Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الأذان
ويَتَبَادَرُ من كلام الشارحين أن في ذهنهم تعدُّد الرفع في القَوْمة في هذا الحديث، وحينئذٍ
لا بُدَّ للعمل به من بيان صورة، ولكنه لم يتوجَّه أحدٌ منهم إلى أنه ماذا تكون صورة العمل به في
الخارج أمَّا أنا فقد ناديت أن الرفعَ فيها واحدٌ بالعدد، فهل ثَمَّ داعٍ أو مجيبٍ إذن.
وكذلك في البابِ حديث عند ابن ماجة (١) ((أن رسول الله ◌َّ كان يرفعُ يديه عند كل
تكبيرة)) ... الخ، وأعلَّه كلُّهم، وما ذلك إلَّا لأنهم فَقَدُوا به العمل، ولم يستطيعوا أن يَعْمَلُوا
بكلِّه، فاضْطَرُّوا إلى الإعلال. وتبيَّن لي شرحُه بعد مرور الأزمان وتقليب الأجفان: أن المراد
من الرفع هو انتقال اليدين من مكانٍ إلى مكان، أي كانت يداه تنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ عند كل
تكبيرة .
فإن قلتَ: إن الرفع بهذا المعنى لا حاجة إلى ذكره، قلتُ: كلا بل أراد به الرَّاوي أن
يفهرس الرفع، ومنْ جنسه الرفع المختلف فيه وإن تغيَّرت شاكلته، واستفدتُ منه مهمةً أخرى
وهي: أن شعارَ التكبير هو الرفعُ، فإذا كَبَّر رَفَعَ، وحينئذٍ صار تعرُّضه إليه مهمًا جدًا، وراجع له
((نيل الفرقدين)) وفي التوراة لمَّا وَقَعَ الحَرْبُ بين موسى عليه الصلاة والسَّلام وبين العَمَالِقَة، لم
يَزَلْ موسى عليه الصلاة والسَّلام داعيًا رافعًا يديه حتى كادت الشمس تَسْقُطُ، فَثَقُلَت يداه
وسَقَطَت، فجاءه هارون عليه الصلاة والسَّلام، فأمسكها أن تسقط قبل الفتح. وبالجملة هذا
الفهرس كفهرس عدد التكبيرات في بعض الأحاديث، وليس من البديهي المُسْتَغْنَى عنه.
٨٤ - بابُ رَفعِ اليَدَينِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ
٧٣٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبِرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَن
الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَأَيثَ
رَسُولَ اللَّهِن ◌َّهِ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ، رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يَكُونًا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ حِينَ
يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). وَلَا
يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السُّجُودِ. [طرفه في: ٧٣٥].
والحديث وإن مرَّ من قبل أيضًا، لكنّ المصنّف رحمه الله تعالى دَخَل الآن في المسألة
المشهورة (٢) . واعلم أن الأحاديثَ الصِّحاح في الرفع تَبْلُغُ إلى خمسة عشر، وإن سَلَكْنَا مَسْلَك
(١) قلت أخرج البخاري في كتابه في رفع اليدين عن الهزيل بن سليمان قال سألت الأوزاعي قلت: يا أبا عمرو ما
تقول في رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهو قائم في الصلاة قال ذلك الأمر الأول اهـ.
(٢) يقول العبدُ الضعيفُ: ولقد أَجَلْتُ الأفكارَ في هذا المِضْمَار، ورُضْتُ الخيولَ، وخُضْتُ السيولَ وحَدَّقْتُ
الأحداقَ، وقلَّبْتُ الأوراق، فلم أجد إلَّا أن كلاَّ منهم يريد أن يَعْدِم الآخر، ويجعله كالأمس الدابر،
وليس بفاعل. فيأتي شافعي ويُرِيكَ كأنَّ التركَ شريعةٌ مستحدثةٌ لا أثرَ لها ولا خبر، ويأتي حنفي فيُوهِمُكَ
كأنَّ الرفعَ شريعةٌ منسوخةٌ، والكلام فيه جِدَالٌ بلا ثمر، ولعَمْرِي إنه لطمعٌ في غير مطمعٍ، وتصوتٌ في
غير مسمعٍ.
=

٣٢٢
كتاب الأذان
الإغماض، فإلى ثلاثة وعشرين. ولنا: حديثُ ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا، ومرسلٌ آخر
وها أنا أريدُ الآن أن ألقي عليك شيئًا تاريخيًا ينبُهك على ما وَقَعَ فيه من الإفراط والتفريط، لخّصْتُه من رسالة
=
الشيخ المسماة بـ: ((نيل الفرقدين لرفع اليدين)). ومن الإحساسات اللطيفة للشيخ ما تَقِرُّ عينكَ، وتُرِيح نفسكَ،
وتُتْلِجُ صدركَ، وتضيء بدركَ. واضْفَخ عن الكلام في الأسانيد، فإنه قليل الجدوى في هذا المقام، فقد بلوتهم
أنهم يُسَامِحُون عند الوِفَاق، ويُمَاكِسُون عند الخلاف، وهذا كما تَرَى لا يكفي ولا يشفي، فإنْ كان بكَ شغفٌ به،
فارجع إلى رسالة الشيخ تغنيك بالإصْبَاح عن المِصْباح.
واعلم أن الرفعَ متواترٌ إسنادًا وعملًا، ولم يُنْسَخ منه ولا حرفٌ، وإنما بقي الكلامُ في الأفضلية كما صرَّح به أبو
بكر الجَصَّاص في ((أحكام القرآن))، والحافظ ابن تيمية في ((فتاواه)) وفي ((منهاج السنة)) وابن القيم في ((الهدي)) وأبو
عمر في ((التمهيد)) على ما فَهِمه صاحب ((مباني الأخبار))، وكانت قِطْعةٌ منه عند الشيخ.
وأمَّا التركُ، فإن لم يكن متواترًا إسنادًا لكنه متواترٌ عملًا، ولا ريب فقد كان أهلُ الكوفة كافة على الترك، كما
قال ابن نصر. ولفظه كما في تعليق ((الموطأ) نقلا عن ((الاستذكار)): ((لا نعلمُ مِصْرًا من الأمصار تَرَكُوا بإجماعهم
رفعَ اليدين عند الخفض والرفع إلاَّ أهل الكوفة)). اهـ. وهذه العبارة كما تَرَى اسْتَوْعَبت كل أهل الكوفة، فكُفِينَا
عُهْدَة استقرائهم، ويُفْهِمُ أن غير الكوفة تاركون أيضًا، وهكذا نَقَلَه في شرح («الإحياء)». وهو أصل عبارته. ونقله
الحافظ رحمه الله في ((الفتح)) هكذا: قال محمد بن نَصْر المَرْوَزِي: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك .
أي رفع اليدين - إلاّ أهل الكوفة. اهـ. وهكذا نَقَّلَه الشّوْكَاني في «الدراري المضيئة))، فتحرَّفت العبارة وانْخَرَمَ
المراد.
ثم إن أهل الكوفة تعلَّمُوه من ابن مسعود وعليٍّ رضي الله عنهما، وكانت الكوفة معسكرًا في زمن عمر
رضي الله عنه، فلعلَّه وَرَدَ فيها ألوفٌ من الصحابة رضي الله عنهم. وفي ((فتح القدير)) في باب المياه: إن
القَرْقِيسَة نَزَل فيها ستمائة من الصحابة رضي الله عنهم، وهي قرية من الكوفة، فإذا وَرَدُوا القرية الصغيرة
مثله، فاقدر حال الكوفة. وعند الدُّولابي في ((الأسماء والكنى)): أنه نَزَلَ في الكوفة ألف وخمسمائة من
الصحابة رضي الله عنه، وهو محمولٌ على نحو من الاعتبار، وإلاَّ فقد وَرَدوا فيها أضعاف ذلك لِمَا عَلِمْتَ
أنها كانت دارًا للعسكر في زمن عمر، فليس عملهم بهيِّن، وكذا كثير من التاركين كانوا في المدينة في
عهد مالك، وعليه بَنَى مختاره. وأمَّا أهل مكة، فكان أكثرهم يرفعون وتعلّموه من ابن الزُّبَيْر، وكان يرفع،
وعليه بَنَى الشافعي مذهبه.
