسِ، بِجُوَائَى مِنَ الْبَحْرَينِ. [الحديث ٨٩٢ -
طرفه في: ٤٣٧١]
٨٩٣ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدِ المَرْوَزِيُّ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنَا سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قال: سمعتُ

٤٢٣
كتاب الجمعة
رَسُولَ اللَّهِن ◌َِّ يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاع)). وَزَادَ اللَّيتُ: قالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيقُ بْنُ حُكَيمٍ إِلَى
ابْنِ شِهابٍ، وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى: هَل تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزَيقٌ عامِلٌ عَلَى أَرْضٍٍ
يَعْمَلُها، وَفِيها جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيرِهِمْ، وَرُزَيقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ،
وَأَنَا أَسْمَعُ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ: أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِغْتُ
رَسُول اللَّهِلَّهِ يَقولُ: ((كُلَّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَهُّوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فَيّ بَيتِ زَوْجِها
وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهاً، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). قالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ
قَدْ قالَ: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ في مالِ أَبِيهُ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلَّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).
[الحديث ٨٩٣ - أطرافه في: ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨].
ولم يُترجم لهذه المسألة إلا البخاريّ وأبو داود.
واعلم أنّ القرية والمِصْر من الأشياء العُرْفِية التي لا تكاد تَنْضَبِط بحالٍ وإن نُصَّ، ولذا
ترك الفقهاء تَعريفَ المِصْر على العُرْف كما ذكره في ((البدائع)) (١)، وإنما تَوَجّهوا إلى تحديد
المِصْر الجامع، فهذه الحدود كلَّها بعد كونها مِصْرًا. فإِنَّ المِصْر الجامع أخصُّ من مُظْلق
المِصْر، فقد يَتَحَقَّق المِصْرُ ولا يكون جامعًا. ورأيتُ في عبارة المتقدّمين أنّهم إذا ذَكروا
الاختلاف في حدود المِصْر يَجعلونه في الجامع، ويقولون: اختلفوا في المِصْر الجامع الخَ،
فَتنبهت منه أنّهم لا يَعْنُون به تَعريفَ مُطْلق المِصْرِ، والنّاس لما لم يُدْرِكوا أمرَهم طعنوا في تلك
الحدود. فمنها ما قال ابن شجاع: إذا كان أهلُها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم
يَسَعْهم ذلك. فقالوا: إنّه يَصْدُق على أكثر القرى ولا يصدق على المسجد الحرام - أعزّه الله
وأدام حُرْمَته - فنقضوا عليه طَرْدًا وعَكْسًا ولم يَتفقّهوا مُراده أيضًا، فإِنَّ هذا التعريفَ ليس للمِصْر
بل للمِصْر الجامع .
وحاصله أنّ المِصْر الجامع هو الذي يَكْثُر أهله بحيث لا تَسَعُهم مساجدهم فَيَحتاجون إلى
بناء مسجدٍ آخر يَسَعُهم، وهو الذي بناه صاحب ((العناية)) فقال: قال ابن شجاع: أَحْسَنُ ما قيل
فيه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يَسَعْهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء
مسجدٍ آخر للجمعة، وهذا الاحْتِياج غالبٌ عند اجتماع من عليه الجمعة اهـ. فَفَكِّر في لفظ
حتى احتاجوا الخ فإِنَّه ليس عند عامّتهم مع أنّه لا يحتاج إليه إلاّ أنّه يُفيدُك في تحصيل المراد.
ويُستفاد منه ما قلنا من أنّ الحدّ المذكور فيمن وجبت عليهم الجمعة فاحتاجوا إلى بناء مسجد،
لا فيمن لم تجِب عليه الجمعة بعد وهم بِصَدَد إقامتها فجعلوا يُقدِّرون مساجدهم هل تسعُهم أو
(١) عن سفيان الثوري: المصْرُ الجامع ما يَعُدُّه النّاس مِصْرًا عند ذِكْر الأمصار المطلقة، كذا في البدائع. وبالجملة
الحدود كلُّها رُسومٌ على اصطلاح أهل العقول فهي إذن بالعَوارِض، وتلك تَتَبَدَّل بحسب الأدوار والأعصار، فَلَزِم
أن يختلِف تعريفُ المِصْر أيضًا، وليس من قَبيل الحدود المَنْطِقِيَّة لِتَطَّرِد وتَنعكِس في الأزمان كلُّها، والله تعالى
أعلم بالصواب.

٤٢٤
كتاب الجمعة
لا؟ وهذا أيضًا باعتبارِ الأغلب، فإِنَّه وَسِعهم أو لم يَسَعْهم ثمّ لم يَبْنوا مسجدًا آخر فإنّه لَا يَخْرُج
عن كونه مِصْرًا، بشرط إن كان مِصْرًا من قبل وكانت الجمعة واجبةً عليهم. ولعلك قَطعتَ النّظر
عمّا يَقعُ في الخارج ونزلتَ إلى العبارات فقط ولذا وقعتَ في الخَبْط ولو رَاعَيْتَ الحال في
الخارج لما تَردّدتَ فيه فإنّهم يفعلون في الخارج كذلك، فإِذا كَثُر أهلُ قريةٍ لم تَسَعْهم مساجدهم
فإنهم يحتاجون إلى بناء مسجدٍ يَجْمعون فيه.
وأَوْلى الحدودِ ما رُوي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كُلّ بلدةٍ فيها سِكَكٌ وأسواقٌ ولها
رَساتيق ((وترجمته باندى))، ووالٍ يُنصِف المظلوم من ظالمه، وعالم يُرجَع إليه في الحوادث.
وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى وذَكَرَه أصحابُ المتون: أنَّه كلَّ مَوضع له أميرٌ وقاضٍ يُنفِّذ
الأحكام ويُقيم الحدود، وهذا الحدّ ناظرٌ إلى ما في ((الدُرّ المختار)) من كتاب القضاء أنّ المِصْر
شرطٌ لِنَفاذ القضاء في ظاهر الرِّواية، فالقضاة لا يُنصَبون إلاّ في المِصْر عندنا، ولذا عَرّف به
أصحابُ المتون. فإِن قُلتَ: وعلى هذا ينبغي أن لا تَجِب الجُمُعات على أهلِ المِصْر أيضًا في
هذا العَصْر لِعَدم صِدْقِ الحدِّ المذكور، فأين القضاة، وأين إقامة الحدود؟ قُلتُ: وقد صَرّح
أصحابُنا أن المُلك إذا صار دار الحرب يَجْمَع بهم مَنِ اتّفق عليه القومُ، هكذا في المبسوط
والشامي.
٨٩٢ - قوله: (بِجُواثَى من البحرين) وعند أبي داود قريةٌ من قُرى البحرين، واحْتَجّ به
القائلون بإقامة الجمعة في القرى. قلت: كيف وجُوَاثَى لم تكن قريةً أصلًا بل كانت مِصْرًا. وفي
الصّحاح: أنّ جُواثًا حِصْنٌ بالبحرين، وهو الذي يُعْلم من أشعار الجاهليّة فيقول امْرُؤُ القَيْس:
وَرُحْنا كأنّا من جَوَاثَى عَشِيّةً نُعاني النِّعاجِ بين عِدْلٍ ومِحْقَبٍ
فإِنَّه يُشَبِّهه حال رُجوعه من الاصْطِياد بحال التّجار عائدين من جُواثَى مَلآنَةٌ أَخْرَاجُهُمْ من
أنواع الأمتعة فَعُلم أنّها كانت مَتْجَرًا لهم وكان أَسْلَمَ أهلُها، ثمّ إذا ظهر الارْتِدَاد في قبائل
العرب بعد النَّبِيّ ◌ََّ حاصَرَهم الكفّار، فقال قائلٌ منهم وكان مَحْصورًا من عَساكِرِ الرِّدة يُخاطِب
أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه:
وفتيانَ المدينةِ أَجْمَعينا
ألا أبْلِغ أبا بكرِ سلامًا
قُعودٍ في جُوَاثَى مُحْصَرينا
فهل لكم إلى قوم ضِعافٍ
دماءُ البُذْنِ تَغْشَى النّاظِرِينا
كأنّ دِماءَهم في كُلّ فَجِ
ويقول آخر :
والمِنْبَرانِ وَفَصْلُ القولِ بالخُطَبِ
والمسجِدُ الثّالث الشّرْقيُّ كان لنا
إلَّا بِطِيبَةَ والمَحْجُوجِ ذي الحُجُبِ
أيّامَ لا مِنْبَرَ في الناس نَعْرِفُه
يشير إلى المنبر بِجُواثى، أما كونها قرية فهو كما في القرآن: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ
مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فأطلقت على مكة أيضًا شرَّفها الله تعالى ثُمّ إن أهل السِّيرَ
صرَّحوا بأن هذا الوَفْدَ قد حضر المدينةَ مرتين: مرةً في السنة السادسة، ولعلها واقعةٌ تلك السنة،

