Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الأذان وأقضي التعجُّب من هؤلاء الذين يَجْعَلُون المصَنَّف رحمه الله تعالى إمامهم في ذلك، ثم لا يَرَوْنَ إلى فَتْرَتِهِ وشِرَتِهم. وإذا فَتَرَ إمامُهم، فما تُغْنِي عنه شِرَتهم، وأين تقع منه. فلْيُغْمِضُوا أعينَهم، فإن الصبحَ قد انْبَلَجَ لكلِّ ذي عينين. فاعلم أن ههنا مسألتين ينبغي التمييز بينهما . الأولى: رُكْنِيَة الفاتحة، ولا بحثَ فيها عن المقتدي، فهي ركنٌ عند من ذهب إليه سواء كان في حقِّ الإِمام، أو المنفرد، أو المقتدي أيضًا، والجمهور فيها مع الشافعية. والثانية: مسألة قراءة المقتدي، فذهب أبو حنيفة وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى إلى عدم وجوبها في الجهرية، وهو قول القديم للشافعيِّ، ثم اختار القراءة فيهما حين وَرَدَ بمصر قبل وفاته بسنتين. ثم لا أدري هل اختار في الجهرية الوجوب أيضًا، كما يقول به الشافعية، أو الاستحباب فقط. وكان ينبغي للشافعية رحمهم الله تعالى أن يُفْتُوا بقوله القديم، فإن الشافعيَّ رحمه الله تعالى بقي عليه إلى خمسين سنةً من عمره، ولم يَقُلْ بالقراءة في الجهرية إِلَّا في سنتين من عمره. أمَّا في السرية، فقال مالك رحمه الله تعالى باستحبابها فيها، ومنع عنها في الجهرية. وبه قال أحمد رحمه الله تعالى، إِلَّا أنه أجاز بها في الجهرية إذا لم يَبْلُغْه صوتُ الإمام، ولم يذهب أحدٌ إلى وجوبها إلَّا الشافعيّ رحمه الله تعالى. ففي الزَّيْلَعِي و((البناية))، قال أحمد رحمه الله تعالى: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإِمامَ إِذا جَهَرَ بالقراءة، لا تُجْزِئُ صلاة من لم يقرأ. اهـ. وهو في ((المغني)) لابن قُدَامة أيضًا: وقد كان عالمٌ حنبليٍّ قد أَتْحَفَنِي بجزءٍ منه، وقد جاء اليوم مطبوعًا، إِلَّا أنه مملوءٌ من أغلاط الناسخين. وهذا الكتاب من الكُتُب الأربعة التي قالٍ فيها عز الدين بن عبد السلام: أنها من كانت عنده كَفَتْهُ: ((السنن الكبرى)) للبيهقي، و((الْمُحَلَّى)) لابن حَزْم، و((شرح السنة)) للبغوي، و(المغني)) لابن قُدَامة. وفي فتاوى الحافظ ابن تَيْمِيَة: بخلاف وجوبها في حال الجهر، فإنه شاذّ، حتى نَقَل أحمد رحمه الله تعالى: الإجماع على خلافه. اهـ. وكفاك كلام أحمد رحمه الله تعالى بهذا الإشباع، ونَقْلُ ابن تَيْمِيَة الإجماع عنه يَدُلُّ على أن وجوبَ القراءة في الجهرية خلاف الإجماع، أو لم يذهب إليه أحدٌ من أهل الإسلام. وأمَّا الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فالمحقّق عندي من مذهبه: أنه حَجَرَ عن القراءة في الجهرية، وأجاز بها في السِّرية، كما نَقَله صاحب ((الهداية)) عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وإن أنكره الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، حيث قال: لم أجده في ((الموطأ)) وكتاب (الآثار)). قلت: والصواب ما ذكره صاحب ((الهداية)) فإن تَنَاقُل المشايخ بروايةٍ يكفي لثبوتها، ولا يُشْتَرط أن تكون مكتوبةً في الأوراق أيضًا، فقد تكون روايته عن إمام، وتُنْقَلُ على الألسنة، ولا توجد في الكُتُب (١). واختار ابن الهُمَام رحمه الله الكراهةَ تحريماً مطلقًا. وإنما تَنَخَّيْتُ عنه (١) قلتُ: ونظيره ما ذكروه في الفرق بين التحديث، والمُقَاولة، والمُذَاكرة. فإن ما يُؤْخَذُ عن المشايخ بالمُذَاكرة ربما لا يُوجَد عند أكثر تلامذته، بخلاف ما كان في مجلس التحديث، أو الإخبار. ومع ذلك يُعَبِّرُ به في الجملة، مع أن حال روايات الحديث ليس كالرواية عن الأئمة، أو المشايخ. فاعلمه. ٣٤٢ كتاب الأذان لمكان الاختلاف في نقل مذهبنا. وراجع له رسالتي ((فصل الخطاب في مسألة أمِّ الكتاب)). هذا ما سمعتَ حالَ الأئمة، أمَّا حال الصحابة رضي الله عنهم، فالذي يَظْهَرُ بالمراجعة إلى الآثار خصوصًا، لا بإجمال من اختار جانبًا، ثم ذهب يَسْتَرْسِلُ في نقل العمل: أنه ذهب بعضُ السلف إلى تركها رأسًا، وبعضُهم إلى تركها في الجهرية، وبعضُهم إلى إجازتها في الجهرية مرةً، وتركها مرةً كعمر، وأبي هريرة رضي الله عنهما، وبعضُهم إلى استحبابها فيها مؤكدًا كُعُبَادة، وبعضُهم إلى قراءتها في السَّكَتَات، وأقلُ قليل إلى إيجابها، أو تأكّدِها في الجهرية على کل حالٍ، کمکحول عند أبي داود. والحاصل: أن من كان يقرأ في الجهرية: أَقلُ قليلٍ، والذي كان يقرأ في سَكَتَاتها: أكثرُ منه، والذي كان يقرأ في السرية دون الجهرية: أكثرُ كثيرٍ، وبعضُهم كان يقرأ في السرية حينًا، ويترك حينًا . أما حالُ الأحاديث المرفوعة، فليس فيها ما يَدُلُّ على وجوبها على المقتدي، لا في الجهرية، ولا في السرية. وليس فيه عن الصحابة إلَّا ترجيح أحد جانبيها، ولم يبتدىء الشارعُ في تشريع القراءة للمقتدي بشيءٍ، لا بالفاتحة، ولا بالسورة، لا في السرية، ولا في الجهرية. وإنما ابتدأ بها بعضُهم فكَرِهَها، بل كان خالي الذهن عن قراءتهم، حتى خالَجه بعضٌ منهم، فَعُلِمَ الآن أن فيهم قارئًا أيضًا. وكذلك لا يُعْلَمُ من حال المقتدين أنهم كانوا يهتمُّون بالفاتحة أَزْيَد من سائر السور، ولكن من كان يقرأ منهم يقرأ ما بدا له، حتى جاء رجلٌ فقرأ بـ: ﴿سَيِّجِ أُسْمَ رَّكَ الْأَعْلَى﴾، وبعضهم قرأ التشَّهد أيضًا، فلا يُعْلَمُ اعتناؤهم بالفاتحة، كما رامه الشافعية. وإنما كان من يَقْرَأُ منهم بما يقرأ من عند نفسه بدون أمر من النبيِّ يَّر، ولولا هناك مُنَازَعٌ لَخَفِيَتْ عنه قراءةُ من قرأ إلى ما بعده أيضًا، ولكن النبيَّ نَُّ لَمَّا سألهم، فقال بعضُهم: لا، وقال بعضُهم: نعم، واعتذر بعضُهم عن قراءته، فقال هذا يا رسول الله، كما عند أبي داود. كأنه يَعْتَذِرِ أنه إن لم يَفُتْهُ الاستماع، أباح لهم إباحةٌ مَرْجُوحَةً، فقال: ((إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، فلا تفعلوا إِلَّا بأمِّ القرآن)). فعلى الشافعية أن يَشْكُرُوا لهذا المُنَازع حيث أخرج لهم الإباحةَ المَرْجُوحَةَ من أجله. أمَّا الوجوب، فأين هو؟ وهل تكون شاكلةُ الوجوب أن لا يكون الشارعُ نفسه بخِبْرَةٍ منه، حتى إذا عَلِمَه جعل يسأل عنه ويفتِّشه، بل السؤال عمَّا لا يَعْلَمُ استنكارٌ له قطعًا، فلم يَأْمُرْ بها صراحةً، ولكنه استثناها عن النهي. وهل يُفِيدُ هذا النوع من الاستثناء غير الإباحة. فإن راعيت صحة قوله: ((إن كنتم لا بد فاعلين ... )) إلخ لا تَخْرُجُ منه الإباحةُ أيضًا إِلَّا إباحةً مَرْجُوحَةً، وتلك الإباحة أيضًا ارتفعت كما يُعْلَمُ مما في ((السنن))، فانتهى الناس عن القراءة فيما جَهَرَ فيه رسول الله وَّرُ، فَتَرَكَ القراءةَ فقهاؤُهم، وبقي بعضُهم يقرؤون بعد أيضًا. ولذا قلتُ: إن القارئين في الجهرية كانوا أقل قليلٍ. ثم ههنا سِرٌّ، وهو: أن النهيَ عمَّا يكون خيرًا مَحْضًا لا يمكن إِلَّا من صاحب الوحي، فعنٍ علي رضي الله تعالى عنه: ((أن رجلًا صلَّى بالمُصَلَّى تطوُّعًا، فقال له الناس: أَلَّا تَمْنَعُ هَذا يُصَلِّي؟ قال: ما رأيت النبيَّ ◌َّهُ يُصَلِّي، ولكن لا أمنعه مخافةَ أن ألْحَقَ بمن نَعَى عليه القرآن، ٣٤٣ كتاب الأذان ١١٠﴾ [العلق: ٩ - ١٠] الآية. عَبْدًا إِذَا صَلََّ فقال: ﴿أَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ ومن هذا الباب: اختلافهم في الأوقات المكروهة، فمنهم من نَهَى عن الصلوات فيها، نظرًا إلى كراهة تلك الأوقات، ومنهم من تَلَكَّأ عن النهي، فأجاز بها فإنها خيرُ موضوع أينما كانت، ومتى كانت، فلم يتقدّموا إلى الحَجْر عنها. وكذلك القرآن خيرٌ كلُّه والحَجْر عنهُ موضع تَأْمُّل، فلمَّا قرؤوا به من عند أنفسهم بدون سابقية عهدٍ منه، لم يَرْضَ به، وأَظْهَرَ الكراهة أيضًا. ومع ذلك لم يَنْهَ عنه ما دام أمكن تحمُّله، كحضور النساء في الجماعات، لم يُرَغِّبْهُنَّ فيها أصلًا، ولكن مع هذا لم يَنْهَ عنها أيضًا. وهذا الذي راعاه عمر رضي الله تعالى عنه، حيث كانت زوجته تختلف إلى المساجد في أوقات الصلوات، وكان يُعْجِبُه أن لا تفعل ذلك، فأبت إِلَّا أَن تَفْعَلَه، ولم يَقْدِر عمر أن ينهاها صراحةً، فجاء يومًا مُتَنَكِّرًا هيئته، ووضع القدم على ذيل مِرْطها، وكانت تذهب لصلاة الصبح بَغَلَسٍ، فاسترجعت وانكفأت، وقالت: ما قال عمر - رضي الله تعالى عنه - حقٌّ، فإنَّه فَسَدَ الزمان اليوم. فالقراءة في الجهرية عندي كحُضُورِ هِنَّ الجماعات، والإباحة فيهما بمنزلةٍ واحدةٍ، فمن شاء فليتركها على حالها، ومن شاء بالغ فيها. ويَقْرُبه ما نُقِلَ عن الحلواني من فتواه: أنه لا ينبغي أن يُنْهَى العوام عن الصلوات وإن صلَّوها في الأوقات المكروهة، فإنها وإن كُرِهَت على مذهبنا، لكنها تكون جائزةً على مذهب الشافعية، ولو مُنِعُوا عنها أمكن أن يَمْتَنِعُوا عن أصلها، ويتركوها رأسًا . قلتُ: وهذا التهاونُ لم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فكان المناسب له أن يَنْهَى عنها كما قد نهى. ثم لمّا ظهرت المذاهب، وفشا التكاسُل في الدين، وتُرِكَ العمل به على المذهب، ناسب للمتأخّرِين أن لا يمنعوهم عنها لأجلِ المخافة المذكورة. والحاصل: أن النهيَ عن الخير المحض لا يكون إلَّا إذا لم يتحمَّله المقام أصلًا، وذلك أيضًا من جهة الشارع لا غير، كما نهى عن القراءة في الركوع والسجود، لأنه مناجاةٌ، وهذه الهيئة لا تَضْلُح لها أصلًا. ومع ذلك جوَّزه البخاريُّ فيهما، وترك حديث مسلم. فإن شئتَ قلتَ: إنه أجاز بها للمقتدي إجازةً مَرْجُوحَةً، ولم يرض بها. وإن شئتَ قلتَ: إنها رخصةٌ لا عزيمةٌ، وهذا أَيْسَرَ على الموجبين. وأجاب القائلون بالوجوب: إن سؤاله ◌َّل : (لعلَّكم تَقْرَؤُون خلف إمامكم)). كما في ((السُّنن))، ليس عن نفس القراءة، بل عن الجهر بها، فمعناه: لعلَّكم تَجْهَرُون بها خلف إمامكم. قلتُ: وهو تأويلٌ لا مُسْكَّةً له في ذخيرة النقل، فإن النبيَّ وَّر سألهم عن نفس القراءة، وهم يَحْمِلُونه على الجهر بالقراءة، وهل يَلْصَقُ بالقلب أن يكون هناك أحدٌ يَجْهَرُ بها، مع رؤيته أن الصحابةَ رضي الله عنهم كلَّهم ساكتون، ولا يَجْهَرُونَ بشيءٍ. ثم لو سلَّمنا أنه كان جَهَرَ بها، فلم يَرِدِ السؤالُ عنه ولا عليه، بل هو عن القراءة، وإنما الجهرُ وسيلةٌ لعلمه ◌َِّ أنه قرأ شيئًا. واحتال فيه آخرون: إن السؤالَ إنما هو بما زاد على الفاتحة دون الفاتحة نفسها، فمعناه: لعلَّكم تَقْرَؤون خلف إمامكم ما زاد على الفاتحة أيضًا . قلت: وهذا أيضًا باطلٌ. ففي الدَّارَقُطْنِي: ((هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن))، ٣٤٤ كتاب الأذان وحسّنه. فدلَّ على أن الفاتحةَ وغيرها عنده سواء، وإن السؤالَ كان عن شيءٍ من القرآن دون السورة، وإنه لا وجوبَ عنده على المقتدي. فقال: ((هل منكم من أحد))، فلو كانت واجبةً على الكلِّ لسألهم أجمعين، هكذا: هل تقرؤون أنتم؟ ((لا منكم من أحدٍ))، فإنه يَدُلُّ على أنه ليس عنده هناك قارئًا إِلَّا أحدٌ منهم، وليست هذا شاكلة الواجب. وفيه أن القراءةَ خلفه تُنَاقِضُ منصب الائتمام، ولذا قال: ((خلف إمامكم))، مع أن الظاهر خلفي، فَعَدَل عنه، وانتقل إلى بيان منصب الائتمام لتَعُمَّ الفائدة. وحينئذٍ محظُها: أن خلف الإمام ليس موضع القراءة. وقد يَحْتَالُون بأن قوله: ((فانتهى الناس عن القراءة ... )) إلخ من قول الزُّهْرِيِّ ... قلتُ: ويقضي العجب من قولهم ما حملهم على ذلك، فإننا لو سلَّمناه، فالزُّهْرِيُّ تابعيٌّ، ولا يذكر إلَّا من حال الصحابةِ ثم إن من جعله من قول الزُّهْرِيِّ غَرَضُه أن الزهريَّ قالَه نقلًا عن أبي هُرَيْرَة، وأخفى به صوته، فثبَّتهم مَعْمَرٌ فيه، فكان إسناد القول إلى مَعْمَر أو الزهريِّ لهذا، فَزَعَمُوا أنه من تلقاء أنفسهم. فعند أبي داود في حديث ابن أَكَيْمَة الليثي عند بيان الاختلاف، وقال ابن السَّرْح في حديثه: قال مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ، قال أبو هريرة: ((فانتهى الناس)). وقال عبد الله بن محمد: الزُّهْرِيُّ من بينهم، قال سُفْيَانَ: وتكلّم الزهريُّ بكلمةٍ لم أسمعها، فقال مَعْمَر: إنه قال: ((فانتهى الناس ... )) الخ. نعم بقي شيءٌ، وهو أن قوله إنَّه: ((لا تفعلوا إلَّا بأمِّ القرآن))، وإن لم يَدُلَّ على الوجوب، لكن تعليله بقوله: ((فإنه لا صلاةً إلا بها)) يَدُلُّ على الوجوب قطعًا، وبه يَتُمُّ الاستدلال. قلتُ: كلَّا، فإن قوله قبل التعليل لمَّا دلَّ على الإباحةِ المرجوحةِ ولا بُدَّ، لم يَصْلُح التعليل أن يَدُلَّ على الوجوب في حقِّه. كيف؟ وإنه طفرةٌ من الإباحة إلى الوجوب، وليس بسديدٍ. وهل يناسب عندك أن من كان بصدد إيجاب شيءٍ في آخر كلامه أن يسأل عنه أولًا، ويقِرِّر إباحته في ابتدائه، ثم يُوجِبه في آخره كأنه سَنَحَ له الآن وجوبُه وإيجابُه، إلَّا أن يُفْرَضَ أنه تكلّم خالي الذهن عن الوجوب، فإذا كان عند ختم كلامه سَنَحَ له كسنوح السوانح أن يُوجِبَه، فعلَّله بالوجوب. وهو كما ترى، ليست شاكلة كلام العوام، فضلًا عن كلام خير الأنام. وحينئذٍ وَجَبَ علينا وعليهم أن نَشْرَحَ الحديثَ، فإن ظاهره غير مستقيم. ثم استفتِ نفسك - فإنَّ بين جَنْبَيْك خير مُفْتٍ - إنه إذا خَاطَبَ المقتدين بذلك الكلام، وسألهم عن القراءة، فهل يُنَاسِبُ الإِيجاب في حقِّهم، أو في حقِّ غيرهم كالمنفرد والإمام؟ فإن كنتَ تستطيعُ أن تسمعَ كلامَ الخصم وتَفْهَمَه، فاعلم أنه إيجابٌ على المنفرد دون المقتدي. اسْتُدِلَّ بإيجابها في الجنس(١) على إباحتها للمقتدي، ولو لم نأخذه في الجنس، وحملناه في حقّ المقتدي، لنَاقَضَ (١) وهذا كما عند الترمذي ضالة المسلم حرق النار، وأنت تعلم أنه وصف باعتبار تحققه في الجنس وإلا يلزم ألا يلتقط ضالته. وأصرح منه ما أخرجه أيضا أن النبي ◌َلّ خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: إنكم لتبخلون وتجنبون وتجهلون وأنكم لمن ريحان الله. اهـ. ص١٣ ج٢. فإن التعليل ههنا كالتعليل في قوله: فإنه لا صلاة الخ بعينه لا أراك شاكا في أن هذه أوصاف باعتبار الجنس أما في الحديث المذكور فلا محل لهما . وهكذا فليقسه في حديث الفاتحة. ٣٤٥ كتاب الأذان آخِرُ الكلام أولَه. فإن أوَّله يَدُلُّ على إباحتها في حقِّ المقتدي إباحةٌ مَرْجُوحَةً، وتعليل الإباحة بالواجب لا يَصِحُّ إلَّا باعتبار كون الوجوب وصفًا لها في جنس الصلاة. وبعبارة أخرى: إنهم حَمَلُوا التعليلَ على أنه حكمٌ بالإيجاب في حقِّ المقتدي، ونحن حَمَلْنَاه على كونه وصفًا للفاتحة، وإن لم يتحقَّق هذا الوصف في حقِّ المقتدي. والتعليل بالوصف شائعٌ عندهم، بل هو لطيفٌ جدًا، بل لا عبارةَ ـ كترجيح الفاتحة من بين السُّوَر مع كونها مباحةً في حقِّ المقتدي - أَدَلُّ وأَوْفَقُ من هذه. وحاصل الحلّ عندي: أني أَبَحْتُ لكم الفاتحة من بين السُّوَر لمعنى الترجيح فيها، وهو امتيازها بوصفٍ من بين سائر السُّوَر، وهو: وجوبها على المنفرد والإمام عينًا. وليس هذا الوصف في أحدٍ من السُّوَر، فإنها واجبةٌ بدلًا، وليست فيها واحدةٌ منها واجبةً عينًا لا على الإِمام ولا على المنفرد. وحينئذٍ صَلَحَت الفاتحةُ أن تتحمَّل قراءته. ونظيره قولك لابن سبع سنين: صلِّ، فإنه لا دينَ لمن لا صلاةً له. ونظائرُه كثيرةٌ، وإذن هو من باب استدلال الجنس على الجنس الآخر. وحاصله: أنه على وِزَان قولهم: أكرم زيدًا، فإنه أهلٌ لذلك. أعنيٍ: إن إباحةَ الفاتحة في حقِّ المقتدي دون غيرها من السُّوَر، لكونها أصلًا لذلك، لأنه لا صلاةَ إلَّا بها، وإن تحقَّق هذا الوصف في حقِّ غير المقتدي من المنفرد والإمام. وإنما صَلَحَ هذا الوصف مُخَصِّصًا إياها من بين السُّوَر لخلو سائر السُّوَر عنه مطلقًا، فلا يتحقَّق هذا الوصف في شيءٍ منها، لا في حقِّ المنفرد، ولا في حقِّ الإمام، وحينئذٍ لو تحقَّق في الفاتحة في الجنس صَلَحَ مُرَجِّحًا أيضًا. وممن صَرَّح بأن قوله: ((لا صلاة لمن لم يَقْرَأ ... )) الخ، في المنفرد دون المقتدي: الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند الترمذي، وسُفْيَان عند أبي داود. ومما يَدُلُّك على أنه في حقِّ المنفرد دون المقتدي: أن صلاة غير المقتدي تُعْتَبرُ أنها فعله، كالمفعول المطلق عند النُّحَاة. فإِنَّ الضربَ في نحو: ضربت ضربًا، فعلُ المتكلِّم. بخلاف المفعول به، فإنه لا يكون من فِعْلِهِ، بل فِعْلُه يقع