والذي يَظْهَرُ أن الأمرَ في الرفع والترك في عهد الخلفاء كان على الإرسال والإطلاق، فمَن شَاءَ رَفَعَ، ومَنْ شَاءَ
تَرَكَ، ولم يُعَنِّف منهم التارُ على الرافع، ولا الرافعُ على التارك. ولو جَرَى البحثُ فيه، وظَهَرَ الخلافُ في زمن
الخلفاء لا نفصل. وهل يَلْصَقُ بالقلب أنه وَقَع فيه البحثُ في زمن أبي بكر رضي الله عنه، ثم لم ينفصل شيء،
ولم يَثْبُت قدمٌ في نحو الصلاة حتى فَصَله ابن الزُّبَيْر رضي الله عنه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، عند وفاة أبي بكر
رضي الله عنه، فحقّقْه، وحينئذٍ حَضْحِصٍ الحق، وتخلّص الأمر عند الخلاف. بل الأمرُ أنهم كانوا في خِيَرة منه
حتى اغْتَنَى به بعضٌ من الصغار، وتنوَّهوا به كابن الزبير في مكة، وابن عمر في المدينة. وذلك في سَجِيَّةِ الصغار
أنهم يَعْتَنُون بأمورٍ يسيرةٍ ولا يعتني بها الكبار.
أَلا ترى أن ابن الزُّبَيْر كان يَجْهَرُ بالتسمية، ومنه تعلّمه أهل مكة، فاستمرُّوا عليه إلى زمن الشافعي، مع أنه لم يكن
في عهد الكبار. وكذا جَهْرُ آمين أخذوه منه، مع أن أكثر الصحابة والتابعين كانوا على الإسرار، كما ذكره «الجوهر
النقي)) عن ابن جرير. وكذا كان ابن الزُّبَيْر يؤذِّن ويُقِيم للعيدين، كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)»،
وكان يُرْسِلُ يديه كما في («المغني))، فذقه.
=

٣٢٣
كتاب الأذان
في ((التخريج)) للزَّيْلَعي فقد ثَبَتَ الأمران عندي ثُبُوتًا لا مردَّ له ولا خلاف إلَّا في الاختيار،
وكذلك ابن عمر رضي الله عنه كان يتحرَّى بالاتفاقيات أيضًا، وكان يرمي بالحَصَى مَنْ لم يرفع في صلاته، فهل
=
تراه أمره النبيُّ ◌َّلة أو خلفاؤه بذلك، ولكنه كما قُلْنا من الاعتناء بأمور ثم التزامها بالجد والشدة، فهوّن عليك
الشأن، واعرف أن الصغار إنما يتعلَّمون الدينَ بالمشاهدة، كما هو دَأْبُهم في التعلُّم إلى يومنا هذا، وكذلك كل أهل
البلاد يتعلَّمونه من علمائها مشاهدةً وتوارثًا طبقة بعد طبقة، لا أنهم يكون عندهم خصوصُ سؤالٍ فيه، ثم الإنسان
فُطرَ على أنه إذا بَلَغَه أمرٌ أول مرة فاختاره، واعتاد به، لا يتحمِّل خلافه. ثم الناس على أنحاء بين حديدٍ وليْن،
وشديد وهيِّن، فَتَحْدُث تلك المبالغات. ومن هذا الباب: رمي ابن عمر رضي الله عنه بالحصى، ثم ماذا كان يريد
به، فإن أراد به التنبيه عليه، فإنهم لم يطيعوه على ذلك ولم يذوقوه كذوقه، بل بقي عندهم على الإباحة لا غير.
ومن هنا ظَهَر وجهُ ما رُوِي عن ابن الزُّبَيْر، عن أبي بكر بإسناد إلى رب العالمين: ((أنه كان يرفع يديه)»، فإن أصله: هو
تعلُّم ابن الزُّبَيْر من أبي بكر نفس الصلاة، لا خصوص رفع اليدين. وإنما رَفَعَها من علّمه، ثم جاء بعده ممن اختار
الرفع، فألحق رفعه أيضًا بهذا الإسناد زَعْمًا منه أنه صلَّى خلف أبي بكر رضي الله عنه. فلعلّه حقَّق منه الرفع أيضًا، مع
أنا نجد في غير واحدٍ من الأحاديث أنه يكون عندهم من صفات الصلاة، أو من وضوئه ◌َل# شيء، ثم يريدون
تعليمها، فيقولون: أَلاَ أريكم صلاةَ رسول الله مَّةٍ، أو وضوءَ رسول الله ◌َ لل، ولا يكون عندهم إلاَّ جزء منه.
وهكذا فليعتبره ههنا، فإن ابن الزُّبَيْر رضي الله عنه لمَّا تعلّم الصلاةَ من أبي بكر رضي الله عنه - ومعلومٌ أن أبا بكر
رضي الله عنه تعلَّمها من النبيِّ ◌َّ، وكذلك هو من جبريل، وهو من خالق السموات والأرضين - أَسْنَدَ من جاء بعده
رفعه أيضًا بهذا الإسناد، وإن كان رفعه من علمه فقط، وليس هذا تلبيسًا وتخليطًا، وإنما يكون الأمرُ عندهم كذلك
في الواقع، وإنَّما حقّقته أنا من القرائن. فانصف من نفسك: أن هذا الإسناد - أعني أبا بكر، عن النبيِّ ◌َّ، عن
جبريل، عن الله جلَّ مجده - هو إسناد الدين جملةً أو إسناد رفع اليدين، خاصةً، فكأنَّ الرواة أرادوا بذلك الإسناد أن ما
عند ابن الزُّبَيْر لا يكون إلاَّ سنةً من النبيِّ وَّةِ، لأنه تعلَّم الصلاةَ من أبي بكر، وحاله معلومٌ، وهل يحتاج مثل أبي بكر
أن يقول: صليت خلف النبيِّ وَّ؟ وأين كان يُصَلِّي دونه، وإنما يَحْتَاجُ مَنْ يُسْتَبْعَدُ صلاتَه خلفه ◌َّهِ، أو تكون قد
وقد، نعم لو قَالَ أبو بكر: كان رسول اللّهِوَ له يرفعُ، واقتصر عليه لكان له بعض اتجاهٍ، ولكن وَصْله إلى رب العالمين
مما لا يُعْقَلُ عنه، فإذن هو إسناد الدين المحمدي، ألْحَقَه بالرفع أيضًا ممن اختاره بعدُ اهتمامًا به.
يقول العبدُ الضعيفُ: وهذا نحو ما رواه الترمذي في مناقب أنس رضي الله عنه: حدَّثنا ثابت البُنَاني قال: ((قال لي أنس بن
مالك: يا ثابت، خُذْ عني فإنك لن تأخذَ عن أحدٍ أوثق مني، إني أخذته عن رسول الله وَّةِ، وأخذه رسولُ الله ◌ِِّ عن
جبريل، وأَخَذَه جبريلُ عن الله عز وجل)) . فلا رَيْبَ أن ذلك هو إسناد الدين كلِّه دون إسناد الرفع بخصوصه .
ثم إنك قد عَلِمْتَ أن التساؤلَ عن الرفع والترك لم يجر في زمانه، وإنما تؤَّجهت الأذهان إلى الخلاف فيه في زمن
الصغار، فلا يكون ذكرُ هذا الإسناد من أبي بكر، ولا من ابن الزبير، وإنما هو ممَّن نَقَلَ رفع ابن الزُّبَيْر، ثم أراد
تقويته، وقد عَلِمَ تعلُّم صلاته من أبي بكر، فذكر هذا الإسناد اكتفاءً بإسناد الدين، فدَغْ عنك التسلسل في العَنْعَنَة،
وخُذْ بما يَقَعُ في الشاهد في أخذ أهل البلاد من علمائها طبقة بعد طبقة، صغارهم من كبارهم، لا سؤالاً جزئيًّا، لا
سِيَّما فيما لم يقَغ فيه الاختلاف بعد.