٤٢٥
كتاب الجمعة
وأُخرى في الثامنة، وقَدِّر في نفسك أنه كم تكون البلادُ التي دخل إِليها الإِسلام في تلك المدة.
ثم يقول الراوي: ((إنَّ الجُمعَة فيهم كانت أولَ جُمعةٍ بعد جُمْعةِ رسولِ اللهِ وَلَه. فلو كانت
الجُمُعاتُ تُقام في القُرى الصغيرة، وفي العشرين والأربعين من الرجال كما قالوا. كيف جعلها
أولَ جُمعةٍ؟ ألم تكن في تلك المدةِ قريةٌ أسلم من أهلِها عشرون نفسًا؟ فهذا من القرائن الدالة
على أن لا جمعةً في القُرى. ولنا أيضًا ما في البُخاري -: ((مَنْ أحبَّ أن ينتظرَ الجمعةَ من أهل
العوالي فَلْيَنْتَظِرِ، ومَنْ أَحب أن يرجع فقد أَذِنْتُ له)).
قوله: (وزاد الليث: قال يونسُ: وكتَب رُزَيْقُ بنُ حُكَيم إلى ابن شِهاب ـ وأنا معه يومئذٍ
بِوَادِي القُرَى: هل ترى أن أُجَمِّع؟ ورُزَيقٌ عامِلٌ على أرض يَعْمَلُها وفيها جماعةٌ من السودان
وغيرهم، ورُزَيقٌ يومئذٍ على أيْلَةَ، فكتب ابن شهاب - وأنا أسمعُ - يأُمُرُهُ أن يُجَمِّع) ووادي القُرى
في الجانب الغربي من العرب، وهناك قريةُ شُعَيب عليه الصلاة والسلام. ويونس من سكان أَيْلَة.
قوله: (ورُزَيقُ عَامِلٌ ... إلخ). يعني كان واليًا على أَيْلَةَ، ولم يكن إذ ذاك فيها، بل كان
في أطرافها ونواحيها يحييها، فكتب إلى ابن شِهاب من نواحي أيْلَة إلخ.
قلت: أولًا: يمكن أن يكون ذلك الموضعُ من فِنَاءِ المِصْر، ولا تحدید فیه عندنا، بل
يُصغَّر الفِناء ويكبر بحسب صِغَر المِصْر وكِبَرِهِ. فقد يكون الفِناء إلى أميال. وقد ألف فيه صاحب
((مراقي الفلاح)) رسالة ولم تطبع.
ثم إنَّ هذا السائل لعلَّه لم يسأله عن مسألة القرية والمصر، بل عن مسألة أخرى: وهي
اشتراط الإِذْن من الأمير لإِقامة الجمعة. وكان مذهبُ عمر بن عبد العزيز اشتراط الإِذن لها .
ولما كان رُزَيقٌ عاملًا له على أَيْلَة، زعم أن إذْنه بإقامةِ الجمعة يمكن أن يكون مقصورًا عليها،
ولا يتجاوز إلى ما حواليها، فحقّقها، أَنَّ هلِ له إذنٌّ في إقامة الجُمُعات في حوالي تلك المدينة
أم لا؟ فأجابه أن وِلايَتَك كما انسحبت على أَيْلَة كذلك على ما حواليها أيضًا، فيجب عليك أنْ
تتعهد فرائِضَهم وتراعي رعايتهم، لأنَّ كُلَّكُم راعٍ وكَلَّكُم مسؤولٌ عن رعيتِه. فتمسَّك بهذا الحديثِ
العام.
وحاصل الحديث عندي: أن الإِنسان لا يخلو مِن نحو رعاية، فلو لم يكن له أحدٌ تجِب
عليه رعايةُ نفسه ويُسأل عنها. ولعلك فهمت منه أن الحديث المذكور لما كان في مسألة الإِذْن،
لم يناسب إخراجه في تلك الترجمة، فإِنها في مسألة أخرى، بل هو أقربُ إلى مسألة الاستئذان،
لأنه ورد في باب الولاية والرعاية لا للفَرْق بين القُرى والأمصار.
وهذا يَدُلّك ثانيًا: أن رُزَيقًا أراد الاستئذان للجُمعة دون إقامة الجُمعة في القرى، كيف!
وقد ثبت عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه - بإِسنادٍ على شرط الشيخين - عند عبد الرزاق أنه: ((لا
جُمُعةً ولا تشريقَ إلا في مِصْر جامع)). والنووي أخرجه بإِسنادٍ ضعيفٍ وحَكَم عليه بالضَّعْف مع
أن له إسنادًا يَشْرُقُ كشروق شمس الضحى. وبه يقولُ حُذيفةُ اليماني رضي الله تعالى عنه. وأما
أَثَرُ عمر رضي الله تعالى عنه: ((جَمِّعُوا حيثُ ما كنتم)) فخطابٌ للولاة، وكانوا يكونون في
الأمصار دون القرى .

٤٢٦
كتاب الجمعة
ومن ههنا فأدرك السِّر في اختلافهم في إقامة الجُمعات في القرى مع كونها من متواترات
الدين. وذلك لأنَّ الأمراء إذ ذاك كانوا في الأمصار وكان الناس مجتهدين في العمل فكانوا
يصلونها مع الأمراء ولا يتخلفون عنها، فلما ظهر التواني في الأحكام ولم يرغب الناس في
أدائها في الأمصار وجلسوا في قراهم ظهر الخلاف: فذهب ذاهبٌ إلى أن عدمَ أداءِ السَّلف في
القرى كان مبنيًا على نفيها في القرى، وذهب آخرون إلى أن ذَهابهم إلى الأمصار كان
الحوائجهم على عادة أهل البوادي وإن كانت الجمعةُ جائزةً بقراهم أيضًا، وهما نظران للأئمة
رحمهم الله تعالى.
وأما ما رُوي عن أنس رضي الله تعالى عنه: ((أنه كان يُجمِّع وقد لا يُجَمِّع فمعناه أنه كان
يُجمِّع حين ورد البصرة، وإذا أقام بقريةٍ لا يُجمِّع، وهذا عين ما قلنا لا أنه كان يُجمِّع، وهو في
قرية. وأما ما يأتي من أثر عطاء عند البخاري رحمه الله تعالى قال: ((إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ
ونُودي بالصلاة من يوم الجُمعةِ، فَحقٌّ عليك أَن تَشْهَدَها سمعتَ النِّداء أو لم تَسْمَعْه)). فهو
صريحٌ لمذهبنا لأنَّه نُقِلَّ فيه الحافظ رحمه الله تعالى زيادةً عن عبد الرَّزَّاق، وفيه: قلت لعطاء:
((ما القريةُ الجامِعة؟ قال: ذاتُ الجماعة، والأمير، والقاضي والدُّور المجتمعة، الآخذُ بَعْضُها
ببعضٍ مِثْل جدة(١). اهـ. وهذا يدل أن اصطلاح الجامعة قد كان فشا فيهم، ولذا قلت: إنهم
بصددِ حَدِّ المِصر الجامع (٢).
١٢ - باب هَل عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ
منَ النِّساءِ وَالصّبْيَانِ وَغَيرِهِمْ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّما الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيهِ الجُمُعَةُ.
٨٩٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ و ◌َلِ يَقُولُ:
((مَنْ جاء مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلَيَغْتَسِل)). [طرفه في: ٨٧٧].
٨٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لْ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ)). [طرفه في: ٨٥٨].
(١) يقول العبد الضعيف: وما أقربَ هذا إلى ما نُقِل عن إِمامنا رحمه الله تعالى اهـ.
(٢) يقول العبد الضعيف: قال الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى: والقاطع للشغب أن قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ٩] ليس على إِطلاقه اتفاقًا بين الأُمَّة، إِذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعًا، ولا في كلِّ قرية عنده، بل
بشرط أن لا يَظْعن أهلُها عنها صيفًا ولا شتاء، فكان خصوص المكان مرادًا فيها إجماعًا، فَقَدَّر القرية الخاصَّة،
وقدَّرنا المِصْر، وهو أولى لحديث عليٍّ رضي الله عنه، ولهذا لم يُنقل عن الصحابة رضي الله عنهم حين فتحوا البلاد
أنهم اشتغلوا بِنَصْب المنابر والجمع إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان لنُقِل ولو آحادًا. اهـ.