عليه، فهو محل فِعْله، کزيد في نحو : ضربت زيدًا. فإِن زيدًا ليس من فِعْل المتكلِّم، بل فعله - أعني الضرب - وَقَعَ عليه. والفرق الآخر: أن المفعولَ المطلق إذا كان من فِعْله، يكون قائمًا به لا محالة، فإِن الضربَ قائمٌ بالضارب بخلاف المفعول به، فإنه إذا لم يكن من فِعْله يكون مُنْفَصِلًا عنه، نحو: زيد في المثال المذكور، فإِنه مُنْفَصِلٌ عن الضارب قطعًا. فصلاة غير المقتدي أَعْتُبِرَت عند الشرع كالمفعول المطلق، فتكون قائمةً بالمصلِّي، وتُعَدُّ كأنها من فَعْلِهِ، ويَجْرِي عليها ما يَجْرِي على هذا التقدير، ويكون بناء الكلام عليه. أمَّا صلاة المقتدي فلها اعتباران في العرف بحَسَب المقامين: مقام بَسْطِ واستيفاءٍ لتمام الحال، ومقام اكتفاءٍ واختصارٍ، حيث لا تكون داعية لاستيفاء الحال. فيقولون في المقام الأول: إنه صلَّى مع الإِمام، فيَحْكُون عنها كأنها كالمفعول المطلق للإِمام، والمفعول به للمقتدي، فِيُضِيفُون الصلاةَ إلى الإمام كأنها من فِعْله، وإلى المقتدي كأنها ليست من فِعْله، فلا تُنْسَبُ إليه إلَّا كنسبة ٣٤٦ كتاب الأذان المفعول به المنفصِل إلى الفاعل، ويُطْلَقُ عليهِ أنه يُصَلِّ مقيَّدًا، كالصلاة خلف الإِمام، والصلاة بصلاته. ويقولون في مقام الاختصار: إنه يُصَلِّي، فَيَحْكُمُون بالنظر إلى حكمه المُنْسَحِب عليه، ولا يَذْكُرُون كونه خلف الإِمام حسب داعية المقام، فيُحَلِّلون صلاة الجماعة التي كانت صلاةً واحدةً بالعدد إلى صلواتٍ بحَسَبٍ عدد من كان فيها، ويَحْكُون أن فلانًا صلَّى كأنها فِعْله. وبعبارةٍ أخرى: إن صلاةَ الجماعة صلاةٌ واحدةٌ بالعدد في العُرْف والعبارة، وهو عند أبي داود من إحالة الصلاة ثلاثة أحوال قال: وحدَّثنا أن رسولَ الله وَّر قال: ((لقد أَعْجَبَنِي أن تكونَ صلاةُ المسلمين أو المؤمنين واحدةً)). اهـ. لا صلوات بعدد من فيها، وإنما ذلك عند التحليل حتى يَتْرُكُون بيانَ الحال بتمامه، ونَقْلَ صورته بتمامها. وبالجملة كانت صلاةُ الجماعة مُفْرَدَةً لا تثنيةً ولا جمعًا، فحلَّلوها إليهما، حيث يريدون نَقْلَ حاله بالنظر إلى حكم نفسه المُنْسَجِب عليه، وكلا الاعتبارين وَارِدَان في ألفاظ الحديث بحَسَبِ المقامات. فالأول نحو حديث: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاة، فلا تَأْتُوها تَسْعَون، وأتوها تَمْشُون وعليكم السَّكِينة)). اهـ. جعل الصلاةَ كأنها ليست من فِعْله، بل هي مُنْفَصِلةٌ عنه: أتاها، فهي مَأْتِيةٌ، يَرِدُ عليها، ويَصْدُرُ عنها. وجعلها مفردةً في العبارة لا تثنيةٌ ولا جمعًا. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. وعن عبد الرحمن بن عبد القاري في قيام رمضان: يُصَلِّي الرجل لنفسه، ويُصَلِّي الرجل، فَيُصَلِّي بصلاته الرَّهْطُ، والناس يُصَلُّون بصلاة قارئهم. وحديث عائشة فيه: ((فصلَّى في المسجد، وصلَّى رجالٌ بصلاته)). وفي صلاةٍ في مرض موته: فجعل أبو بكرٍ رضي الله عنه يُصَلِّي، وهو قائمٌ، بصلاة النبيِّ وَّر. وفي ((الفتح)): عن عِثْبان بن مالك، عن أحمد: ((فقاموا وراءه، فصلُّوا بصلاته)). وعند النَّسائي من حديث عبد الله بن سَرْجِس، قال: ((يا فلان، أيهما صلاتك التي صلَّيت معنا، أو التي صلَّيت لنفسك)) اهـ. ففي هذه الأحاديث كِلِّها اعْتُبِرَت صلاة الجماعة كأنها ليست من فِعْله، بل من فِعْل الإِمام، ثم المقتدي يأخذ منها حظّه بنوع ربطٍ مع إمامه. وأمَّا الاعتبارُ الثاني، فنحو حديث البَيَاضي عند مالك في العمل في القراءة: ((أن رسولَ اللهِ وَّه خَرَجَ على الناسِ وهم يُصَلُّون، وقد عَلَتْ أصواتهم، فقال: إن المُصَلِّي يُنَاجِي ربَّه، فَلْيَنْظُرْ بما يُنَاجِيه به، ولاَ يَجْهَرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآن)). اهـ. وكان ذلك في رمضان. وعند ابن عبد البر: ((والناس يُصَلُّون عُصَبًا عُصَبًا))، وَهو مَسُوقٌ لغير المقتدي. ومثله حديث السُّتْرَة عند أبي داود: ((إذا صلَّى أحدُكم، فِلْيُصَلِّ إلى سُتْرته، وليَدْنُ منها)). وكذا: ((إذا كان أحدُكم يُصَلِّي، فلا يَبْصُقِ قِبَل وجهه، فإن اللَّهَ قِبَل وجهه إذا صلّى)). ساق الكلامَ فيه بالنظر إلى حال المصلِّي في نفسه، ولذا لم يَذْهَبْ أحدٌ إلى إيجاب السُّتْرَة لكلِّ في صلاة الجماعة، لأنهم حَمَلُوا الحديثَ المذكورَ في المنفرد، وقد مرَّ تقريره. وإذا سَمَحَت نفسُك بقَبُول هذا ولم تُمَاكِس، فحديث: ((لا صلاةً لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن)) يَنْسَحِبُ على كل صلاةٍ مفردةٍ من عدد الصلوات في حقِّ من يُوصَفِ بأنها فِعْلُه. ولذا لم يَصِفْهم في هذا السياق بكونهم خلف الإمام، فإذن هو في صلاة المنفرد أو الإِمام ٣٤٧ كتاب الأذان دون المقتدي. فالحديثُ وَرَدَ في صلاة المنفرد، كما أقرَّ به أحمد وسُفْيَان رحمهما الله تعالى، وهم نَقَلُوه إلى صلاة الجماعة، وأنه جاء بالنظر إلى حاله في نفسه، وهم نقلوه في حاله مع غيره، فسبحان من لا يَسْهُو ولا يَنْسَى. ثم اعلم أنه ليس اعتبارُ الشريعة في قراءة المقتدي أنها ليست عليه، بل اعتبارُها أن قراءةَ الإمام له قراءة. وقد أَخْرَج له الشيخُ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى إسنادًا على شرط الشيخين من ((المسند)) لأحمد بن منيع، وهو مفقودٌ اليوم، فَرَاجَعْتُ له ((المطالب العالية في زوائد الحديث الثمانية)) للحافظ ابن حَجَر رحمه الله تعالى، لأن الحافظَ رحمه الله تعالى قد جَمَعَه من ثمانية ((مسانيد))، إلَّا أني لم أجده فيه، فَحَدَثَ في نفسي اضطرابٌ حتى عَلِمْتُ أن نسخةَ ((المسند)) المذكور لم تكن عند الحافظ رحمه الله تعالى بتمامها، فحينئذٍ زال القلق، وظَنَنتُ أنه يكون في الحصة التي لم تَبْلُغ الحافظُ رحمه الله تعالى. ثم في حاشية الشيخ أبي الحسن السِّنْدِهي على ((فتح القدير)) المسماة (بالبدر المنير)) - . وهي إلى النكاح فقط -: أن العلامة القاسم ابن قطلوبغا سأل شيخه ابن الهمام عن إسناد هذا الحديث فكتب أنه أخذه من ((أتحاف الخيرة بزوائد المسانيد العشرة)) للبوصيري، وقد جمع فيه البوصيري عشرة مسانيد. ثم كتب الشيخ أن البوصيري ذكر فيه أنه لما سرد هذا الإسناد عند الحافظ رحمه الله تعالى فلم يتمه حتى أن الحافظ رحمه الله تعالى تبسم وقال: وفيه رائحة حديث من كان له إمام الخ فتعجب من فرط ذكائه ثم قال البوصيري: فعلمت من تبسمه أنه ليس براض به غير أنه لم يرده صراحة أيضاً. وليس هذا تخصيصاً بل باب مستقل ومسألة زائدة في حق المقتدى كحديث البكر تستأذن في نفسها وأذنها صماتها. فليس قوله: وأذنها صماتها تخصيصاً بل وضعاً مستقلاً وعلى هذا فإيجاب القراءة على المقتدى من العمومات كاشتراط الأذن باللسان على الباكرة. ومعلوم أن الشريعة إذا أقامت لها باباً مستقلاً وأفرزها من الحكم العلم فليس لأحد أن يجرها تحت العموم ويجرى عليها أحكامها فهكذا لما علمنا أن الشريعة نصبت لأحكام الائتام باباً مستقلاً ولغير الائتمام باباً أيضاً، فنقل أحاديث أحد البابين إلى الآخر إلغاء لغرضها. فراجع أحاديث الائتمام لم يأمر في واحد منها للمقتدى أن يقرأ مع إمامه، ولم يقل وإذا قرأ فاقرؤا مع أنه مر فيها على جملة أفعال الصلاة تقريباً فترك هذا الركن الذي قد سبق على سائر الأركان، وصار مداراً لصحة الصلاة، وسمة لأهل الحديث مستبعد جداً بل صح فيها جملة ((إذا قرأ فانصتوا)) صححه مسلم، وجمهور المالكية، والحنابلة، ولم يتأخر عن تصحيحه إلا من اختار القراءة خلف الإمام فسرى فقهه إلى الحديث. ثم اعرف الفرق بين سياق الاستثناء عن صريح النهي كما في قوله: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، وبين استثناء الفاتحة عن أمر الانصات، أي انصتوا إلا بالفاتحة ولم يرد في طريق. فجاء الشافعية وحملوا السياق الأول على الثاني، مع أنه ورد في الحديث إذا قرأ فأنصتوا ثم لم يرد فيه الاستثناء بالفاتحة، فدل على أن الفاتحة وغيرها في أمر الإنصات سواء. والحاصل أن لنا في هذه المسألة دلالات من الأحاديث ونص من القرآن إذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وليس عندهم الإيجاب القراءة