والحاصلُ: أن الإسناد من أبي بكر ... إلخ، هو إسنادُ الدين عندي لا خصوص الرفع، ثم إنا لا نُنْكِرُ أن يكون
قد رَفَعَ ولو مئات من المرات، وإنما الكلامُ في النقل عنه بالطريق المذكور، وينبغي أن يلخص أنه ليس عند
الكوفيين عن أبي بكر رضي الله عنه شيءٌ، ولعلَّه ليس عند غيرهم أيضًا ما يكون ثابتًا عندهم، وعندهم عن عمر
أثبت مما عند خصومهم. وقد وَافَقَنَا على ذلك ابن بَظَّال أن عمله كان على الترك، ولم يَثْبُت عنه الرفع، وهو
أبلغ ممَّا قاله الطّحاويُّ: ثَبَتَ ذلك أي الترك عن عمر.
=

٣٢٤
كتاب الأذان
وليس في الجواز. فما في ((الكبير)) شرح ((المنية))، و((البدائع)): أنه مكروهٌ تحريمًا، متروك
ومن القرائن التاريخية الدَّالة على ذلك: أن الأسودَ قد صَحِبَه سنتين، هو وعلقمة قد ذهبا إليه لتعلّم الصلاة منه، ثم
=
استمرًّا على الترك كما في ((الإتحاف)). وبمثل هذه القرائن قال الطحاويُّ: ثَبَتَ ذلك عن عمر، وكذا عندهم عن
عليّ أثبت ممَّا عند خصومهم، وعليه دَرَجَ أصحابه، ولا حقَّ لأحدٍ في الكلام فيما نَقَلُوه عنه أهل الكوفة، لأنه كان
بين أظهرهم.
يقول العبدُ الضعيفُ: ولذا لم يذكرهما الترمذي من الرافعين فإن عمر وعليًّا رضي الله تعالى عنهما، لو ثَبَتَ عنهما
الرفع لصرَّح بأسمائهما. نعم، وهما أحق بذلك لو ثَبَتَ عنهما كذلك.
وأمَّا علم ابن مسعود رضي الله عنه فهم فيه منفردون لا يشاركهم فيه أحدٌ، وفي تعليق ((الموطأ)) نقلاً عن
((الاستذكار)): ((لم يُرْوَ عن أحدٍ من الصحابة تَرْكُ الرفع ممن لم يختلف عنه فيه إلاَّ ابن مسعود رضي الله عنه وحده))
اهـ. فإنه لم يُزوَ عنه إلاَّ الترك وجملة الأمر: أن أهل الكوفة فَاتَهم التحقيق عن أبي بكرٍ، ثم حقَّقوه من عهد عمر
رضي الله عنه إلى عهد عليّ رضي الله عنه، ثم استقرُّوا واستمرُّوا عليه ولم يبالوا بغيرهم، وهو الذي يجيبونه عند
التساؤُل، فخذ هذا ملخّصًا، فقد وقع في المبحث بخسٌ كثيرٌ، يُهَوَّلُون بسرد أسماء من علّلوه، لأنه لم يَخْتَزِه
فقط .
وليس من الإنصاف أن يُقْتَصَرَ في الباب على نُقُول الشافعية رضي الله عنهم، فإن للمالكية أيضًا شَطْرًا من العلم
والنقل به. هذا ما سَمَحَتْ به إلى الآن حالُ السلف، وما هم فيه وبعدُ، فإن كلَّهم أصحاب رسول الله ◌َّـ،
وأعلام الهدى لم يَقْصُدُوا بتلك المبالغات إلاَّ التمسُّك بسنة نبيهم، والعضَّ عليها بالنواجذ، فبأيهم اقتديتم
اهتديتم. وإنما أردنا بذلك بيان تحامُل الخصوم علينا، فإن ابن عمر رضي الله عنه وأمثاله أراد إحياءَ سنةٍ،
وهؤلاء همُّهم في إعدام الحنفية عن صفحة الواقع، وليس بدَأْبٍ صحيح، فإن الصحابة رضي الله عنهم إذا
اختلفوا في أمرٍ، فالجانبان حقٌّ وصوابٌ، وإخمالُ جانبٍ أو إعدامه بنحوّ لحن في الحُجَّة رقمٌ على الماء لا
غير، فمن رَفَع فهو على حقٍ وسنةٍ، وكذلك من تَرَك ولا لومَ عليه، ولا عنفَ، ولا شيءَ إذا كان لهم أيضًا في
السلف قدوةٌ، ونسأل الله التوفيق وسبيل السداد، فإن بعضَ من لا فقه لهم في الدين لمَّا رأوا ابن مسعود
رضي الله عنه يَتْرُك الرفع، جعلوا يَطْعَنُون عليه، ويَقْدَحُون فيه، ولا يدرون أنهم بصنيعهم هذا يَهْدِمُون بنيان
الدين، فإن نحو ابن مسعود رضي الله عنه لمَّا صار مطعونًا عندهم، والعياذ بالله، فممَّن يأخذون الدين من بعده
اللهم أحينا على حبِّك، وحبّ رسولك وحب آله وأصحابه والمسلمين أجمعين، وأمتنا عليه، ولا تجعل في
قلوبنا غِلاَّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوفٌ رحيمٌ.
وبعد ذلك، فانظر إلى المحدِّثين وما صَنَعُوا فيه فلا تَجِدهم أيضًا خَلَصُوا من المبالغات، حتى لم يَتْرِكوا فيه تاريخًا
صحيحًا ونقلًا واضحًا غير مخايل وقرائن. ففي ((الأم)): قلتُ للشافعي: خالفكَ في هذا غيرُنا، قال: نعم بعض
المشرقيين، ثم قال: وجُلَّ أهل المشرق يذهبون مذهبنا في رفع الأيدي ثلاث مرات في الصلاة، فخالفتم مع
خِلافكم السنة أمر العامة من أصحاب النبيِّ وَّهِ وقال: قلتُ: هل رووا فيه شيئًا؟ قال: نعم ما لا نُثْبِتُ نحن ولا
أنتم ولا أهل الحديث منهم مثله، وأهل الحديث من أهل المشرق يذهبون مذهبنا. ففي العبارة الأولى: أن جُلَّ
أهل المشرق يذهبون مذهبه، وفي هذه العبارة: أن أهل الحديث منهم هم الذين يذهبون مذهبه، لا كلَّهم ولا
جلَّهم. وكذا في ((الفتح)) عن ((جزء البخاري)): أنه لم يَثْبُت عن أحدٍ من أصحاب رسول اللّه ◌ُّمِ أنه لم يَرْفَع يديه
اهـ.
ولا يتمُّ له ذلك، فقد نَقَّلَ خليفته الإمام الترمذي العملَ بكلا النحوين، فقال بعدما أخرج حديث ابن مسعود في تركه:
وبه يقول غير واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبيِّ ◌َّ والتابعين، وهو قول سُفْيَان الثوري، وأهل الكوفة. اهـ . =

٣٢٥
كتاب الأذان
عندي. نعم، إن كان عندهما نقلٌ من صاحب المذهب، فهما معذوران، وإلَّا فالقولُ بالكراهة
وكذا بَالَغَ فيه ابن المُنْذِر، وقال: لم يختلف أهلُ العلم أن رسول الله بِّه كان يرفع يديه. ومن هذا الباب ما قال
=
الفَيْرُوزآبادي في ((سفر السعادة)» بعدما سَاقَ الكلام على إثبات الرفع في المواضع الثلاثة: ورُوِي عن العشرة المبشّرة
أنه ◌َّ* لم يَزّل على هذه الكيفية حتَّى رَحَلَ عن العالم. فردَّه العلامة السُّنْدِهي في رسالته ((كشف الرين)): بأن ما
نقله الفَيْرُوز آبادِي عن العشرة المبشَّرة في دوام فعله ◌َّر الرفع إلى وقت وفاته، فلم يصحّ فيه حديثٌ فضلاً عن
رواية العشرة. نعم، وَفَعَ ذلك في روايةٍ واحدةٍ عن ابن عمر مذكورةٍ في ((سنن البيهقي)) لكن سندها غير صحيح،
ومن ادَّعى صحته وصحة غيره، فعليه البيان. ا هـ.