٤٢٧
كتاب الجمعة
٨٩٦ - حدّثنا مُسْلم بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ،
أُوَتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهذا اليَوْمُ الذي اخْتَلَفُوا فِهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ،
فَغَدًا لِلَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى)). فَسَكَتَ.
٨٩٧ - ثُمَّ قالَ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامِ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ
رأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). [الحديث ٨٩٧ - طرفاه في: ٨٩٨، ٣٤٨٧].
٨٩٨ - رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ
النَّبِيُّ وَّةِ: (للَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا)). [طرفه في: ٨٩٧].
١٣ - بابٌ
٨٩٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّقال: ((ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ)). [طرفه في: ٨٦٥].
٩٠٠ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، قالَ: كانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالعِشاءِ في الجَمَاعَةِ فىِ
المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَها: لِمَ تَخْرُجِينَ، وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَّهُ ذلِكَ وَيَغَارُ؟ قالَتْ: وَمَا
يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِ؟ قالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ نَِّ: ((لَا تَمْنَعُوا إِماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ)). [طرفه
في: ٨٦٥].
يشير إلى أن الغُسْل مسنونٌ ليوم الجمعة أو لصلاتها، والمشهور أنه للصلاة. ومع ذلك
أقول: إنه لو اغتسل أحدٌ للصلاة ثم سبقه الحدث فتوضأ، حصل له الثواب وأَخْرَز الأَجْرَ إن
شاء الله تعالى.
٨٩٤ - قوله: (مَنْ جاءَ مِنْكُم الجُمعةَ فَليغْتَسِل) فدل الحديث على تفصيل في وجوب
الغُسْل يوم الجمعة، وأن الجائي ليس كلاًّ منهم، ولذا قال: ((من جاء)).
قلت: إذا لم يكن ((من)) ههنا للتعميم عند المصنف رحمه الله فكيف أفاده في قوله: ((لا
صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ)) فإِن يأخذِ المصنفُ رحمه الله عمومَه في الأحوال كلِّها من
الانفرادِ والاقتداء، ساغ لنا أن نأخَذَ عمومَه في الأشخاص، أي: من كان من المنفرد أو الإمام
فلا صلاةَ له إلَّا بالفاتحة، ولا بِدْع في أن يكون الخطابُ عامًّا والمخاطبُ خاصًّا، فجاز إرادةٌ
الخصوص مع وُرُود صيغة العموم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَ فَلَ
تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فالخطاب وإن كان عامًّا في الظاهر، لكنه خاصُ بالأولياء بالنظر إلى
أن المخاطبين هؤلاء. وكذلك الخطابُ في حديث: ((ائذنوا للنساءِ إلى المسجد - بالمعنى -
عامٌّ. والمرادُ منه الأزواج فقط. ولعلك عَلِمت أن الخطاب وإن عَمَّ لكن التكليف قد يكون
بالخاصِّ. وحينئذٍ ساغ لك أن تُريدَ بالموصولِ في الحديثِ هُم الذين جازتْ في حَقِّهم القراءةُ.

٤٢٨
كتاب الجمعة
١٤ - باب الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ في المَطَرِ
٩٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ صَاحِبُ
الزِّيادِيِّ، قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمِ مَطِيرٍ: إِذَا قُلتَ: أَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُل: حَيَّ عَلَىِّ
الصَّلَاةِ، قُل: صُّلُّوا فَّ بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ
الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَن أُخرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطَّينِ وَالَّحَضِ. [طرفه في: ٦١٦].
وهو المسألة عندنا، غيرَ أنك مأمورٌ بالاستفتاءِ عن قلبك.
١٥ - بابٌ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:
٩]. وَقَالَ عَطَاءٌ: إذَا كُنْتَ في قَرْيَةٍ جامعَةٍ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيكَ
أَنْ تَشْهَدَها، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ. وَكانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَصْرِهِ أَحْيَانًا
يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَينٍ .
وهذه مسألة أخرى غير مسألة القرية والمِصْر، وهي أن الجمعة إذا وجبت في مصر بشرائطها
فعلى مَن يجبُ شهودُها؟ ومَن كان في حواليها؟ وفيها عدة أقوال للحنفية بسطها الشُرُنْبلالي في
رسالته («تحفة أعيان الغِنى في أحكام الفِنا)) منها: أنها تَجِب على أهل هذا البلد فقطٍ ولا تجب
على مَنْ حوله من القرى قريبةً أو بعيدةً. والمختار عندي أنها واجبة على مدى صوت الأذان،
وهذا في خارج المصر. أما في المِصْر فلا يشترط سماع الأذان أصلًا. وعن أبي يوسف أن
الجمعة على مَنْ آواه الليل إلى أهله، وهي المسافة الغدوية. قلت: وهو أَعْسَرُ في العمل.
قوله: (قال عطاء ... ) إلخ. وقد مَرَّ أن عطاء يقول بعين مذهب الحنفية، والعجب من
المصنف رحمه الله أنه حذف تلك القطعة .
قوله: (سَمِعْت النِّدَاءَ أو لم تَسْمَعْه) وهذا لداخلِ البلد. وما قلت من وجوب الجمعة على
مَنْ سمع النداء فهو للخارج عن البلد، وإليه يشير قوله تعالَى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ﴾ [الجمعة: ٩]،
ثُم قد مَرَّ معنا التنبيهُ على أنَّ عطاء تابعيٍّ، وقد قَيَّدَ القرية بالجامعة. فدل على أن اصطلاح
الجامعة قد كان ساريًا (١) في زمنهم أيضًا.
(١) وقد ذكره الترمذي في موضعين من كتابه الأول في باب: المعتكف يَخْرُج لحاجته أم لا؟ قال: ورأوا للمعتكف
إذا كان في مصر يُجمَّعُ فيه أن لا يعتكف إلَّا في المسجد الجامع. والثاني في باب: الذبح بعد الصلاة من
الأضاحي. قال: والعملُ على هذا عند أهل العلم أن لا يضحي بالمِصْر حتى يصلي الإِمام، وقد رَخَّص قومٌ من
أهل العلم لأهل القُرى فيِ الذبح إذا طلع الفَجْر. اهـ. قلتُ: وذلك لأنه لا صلاةً عليهم. فهذه العبارة تدل على
الفرق بين القرية والمِضْر.
:

٤٢٩
كتاب الجمعة
قوله: (وكان أنسُ رضي الله عنه) وقد مَرَّ أنه موافق للحنفية وليس تَجْمِيعُه في قَصْرِهِ.
قلت: وقد أخرج الحافظ عن ابن أبي شيبة أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية، وهي على
فَرْسَخَيْن من البصرة. وهكذا في ((مصنف)) عبد الرزاق كما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى
أيضًا .
٩٠٢ - حدّثنا أَحْمَدُ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ،
عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبِيرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّنَِّ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمْعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِي، فَيَأْتُونَ
في الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ
وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هذا)).
٩٠٢ - قوله: (كان الناسُ يَنْتَابُونَ). وقد مرَّ التنبيه على لفظ الانتياب وأنه لا يفيد المجيءَ
متواليًا. وغَلِط صاحبُ ((الصراح)) في ترجمته (بيابي آمدن) فإِنه قَطَع النظر عن الأفعال المتخللة
في البين، ووصل الفعل من الفعل، وجعل الكُلَّ في سلسلة واحدة، فترجم بِلَفْظِ دَلَّ على
التوالي. ومعناه عند التحقيق الحضورُ نوبةً بعد نوبة، فإِن شهدوا الجمعة فذاك، وإِلَّا صَلُّوا في
بيوتهم الظهر. ولو كانت الجمعةُ عزيمةً على أهل القُرى لشهدوها البتة. وقد أقرَّ القرطبي شارح
مسلم بكونه حجةً للحنفية .
١٦ - بابٌ وَقْتُ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
وَكَذلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيثٍ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ.
٩٠٣ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَناَ يَحيى بْنُ سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَأَلَ
عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عائشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: كانَ النَّاسُ مَهَنةً
أَنْفُسِهِمْ، وَكانواَ إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: (لَوِ اغْتَسَلتُمْ)).
[الحديث ٩٠٣ - طرفه في: ٢٠٧١].
٩٠٤ - حدّثنا سُرَيجُ بْنُ النُّعْمَانِ قالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ عُثْمانَ الثَّيمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْن مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كانَ يُصَلِّي
الجُمُعَةَ حِيَّن تَميلُ الشَّمْسُ.
٩٠٥ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسِ قالَ، كُنَّا
نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [الحديث ٩٠٥ - طرفه في: ٩٤٠].
ووقتُها عند الجمهور وقتُ الظهر، وعند أحمد رحمه الله تجوز في وقت العيدين أيضًا،
لأنها أيضًا من أعياد المسلمين فتصح في الضحوة، ونُسِب إلى ابن الزُّبير رضي الله عنه أيضًا،
قال ابن تيمية: إنه كان كثيرَ التفردات. ونحوه نُسِب إلى ابن مسعود رضي الله عنه. قلت: وهذه

٤٣٠
كتاب الجمعة
النسبة لا تصح إليهما وقد كشفتُ عنه، ولا تَمَسُّك في لفظ الرواح، لما مَرَّ أن المسائل لا تُبنى
على اللغة ما لم يشهد بها العملُ.
وأما قوله: ((ونَقِيل بعد الجُمُعَةِ)) فلا دليل فيه، والتمسُّكُ به سحابةُ صيفٍ، ومعناه عند
الجمهور أنهم بعد أداء الفجر لا يرجعون إلى بيوتهم ويجلسون في انتظار الجُمعة، فإِذا قَضَوها
ورجعوا إلى بيوتهم طَعِموا وقالوا، أي القيلولة الفائتة، فهو كقولهم: اتزرتُ السَّراويل.
١٧ - بابٌ إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٠٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
خَلدَةَ، هُوَ خالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قالَ: سَمِغْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ
بَكْرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي الجُمُعَةَ. قالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيرٍ: أَخْبَرِنَا أَبُو
خَلدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالٍ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُوِ خَلدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا
أَمِيرٌ الجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ لأَنَسِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: كَيفَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟
وفي العيني: أنه لا إبراد في الجُمعةِ. وفي ((البحر)): أن فيها ذلك. والأرجح عندي ما
اختاره العيني رحمه الله.
قوله: (وإذا اشتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بالصلاةِ، يعني الجُمُعَة). قلت: والحديث عندي وَرَدَ في
الظهر، وأجراه الراوي في الجُمعة من عند نفسه، لأنه ورد في الجمعة من جهة صاحب الشرع،
والله تعالى أعلم، فهو إذن إلحاقٌ بالقياس.
١٨ - باب المَشْي إِلَى الجُمُعَةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَمَنْ قالَ: السَّعْيُ العَمَلُ
وَالذَّهَابُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: يَحْرُمُ البَيْعُ حِينِئِذٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعاتُ كُلَّهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ مُسافِرٌ، فَعَلَيهِ أَنْ يَشْهَدَ.
٩٠٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي
مَرْيَمَ قالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍٍ، وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ)). [الحديث
٩٠٧ - طرفه في: ٢٨١١].
٩٠٨ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: قالَ: حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ُلِّ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ يَقُوَّلُ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا

٤٣١
كتاب الجمعة
تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَما فاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا)). [طرفه
في: ٦٣٦].
٩٠٩ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَك،
عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قال أبو عبد الله: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قالَ: ((لَا تَقُومُوا حَتَّىَ تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ)). [طرفه في: ٦٣٧].
جزم أنَّ العَدْوَ ليس بواجبٍ فَعَبَّر بالسَّعْي عن المشي وإنْ كان السَّعْيُ في اللغة بمعنى
العَدْو، وإذا كانت صلتُهُ ((إلى)). وإنما عَبَّر عنه بالسَّعْي على معنى عدم الاشتغال بأَمْرٍ سواها.
قلت: واختلاف المعاني باختلاف الصِّلات ليس بِمُطَردٍ عندي، فلا تُبْنِىَ عليها المسائلُ.
قوله: {وقال ابن عباس رضي الله عنه: ((ويَحْرُمُ البيعُ حِينَئذٍ) وفي ((الهداية)) في باب
الجمعة: أن الصناعاتِ كلّها حرامٌ في هذا الوقت. وفي مكروهات البيع: أنها مكروهٌ تحريمًا.
فلا أدري أهو من اختلاف النظر، أَم نشأ مما نُقِلَ عن محمد رحمه الله أَنَّ كُلَّ مكروهٍ تحريمًا
حرامٌ؟ وقال الشيخ ابن الهُمام رحمه الله: إنَّ كلَّ نهي لغيره فهو لكراهة التحريم وإن كان قطعيًا .
قلت: وهذا لا يمشي في الخُلْع، أما المصنف رحمه الله فاختار الحرمة.
٩٠٧ - قوله: (مَن اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ) قد استقرَّ أئمةُ الحديث على أنه متى ورد لفظ ((في سبيل الله))
فهو في الجهاد. ولذا ترجم به الترمذي في الجهاد، وحَمَل الصيامَ في سبيل الله على الجهاد.
وترجمة البخاري تشيرُ إلى تعميمهِ شيئًا. واختُلِف في تفسيره بين الحنفية، فقيل: هو مُنْقَطِع الغزاة.
وقيل: مُنْقَطِع الحاجِّ. قلت: بل هو أعمُّ منهما نظرًا إلى صَلوح اللغة. نعم، كَثُر استعمالُه فيهما،
فساغ أن يكون عامًّا في الحديث(١) أيضًا كما أراده المصنف رحمه الله. وإِن أخذنا رأي الترمذي
وغيرِهِ، فلعل المصنِّفَ أَلْحَقَ الجمعةَ بالجهاد، فتمسك لها بما ورد في الجهاد.
١٩ - بابٌ لاَ يُفَرَّقْ بَيْنَ اثْنَينِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩١٠ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنٍ وَدِيعَة، عَنْ سَلمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: (مَنِ
اغْتَسَلَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَّهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ ظُهْرٍ، ثُمَّ اذَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمَ
يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَينٍ، فَصَلَّى ما كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَّهُ ما بَينَهُ وَبَينَ
الجُمُعَةِ الأُخْرَىَ)). [طرفه في: ٨٨٣].
لأن الجمعة جامعةٌ للجماعات، فلا يُفَرِّقُها بالتَّخَطّي لأَنَّ فيه معنى التأذِّي.
(١) قلتُ: أخرج الترمذي في الجهاد في باب: مَن اغْبَرَّت قدماه في سبيل الله، عن يزيد بن أبي مريم قال: ((لَحِقَتِي غبايةُ بن
رِفَاعة بن رافع وأنا ماشٍ إلى الجمعةِ، فقال: أَبْشِر فإِن خُطاك هذه في سبيل اللَّهِ، سمعتُ أبا عياش يقول: قال رسول الله صل} :
(مَن اغْبَرَّت قَدَماه في سبيلِ اللَّهِ فهما حرامٌ على النَّارِ». اهـ. ففيه دليلٌ على ما رامه البخاريُّ من التعميم.