في الجهرية والسرية على المقتدى شيء إلا جهرهم بالمبالغات. ثم إنه صحت في هذا الحديث زيادة فصاعداً أو ما قام مقامها نحو ما تيسر وما زاد، وحينئذ يكون معناه انتفاء الصلاة بانتفاء الفاتحة مع عناية ٣٤٨ كتاب الأذان ((فصاعداً)) وحاصله انتفاء الصلاة بانتفاء القراءة مطلقاً، فلا يصلح هذا الحديث أن يقوم حجة على مسألة الركنية أصلاً لدلالتها على انتفاء الصلاة بانتفاء القراءة، وقد قلنا به أيضاً، وإنما الكلام في انتفاء الصلاة بانتفاء الفاتحة خاصة، ولم يدل عليه أصلاً، بل متى ما ترى في الأحاديث ترى أنها جعلت الصلاة عند انتفاء القراءة بالفاتحة خداجا لا منفية عن أصلها، كحديث أبي هريرة عند مسلم ((من صلى صلاة ولم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)). ومتى نُفَتِ الصلاة، فهو باعتبار انتفاء الفاتحة فما فوقها. وأرى أن هذا يُطْرَد فيما هو على اسم الصحيح أو الحسن، وكفى بهما عن الضِّعَاف. وأرى أن هذا ليس اتفاقًا أو جِزَافًا، بل حكايةٌ عن الواقع وعن الحقيقة. فالصلاةُ بترك الفاتحة خِدَاجٌ، وبترك الفاتحة فما فوقها مَنْفِيَّةٌ، على أن في نفس قوله: ((لا صلاةً لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن)) بدون قوله: ((فصاعدًا))، إشارةً إلى السورة، وبناءً للكلام عليه، وذلك للفرق بين قولهم: قرأها، وقرأ بها. وأَوْضَحَه الحافظُ ابن القَيِّم في ((بدائع الفوائد)). وحاصلُه: أن الفعل إذا عُدِّي بنفسه، فقلتَ: قرأتُ سورةَ كذا، اقتضى اقتصارُك عليها لتخصيصها بالذكر. وأمَّا إذا عُدِّي بالباء، فمعناه: لا صلاةَ لمن لم يأتِ بهذه السورة في قراءته، أو في صلاته، أو في جملة ما يقرأ به، وهذا لا يقتضي الاقتصارُ عليها، بل يُشْعِرُ بقراءة غيرها معها. اهـ. ثم أَطَالَ الكلامَ في نظائره وتقريره. وعلى هذا، فالفاتحةُ في الحديث تكون من جملة قراءته، فَيَدلُّ على القراءة بغيرها . هذا، وبالجملة لا حُجَّةَ لهم في الحديث على مسألة الرُّكنية كما عَلِمْتَ، والله تعالى أعلم. ثم أقول: إن المسألةَ إذا كانت مما يَكْثُرُ وقوعها، ثم لا تَجِدُ للعمل بها صورةً ونظمًا عند الشارع، كان ذلك دليلًا على عدم اعتبارها في نظره، فنقول: إن أحدًا لو أَدْرَكَ إمامه بعد قراءة الفاتحة، فلا يَخْلُو: إما أن يَقْرَأَ بالفاتحة، وَيَشْتِغِلَ بها، لأنه لا صلاةً لمن لم يقرأ بها. أو يُوَافِقَ إمامه بالتأمين، ثم يقرأ بها. فعلى الأول: يلزم ترك الأمر بالموافقة، وعلى الثاني: تَنْقَلِبُ الوظيفة، فإن التأمين شُرِعَ عَقِيبَ الفاتحة لا قبلها(١). فانتفاءُ التأصيل والتفريع، واختلالُ النظم، دليلٌ على أن المقتدي لم يُوَسَّع له في حلقة القراءة، ولذا تراهم اختلفوا، فقال قائلٌ: إن المقتدي يتبع سكتات الإِمام، ولا ينازعُ معه. وإذِن لا بدَّ للإمام أن يَسْكُت سكتةٌ تَسَعُ قراءته، وذلك أيضًا غير معهودٍ عنه رَّه، فإنه لم يَثْبُتْ عنه إِلَّ سكتةً للاستفتاح، والثانية للتأمين، أو ليتراذَّ إليه نفسه. أمَّا السكتةُ الطويلة بحيث تَسَعُ الفاتحة، (١) يقول العبدُ الضعيفُ: وكذا من أَذْرَك إمامه في الرُّكوع، فإمّا أن يقرأ بها في الركوع أو لا، فإن قرأ بها فقد خَالَفَ النصَّ، فإنه نهى عن القراءة في الركوع كما عَلِمْتَ، وإن لم يَقْرَأ بها، فكيف باحتساب تلك الركعة عنه بدون الفاتحة، مع أنه لا صلاةً إلا بها، ولذا اضْطَرَّ البخاريُّ رحمه الله تعالى إلى الإنكار بإدراك تلك الركعة، لأنه فاتته الفاتحة، فلا يكون مُدْرِكًا لها، وإن أدْرَك ركوعها. وذلك خلاف تواترهم بإدراكها عند إدراك الركوع هكذا أحفظ عنه في الخارج، أو نحوه. ٣٤٩ كتاب الأذان فتلك قد عرفها الموجِبُون لا غير، كيف! وإنه يَسْتَلْزِمُ قلب موضوع الإمامة؟ نعم لا بأس به عندهم، فإنهم يَلْتَزِمُون فوق ذلك من اختلاف نية الإمام والمأموم، وصحة صلاته مع فساد صلاة الإمام، إلى غير ذلك من التوسُّعات في مسائل القُدْوَة كما قد عَلِمْت. وقال قائلٌ: يقرأها بعد الثناء، وقال آخر: بعد قراءة الإمام. وكل ذلك التشويش، لأن الشريعةً لم توسِّع له في الحلقة، ولذلك يَطْلُب هذا موضعًا لها، ولا يجده، ثم تَشْمِئُّ إليه نفسه، لأنه لا صلاةَ إِلَّا بها، فيضْطَرُّ تارةً بوضعها ههنا، وتارةً ههنا. وهل هذا هو شاكلة الواجب الذي يتكَّرر في كل صلاةٍ أربع مرات؟ ثم لم يَثْبُت له نظمٌ ولا يَسْتَقِرُّ فيه رأيٌ؛ فذقه. وهذا الذي كنتُ أقول فيما مرَّ: إِنَّا لو سلَّمنا الرفعَ عندٍ الرفع من الركوع، فما تكون له صورة العمل؟ فإن الرفعَ عند الرفع من الرُّكُوعُ مُتَعِسِّرٌ أو مُتَعَذُّرٌ، ولذا قلتُ: إن بناء الشرع ليس على الفاتحة، ولا على رفع اليدين. وهذا الذي كنتُ أَقْصِدُ من الاختلال، وعدم التأصيل والتفريع. وقد فَرَغْتُ من مسألة القراءة خلف الإِمام بقدر ما قَصَدْتُ إِلقاءه في هذا الكتاب. ومن شاء الاطلاع على تفاصيلها، فليرجع إلى رسالتنا ((فصل الخطاب))(١). (١) يقول العبدُ الضعيفُ: وقد بَسَطَ الشيخُ رحمه الله تعالى هذه المسألة في رسالته ((فصل الخطاب))، وقد أطال الكلامَ في تحقيق لفظ: ((فصاعدًا)»، وأسهب. فأردت أن أُلَخِّصَ لك شيئًا منه، لعلَّ الله ينفع به أحدًا. ثم لا أَثِقُ بنفسي أن أكونَ فهمته تمامًا، إلَّا أني أردتُ به تمشيةً للمقام، فإن ما لا يُدْرَكُ كلَّه لا يُتْرَكُ كلَّه، فعليك بالأصل ليظهَرَ لك الجدُّ من الهزل. فاعلم أن لفظ: ((فصاعدًا» يختلف معناه في الإثبات والنفي، وكذا في الخبر والإنشاء. أمَّا إذا كان في الإثبات، فهو لانسحاب حكم ما قبله على ما بعده: إن وجوبًا فوجوبًا، وإن غيره فغيره. وليس لإيجاب ما قبله، وللتخيير فيما بعده، كما فُهِمَ أنه على شاكلة: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»، بمعنى وجوب القطع على الربع، سواء تحقّق فصاعدًا أولاً، فإن أئمة العربية قاطبة لا يَعْرِفُون ذلك، بل اتَّفَقُوا كلُّهم على أن الحكمَ فيما قبله وفيما بعده على السواء. وليست الفاء في المثال المذكور لإفادة أن المدارَ هو الربع، بل كما أن الربعَ مُؤَثِّرٌ، كذلك الثلث والنصف أيضًا مُؤَثْرٌ، نعم، قد يُفِيدُ التقسيم على أبعاض الشيء، كقوله: بعه بدرهم فصاعدًا على معنى أن أمرَ البيع مُتَنَاوِلٌ لِمَا قبله ولِمَا بعده على السواء، ولكن يكون فيه التقسيم على الأبعاض: أي بعْ بعضَه بدرهم وبعضَه بأزيد من درهم. ومن ههنا يُتَوَهَّمُ فيه التخيير مع أن الحكمّ عليهما على السواء، ولكن الزيادة في البعض لمَّا كانت مُخَيَّرةً، تُوِهُمَ التخيير في نفس الحكم. هذا في الإثبات، أمَّا إن كان في النفي، فهو للانتفاء رأسًا، وحينئذٍ قوله ◌َّهُ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا)) يَدُلُّ على وجوب السورة أيضًا، فإن الحكمَ على ما قبله لمَّا كان بالإيجاب، وَجَبَ أن يَنْسَحِبَ على ما بعده أيضًا، فَيَدُلَّ على وجوب السورة والفاتحة جميعًا، ولذا لم يَقْدِر البخاريُّ رحمه الله تعالى على التفرقة بينهما في ((صحيحه))، فبؤَّب على نفس القراءة تَتْرَى، ولم يتكلَّم بالفاتحة، وذلك لعدم عدَّة الاستدلال عنده. وتصدَّى في الخارج على تضعيف تلك الزيادة، فإنه أحسّ أنه يَدُلُّ على خلاف مرامه. واستشعره الطيبيُّ، وهو أقعد بالعربية، فصرَّح في ((شرح المشكاة)) بعكس ما قُلْنا. وقال: إذا لم تَقُلُ بوجوب الزائد: أي السورة، كيف نَقُول بوجوب الفاتحة من هذا الحديث بعينه؟ لأنه عَلِمَ أن الحكمَ فيما بعده وما قبله على السواء، فلا يصحُّ التفريق فيه: بجعل الفاتحة ركنًا، والسورة سنةً. وكأن من صرف جُهْدَه في إثبات ركنية الفاتحة، لم تَبْقَ له هِمَّة وجُهْدٌ في السورة إلاَّ بالسنية، نعم، لكل شِرَة فَتُرَة. أمَّا أنا، فلا أجد فرقًا بينهما إلاّ أن الفاتحة واجبةٌ عينًا، والسورةَ بدلاً، وما عداه فشطط. = ٣٥٠ كتاب الأذان ٧٥٥ - قوله: (شَكًا أهل الكُوفَة) يعني من جُهَلائِهِم الذين كانوا لا يُحْسِنُون الصلاة. قوله: (وأُخِفتُّ): من التخفيف، وفي نسخةٍ: ((وأَخْذِف)). واستدلَّ منه الشيخُ العَيْنِي رحمه الله تعالى على عدم فرضية القراءة في الأُخرَيَيْن، وسكت عليه الحافظ رحمه الله تعالى. قلتُ: وإنما تكلّم الشيخُ رحمه الله تعالى ههنا في مقابلة الحافظ رحمه الله تعالى، وإلَّا فالمختارُ عنده وجوب الفاتحة في الأُخْرَيَيْن، وإن كان في غير ظاهر الرواية، كما في ((شرح الهداية))، وهو المختار عند الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى. قلتُ: والدلائلُ على وجوبها كثيرةٌ، ولم أَرَ لعدم الوجوب إِلَّا أَثَرَيْن: أحدهما عن ابن مسعود، والآخر عن عليّ رضي الله عنهما، غير أن الفصلَ إنما يكون بالتعامل، فلينظره. بقي تمسُّك العَيْني رحمه الله تعالى من نسخة: ((أحذف))، فالإِنصافُ أن المرادَ منه التخفيف. فائدة واعلم أن الشيخَ العَيْنِي كان أسنَّ من الحافظ رحمهما الله تعالى، وقد بقي بعده ثلاث سنين، وكان عمره تسعين، وكان يُؤَلِّفُ: ((شرح الهداية في نور المصباح))، وألّف: ((شرح الكنز) في ثلاثة أشهر. قوله: (أَمَّا إذا نَشَدْتَنَا ... ) إلخ، يعني إذا تُنْشِدُنا بالله، فاعلم أن ما ذكرناه كان حيلَة للشِّكاية، أمَّا حقيقةُ الأمر، فهو هذا ... إلخ. قوله: (ارجع فَصَلِّ). هذا الحديث: حديثُ مُسِيء الصلاة. قال الشيخُ تقي الدين ابن دقيق العيد: إنه يجب على المُحَدِّث أن يَجْمَعَ ظُرُقه، فإِنه تعليمٌ لشرائع الصلاة من قِبَل صاحب النبوة. قال الحافظ ابن حَجَر رحمه الله تعالى: إني امْتَثَلْتُ أمره، فأخذت عنه ثمانين مسألةً، والحاصل: أنه خَالَ بعضهم أنه لجواز الاقتصار على ما قبله دائمًا، بعضُهم أنه للجمع دائمًا، وليس كذلك، بل = يأتي فيما يأتي فيه الاقتصار في بعضه، والجمع في بعض. ومتى كان الجمع، ففي حكم ما قبله، وهذا الذي عَنَيْنَاه بقولنا: إنه للتقسيم على الأبعاض، فحيث شُرِعَت السورةُ كالأُولَيين فواجبةٌ كالفاتحة، وحيث لم تكن كما في الأُخْرَبَيْن فليست، لا أنها سنةٌ في الأُوَلَيْن مع كونها مشروعةً فيها، والفاتحة ركنٌ، ليفرِّق الحكم بين ما قبله وما بعده. على أن قوله: ((لا صلاة ... )). إلخ ليست صيغة إنشاء على نحو: بِعْه بدرهم فصاعدًا، فإنه لا يدري فيه بَعْدُ ماذا يقع به البيع. بل صيغة خبرٍ على نحو: بِعْهُ بدرهم فصاعدًا بعد ما انكشف الحال. كيف! وهم صرَّحوا أن لفظة: ((أو)) في الخبر لا تكون للتخيير مع أنها موضوعةٌ له، فما لغيره نحو: صاعد؟ فهو في الخبر على ما قد وقع، وفي الإنشاء على ما سيقع من تحقّق الأقل فقط، أو مع ما فوقه. هذا باعتبار الوجود. وأمَّا باعتبار الاندراج تحت صيغة الأمر مثلاً، فإنه لا بدَّ أن يكونَ الزائدُ أيضًا مأمورًا به، كما عند أبي داود، عن زهير أحسبه عن النبيِّ وٍَّ قال: «هاتوا ربع العشر: من كل أربعين درهمًا: درهمٌ، وليس عليكم شيء حتى تُتِمَّ مائتي درهم، فإذا كانت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك)). اهـ. فقد يكون عند المالك ما زاد، وقد لا يكون. وإذا كان، فالحكم الوجوب، لا غير. وهذا كله على تقدير أن تكون الفاتحةُ واجبةً في الأُخْرَيَيْن على روايته عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى. اختارها الشيخ ابن الهُمَام. واعلم أني كنتُ أردتُ أن أشرحَ هذا المقام إلى آخر الكلام، لكن دِقَّة المرام مَنَعَتْنِي عن إمضاء عزيمتي، فاكْتَفَيْتُ بهذا القدر، وسيكفي لحلٌ مسألتنا إن شاء الله تعالى. ٣٥١ كتاب الأذان ويُعْلَمُ من ظُرُقه كما هو عند الترمذي: أن الرجل كان قَصَر في التعديل. وبالجملة، فالإِمام البخاري رحمه الله تعالى أَخْرَج في هذا الباب عِدَّة أحاديث، غير أنه لم يَجدْ حديثًا صريحًا يَدُلُّ على تعيين الفاتحة، ولذا لم يُترجِمْ بها عينًا، نعم في رسالته ذهب كل مذهب. فائدة واعلم أن المصنّف رحمه الله تعالى قد شدَّد الكلامَ على مسائل أبي حنيفة رحمه الله تعالى في رسائله، ولم يكن ذلك يَلِيق برِفْعَة شأنه. وقد سَمِعْتُ من بعض الفضلاء قصةً في وجه نَكّارته من الحنفية، وهي: أن ملك بُخَارى أمر المصنّف رحمه الله تعالى أن يُعَلِّمَ أبناءه في بيته، فأجاب المصنّف رحمه الله تعالى: من شاء فليأتنا، ولا حاجةً لنا إلى الذهاب إلى بيت أحدٍ، فَغَضِبَ عليه الملك وأَجْلَاه. فخرج البخاري رحمه الله تعالى إِلى خَرْتَنْك - موضع بسَمَرْقَنْدِ - وألقى بها عصاه، ودعا ربه: أنه لم يَبْقَ له بعد ذلك في الحياة حاجة، فتُؤُنِّيَ في يوم العيد. قيل: إن الذي ساعد الملك على إخراجه أبو حفصٍ الصغير، وهو تلميذ أبي حفصٍ الكبير - تلميذ الإِمام محمد رحمه الله تعالى - وهذا هو سبب نكارة البخاري رحمه الله تعالى من الحنفية. قلتُ: ولي فيه تردُّد لِمَا ذَكَرَ الحافظُ رحمه الله تعالى فى مقدمة ((الفتح)): أن أبا حفصٍ الصغير كان رفيقًا للبخاري في أسفاره، حتى أنهما كانا يَتَهَادَان أحدهما إلى الآخر، فما دام لا يتحقَّق للتغاضُب بينهما سببٌ، لا أَثِقُ بتلك الحكاية. والله تعالى أعلم بالصواب. ٩٦ - باب القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ ٧٥٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ: صَلَاَتَي العَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، كُنْتُ أَرْكُدُ فِي الأُولَيَينِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَينِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذلِكَ الَّنُّ بِكَ. [طرفه في: ٧٥٥]. ٧٥٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَينٍ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسَمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًاَ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيَ العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَينٍ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ. [الحديث ٧٥٩ - أطرافه في: ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩]. ٧٦٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سأَلِنَّا خَبَّابًا: أَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَقْرَأُ فِي الظُهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلنَا: بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابٍ لِحْيَتِهِ. [طرفه في : ٧٤٦]. ٣٥٢ كتاب الأذان ٩٧ - بابُ القِرَاءَةِ في العَصْرِ ٧٦١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَضْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَّالَ: قُلتُ بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [طرفه في: ٧٤٦]. واعلم أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى لمَّا لم يَجِدْ دليلًا للفرق بين الفاتحة والسورة كما عَلِمْتَ، ترجم على نفس القراءة: الفاتحة وغيرها سواء. ومن العجائب ما نُسِبَ إلى ابن عباس رضي الله عنه من عدم القراءة في العصرين، وما ينقله بعض الرواة: ((إن كنا نعرف قراءته من اضْطِرَاب لحيته، فهو أمارةٌ مَحْضَةٌ، قلتُ: فأين ذَهَبَت الفاتحةُ، لو كانت رُكْنَا عنده، فالقراءة فيهما إنما تُبْنَى على التعامُل والتوارُث، ولمَّا لم يكن هناك اختلافٌ لم ينازع أحدٌ منهم في لفظ الاضْطِرَاب أنه ما يفيد، ولو كان لوَقَعَ الجَلَب والشَّغْبُ؛ وهذا يَدُلُّ على أن المسائل لا تُبْنَى على ألفاظ الرواة فقط بل الفاصلُ هو التعامُل لا غير. ٧٥٩ - قوله: (يُطَوِّل في الأُولى)، وحُمِلَ من جانب الشيخين: على أن الطولَ من أجل الاستفتاح، لا من تِلْقَاءِ القراءة. قلتُ: والظاهرُ مذهب محمد رحمه الله تعالى لِمَا عند أبي داود: ((كان يُطَوِّل حتى ينقطع خسخسة الأقدام)). أقولُ: والأحسنُ أن يستوي بينهما إِلَّا إذا رَجَا إدراكَ الناس، فيطوِّل على ما هو في الحديث. ٧٦٢ - حدّثنا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ يَقِّرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظَّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. [طرفه في: ٧٥٩]. ٧٦٢ - قوله: (ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا). واختلف مشايخنا في وجوب سَجْدة السهو إذا جَهَرَ في السِّرِّيَّةَ. فقيل: تَجِبُ ولو بكلمةٍ. وقيل: بآيةٍ تامةٍ. وقيل: بأكثر من الآية، وأَخْتَار الثاني، وإن