وقد أصلَحَ الشيخ رحمه الله تعالى عبارته شيئًا، وما قال في ((سفر السعادة)) بعده: وقد صحَّ في هذا الباب أربعمائة
خبرٍ وأثرٍ. اهـ. فباطلٌ لا أصلَ له أصلاً، فقد رأيت حالهم في المبالغات، وما فعلوا من تكثير القليل، وتقليل
الكثير. ثم ذَهَبُوا يعدّدون أسماء الرَّافعين، فعدَّهم في ((الفتح)) خمسين نفرًا من الصحابة، وتَتَبَّعتهم، فوجدت أن
فيهم من كانوا يَرْفَعُون عند الافتتاح فقط أيضًا. وفي عبارة ((الاستذكار)) أنهم ثلاثة وعشرون، ونحوه في كلام
الشوكاني، فقد سَقَطَ منه نحو النصف، ونقل في ((التخريج)) من كلام البيهقي نحو خمسة عشر بأسانيد صحيحة
يُخْتَجُّ بها، وفي بعضها أيضًا كلامٌ، فبقي نحو اثني عشر، فذهب في المبالغات نحو ثلاثة أرباع، وبقي نحو الربع،
وحَصَلْنا من الخمسين على نحو اثني عشر. وإن أخذنا بلفظ: كل خَفْض ورَفْع))، فعدد الرفع أزيد منهم، هذا في
أسماء الصحابة .
أمَّا الأحاديث، فَخَلَصَ منها نحو خمسة أو ستة: حديث علي رضي الله عنه، مع اختلاف في ذكر الرفع والساكتون
أثبت. وحديث ابن عمر رضي الله عنه، ومالك بن الحُوَيْرث رضي الله تعالى عنه على وجوههما. وحديث وائل
رضي الله عنه على اختلاف في ألفاظه. وحديث أبي حُمَيْد رضي الله تعالى عنه على اختلاف في الذكر وعدمه.
وحديث جابر رضي الله عنه. ونحو هذا العدد من الجانب الآخر أيضًا، هذا حال المحدِّثين وما هم فيه، وراجع
لتفصيله الرسالة. ولعلَّك قدَّرْتَ من هذه الجملة: أن غاية أُمْنِية الخصوم أن لا تبقى للحنفية مُسْكة في الدين، ويأبى
اللهُ ورسولهُ إلاَّ أن يكون الناسُ كلُّهم في فُسْحَة ووُسْعَة من الدين.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: بلى قد ثَبَتَ عندنا تركه عن عمرٍ، وعليّ، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر،
والبراء بن عازب، وكعب بن عُجْرة رضي الله عنهم، عملاً أو تصديقًا منه، وعن آخرين ممَّن لم يذكر أسماءهم ولم
يُعَيِّنُوا، ومن التابعين عن جُلٌ أصحاب عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما، وجماهير أهل الكوفة وكثير من أهل
المدينة في عهد مالك رحمه الله واعترف به ابن القيم في ((أعلام الموقعين)»، وإن لم يجعله حُجَّةً، وناهيكَ بهم
قدوة.
وفي سائر البلاد أيضًا تاركون لم يُسَمَّوْا كما يقع كثيرًا فيما يجري التعامل والتوارث، فيستغنى عن ذكر الإسناد فيه،
لكونه غير مهم عنده أو أعْوَزَه، ثم يأتون الخلف فيطالبون الأسانيد، وإذا لم يجدوا أنكروا التواترَ العلميَّ، وكثيرًا
ما يَقْتَحِمُه ابن حَزْم في («محلاه)» كأنه لم تَقَعْ عنده في الدنيا وقائع ما لم يكن هناك إسنادٌ، وهذا قطعي البطلان،
فَيُنْكِرُ كثيرًا من الإجماعيات المنقولة بالآحاد، ويخرِّبُ أكثر مما يعمِّر، وهو ضررٌ عظيمٌ. أَلا تَرَى أن هذا القرآن
كيف تواتر على وجه البسيطة عند المسلمين طبقة بعد طبقة، بحيث لا يوجد أحدٌ منهم لا يعلم أنه كتاب سماوي
نزل على نبينا ◌َّ، وأن ما بأيدينا هو ذاك، ومع هذا لو طلبنا تواتر إسناد في كل آية منه لأعْوَزَنا ذلك وعجزنا،
وهكذا فعل ابن القيم في ((أعلام الموقعين)) في بعض نظائر مسألة الزيادة بخبر الواحد على القاطع، فلا يعلم كيف
خفي هذا على الناس، ومن تمرُّ عليه الدنيا أَلاَ يعلمون أن هذا الصنيع يعُودُ عليهم وَبَالاً، ويَلْزَم منه أن الدين قد
اختلط من الأول، ولم يبقَ إلى معرفته سبيلٌ يُوثَقُ به، وماذا يَحْصُلُ ويعود بالتشكيك في الضروريات.
==

٣٢٦
كتاب الأذان
في مسألةٍ متواترةٍ بين الصحابة رضي الله عنهم شديدٌ عندي.
على أن كَثْرة النقل ليست دليلاً على كَثْرة فعله وَّةِ، لأن الفعل الوجودي يَكْثُرُ تناقله بخلاف العدمي، فإنه لا يُنْقَلُ
=
إلاَّ بداعية، فالنقل في ترك الرفع إنما قلَّ بالنسبة إلى الفعل لكونه من التروك مع كونه كثيرًا في نفسه، كما قرَّره
الحافظ ابن تَيْمِيَّة رحمه الله في ذكرهم جَهْر التسمية، فَأَوْهَم كثرة وقوعه، وليس كذلك، وإنما تردّد فيه من اختار
الرفع مذهبًا أو كان من عادته ترجيح جانب من الاختلاف المباح أيضًا، فذهب يَهْدِرَ الجانب الآخر، كالبخاري على
خلاف عادة الآخرين، كالنّسائي وأبي داود والترمذي، ولذا تراهم يُبَوِّبُون للطرفين بخلاف البخاري، فإنه إذا اختار
جانبًا بتّ به، ثم لا يخرِّج لخلافه شيئًا، وإن كان صحيحًا، وهذه أذواق.
ثم لو عدَّدنا من دلائلنا رواية كل من اسْتَقْصَى صفة الصلاة ولم يذكر الرفع، لازداد عددنا على عددهم، وينبغي أن
تَعُدَّ منها، لأن الرفعَ والتركَ كلاهما ثابتان في الخارج لاتصال العمل بهما من لدن عصر النبوة إلى يومنا هذا، فلا
حاجةَ لنا أن نحمل المُطْلَقَات على المقيَّد. نعم لو لم يَثْبُت به العمل لحملناها عليه، وقلنا: إن الراوي اختصر
فيه، أو تركه. وإذن إيرادُ تلك الأحاديث منّا في مسألة الترك إيرادٌ في محله، لثبوت الترك ثبوتًا لا مردّ له، كحديث
مسيء الصلاة، مع كونه قوليًا، وفي سِيّاق التعليم، فقد علّم فيه صلاته كلّها، ولم يعلمه الرفعَ، ولا بنى عليه.
وكحديث أبي مسعود عن أبي داود، وكيف السَّلام على اليمين من النّسائي. ومن حديث محمد بن جابر في
((الزوائد))، وحديث عبد الرحمن بن زهري فيه، وحديث أبي هريرة: ((إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله بِّه عند
البخاري. وقد كان أبو هريرة قد لا يرفع، ذكره في ((الاستذكار))، وذكره أبو جعفر القاري عنه أي ترك الرفع كما في
((الاستذكار))، وجعل قوله: ((إني لأشبهكم بعده))، وليس في ((الموطأ)) كذلك، وحديث أبي مالك الأشعري عند
أحمد، وحديث أنس في ((الكنز)) مع («فتح القدير))، وحديث الثقفي، وقول علي رضي الله عنه، وأذكاره، وحديث
ربيعة الكلَّ من ((الكنز))، وحديث أنس في ((المسند)) و((السنن)). وفي ((البداية)) لابن رُشْد: أن السبب لرواية الترك
عن مالك هو عمل المدينة إذ ذاك، فهذا العدد العظيم لعلّه مبني على الترك.