٤٣٢
كتاب الجمعة
٩١٠ - قوله: (فَصَلَّى ما كُتِبَ لَهُ) وتَمَسَّك به الحافظ ابن تيميةٍ على نَفْي السُّنَنِ القبلية يوم
الجمعة، وأنه لا تحديدَ فيها، بل هي في خِيرَةِ الرَّجُل كم أَدْرَكَ صَلَّى. قلت: ولنا ما في قِصَّة
سُلَيْك: ((أركعت الركعتين قبل أن تجيءَ)) - بالمعنى - كما عند ابن ماجه وسنذكره. فهو مَحْمُولٌ
على السُّنةِ القَبْلية دونَ تحيةِ المسجد.
٢٠ - بابٌ لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ في مَكانِهِ
٩١١ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قالَ: أَخْبَرنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ قالَ:
سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: نَهى النَّبيُّ ◌َ﴿ أَنْ يُقِيمَ
الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مِقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فيه. قُلْتُ لِنَافِعِ: الجُمُعَةَ؟ قال: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. [الحديث
٩١١ - طرفاه في: ٦٢٦٩، ٦٢٧٠].
ويَقْعُدَ بالنصب أولى ليفيدَ النَّهيَ عن المجموع.
٢١ - باب الأَذَانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩١٢ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حدّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ یَزِيدَ
قالَ: كانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمامُّ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَأَبِي
بَكْرٍ وَعُمَرَ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ، وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ
الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: الزَّوْراءُ مَوْضِعُ سُوقٍ بالمَدِينَةِ. [الحديث ٩١٢ - أطرافه
في: ٩١٣، ٩١٥، ٩١٦].
كان الأذانُ في عهد النبيِّ وََّوصاحبيه واحدًا، ولَعلَّه كان خارجَ المسجد كما عند أبي
داود، فإِذا كَثُر الناسُ زاد عثمانُ أذانًا آخر على الزَّوْرَاء خارجَ المسجد، ليمتنعَ الناسُ عن البيع
والشراء .
والظاهر أن الأذان الثاني وهو الأول انتقل إلى داخلِ المسجد، ثم الأُمة أخذت بِفِعْله
وتعاملوا به واحدًا بعد واحدٍ، إِلَّا ما نَقَلَ أَبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عن بعض أَهل
المغرب: أَنه لا تَأْذِينَ عندهم غير مرة واحدة. ثم إذا تَسَلَّط بنو أمية نقلوا الثالث على المنارة،
والذي كان على عهد النبيِّ بَّ جعلوه في المسجد - أمام الإِمام -(١) ولم أجد على كون هذا
(١) قال القاضي أبو بكر بن العربي: كان على عهد رسول الله ◌َ﴿ أَذانان، فلما كَثُرِ النَّاسُ زمنَ عثمانَ زاد النداءَ
الثالثَ لِيُشْعِرَ الناسَ بالوقت فيأخذوا في الإقبال إلى الجُمعةِ، ثم يخرجُ عثمانُ رضي اللَّهُ عنه، فإِذا جلس على
المنبر أَذَّن الثاني الذي كان أولًا على عهد رسول الله ◌َّ، ثم يخطب فيؤذن الثالث لإقامة الصلاة - فأما في
المشرق فيؤذن كأذان قرطبة، وأما بالمغرب فيؤذن ثلاثةً من المؤذنين لِجَهْل المفتين، فإِنَّهم لما سمعوا أنها ثلاثةٌ
لم يفهموا أن الإِقامة هي النداء الثالث، فجمعوها وجعلوها ثلاثةً غفلةً وجهلًا بالسنة. انتهى مختصرًا، وحينئذٍ فما
في الصُّلْب من كلام الشيخ لعَلَّه سهوٌ من قلمي.

٤٣٣
كتاب الجمعة
الأذان داخلَ المسجد دليلًا عند المذاهب الأربعة إِلَّا ما قال صاحب ((الهداية)) إنه جَرَى به
التوارث، ثُم نَقَله الآخرون أيضًا. ففهمت منه أنهم ليس عندهم دليلٌ غير ما قاله صاحب
((الهداية))، ولذا يلجأون إلى التَّوارث، أما الإِقامة فكانت مِن قبل في المسجد. بقي أذانٌ
الجَوْق: ففي ((الدر المختار)) أنه مُحْدَثٌ.
قلت: وعلى مَنْ يَدَّعِي الإِحداثَ أن يُجيب عما في ((الموطأ)) لمالك ـ ص ٣٦ -: أنهم
كانوا في زمن عمر بن الخطاب يُصلُّون يومَ الجُمعة حتى يخرجَ عمرُ بن الخطاب، فإِذا خرج
عمر وجلس على المنبر وأَذَّن المؤذنون. وقال ثعلبة: ((جلسنا نتحدثُ فإِذا سَكَت المؤذنونَ وقام
عمرُ يخطبُ أَنْصَتْنا فلم يتكلمْ مِنَّا أَحَدٌ)). اهـ فإن قوله: سكت المؤذنون، وأذن المؤذنون،
بصيغة الجَمْع يدلُّ على تَعَدُّدِ الأذانين في عهده رضي الله تعالی عنه.
٢٢ - بابُ المُؤَذِّنِ الوَاحِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩١٣ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاحِشُونُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدُ: أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأُذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ، حِينَ كَثُرَ أَهَلُ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَكِنْ لِلِنَّبِيِّ وَ مُؤَذِّنٌ غَيرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ
يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمامُ، يَعْنِي عَلَى المِنْبَرِ. [طرفه في: ٦١٢].
أي الأذان الواحد. وقد مَرَّ معنا وجه تعبير الأذان بالمؤذن. وهو في ذهن الراوي أن
الواحد لا يُؤْذِّنُ إلا أذانًا واحدًا .
قوله: (إذا جلس على المنبر) وعند أبي داود: أن هذا الأذان كان في عهده ◌َ﴾ عند باب
المسجد، وفي لفظ: على المنارة.
٩١٣ - قوله: (زادَ التأذينَ الثالثَ) أي باعتبار التشريع، وإلا فهو أول باعتبار التأذين به.
والثاني ما كان في عهد النبيِّ بَّرَ، والثالث هو الإقامة. وقد مرَّ معنا التنبيه على أن مَنْصِب
الخلفاء بين الاجتهاد والتشريع، فالمجتهدون يمشون على المصالح المعتبرة، والخلفاء على
المصالح المرسلة أيضًا .
٢٣ - بابٌ يُجِيبُ الإِمامُ عَلَى المِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
٩١٤ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِل قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثمانَ بْنِ
سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ أَبِي أَمامَةً بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ قِالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ
جالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ،َ قالَ:َ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَّةُ: اللَّهُ أُكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،
قالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ
مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا، فَلمَّا أَنْ قَضى التَّأْذِينَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ عَلَى
هذا المَجْلِسِ، حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، يَقُولُ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتي. [طرفه في: ٦١٢].
ومرَّ معنا الأقوال في جواب الأذان عند ذلك مرارًا .