جَازَ حمله على الثالث أيضًا، فإِن الجهرَ بالآية لا يَسْتَلْزِمُ الجهر بتمامها، فإِنك تقول: ضربتُ زيدًا، مع أنك لا تَضْرِبُ إِلَّا بعضه، فكذلك الفعل إذا وَقَعَ على محلٍ لا يوجب استيعابه لغةً، وحينئذٍ جَازَ أن يعبِّر بجهر الآية فيما إذا جَهَرَ ببعضها، إِلَّا عند ابن جَنِّي، فإنه يقول: إن قولهم: ضَرَبْتُ زيدًا، مجازٌ فيما إذا ضرب بعضه، وخَالَفَهُ الجمهورُ في ذلك. ثم إن الجهرَ بها كان للتعليم، أعني به تعليمَ ما يَقْرَأُ، لا تعليم الجهر نفسه، وهكذا كان الجهرُ بالتسمية، فلم تكن سنة بل تعليمًا لما يقرأه، واسْتُحْسِنَ الجهرُ بها في السِّرِّيَّة لدفع المارِّ. ٩٨ - باب القِرَاءَةِ في المغرب ٧/٣ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الَفَضْلِ سَمِعَتْهُ ٣٥٣ كتاب الأذان وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالُْرْسَتِ عُرْفًا﴾ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هذهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لِآَخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ بِهَا فِي المَغْرِبِ. [الحديث ٧٦٣ - طرفه في: ٤٤٢٩]. ٧٦٤ - حدّثنا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيدُ بْنُ ثَأَبِتِ: مَا لَّكَ تَقْرَأْ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَّدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقْرَأْ بِطُولِ الْطُولَيَينِ؟! ٧٦٣ - قوله: (﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفً ﴾﴾ ... إنها لآخِرُ ما سَمِعْتُ من رسول اللهِوَ هِ يَقْرَأُ بِها في المغرب). واعلم أن الاختصار في القراءة مستحبٌّ في المغرب، فحمله الطحاويُّ على أنه قَرَأَ ببعضها ولم يقرأ بتمامها. ثم لو سُلُّم أنه قرأ بتمامها، فلا بأس أيضًا، فإن التطويلَ أيضًا جائزٌ بشرط عدم التثقيل على القوم، واشتباك النجوم، وقد مرَّ مني: ((أن النبيَّ تَّ خَرَج في مرضه في المغرب أيضًا))، وهو صريحٌ عند النَّسائي. وأوَّله الحافظُ رحمه الله تعالى: أنه خرج من ناحية بيته إلى ناحيةٍ أخرى. ثم إن أبا داود قال: إن تطويلَ القراءة في المغرب منسوخٌ، مع أنك قد عَلِمْتَ أن قِراءته بـ: ((المرسلات)) كان في مرض الموت، فكيف يمكن القولُ بالنسخ إن لم يُحْمَل نسخه على ما قاله الطَّحَاويُّ، وإذا قال الطحاويُّ: إن رفعَ اليدين منسوٌ، جَلَبُوا عليه من كل جانبٍ، مع أنه يتكلّم ممن اختار الوُجُوبَ، ونسُ الوُجُوب لا يُوجِبُ نسخَ الجواز، على أن النسخَ عنده ليس بمعنى رفع المشروعية، بل إذا جاء أمرٌ، ثم ثَبَتَ عنه بخلافه، يُطْلِقُ عليه النسخ كما عَلِمْت منَّا مرارًا . واعلم أن في إسناد هذا الحديث: مروان، وفي نفسي منه شيء، فإنه صار سببًا لإثارة فتنة شهادة عثمان وطَلْحَة رضي الله عنهما، وهو الذي كَتَبَ لمحمد بن أبي بكر: اقتلوه مكان فاقبلوه، كما مرَّ. ومع هذا كان صادق اللهجة غير كذوبٍ، فتُعْتَبَرُ روايته. قال المُقْبَلي - وهو زيدي - إن البخاري لفرط تعصُّبه من الحنفية يأخذ الروايات من الرجال المجهولين، ولا يأخذها من نحو محمد رحمه الله تعالى، وهذا الزيديّ لمّا اشتغل بالحديث فَتَر في زيديته . ٩٩ - بابُ الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ ٧٦٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه قَرَأَ فِي المَغْرِبِ بَالظُورِ . [الحديث ٧٦٥ - أطرافه في: ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤]. ٧٦٥ - (عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم عن أبيه ... ) إلخ، وكان جاء لافتكاك أُسراء بدر، وسَمِعَ هذا الحديث، ثم أَسْلَم بَعْدُ، كما في ((معاني الآثار)) مفضَّلًا (١)، والمحدِّثين نزاعٌ في أنه هل يُعْتَبَرُ بسماع الكافر أو لا؟ (١) أخرج الطَّحاويُّ في باب القراءة في صلاة المغرب، عن جُبَيْر بن مُطْعِم: ((أنه أتى النبيَّ بَّ في بدر قال: فانتهيت إليه وهو يُصَلِّي المغربَ، فقرأ بالطور، فكأنما صَدَع قلبي حين سَمعْتُ القرآن - وذلك قبل أن يُسْلِم -. اهـ. ٠ ٣٥٤ كتاب الأذان ١٠٠ - بابُ الجَهْرِ فِي العِشَاءِ ٧٦٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِع قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴿﴿﴿ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلفَ أَبِي القَاسِمِ بَّهِ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلقَاهُ. [الحديث ٧٦٦ - أطرافه في: ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨]. ٧٦٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيّ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّكَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَينِ، بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. [الحديث ٧٦٧ - أطرافه في: ٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦]. ١٠١ - بابُ القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ ٧٦٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيمِيُّ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِع قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا الَّءُ أَنْشَقَّتْ ﴿﴾ فَسَجَدَ، فَقُلتُ: مَّا هذهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلفَ أَبِي القَاسِمِ نَّ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [طرفه في: ٧٦٦]. وهو سنةٌ عند الجمهور، وواجبٌ عندنا، ولا دليل له عندي. ٧٦٦ - (فَسَجَدَ، قد تَفْسُد بها الصلاة عندنا في السِّرِّيَّة، وهو مُشْكِلٌ، فإِن السجدة من جنس أفعال الصلاة، فينبغي أن لا تَفْسُد بها الصلاة كالأذكار في غير موضعها، مع كونها غير مشروعةٍ . ٧٦٧ - قوله: (فَقَرَأْ في العِشَاء في إحدى الرَّكْعَتَيْنِ، وقال الحافظُ رحمه الله تعالى: وَقَرَأَ في الثانية: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ [القدر: ١]. ١٠٢ - بابُ القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ ٧٦٩ - حدّثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نََّ يَقْرَأُ: ﴿وَالِيْنِ وَالزّتُونِ ﴾﴾ فِي العِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ، أَوْ قِرَاءَةً. [طرفه في: ٧٦٧]. ١٠٣ - بابٌ يُطَوِّلُ فِي الأُولَيَينِ، وَيَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَينِ ٧٧٠ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةً قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ! قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَينِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَينِ، وَلَا أَلُو مَا اقْتَدَيتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولٍ اللَّهِ وَلَّهِ قَالَ: صَدَقْتَ، ذَاكَ الَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. [طرفه في: ٧٥٥]. ٣٥٥ كتاب الأذان ١٠٤ - بابُ القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ◌َّهُ بِالْطُورِ. ٧٧١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةً قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يُصَلِّي الظَّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ، وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصِى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَينِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا، مَا بَينَ السِِّينَ إِلَى المائَةِ. [طرفه في: ٥٤١]. ٧٧٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. قوله: (قالت أُمُّ سَلَمَة) إلخ، وهذا في حُجَّة الوداع. ٧٧٢ - قوله: (في كلِّ صلاةٍ يُقْرَأُ) أتردَّدُ في رفعه (١) ووقفه، وأمَّا قوله: (وإن لم تَزِدْ على أُمِّ القرآن)، فمن قول أبي هُرَيْرة رضي الله عنه، وهذا يَدُلُّ على استحباب السورة عنده، ثم تبيَّن لي أن أبا هريرة رضي الله عنه إنما قاله في حقِّ المسبوق، لِمَا عند مالك: ((من فاتته الفاتحة، فقد فاته خیرٌ كثيرٌ)) (٢) . ١٠٥ - بابُ الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَّةِ الفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: طُفتُ وَرَاءَ النَّاسِ، وَالنَّبِيُّ ◌َُّ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ بِالْطُورِ . قوله: (وقالت أَمُّ سَلَمَة رضي الله عنها: طُفْتُ وراءَ النَّاس ... ) إلخ، وقد مرَّ أنه كان فِي حَجَّة الوداع، وكانت أُمُّ سَلَمة رضي الله عنها شاكيةً، فَطَافَتْ من وراء الناس والنبيُّ ◌َّهُ يُصَلِّي صلاة الفجر يَقْرَأ بالطور يَجْهَرُ بها . ٧٧٣ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ لَّهَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَامِدِينَ إِلَى سُوَقِ عُكَّاظِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، (١) وفي تذكرةٍ عندي: الجزمُ برفعه. (٢) يقول العبدُ الضعيفُ: هكذا وجدته في تذكرتي عن الشيخ إلَّا أني فَهِمْتُ مراده وظاهره لا يعلَقُ بالقلب ولعلَّه سقط منه شيءٌ، فانخزم المراد. ٣٥٦ كتاب الأذان فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بِينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ! قَالُوا: مَا حَالَ بَينَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا شَيءٌ حَدَث، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هذا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْصَرَفَ أُولِئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، إِلَى النَّبِيِّ بَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظِ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْأَنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هذا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿ يَهْدِىّ إِلَىَ الزُّشْدِ فَامَنَا بِّ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّناً أَحَدًّا (٣)﴾ [الجن: ١ -٢]. فَأَنْزَلَ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرُغَنَا عَجَبًاً اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ بَُّ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَى﴾ [الجن: ١]. وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيهِ قَوْلُ الجِنِّ. [الحديث ٧٧٣ - طرفه في: ٤٩٢١]. ٧٧٣ - قوله: (عَامِدين إلى سُوق عكاظ)، واتفقوا على أنه قبل الإسراء حين كان النبيُّ لِلّ يَذْهَبُ إليهم لتبليغ الإِسلامِ . قوله: (وأُرْسِلَتْ عليهم الشُّهُب)، واستشكل الحديث، فإنه يَدُلُّ على أن الحَيْلُولة وإرسال الشهب بَدَأَ من زمن نبوته وَل﴾، مع أن إرسال الشُّهُبِ مِن بَدْءِ الزمان، والجواب كما في الهامش عن الكِرْمَاني أنها وإن كانت من قبل أيضًا، إلَّا أَنه غَلُظَ أمرها في زمنهِوَلّ. وههنا إشكالٌ آخر: وهو أنه يُعْلَمُ من سِيَاق القصة أن إرسال الشُّهُب وضربهم في مشارق الأرض، كانا في زمانٍ واحدٍ، مع أن ضَرْبهم في الأرض حالُهم في أوائل نبوته، وإرسال الشُّهُب فيما بعدها بكثير (١). بقي أن هذه الشُّهُب هي النجوم بعينها، أو شيءٌ آخر؟ فالتحقيق أنها هي النجوم بعينها، لا كما في هيئة بطليموس، فإنه ثَبَتَ اليوم الخرق والالتئام في الأجسام الأثيرية، وشُوهِدَت في الشمس مشاعيل وغُبْشَات، ثم الشياطين: أُظْلِقَ عامةً على الجن. وفي كُتُب السير: إن هؤلاء الجن كانوا من نَصِيبِين، وهو قريبٌ من الموصل، وبقربه بابل. قيل: إن قصة هاروت وماروت كانت في زمن إدريس عليه السلام، وهناك بُعِثَ نوح، وبعده إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولعلَّ جِنَّ نَصِيبينٍ جاؤوا لهذه السلسلة. قوله: (توجّهُوا ... ) إلخ، ولعلَّهم لمَّا رأوا الشُّهُب تَطَلَّبوا أمرها، فإذا لم يتحقَّق عندهم أمرٌ قَعَدُوا قانطين؛ ثم اتفق أنهم رَأَوه يُصَلِّي فيما بعده بكثير. قوله: (بنخلة) موضع عند الطائف، وهي غير بطن النَّخْلة. (١) يقول العبدُ الضعيفُ: والذي يَحْضُرُني الآن في جوابه عن الشيخ رحمه الله: إن في لفظ الحديث تقديمًا وتأخرًا، ولم أجد له في تذكرتي جوابًا، وما كان فيه لم أفهم مراده لعدم تمكُّن الضبط التام، وبالجملة كانت التذكرة مشكوكةً من هذا الموضع جدًا . ٣٥٧ كتاب الأذان قوله: (وهو يُصَلِّي بأصحابه صلاة الفجر) وثَبَتَ فيها الجهرُ والجماعةُ والقراءةُ، وهي شاكلةُ الفريضة، فلا دليل على كونها نفلًا قبل الإسراء. قوله: (وإنما أُوحِي إليه قولُ الجِنِّ)، قال ابن عباس رضي الله عنه: إن شهودَ الجِنِّ واستماعهم لقراءته، كلَّه كان بخبر الوحي، ولم يَطَّلِع عليه النبيُّ نَّه حين قالوا ذلك. وعند مسلم، في باب سجدة التلاوة، عن ابن مسعود رضي الله عنه: ((أنه آذنته الشجرة بتلك القصة)). وهو في البخاري أيضًا في التفسير. واعتمد المفسِّرون على قول ابن مسعود رضي الله عنه، لأنه أكبرُ سنًا منه، ولعلَّ ابن عباس رضي الله عنه لم يكن وُلِدَ بَعْدُ. ثم في إسناد مسلم: مَعْن، وهو ابن أخ لابن مسعود رضي الله عنه، وكان ابنه القاسم كثيرُ الملازمة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، فاقْدِرَ قَدْرَ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث يتعلَّمُ منه الدينَ ذريةُ ابن مسعود رضي الله عنه . ٧٧٤ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ بَِّ فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، و﴿لَّقَذَّ كَانَ لَكُمْ فِ رَشَوْلِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٧٧٤ - قوله: (وسَكَت فيما أُمِرَ ... ) الخ، أي من السورة، ويَحْمِلُه البخاري على السِّرِّيَّة، إلّا أنه يُرْوَى عنه عند الطحاويِّ بإسنادٍ جيدٍ: إني قد عَلِمْتُ الدينَ كلَّه، إلَّا أني لم أتحقَّق القراءةَ في السرية، ولا أدري ماذا مراده، فإِنه يُرْوَى عنه القراءة أيضًا. واضْطَرَب الحافظُ رحمه الله تعالى هناك، واستشعر أنه تَنْهَدِمُ منه ركنية الفاتحة. قلت: ولا تمسُّك فيه للحنفي، فإنه يُخَالف الوجوبَ أيضًا . قوله: (وما كَان ربُّك نَسِيًّا)، وشرحه في القاموس بما لا يوجد في شروح الحديث، فراجعه . قوله: (أُسْوَةٌ): صفةٌ مُشَبَّهَةٌ كالقدوة، وجِيئَت بصلة ((في)) للتجريد، ولو كان مصدرًا لما کان مناسبًا . ١٠٦ - بابُ الجَمْعِ بَينَ السُّورَتَينِ فِي الرَّكْعَةِ، وَالقِرَاءَةِ بِالخَوَاتِيمِ وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ شُورَةٍ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: قَرَأَ النَّبِيُّ ◌َّهِ المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسىَ، أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الِمَثَّانِي. وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ. وَقَالَ ٣٥٨ كتاب الأذان قَتَادَةُ - فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةٌ فِي رَكْعَتَينٍ، أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَينٍ .: كُلٌّ كِتَابُ اللهِ. وهو جائزٌ عند الطَّحَاويِّ، وكَرِهَه في ((الكبيري) في بعض الصور. قوله: (القراءة بالخَوَاتِيم)، والمستحبُّ عندنا: أن يقرأ في ركعة بسورة بتمامها . قوله: (وبسُورَةٍ قبل سُورَةٍ)، كَرِهَها ابن نُجَيْم، وقال: إن رعايةً الترتيب من واجبات القراءة دون الصلاة، فلا تَلْزَم سجدة السهو بتركها، وذلك لأن الترتيبَ حادِثٌ بعد جمع القرآنِ، والرواياتُ التي تَدُلُّ على خلافه كلُّها قبل جمع القرآن، فلا تكون حُجَّةً علينا. ثم جاء الملَّا نظام الدين وحسَّن كلامه. ثم استدلّ صاحب ((البحر)) على الفرق بين التطوُّع والفريضة، حيث لا يكره اختلال الترتيب في النافلة: بأنَّ كلَّ ركعةٍ من النفل صلاةٌ برأسها . أقولُ: إن المشهورَ أن ترتيبَ الآيات توقيفي، وأما ترتيبَ السور فاجتهاديٌّ، وقيل: توقيفي أيضًا، غير الأنفال والتوبة، وهو المختار عندي، ولكنه لمَّا لم يَبْلُغ عند الصحابة رضي الله عنهم إلى حدِّ الوجوب، وبقي من باب المحسَّنات، ظنَّ أنه كان عندهم اجتهاديٌّ. ٧٧٤ م، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدٍ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأْ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأْ بِهِ، افَتَحَ: بـ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهِذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى؟ فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذلِكَ فَعَلِتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفضَّلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ بَّهِ أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: ((يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هذهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟)) فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّها، فَقَالَ: ((حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ). ٧٤٤ م - قوله: (وقال عُبَيْد الله)، وقد وصله الترمذيُّ. قوله: (رجلٌ من الأنصار)، وهو اسمه: كلثوم بن هِدْم، متقدِّم الإِسلام، وكان إمامُ قومه . قوله: (كلما افتتح ... ) إلخ، وظاهره تركُ الفاتحة أيضًا، وتمسّك منه العَيْني رحمه الله تعالى لمذهب الحنفية. قلتُ: والذي يُظَنُّ به: أنه كان يَقْرَأُ الفاتحةَ وسورةَ الإخلاص على التعيين، وسورةً أخرى أيضًا لا على التعيين، وإلَّا فالحديثُ لا يَسْتَقِيمُ على مذهب الحنفية، فإنه يَلْزَمُ عليهم أيضًا تركُ الواجب. بقي لفظ: ((الافتتاح))، ففيه وَسْعَة، خُذْه بأي اعتبارٍ شِئْتَ. قوله: (لا تَرَى أنها تُجْزِتُك)، يُشِيرُ إلى وجوب ضمِّ السورة. ٣٥٩ كتاب الأذان تحقيقُ لفظِ الإجزاءِ والصِّحَّة (١) واعلم أن هذين اللفظين ممَّا يَكْثُر وقوعهما في كثيرٍ من عبارات فقهائنا مع اشتمال المقام على الكراهة، فيقولون: صَحَّت الصلاة وأجزأت، معَّ أنها تكون مكروهةً عندهم. وهذان اللفظان يُشِيرَان إلى انتفاء الكراهة، فَيَزْعُمُ الخصومُ أنها غير مكروهةٍ عندنا، ثم يُورِدُون علينا ويردُون علينا. ولو وَضَعَ الفقهاءُ مقامهما لفظًا آخر، لم تَرِدْ علينا تلك الإيرادات، ولم يَسْتَوْحِشْ منه الخصوم. والآن أريدُ أن أُلقيَ عليك حقيقة هذين اللفظين. فاعلم أن قولَ الفقهاء: ((صحَّ)) ليس مأخذوا من قولهم: ((صحَّ المريض)) ليدُلَّ على الصحة باعتبار الأوصاف، بل بحَسَب الأجزاء فقط. قالوا: ((إنها صَحَّت)): أرادوا بها تَمَامِيَة الأجزاء، وإن اشتملت على نقصان في أوصافها. واللفظ يكون موضوعًا لمعنىّ في اللغة، ثم يَنْسَلِخُ عنه في العُرْف، والبُلَغَاء يستعملونه بالنظر إلى الاستعمال الأول، فيضْطَرِبُ فيه العوام لذهولهم عن استعماله الأول، وشيوعه في غيره عندهم. ولا يُقَالُ له: تعدُّد المعاني، بل: تعدُّد موارد الاستعمال، كما مرَّ منا في لفظ المسح والنَّضْح. فالمسحُ في حق الأَرْجُل: بالإِسالة، وفي الرأس: بإِمرار اليد المبتلّة. وكذلك نَضْحُ البحر يكون بالأمواج، ونَضْحُ النواضحِ بحملها ماءً كثيرًا، ونَضْحُ الإنسان بالرشِّ. فهل تَرَاه أنه اختلفت معانيه؟ كلا، بل هو لفظٌ واحِدٌ لمعنىّ واحدٍ، وإنما اختلف بحَسَبِ اختلاف الموارد. أَلَا تَرَى أن الرشَّ في البحر لا يكون إِلَّ بقدر عِظَمِهِ، وهو بالأمواج، وكذلك في النواضح. فهو في جميع المواضع بمعنى الرَّشِّ، إلّا أن الرشَّ والرشُّ مختلفٌ، ومن هذا التحقيق اندفعت اعتراضاتِ الخصوم بأسرها، ومع ذلك لو تَرَكَها الفقهاءُ لكان أحسن، فإنه وإن صَحَّ باعتبار الأصل، إلَّا أنه يُوقِعُ الناس في الغلط وترجمته صحَّ عندي بالفارسية (شد) لا (درست شد) وكذلك ترجمة أجزاء (روان شد) وبالأردویة (کجھ هو کیایا جل کیا). قوله: (حُبُّك إِيَّاها ... ) إلخ، وقد مرَّ أنه تصويبٌ للنية دون العمل، مع أنه سَبَقَ منه الاعتراض عليه أيضًا، حيث قال: ((ما يَمْنَعُك أن تفعلَ ما يأمرك به أصحابُك))، وفيه: أن الأحسنَ أن لا يُعَيِّن سورةً من القرآن لشيءٍ من الصلوات، كما في ((الكنز)). واستثنى منه ابن نُجَيْم التقيد بالسور التي ثَبَّتَت عن النبيِّ وَّةِ، فالتعيينُ بقدره يجُوزُ. (١) وقد عاد الشيخُ إلى تحقيق هذين اللفظين في موضع آخر أحسن منه وأبسط، فراجع الفهرس - وقد حقَّق: أن قولَهم صَحَّ مأخوذٌ من الدرهم الصحيح، فإن الدراهم في القديم كانت صحيحةً ومكسورةً وحينئذٍ فالصِّحَّةُ تَرْجِعُ إلى نفس الذات، ولا تتعرَّض إلى الأوصاف. ثم وَجَدْتُ عند الخَطَّابي بعض ما قاله. قال في ((معالمه)) من باب كسر الدراهم: وبلغني عن أبي العباس بن شُرَيْح أنه قال: كانوا يُقْرِضُون الدراهم ويأخذون أطرافها، فَنَهُوا عنه. ونُقِلَ عن أبي داود: أنه سأل أحمد بن حنبل أو سأل حضري سائل ومعي درهم صحيح، فقلت: اكْسِرْه له؟ قال: لا وزَعَمَ بعضُ أهل العلم أنه كرِهَ قطعها وكسرها من أجل التدنيق. وقال الحسن: لعن الله الدَّانِقِ وأول من أحدث الدانق. اهـ. ٣٦٠ كتاب الأذان ٧٧٥ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيِلَّةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: هَذَّا كَهَذِّ الشَّعْرِ؟! لَقَدْ عَرَفتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَقْرُنُ بَينَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَينِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. [الحديث ٧٧٥ - طرفاه في: ٤٩٩٦، ٥٠٤٣]. قوله: (شُعْبَة): وهو واسطي، وعلمه من أهل الكوفة، وكذلك شيخه عمرو بن مُرَّة، وهكذا إسناد ابن مسعود رضي الله عنه كلَّه من أهل الكوفة . قوله: (هذَّا كَهَذِّ الشَّعْرِ)، ولعِلَّهم إذا لم يَتَغَنُّوا هِذُّوا به، والمراد منه القراءة بالسرعة. ولعلَّ التشبيه بهذِّ الشَّعْر باعتبار هَذِّهم عند الحفظ، وإلَّ فهم كانوا يَنْشِدُون الأشعار بتمطيط وتطويلٍ، لا بالسرعة. قوله: (النظائر)، وفي بعض النُّسَخ: ((القرائن))، وكنت أراه بمعنى المتناسبة فقط. ثم. رأيتُ في القاموس أن القَرينين يقال للبَعِيريْن كانوا يَشُدُّونهما في حبلٍ بشجرةٍ: واحدًا في هذا الطرف، والآخر في ذلك الطرف. ولعلَّهم كانوا يَشُدُّونهما لمناسبةٍ فَّ طبعهما ليستأنسا بهذا الطريق، فلا يفترقا. ويُقَال لهما: القرينان، ويُقَال لهذا الحبل الذي يُقْرَنُ به البعير القَرْن، فحينئذ ذُقْتُ حلاوة هذا اللفظ، فإنه يَدُلُّ على التناسُبِ الشديدِ بين هاتين السورتين، لا على المناسبة في الجملة، فكانت هَاتِيكَ النظائر متناسبة بحيث لا يمكن افتراقها كالقرينين من البعير. قوله: (فَذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً)، واستدلَّ منه الكِرْمَاني الشافعي على أن الوترَ ركعةٌ، لأن المعروفَ في عدد ركعاته وَلّ إحدى عشرة، فإِذا صارت عشرون سورةً لعشر ركعاتٍ، سورتان في كل ركعةٍ، لَزِمَ أن يكون الوترُ ركعةٌ، تمامًا لإحدى عشرة. قلتُ: لِمَ لا يجوز أن تكونَ صلاتُه ثلاث عشرة ركعة؟ فصارت عشرون سورةً لعشر ركعاتٍ، وبقيت الثلاث للوتر. كيف، وقد عدَّ أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه تلك السور مفصّلة، كما هو عند أبي داود (١). ١٠٧ - بابٌ يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ٧٧٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَينِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَسُورَتَينٍ، وَفِي الرَّكْعَتَينِ الأُخْرَيَينِ بِأَمِّ الكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُ ولَى مَاَلَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهكذا فِي العَصْرِ، وَهكذا فِي الصُّبْحِ. [طرفه في: ٧٥٩]. (١) أخرج أبو داود في باب: ما يقرأ في الوتر عن أُبَيِّ بن كعب قال: ((كان رسول الله وَلِ يُوتِرُ بـ: ﴿َسَيْجِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾، و: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، و﴿ اَللَّهُ الضَمَدُ ﴾﴾ - المراد منه: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ﴾ وقد وَرَدَ في غير واحدٍ من الروايات: ((أنها كانت في ثلاث ركعات))، فدلَّ على أن الوترَ عند أُبيِّ بن كعب ثلاث ركعات، وإذن لا تكون صلاة الليل إلا ثلاث عشرة ركعةً، وذلك ما أردناه.