وبالجملة لا يحكم الوجدان ههنا بحمل المطلق على المقيّد، وإنما ينبغي ذلك إذا لم يكن للمطلق في المسألة عددٌ
كثيرٌ في نفسه، ولم يكن للإطلاق مناسبةٌ للحكم في نفسه، وهذا كما في ((العمدة)) عن أحمد في ترك جلسة
الاستراحة، قال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا أي على الترك فَحَمّلَ السَّاكت على الترك. وكذلك أحاديثُ وضع
اليمين على الشمال القولية منها، عند الشيخ رحمه الله: مطلقةٌ تُحْمَلُ على المعروف، ولا يقيَّد بالصدر، ولا بكونه
تحت السُّرَّة. والفعلي المذكور فيه الصدر؛ يُحْمَلُ على عند الصدر لا غير، والمراد بلفظ: عند الصدر، وعلى
الصدر، وفوق الصدر، واحدٌ. ثم هو واقعةُ حالٍ لا عمومَ لها ولا يأتي على المُطْلَقَات كلها. وعَقْدُ اليدين مأخوذٌ
من الاحتزام وشدّ الأوساط كالخدم والحشم للخدمة وخفض الجناح ومنه حديث: ((ازبِطُوا أوساطَكم بآزاركم)) اهـ.
عن ((المستدرك)) من المناسك، وفي وصف هذه الأمة: ((يَشُدُّونَ أوساطهم)) من («شرح المواهب».
ثم إنه جاء في التحريمة حديثٌ قوليٍّ وفعليٍّ، وفي الاستفتاح قولي عند البزار، كما في ((العمدة)) وعند الطبري في
((الكنز))، وفي الوضع: قوليٍّ وفعليٍّ، وفي التسمية: فعليٍّ وقوليٍّ في فضائله، وفي التأمين، قوليٌّ وفعليٍّ، وفي
القنوت: فعليٍّ، وفي قنوت الوتر: قوليٍّ، وفي تكبيرات الانتقالات: فعليٍّ وقوليٍّ، عند محمد في ((الموطأ»، وفي
التسبيحات: قوليٍّ وفعليٍّ. وكذلك في التسميع والتحميد، وفي التشهد والدعاء: قوليٍّ وفعليٍّ، وفي الإشارة:
قوليٍّ عند البيهقي من باب تحليل الصلاة بالتسليم، وفعليٍّ إن لم يكن إشارة إلى التحويل يَمْنَةً ويَسْرَةً، وهو عند
أبي داود، وكذلك في التسليم في جلسة الاستراحة: قوليٍّ في بعضٍ من طُرُق حديث المسيء صلاته، وفعليٍّ
كذلك في نفس القعدة. وأمَّا في الفاتحة وضمِّ السورة، فكثيرٌ. وفي تعديل الأركان، وإتمام الركوع والسجود
وسرقة الصلاة، فعددٌ عظيمٌ، وذلك لأن سَزْعَان الناس يُنْقِصُون فيها طبعًا لعدم انضباط القومة والجلسة، ولم=

٣٢٧
كتاب الأذان
ثم تَتَبَّعْتُ الكُتُبَ للتصريح بالجواز فوجدتُ أبا بكرِ الجَصَّاص قد صَرَّحَ في ((أحكام القرآن))
يجىء قوليٍّ في الرفع غير الافتتاح أصلاً، وكثيرٌ ممن استقصى صفة الصلاة لم يَذْكُره، ولا أومأ إليه في أدعية عليّ
=
في أجزاء الصلاة، فهل يَدُلُّ ذلك أنه ليس مقصودًا أصليًا؟ النظر فيه دائر.
ثم اعلم أنه ذَهَبَ الأوْزَاعيُّ وآخرون إلى وُجُوب الرفع عند الإحرام، وسنيته فيما عداه، حتى أنه عند ابن حَزْم أيضًا
كذلك كما في ((التلخيص)). ولا فرقَ فيهما عندي إلاّ أنه ثَبَتَ التركُ عندهم في سائر المواضع، فلم يَسَغْ لهم القول
بالوجوب فيها، فَلَزَم الحافظُ رحمه الله في ((الفتح)) تصحيحَ حديث ابن مسعود من حيث لم يَشَأ. فأجاب عنه: أنه
دليلٌ على عدم الوُجُوب لا عدم الاستحباب، فلهم في الحديث بهجتان: جهرّ بالإعلال في مقابلة التاركين، وإخفاءٌ
بالتصحيح في مقابلة المُوجبين، وفي الذكر في النفس تضرُّع وخيفة، وقد وَعَدَ في ((الفتح))، في الباب الأول
الإيرادَ على الوُجُوب، ثم لم يَأْتِ في الباب التالي إلاَّ بحديث ابن مسعود رضي الله عنه.
ولعلَّك عَلِمْتَ الآن أن العملَ في هذا الباب بالنحوين، ونفيَ الترك باطلٌ، بَقِي أن الرفعَ أكثرُ أو التركَ؟ فلم يَجْزِم
الشيخ رحمه الله فيه بشيءٍ، ولو تبيَّن لم يحكم به لسِرَاية الاجتهاد في هذا الباب، فيمكن أن تكون كثرة الرفع، لأنه
وجوديٍّ، والترك عدميٍّ، فترجَّح عندهم الرفعُ لكونه عبادة بخلاف الترك، فإنه تركُ عبادةٍ. وأجاب عنه الشيخ
رحمه الله تعالى: أن التركَ أيضًا قد تكون عبادةً كترك الترجيع، وهذا حيث يكون التركُ قَصْدِيّا لا على طور العدم
الأصلي، وقد ثَبَتَ التركُ قصدًا أيضًا، فلم يكن على طريق العدم الأصليّ، وحينئذٍ جاز أن يكون التركُ أرجح، لأن
مبني الصلاة على السكون.
نعم يَنْفَصِلُ ذلك أن ثَبَتَت الكثرة في جانبٍ عن صاحب الشريعة نفسه، ولم يَثْبُت بعدُ، وإذا اختلف في نقل العمل،
ولم يتبيَّن كثرته إلى جانبٍ عَدَلْنَا عنه، وأخذنا طريقًا آخر، وهو استغرابُ الرواة الرفع، وتردُّدهم فيه، وتساؤلهم
عنه، فعند أبي داود عن ميمون المكيّ: ((أنه رَأَى عبد الله بن الزُّبَيْر، وصلَّى بهم يُشِيرُ كفيه حين يَقُومُ وحين يَرْكَعُ،
إلى أن قال: فانطلقت إلى ابن عباس رضي الله عنه فقلتُ: إني رأيتُ ابنَ الزُّبَيْرِ صلَّى صلاةٌ لم أرَ أحدًا يصليها،
فوصفتُ له هذه الإشارة، فقال: إن أحْبَيْتَ أن تَنْظُرَ إلى صلاة رسول الله وََّ فاقتدٍ بصلاة عبد الله بن الزبير رحمه الله
تعالى)). اهـ.
وعنده عن النّضْر بن كثير قال: ((صلَّى إلى جنبي عبد الله بن طاوس في مسجد الخَيْف، فكان إذا سَجَدَ السجدة
الأولى، فرفع رأسه منها، رفع يديه تِلْقَاء وجهه، فأنكرتُ ذلك، فقلت لوُهَيْب بن خالد، فقال له وُهَیب بن خالد:
تصنعُ شيئًا لم أر أحدًا يصنعه، فقال ابن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، ولا أعلم
إلاَّ أنه قال: كان النبيُّ ◌َّةٌ يصنعه)). اهـ. ونحوه في ((المسند)): استغراب الحَكَم إياه عن طاوس، حتى أسنده
بعضُ أصحابه إلى ابن عمر عن النبيِّ ◌َّة، وهو عند البيهقي بزيادة عمر في الإسناد، وهو وَهُمّ أعلَّه أحمد كما في
((الجوهر النقي)).
وأصلُ الرواية كما عند أحمد، ولذا أعلَّ زيادة عمر. واستغرابُ مُحَارب بن دِثَار عن ابن عمر في ((المسند»، قال:
رأيت ابن عمر يَرْفَعُ يديه، كلما رَكَعَ، وكلما رَفَعَ رَأْسَه من الركوع، قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبيُّ لَّم
إذا قام من الركعتين كبَّ ورَفَعَ يديه)) ... إلخ، وابن عمر رضي الله عنه هو الذي كان يُبَالِغ فيه، ومُحَارب قاضي
الكوفة كما عند البخاري من اللباس، فلم يعلّمه مَنْ ببلدته، فَدَلَّ على عمل بلدته، ونحوه في ((المسند)» عن سالم بن
عبد الله: ((أنه رَأَى أباه يَرْفَعُ يديه إذا كبّر، وإذا رَفَعَ رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فَزَعَم أنه رَأَى النبيِّ ◌َّه
يصنعه)). اهـ. هذا الذي أردنا أن نُتْحِفك به من قطعة تاريخية التقطناها من رسالة الشيخ رحمه الله تعالى فَخُذّها
راضيًا مرضيًا؛ والآن سنح لنا أن نتكلّم على حديث ابن عمر رضي الله عنه شيئًا ملتقطًا من كلامه، فإنه العمود في
هذا الباب.