٤٣٤
كتاب الجمعة
٢٤ - باب الجُلُوسِ عَلَى المِئْبَرِ عِندَ التَّأْذِينِ
٩١٥ - حدّثنا يَحْيِى بِنُ بُكَير قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أَنَّ
السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَمَرَ بِهِ عُثْمانُ، حِينَ كَثُرَّ أَهْلُ
المَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأُذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمامُ. [طرفه في: ٩١٢].
كان التأذينُ يومَ الجمعة حين يجلس الإِمام، يعني به أن أذان يوم الجمعة كان على خلافٍ
دأب سائر الأيام، ففي سائر الأيام كان يُقدم شيئًا، وفي الجمعة كان مُتَّصِلًا بالخطبة بدون مُكْثٍ
طويل بعده، وكان خارجَ المسجد على سقف بيت أنصاريّ، وكان للصلاة ولم يكن للخطبة
أذان.
٢٥ - بابُ التَّأْذِينِ عِنْدَ الخُطْبَةِ
٩١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ
الإِمامُ يَوْمَ الجُمعَةِ عَلَى المِنْبَرِ، في عَهْدٍ رَسُولِ اللّهِ مَ﴾ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ
الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذلِكَ. [طرفه في: ٩١٢].
وفي ((الفتح)) عن الطبري: أن هذا الأذانَ كان في زمن عَمرَ رضي الله تعالى عنه أيضًا، إلَّا
أنه لم يكن مُشْتِهِرًا اشْتِهَارَه في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه. إلا أنه حكم عليه بالانقطاع،
ولعل زيادةً عثمان رضي الله تعالى عنه الأذان الثالث كزيادة أذان بلال رضي الله عنه في الفجر.
واعلم أن مفعول القول لا يكون إلا جملة فيلزمه ((إن)) - بالكسر - إلَّ في لغة بني سُلَيم إذا
كان مُصَدَّرًا بحرف الاستفهام، فحينئذٍ يصح أن يكون مفعولُه مُفْردًا .
٢٦ - بابُ الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبَرِ
وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
٩١٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عِبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ القَارِيُّ القُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ بْنُ دِينَارٍ: أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا
سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا في المِنْبَرِ مِمّا عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللّهِ
إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَ﴾
أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ إِلَى فُلَانَةَ، امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ: ((مُرِّي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ
لِي أَغْوِادًا، أَجْلِسُ عَلَّيهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ))، فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَّهَا مِنْ طَرْفاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جاءً
بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َُّ
صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ في أَضْلٍ

٤٣٥
كتاب الجمعة
المِنْبَرِ ثُمَّ عادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بي
وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي)). [طرفه في: ٣٧٧].
٩١٧ - قوله: (ولتعلموا صَلاتي) وأخطأ ابن حَزْم خطأ فاحشًا حيث ذهب إلى أن تلك
الصلاةَ كانت نافلةً، مع أنها كانت صلاةَ الجمعة كما هو منصوصٌ عند البخاري.
٩١٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيِى بْنُ
سَعِيدٍ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسِ: أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ قالَّ: كانَ جِذٌْ يَقُومُ إِلَيهِ
النَّبِيُّ ◌ََّ، فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبِّرُ، سَمِعْنَا لِلْجِذْعَ مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ◌َ
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيهِ. قَالَ سُلَيمانُ، عَنْ يَحْيِى: أَخْبَّرَنِي حَفصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ
جابِرًا. [طرفه في: ٤٤٩].
٩١٩ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ
قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهُ يَخطُبُ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: (مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ فَلَيَغْتَّسِل)). [طرفه
في : ٨٧٧].
وفي ((الفتح)): أن المِنْبر وُضِع له في التاسعة. وثبت عندي في الخامسة. قوله: (كان
جِذْعٌ يقومٌ عليه النبيُّ وَ﴿) أي يتكىءُ عليه. وتسامَحَ الرَّاوي في اللفظ. وظاهر كلام السَّمْهُودِي
أن تلك الجِذْعَ كانت عَمودًا من عُمُدِ الحصة المُسْقَفة يتكىء عليه النبيُّ وََّ، وحينئذٍ يكون
اتكاؤه بطريق الاستناد لا بطريق التأبط .
وعند الدارمي روايةٌ تدلُّ على أنه كان يتكىء بذلك العَمود على الإبط. وقد ثَبت أنَّ
الحَّانَة دُفِنت يوم وُضِع المنبر. وأَقَرَّ المُحَدِّثون أن الخشبة التي قام عليها النبيُّ نَّ في قصة ذي
اليدين كانت هي الحَنَّنة. فثبت أنَّ قصة ذي اليدين قبلٍ بناء المِنْبر. وَوَضْعُ المِنْبرِ ثَبَت عندي في
الخامسة فَثَبت تَقَدُّمُ قصة ذي اليدين، وإذن لا بد أن تكونَ قبل نَسْخ الكلام.
٢٧ - بابُ الخُطْبَةِ قائمًا
وَقَالَ أَنَسٌ: بَيْنَا النَّبِيُّ نَّهُ يَخْطُبُ قائمًا .
٩٢٠ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ قالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يَخْطُبُ
قائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَما تَفْعَلُونَ الآنَ. [الحديث ٩٢٠ - طرفه في: ٩٢٨].
والقيام واجبٌ عند الشافعية، وسنةٌ عندنا.
٢٨ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ الإِمامُ القَوْمَ، وَاسْتِقْبَالُ النَّاسِ الإِمامَ إِذَا خَطَبَ
وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الإِمامَ.

٤٣٦
كتاب الجمعة
٩٢١ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي
مَيُمُونَةَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ جَلَسَ ذَاتَ
يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. [الحديث ٩٢١ - أطرافه في: ١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧] ..
وكان طريق الاستماع عند السلف أنهم كانوا يجلسون للخُطبة كما يجلسون اليوم في
مجالس الوعظ، بدون اصطفاف. وهو الذي عناه الراوي بالاستقبال. ثُمَّ جرى الاصطفاف فيما
بعد. وفي ((المبسوطِ)): أَن الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يستقبل الإِمام ويَصْرِف وَجْهِه
إليه. وهو في الصفِّ، فالسُّنَّة هي الاستقبال. أما الاصطفاف فلا يُحكم عليه بِكَوْنه بدعةً، لأَنه
ثبت أن النبيَّ ◌َ﴿ كان يذهب إلى النِّساء لأَخْذ الصدقة يوم العيدين وهُنَّ في صفوفٍ بعد. فدلَّ
على ثبوت الصفّ أيضًا .
٢٩ - بابُ مَنْ قالَ في الخطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ
رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ.
٩٢٢ - وَقَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قالَ: أَخْبَرَتْنِي
فاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: دَخَلتُ عَلَى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، قُلتُ: ما شَأْنُ النَّاسِ؟ فُأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلتُ: آيَةٌ؟
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَي نَعَمْ، قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، وَإِلَى
جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا ماءٌ، فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّه ◌َ
وَقَذَّ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)) قَالَتْ:
وَلَغَظَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيهِنَّ لِأُسَكِّتَهُنَّ، فَقُلتُ لِعَائِشَةَ: ما قالَ؟ قالَتْ: قالَ:
(ما مِنْ شَيءٍ لَمْ أَكُن أُرِيتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في مَقَامِي هذا، حَتَى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ
إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفتَنُونَ في القُبُورِ، مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ مِنْ - فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ
فَيُقَالُ لَهُ: ما عِلمُكَ بِهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوْ قالَ: المُوقِنُ؛ شَكَّ هِشَامٌ - فَيَقُولُ:
هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ بََّ،َ جاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا واتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا،
فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كَنْتَ لَتُؤْمِن بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ - أَوْ قَالَ: المُرْتَابُ؛
شَكَّ هِشَامٌ - فَيُقَالُ لَهُ: ما عِلمُكَ بِهِذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ
شَيْئًا فَقُلتُ)). قالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فاطِمَةُ فَأَوْعَيتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ ما يُغَلَّظُ عَلَيهِ .
[طرفه في: ٨٦].
٩٢٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِم قالَ:
سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُوَ بْنُ تَغْلِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيَ أْتِيَ بِمَالٍ، أَوَّْسَبْيٍ،
فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنِى عَلَيْهِ،
ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُغْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ

٤٣٧
كتاب الجمعة
الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى
ما جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبُّ)». فَوَاَللَّهِ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي
بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ نَِّ حُمْرَ النَّعَم. تَابَعَهُ يُونُسُ. [الحديث ٩٢٣ - طرفاه في: ٣١٤٥، ٧٥٣٥].
٩٢٤ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيلِ،
فَصَلَّى في المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ
فَصِلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ
اللَّهِ بَيِّ فَصلَّوْا بِصَلَّاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيلَةُ الرَّابِعةُ، عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ
لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضى الفَجْرِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قالَ: ((أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ
يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيْكُمَّ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا)). تَابَعَهُ يُونُسُ. [طرفه
في : ٧٢٩].
٩٢٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ
أَبِي حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنى
عَلَّى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)). تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةً وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أَبِيه، عَنْ أَبِي حُمَيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ)). تَابَعَهُ العَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ،ً في:
((أَمَّا بَعْدُ)). [الحديث ٩٢٥ - أطرافه في: ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧].
٩٢٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ
حُسَينٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرِمَةً قال: قامَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: ((أَمَّا
بَعْدُ)). تَابَعَهُ الزُّبَيدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٩٢٦ - أطرافه في: ٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧،
٥٢٣٠، ٥٢٧٨].
٩٢٧ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ قالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: صَعِدَ النَّبِيُّونَ﴿َ المِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطَّفًا
مِلحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنِى عَلَّيْهِ، ثُمَّ قالَ: ((أيُّهَا
النَّاسُ إِلَيَّ)». فَثَابُوا إِلَيهِ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هذا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ، يَقُلُّونَ وَيَكْثُرُ
النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ◌ٍَّ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا،
فَلَيَقْبَل مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ)). [الحديث ٩٢٧ - طرفاه في: ٣٦٢٨، ٣٨٠٠].
قيل: إن أول مَنْ سُبِقَت عنه تلك الكلمةُ داود عليه السلام، وهي التي عُنيت بقوله تعالى :
﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. قال سيبويه: إن أصله مهما يكن من شيءٍ بعد من الغايات مَبْني على
الضَّم. وللنُّحَاة في ((إِذ)) الشرطية قولان، قيل: إن العامل فيه فِعْلُ الشرط، وقيل: فعلُ الجزاء.
واتفقوا في الظرفية أنَّ العامل فيها فِعْلُ الجزاء.

٤٣٨
كتاب الجمعة
٩٢٤ - قوله: (لكنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) أي جماعةً ومن خصائص الجماعة أنها
تجلِبُ الوجوب، ولذا أمرهم أن يصلوا بها في البيوت. وحينئذٍ لم يخالف ذلك ما مرَّ معنا من
وجوب صلاة الليل، وأنَّ النَّسْخ لم يرد فيها، وإنما ورد التخفيف من التطويل. وأنه تأكد بها
الوثْرُ مع تغيير الشاكلة يسيرًا، لأنه لو كانت تلك الصلاة نُسِخت كما فهموه، لم يكن لخشية
افتراض صلاةٍ نُسِخت معنى. وفي ((الصحيح)) لابن حِبان: ((خَشيتُ أن تُفْرَضَ عليكم الوِتْرُ)).
قلت: الوِتْر فيه بالمعنى العامِّ الشاملِ لصلاة الليل أيضًا، فتنبَّه.
٣٠ - بابُ القَعْدَةِ بَينَ الخُطْبَتَينِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٢٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ قالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قالَ: كانَّ النَّبِيُّ ◌َّهُ يَخْطَبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. [طرفه في:
٩٢٠].
وهي سنةٌ عندنا. وفَرَّق اللغويون بين الجلوس والقعود ولم يستقروا على شيءٍ. ولو ثبت
أن القعودَ يكون من القيام بخلاف الجلوس فإِنَّه من الاضطجاع، لكان مُعتبَرًا ههنا أيضًا.
٣١ - بابُ الاسْتِماعِ إِلَى الخُطْبَةِ
٩٢٩ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابٍ
المَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الذِي يُهْدِي بَدَنَةٌ، ثُمَّ كالَّذِي يُهْدِيَ
بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجاجَةٌ، ثُمَّ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ
الذِّكْرَ)). [الحديث ٩٢٩ - طرفه في: ٣٢١١].
وهو واجبٌ على القومِ. ويجوز للإِمام أن يأمُرَ ويَنْهَى عند الحاجة خلالَ الخُطبة. وللقوم
أن يمنعوا بالإِشارة مَنْ كان يَلْغط.
وذهب أحمد ومالك أيضًا إلى الوجوب. وهو القول القديم للشافعي رحمه الله تعالى.
وفي الجديد: أنه مُستَحبُّ. ومِن تفاريعه وجوبُ الفاتحة على المقتدي، فقد كان يختار أولًا
وجوب الاستماع، ثم رجع إلى وجوب القراءة. ثم إنه لم يأت للقول الجديد إلا بوقائع في
عهده رَُّ لا تخالفُنا أصلًا. وصرَّح الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى - مِنَّا - بجواز الكلام للإِمام
عند الحاجة.
٩٢٩ - قوله: (مَثَلُ المُهَجِّر) والهَاجِرة في أصل اللغةِ لِنِصْف النهار، ثُم أُطلق في التكبير
تَوَسُّعًا، وهو من الصبح عند الجمهور، ومن الزوال عند مالك رحمه الله تعالى. وعند أبي داود -
ص ١٥٠ - في: باب فضل الجمعة في حديث طويل: ((فإِذا جَلَس الرجل مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فيه من
الاستماع والنظر - إلى الإمام - فَأَنْصَتَّ ولم يَلْغُ، كان له كِفْلان من أَجْر، فإن نأى وجلس حيثُ
لا يسمعُ فَأَنصَتَ ولم يَلْغُ كان له كِفْلُ من الأَجْرِ، وإن جَلَس مَجْلِسًا يستمكن فيه من الاستماع

٤٣٩
كتاب الجمعة
والنظر فَلَغا ولم يَنْصِت كان عليه كِفْلان من وِزْر - إِلخ (١) وكِفْلان مِن وِزْر مع اتحاد الشَّرْط في
الصورتين .
٣٢ - بابٌ إِذَا رَأَى الإِمامُ رَجُلاً جاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ،
أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ
٩٣٠ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
جابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ ◌َيِّ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((أَصَلَّيتَ
يَا فُلَانُ؟)) قالَ: لَا، قالَ: ((قُمْ فَارْكَعْ)). [الحديث ٩٣٠ - طرفاه في: ٩٣١، ١١٦٦].
٣٣ - بابُ مَنْ جاءَ وَالإِمامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَينِ خَفِيفَتَيْنِ
٩٣١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جابِرًا قالَ:
دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((أَصَلَّيتَ؟)) قَالَ: لَا، قالَ: ((فَصَلِّ
رَكْعَتَينٍ)). [طرفه في: ٩٣٠].
وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه يَفْعُد كما هو ولا يصلي،
ولا يترك فريضةَ الاستماع والإنصات.
ويقضي العَجَب من الشيخ النووي كلّ العجب حيث نَقَلَ عنِ القاضي عياض أنه هو
مذهبُ (٢) الجمهور من الصحابة والخلفاء الراشدين، ثم قال: إن ما أَوَّل به الخصومُ في قصة
سُلَيك تأويلٌ باطل يَرُدُّه صريحُ الحديث.
(١) يقول العبد الضعيف: هكذا هو في النُّسخة الموجودة عندنا ويُشْكل عليها قوله: ((كِفْل من وِزر)). ثُم تبين بعد
الرجوع إلى النسخة التي في ((البَذْل)) للشيخ الأَجَلِّ الأمجد مولانا الشاه خليل أحمد رحمه الله تعالى وأدخل
الفردوس الأعلى أنه من اختلاف النسخ فكان في نسخة: ((كِفْل من وِزْر))، وفي نسخة أخرى: ((كِفْلان أو كِفْل))
من وِزر فجمع الكاتب بين النسختين في الصلب فأوجب خلطًا وظهر من شرحه أنهما بالترديد عند البيهقي هكذا:
كفلان أو كفل. ويظهر لهذا العبد الضعيف من سياق الحديث أن الأرجح كِفْلان، لأنه إذا تمكَّنَ من الاستماع
والنظر ثُمَّ لَغَا ولم يَنْصِت استحق الوزرين كما لو كان أَنصت ولم يَلْغُ لاستحقَّ الأجرين.
وحاصل الحديث حينئذ استحقاقُ الأجرين بالإِنصات وعدم اللغو عند تَمَكُّن الاستماع والنظر، واستحقاقُ الأَجْر
عند عدمِهِما وهو بالإنصات، وعلى وِزَانه استحقاق الوِزْرَيْن بِتَرْك واجب الإنصات واللغو عند التمكن منهما. وفيه
دليل على وجوب الإنصات كما ذهب إليه الجمهور، والله تعالى أعلم.
(٢) واعلم أن أعظم شيء في فَصْل المسائل وأَبنيّة تَعَامُلُ الصحابة رضي الله عنهم كما عَلِمْته مرارًا، فحينئذٍ إذا كان
تَعَامُل جمهورٍ الصحابة مع عمل الخلفاء الأربعة على تَرْك هاتين الركعتين، فلا ريب في كون مذهبنا أرجحَ
المذاهب، بقي الحديث، فالأمرُ فيه بعد نَقْل التَّعَامُل المذكور سَهْل، فإِن شئت حَمَلْته على النَّسْخ كما هو رأي
العيني رحمه الله تعالى، وإن شئت أبديت له تأويلًا كما ذكره هو أيضًا، أما تقريرُ الأول فعلى ما أقول: إن أمر
الخطبة كان مُوَسعًا في أوائل الإِسلام وذلك مما لا نزاعَ فيه، ثُم تَدَرَّج أَمْرُها إلى التضييق حتى عُدَّ الآمِرُ=