=

٣٢٨
كتاب الأذان
تحت قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أن المسألة إذا وَرَدَت فيها الأحاديثُ
فاعلم أن حديث ابن عمر رضي الله عنه قد رُويَ على وجوه:
=
أحدها بذكر الرفع عند الافتتاح فقط، وهو عن مُجَاهد من طريق أبي بكر بن عيَّاش، عن حُصَين، وعند
الطّحاوِي بإسناد صحيح، عن أبي بكر بن عيَّاش قال: ما رأيت فقيهًا قطّ يفعله: يَرْفَعُ يديه في غير التكبيرة
الأولى، وإنما أراد بالفقيه ما نبّه عليه الشيخ رحمه الله تعالى من عدم اعتناء الكبار، وإنما هو من فِعْل الصغار،
كعادة اعتنائهم في أمثال ذلك وأما الكبار فهَمُّهم في تكميل الفرائض والواجبات أكثر من تكميل المباحات
والمستحبات على خلاف دَأب الصغار. ولو رأيتَ في الخارج لوجدتهم كذلك إلى اليوم، وهكذا عن حُصَيْن.
وهذا يَدُلَّ على أن أثرَ ابن عمر ثابتٌ. وتَابَعَ مجاهدًا عبدُ العزيز بن حكيم، عن محمد بن الحسن في ((موطئه))،
وفيه: وإن كان محمد بن أبَان، لكنه يصلحُ للاعتضاد، مع أن الجمعَ بين ما رواه مُجَاهد وما رواه غيره ممكنٌ،
بأنه رَفَعَ يديه مرةً وتركه أخرى، فلا ضيق، وإنما يَضْطَرُّ إلى الإعلال من اختار الرفعَ ثم اسْتَضْعَبَ عليه التركُ،
فلم يتركه حتى أعلَّه.
وثانيها: بذكر الرفع عند الركوع فقط، وهو عن مالك أيضًا في («الموطأ)»، وبذكره عند الركوع والرفع منه، وهو عن
مالك خارج ((الموطأ))، وبالاختلاف بين سالم ونافع فيه في الرفع والوقف. ويذكره بعد الركعتين أو عدمه. وبذكره
للسجود، فيه مرفوعًا عند البخاري في ((جزئه))، ومن عَمَل ابن عمر موقوفًا عند ابن حَزْم: وكُنَّا نَحْمِلُ ذكره في
الموضع الأول فقط، أي عند الرُّكُوع على الاختصار، ولم نكن نَعُدُّ هذا انتشارًا. ولكن ثَبَتَ التنوع في هذه المسألة
فلا نحمله إلاَّ على التنوُّع، فإنَّ التعاملَ أكبرُ شاهدٍ للصحة فوق الإسناد عند من له بَصَرٌ وبصيرةٌ، فليكن ذلك أيضًا
وجهًا، وإنما يتعسَّر ذلك على من تَمَذْهَبَ بصورةٍ مخصوصةٍ، ثم لم يستطع العملَ بكل ما وَرَدَ، فَجَعَلَ يتعلَّل
بالإعلال. وأما من رآه واسعًا، فلا ضيقَ عليه.
عَقَدَ الخلائقُ في المقام عقائدًا
وأنا اعتقدت بكلِّ ما اعتقدوه
ثم إن الوجهَ في كثرة طُرُق حديث ابن عمر كثرةُ ((الموطآت))، وإن رواية مالك والزُّهري، وأصحابهما مفرَّقون على
البلاد، لإقامة الزهريُّ في الحجاز والشام، وأكثر أحاديثهما تَكْبُرُ طُرُقه لذلك، فيُوهِمُ كثرة العمل، بخلاف أصحاب
ابن مسعود رضي الله عنه وذويه، فإنهم لم يَدُورُوا كذلك.
وبعدُ: فكل هذا حَذْسٌ منا ومنهم، فكما يمشون يُمَاشُون، وكما يجرون يُجَارون، وليس العلم إلاَّ عند الله، وكان
الصواب أن لا يتعلّل في رواية الاثبات إذا سَاعَدَه العمل، وكان الأمرُ من الاختلاف المباح، ولا يرمي بالغيب، وأن
لا يتعلَّل في خلاف ما اختاره المرء من كل وجهٍ، ولا يُبْدِي فيه كل عذرٍ، فإنه يَدُلُّ على عدم إرادة العمل به من
الأول والسلوك فيه سبيلُ الجدل، ولكنَّ اللَّهَ يفعلُ ما يريدُ.
هذا كلَّه ملخّصٌ من رسالة الشيخ رحمه الله تعالى تلخيصًا، فإن رسالته بسيطة جدًا، وإنما التقطتُ منها جُمَلً
مختصرةً، أردت إلقاءها عليك، لتتقدّر قدرَ الشيخ رحمه الله تعالى وغايةً عدله في باب المسائل.
ثم من الناس من زَعَم أن الرفعَ منسوخٌ، ولهم في ذلك طُرُقٌ: فمنهم من استدلَّ بحديث جابر عند مسلم: ((ما لي
أراكم رافعي أيديكم)). وفي طريقه الآخر عنده تصريحٌ بكونه في تسليم التشهُّد، فالشافعيةُ حَمَلُوا الأول على
الآخر. وذكر الزَّيْلَعِي الفرق بينهما بثلاثة وجوهٍ، من شاء فليراجع. ومنهم من زَعَمَ أن ثبوتَ الترك في الجنس دليلٌ
على نسخ الأصل، كما قرَّرُوا في حديث التسبيع في سُؤْرِ الكلب: أنه كان في زمن التشديد في أمر الكلاب، وهو
النظرُ عندنا في مسألة الرَّضَاعة: تدرَّج النسخُ فيها من عشر رضعات حتى نُسِخَ رأسًا.
ومنهم من لم يَتَشَبَّثْ بأصلٍ، وقال: إن العِلْمَيْنِ خيرٌ من عِلْمٍ، فمن قال بالترك عنده عِلْمَان: أي الرفعُ والتركُ،
بخلاف من قال بالرفع، ثم ذكروا فيه حكاية الإمام أبي حنيفة مع الأوزاعي رحمهما الله تعالى، وأن علم الصحابة=

٣٢٩
كتاب الأذان
الصِّحَاحُ من الجانبين، فالخلاف فيها لا يكون إلَّا في الاختيار لا سِيَّما إذا كانت كثيرةً الوقوع،
وعدَّ منها: الترجيعَ في الأذان، وإفرادَ الإِقامة، والجَهْرَ بالتسمية، ورَفْعَ اليدين، وحينئذٍ
فاسْتَرَحْتُ حيث تخلّصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع. والجَضَّاص من القرن الرابع،
حتى إن الكَرْخِي الذي هو من مُعَاصِري الطَّحَاوي من تلامذته، فرُتْبَتُهُ أعلى من الكبيري
و((البدائع))، وصاحب ((البدائع)) أرفع رُتْبَةً من الكبيري.
وقد اشتهر في مُتَأَخِّري الحنفية القول بالنسخ، وإنما تعلَّمُوه من الشيخ ابن الهُمَام،
والشيخ اختاره تَبَعًا للطّحَاوِيِّ. وقد عَلِمْتَ أن نسخَ الطَّحَاوِيِّ أعِمُّ ممَّا في الكُتُب، فإِن
المفضولَ بالنسبة إلى الفاضل، والأضعفَ دليلًا بالنسبة إلى أقواه، كلَّه منسوخٌ عنده، كما يتضح
ذلك لمن يُطَالِعُ كتابَه، كيفما كان إذا ثَبَتَ عندي القول بالجواز ممَّن هو أقدم في الحنفية،
وسَاعَدَتْهُ الأحاديث أيضًا، فلا محيد إلَّا بالقول به، وخلافه لا يُسْمَع، فمن شاء فَلْيَسْمَعْ.
٧٣٦ - قوله: (إذا رَفَع رأسه من الركوع)، وفي ((الفتح)): ((أنه حين الرفع))، وقد مرَّ مني أنه
في الانتصاب دون الانتقال، وهو الصواب، وخلافُه خلاف الحديث وخلاف إمامهم، وعليه
فرَّع الشافعيُّ رحمه الله تعالى مذهبه، فاختاره في الموضعين وتَرَكَهُ بين السجدتين، وإن اختار
محدِّثوهم بعد القعدة الأولى أيضًا.
قوله: (ويقول: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه) وقد مرَّ أنه يَرْفَعُ بعد التحميد، ولا يَرْفَعُ مع
التحميد.
واعلم أنه تكلّم السِلِفُ في معنى رفع اليدين وما قُصِدَ به. ففي ((المجموع)) شرح
((المهذب)): أن الشافعيَّ صلَّى عند محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فَرَفَعَ، فسأله عنه، فقال:
تعظيمًا لله. وعن ابن عمر رضي الله عنه: إنه زينةُ الصلاة. وعلى هذا تكرُّره في الصلاة مُوجِبٌ
لإحراز الثواب، وازدياد الزينة.
وفي ((فتح القدير)) من الجنائز، عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إنه للافتتاح لكونه هيئةً
الدخول في الصلاة، فلا يكون إلَّا مرةً. ومن ههنا تبيَّن أنه لا يُسْتَبْعَدُ أن يكونَ الاجتهادُ سَرَى
في اختيار الرفع، فمن جعله تعظيمًا لله أو زينةً للصلاة أحبَّ تكثيره، ومن رآه للافتتاح فَصَرَه
رضي الله عنهم ينتهي إلى عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما، وقد ثَبَتَ عنهما الترُ، فتلك أطرافٌ وأنظارٌ فَصَّلُوها
=
بعباراتٍ مُطْنَبَةٍ، وموجَزَةٍ لم نشتغل بإعادتها والكلام فيها مخافةً التطويل، ولأن كلامَ الشيخ رحمه الله تعالى قد
أغنانا عن سائر الكلمات. نعم إذا جاء هذا الله بطل هز معقل.
فَدَعْ عنك حديثَ النسخ إذ قد شَهِدَ العملُ بالجانبين، فإنه أقوى دليل على عدم النسخ. أما ذِكْرُ الفضائل فماذا يُغْنِي
عنهم؟ فإنهم قد تركُوا العملَ بمختاراته في غير واحدٍ من المواضع مع بقائه على فضله هذا، ومَنْ يُتْكِرُ فضلَ من
فضَّله الله عز وجل؟ ولكن الكلام في أن ذلك هل يكفي لفصل المقام؟ نعم هو شيءٌ ينبغي أن يُبَاهِي به الحنفيةُ
لأنفسهم، ولا حُجَّةَ فيه على الخصم. والله تعالى وليُّ الأمور.

٣٣٠
كتاب الأذان
عليه. ولعلَّ مِلْحَظ الحنفية أن رفع اليدين للتحريم فعلًا كتحويل الوجه عند التسليم للتحليل
فعلًا، فينبغي أن يكونَ مرةً فقط كالتسليم. أو للاستقبال والإِقبال على الله والتوجيه إليه،
وحينئذٍ نَاسَبَ أن يكونَ في الابتداء فقط، فإِن الآدابَ عند اللقاء لا تتكرر. ثم حرَّرتُ أنه يقوم
مقام المصافحة، كما في حديث الحجر الأسود وهو يمينُ الله، واستلامُه يقومُ مقام
المصافحة.
أمَّا السلامُ في الصلاة، فهو تحيَّةُ الوَدَاعِ. وكان يُسَلَّم أولًا: ((السلامُ على من قِبَل عباده))
فعلَّمهم النبيُّ وَ مكانه: ((السلامُ عليكم ورحمةُ الله)). ثم إن قوله ◌َّ: تحريمها التكبير ...
الخ معناه أن التكبيرَ شيءٌ يَحْصُل به الدخول في الصلاة، والتسليمُ شيءٌ يَخْرُج به عن الصلاة،
فوضع في التسليم هيئةً تَضْلُح للانصراف، فناسب في وِزَانِهِ أن تكونَ عند الدخول أيضًا هيئةٌ
تُؤْذِنُ بالإِقبال على الله، فوضع رفعَ الأيدي مستقبلًا إياه. وحينئذٍ تحصَّل أنه للإِقبال دون
التعظيم، وإن كان الإِقبالُ أيضًا تعظيمًا، فهو ضمنيٍّ. بل كل فعلٍ في الصلاة، ففيه نوعُ تعظيم،
وإنما الكلامُ فيما قُصِدَ به، لا ما تضمَّنه سواء قُصِدَ به أو لا. ثم تبيَّن لي في حكمته أنه من سّنة
إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال: ﴿هَذَآ أَكْبَرٌ﴾ [الأنعام: ٧٨] ولعلّه يكون رفع إذ ذاك
أيضًا، فأصلح الشريعة.
قوله: (وأقام الله أكبر مقامه)، ثم سَبَرْتُ الشريعةَ، فوجدت أنه يُقَال عند رؤية الهلال: الله
أكبر، وفي الحديث: ((أن النبيَّ ◌َّ كان إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، وصَرَفَ وجهه عنه))،
والصرفُ لئلا يتوهم أن التكبيرَ للهلال. وفي ((تاريخ الخميس)) - ومصنِّفه شافعي المذهب - عند
ذكر إبراهيم عليه السلام: إن الرفعَ في المواضع الثلاثة كان من ملَّته، ثم تتبعتُه حتى وجدتُ في
(تفسير الشاه عبد العزيز)) أن رفعَ اليدين من ملَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. والذي يَظْهَرُ أن ما
هو من دِينِهِ هو الرفعُ فقط، أمَّا حَمْلُه على المواضع الثلاثة فمشى على مذهبه، أو تمشيةً له،
فالتكبيرُ عندي للإقبال على الله وقوله: ((إِني وَجَّهْتُ وجهي للذي .. )) الخ للإِخلاص، ولذا اختار
أبو يوسف رحمه الله تعالى دعاءً التوجيه في الصلاة.
والتكبيرُ: أيضًا يَعْمَلُ عملَ التوجيه، فهو لجعل الشيء لله فإِن المشركين كانوا يُهِلُّون
بأسماء طواغيتهم لذلك ولذا يكبِّر عند الذبح. ولعلَّه في أذان المولود، وعند صلاة الجنازة
أيضًا لهذا. فصار على نَقَاضَةِ الإِهلال لغير الله فهذه أنظارٌ ومعانٍ لا يُنَاقِضُ بعضُها بعضًا،
فراعها تُعينك في العمل برفع اليدين وتركه والله تعالى أعلم.
٧٣٧ - حدّثنا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ: أَنَّهُ رَأَى مالِكَ بْنَ الحُوَيرِثِ إِذَا صَلَّى كَبِّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ،
وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيهِ، وَحَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ مَّهِ صَنَعَ هكذا .
٧٣٧ - قوله: (إذا صلّى كَبَّر ورَفَعَ يَدَيْهِ) وفي ((صحيح مسلم)) ((ثم رفع يديه))، وحَمَلَه
الحافظُ على صورتين مُتَغَايِرَتَيْن وقد مرَّ مني أنه لا ينبغي أخذ الصور من تعبيرات الرُّوَاة فقط،
بل الأمر كما حقَّقه الشافعيُّ رحمه الله تعالى. ثم هذا حديث مالك بن الحُوَيْرِث بالبَصْرَة،

٣٣١
كتاب الأذان
وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه بالمدينة. أمَّا في مكة، فلم يُنْقَلِ الرفع إلَّا عن صغارهم،
وأمَّا أهل الكوفة، فحديثُهم الترك(١) .
٨٥ - بابٌ إِلَى أَينَ يَرْفَعُ يَدَیهِ؟
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَفَعَ النَّبِيُّ نَّهَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ.
٧٣٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌ََّ افَتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي
الصَّلَاةِ، فَرَفَعَ يَدَيهِ حِينَ يُكَبِّرُ، حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيهِ، وَإِذَا كَبَّر لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ،
وَإِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ: ((رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)). وَلََّ يَفعَلُ ذلِكَ
حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. [طرفه في: ٧٣٥].