٤٤٠
كتاب الجمعة
وجملةُ المقال في هذا الباب أن هناك أمرين: واقعة سُلَيك، وقول النبيِّ وََّ.
أما واقعة سُلَيك فكما في الأحاديث: أنه دخل ورسولُ اللهِ وَّ يَخْطُبُ يومَ الجمعة،
فقال: ((أصليتَ))؟ قال: لا، قال: ((قُمْ فَصَلِ الركعتين)) - مسلم ..
وأما القول فكما في ((الصحيحين)) بعده: ((إذا جاء أحدُكُم يومَ الجمعة والإِمامُ يخطُبُ
بالمعروف لاغيًا فيها، وذلك معلوم بالتواتر، وإذن نسألُك أن سُنَّة سُلَيك رضي الله عنه وما وقع في قِصَّته من إمساك
=
الخطبة ونزع الناس ثيابهم وصلاته بالركعتين كله يليق بزَمن التوسيع أو بزمن التضييق؟ ولا أراك شاكًّا في أنها أقرب
بزمن التوسيع، فإِنَّ نَزْع الناس ثيابَهُم ونَبْذَهم إليه لا يليق بمجلس الاستماع. وأَوْضَحُ منه ما عند مسلم: قال أبو
رفاعة: ((انتهيت إلى النبي وَلَّ وهو يخطُبُ قال: فقلت: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما
دينُه! قال: فأقبل عليَّ رسولُ اللَّهِ بَّهِ وَتَرَك خطبَتَهُ حتى انتهى إليَّ فأتى بكُرسيِّ حَسِبْتُ قوائمه حديدًا. قال: فقعد
عليه رسولُ الله ◌َّ﴿ وجعلَ يعلمني مما علَّمه اللَّهُ ثم أتى خطبتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَها)). اهـ. فقوله: ((فأتم آخرها» يدل على
البِنَاءِ دون الاستئناف. والظاهر من سياق ((مسلم)) أنه قِصَّة يوم الجمعة، فإِنه أخرجها في تضاعيف أحاديث خطبة
الجمعة فالذي يُظن أنها أيضًا قصة في الأَوائل، كقِصَّة سُلَيك رضي الله عنه .
وبالجملة إذا عَلِمنا توسيعًا وتضييقًا في أَمْرٍ واحدٍ بحسب زمانين، فما يروى فيه مِن التوسيعات كلِّها تُحْمَل على
زمن التوسيع، وذلك معقولٌ وإن عارَضَه مجادل. وهذا السبيل سلكناه في مواضعَ: منها في أَمْر التسبيع مِن سُؤر
الكلب. ومنها: في رَفْع اليدين. ومنها: في الركعتين قبل المَغْرِب. ومنها: في الكلام في حديث ذي اليدين كل
ذلك يليقُ بزمن التوسيع سواء سميته نسخًا، كما هو المشهور، أو قلتَ: إنه كان ثُم اختتم، ولم تتكلم بلفظ
النسخ كما هو ذوق شيخنا قدس سره إلا في حديث ((ذي اليدين)) ألا ترى ما أخرجه مالك في ((موطئه)» عن
ثَعْلَبة بن أبي مالك القُرَظي أنه أخبرهم أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلّون يومَ الجمعة حتى يخرجَ
عمرُ بن الخطاب. فإِذا خرج عمرُ رضي الله عنه وجلس على المنبر، وقام يخطُب أنصتنا فلم يتكلم منا أحَدٌ - قال
ابن شهاب: فخروج الإِمام يقطعُ الصلاةَ، وكلامُه يقطعُ الكلامَ. اهـ. مختصرًا فهذا نحوٌ من الإِجماع على أن
مِن سُنَّة الخُطبة قَطْعَ الصلاة مطلقًا. ولا فرق فيها بين مَنْ كان داخلَ المسجدِ، أو دَخَله حين الخُطبة. والفرق
بين الداخل والآتي إنما وجدَه مَنْ أراد أن يعملَ بهذا الإِجماع على أن مع العمل بسنَّة سُلَيك رضي الله عنه، فلما
تعذّر عليه الجَمْعُ بينهما قَصَر أحاديثَ الإِنصات على مَنْ كان داخِل المسجد، وجعل حديثَ سُلَيك فيمَن دخل
بعد شروعٍ الخطبة .
قلتُ: وهذا تطبيقٌ بين الحديثينِ من جانبه وحَسَب معتقَدِه في المسألة، فإِن كان يسع له أن يَحْمِله على ذكر
فلخصمه أيضاً أن يحمله على ما وَجْه لا ينافي التواتر. والظاهر أن التأويل في قضية جزئيةٍ أيسرٌ من التأويل في
أحاديث متواترةٍ، وهَدْم سُنة من السُّنن المختصةِ بالجمعةِ أَمْرٌ من تَرْك سنةٍ جزئية، لم يظهر لها مناسبةُ بالجمعةِ.
وبعد ذلك نقول: إنَّ الفرق بين الداخل والآتي إنما يليق إذا كان فيه معنى، وإذ ليس فليس لأنا، قد عَلِمنا أن
الدعامة في تلك الأحاديث هي الإنصاتِ والاستماع. ولا شك أنَّ من اشتغل بالركعتين فقد أخلَّ في فريضةٍ
الاستماع سواء كان داخلًا في المسجدِ مِنْ قَبْلَ أو أتى فيه بعد شروعِها، فإن جاز للآتي أن يركَعَ ركعتين وإمامُهُ
يَخْطُب، فللداخل القاعدِ أيضًا أن يركعهما، ولئن فرضنا اشتغالَ الطائفتين بالركعتين لا يكون مَثَل مَنْ خاطبهما
إلا كَمَثَلٍ مَنْ يخاطب مَنْ لا يلزمه الاستماعُ لحديثه .
وبالجملة إن كان الإخلال بالاستماع ممنوعًا، فذلك يستوي فيه الداخلُ والخارج، وإن لم يكن ممنوعًا فقد جاز
للداخل أيضًا أن يركع ركعتين، وإذن لا يبقى لِحديثِ الإنصات مصداقٌ، فإِنَّه إذا جازَ تَرْك الإنصات للداخل ومَنْ
أتى الخطبة أيضًا، فكأنه ارتفع حُكُم هذه الأحاديثِ رأسًا فتفكر وأما تقرير الثاني فكما ستعرِفُه في صلب الكتاب.