فعندنا يَرْفَعُ حِذَاء أُذُنيه، والمشهور عند الشافعية رحمهم الله تعالى حِذَاء مَنْكِبيه. ووردت
الأحاديث بالأنواع كلِّها، ورُوي عن الشافعيِّ نفسه رحمه الله تعالى أنه وفَّقٍ بينها: أن يرفَعَ يديه،
بأن تكون الكفان حِذَاء المَنْكِبين، والإِبهامان والأصابع حِذَاء شحمتي الأُذُنين وفروع الأُذُنين.
وهذا يَدُلُّ على أنه لا خِلافَ فيه بيننا وبين الشافعيِّ رحمه الله تعالى، ومع ذلك لم يَزَلِ الخلافُ
يُنْقَلُ فیه.
أقول: إنها صورٌ مختلفةٌ، فتارةً كذا وتارةً كذا، وكلُّ واسعٌ، والخلاف في الأولوية.
٧٣٨ - قوله: (وقال: رَبَّنَا ولك الحمدُ)، وهذه الرواية تَدُلُّ على الجمع بين التسميع
والتحميد للإِمام، وعامةُ الروايات على التقسيم، وقد مرَّ. ثم أقول: إن تحميدَ المقتدي في
جواب تسميع الإِمام عندي، فلا يقوله إلّا في حال الانتصاب، ولا يقوله في الحركة الانتقالية.
وعند الشافعية يجمع المقتدي بين التسميع والتحميد أيضًا. قلتُ: وليس له أثرٌ في الأحاديث،
ولا عَمِلَ به أحدٌ من السلف غير ابن سيرين(٢) .
٨٦ - بابُ رَفعِ اليَدَينِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ
٧٣٩ - حدّثنا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ
ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ، وَإِذَا قَالَ: ((سَمِع
(١) هذا الذي سمعناه في آخر درس ((صحيح البخاري)).
(٢) قال الترمذي: قال ابن سيرين وغيره: يقول مَنْ خلف الإمام: سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده، ربنا ولك الحمد، مثلما
يقول الإمام، وبه يقول الشافعيَّ وأحمدُ رحمهما الله تعالى. اهـ. قلتُ: وقد كنتُ متردِّدًا فيما دَعَى الإمامُ إلى
هذا التفرُّد، فرأيت في تقرير الشيخ رحمه الله تعالى عندي: إن حالَ المقتدي عند الإمام الشافعيِّ رحمه الله تعالى
لمَّا كان كحال إمامه لضعف ربط القدوة عنده، صارحًا له في حقِّ التسميع أيضًا كحاله، فإنه لا فرقَ عنده بين
وظيفتي الإمام والمقتدي مطل، فيجمع بينهما كما يجمع الإمامُ.

٣٣٢
كتاب الأذان
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) رَفَعَ يَدَيهِ، وَإِذَا قامَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ رَفَعَ يَدَيهِ، وَرَفَعَ ذلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ
اللَّهِ بَِّ رَواهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ. وَرَوَاهُ
ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسى بْنِ عُقْبَةَ، مُخْتَصَرًا. [طرفه في: ٧٣٥].
اختار الرفعَ بعد القَعْدة الأولى عند الانتصاب أيضًا، وهو أحدُ الوُجُوه عند الشافعية
رحمهم الله تعالى، ونفاه الشافعيُّ رحمه الله تعالى.
٧٣٩ - قوله: (رواه حمّاد بن سَلَمَة) ... الخ، واعلم أنه اخْتُلِفَ في وقفه ورفعه، فأشار
المصنّف رحمه الله تعالى إلى رفعه، وذهب أبو داود إلى وقفه، حيث قال: الصحيحُ قول ابن
عمر رضي الله عنه، وليس بمرفوعٍ.
٨٧ - بابُ وَضْعِ اليُمْنى عَلَى اليُسْرَى
٧٤٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
كانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنِى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُشِّرَى فِي الصَّلاَةِ. قَالَ أَبُو
حازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ. قَالَ إِسْماعِيلُ: يُنْمَى ذلِكَ، وَلَمْ يَقُل: يَنْمِي.
والمختارُ عندنا أن يضعهما تحت السُّرَّة. والمشهورُ عن الشافعيِّ رحمه الله تعالى فوق السُّرَّة
وتحت الصدر. وفي ((الحاوي)) رواية فوق الصدر أيضًا، وهو مؤوَّلٌ عندي كما سيجيء. وعن
أحمد رحمه الله تعالى: إن الكلَّ واسعٌ. وذهب مالك إلى الإِرسال في المكتوبات، والوضع في
النوافل في رواية القاسم عنه. ثم الوضع عنده تحت السُّرَّة كما نقله الوزير ابن هُبَيْرة في
((الأشراف))، بل جعلها الرواية المشهورة عن مالك رحمه الله تعالى، ولم يَرِدْ للإِرسال عن
النبيِّ بَِّ شيءٌ. نعم رُوِيَ ذلك عن بعض التابعين، كما في ((المصنَّف)) لابن أبي شَيْبَة. وأمَّا كيفية
الوضع، فلم تَثْبُت فيها الأحاديث من الطرفين، ولا نصَّ فيه، والذي يُظَنُّ أنه كان عندهم على
التخيير، وصرَّح ابن المنذر: إن الشرعَ لم يتعرَّضِ لهيئة الوضع، ولذا لم يَرِدْ في هذا الباب كثيرُ
شيءٍ لا عن النبيِّ وَّرَ، ولا عن الصحابة، غير أنَّ بعضَهم عَمِلَ كذا، وبعضهم كذا، ولذا خيَّر فيه
أحمد رحمه الله تعالى واختاره ابنُ جرير، وصرَّح الترمذيُّ أن كلَّ ذلك واسعٌ عندهم ا هـ.
وحاصله: أنه لا نصَّ فيه لأحدٍ، وإنما عُنيَ بالوضع عدم الإِرسال لا غير تحصيلًا لهيئة
الحِزَام بين يدي الملك. والوضعُ فوقها وتحتها كلِّها صورٌ غير مقصودةٍ على التعيين، وكان
الشرعُ أرسله إلى طبائع الناس (١) ليفعلوا فيه ما شاؤوا. ثم إنه وَقَعَ عند ابن خُزَيمَة في حديث
(١) قلتُ: وهذا كوضع اليدين على الفخذين في القَعْدَة، يُرْوَى فيه تارةً أنه بسطهما عليهما، وتارةً: أَلْقَمَ ركبته، فلم
يختلف أحدٌ في موضعهما من الفخذين في القَعْدَة، وذلك لأنهم فَهِمُوا أنَّ المقصودَ هو البسط، فحدثت صورة
الإلقام اتفاقًا، لا أنها قَصْدِيَّة. وقد يَخْطُر بالبال أن الأمر في رفعهما عند تكبير الافتتاح وحال السجود أيضًا
كذلك، فالرجل كان مخيَّرًا فيه، وكان المطلوب هو الرفع فقط، فأمرهما عند الافتتاح، وحين القيام والقَعْدَة،
وحال السجود كله كان على الإرسال ثم شدَّد فيه فيما بَعْدُ. واللَّهُ تعالى أعلم.

٣٣٣
كتاب الأذان
وائل لفظ: ((على الصدر)) أيضًا، وهو معلولٌ(١) عندي قطعًا، لأنه لم يَعْمَلْ به أحدٌ من السلف،
ولا ذهب إليه أحدٌ من الأئمة، إلَّا ما وقع في كتاب ((الأنوار)) للأَرْدَبِيلي.
وفي عامة كُتُب الشافعية: فوق السرة وتحت الصدر، قال ابن حَجَر المكي في ((شرح
المشكاة)) إن معناه قريبٌ من الصدر، ولعلَّ هذا هو مَحْمَل كلام ((الحاوي)) أيضًا. ومرّ عليه ابن
القيم في ((إعلام الموقّعين)) (والصحيح أنه أعلام الموفقين) - وقال: إن الحديثَ رواه ابن خُزَيْمة
وجماعةٌ، مع أنه لم يروه غير ابن خُزَيْمة، اللهم إلَّا أن يكون مراده منه أصل الحديث بدون هذا
اللفظ. ثم عند البزَّار في هذه الرواية: عند الصدر، وفي ((المصنَّف)) لابن أبي شيبة: تُحت
السُّرَّة، فاضْطَربت الروايةُ جدًا. وأول من نبَّه على تلك الزيادة الأخيرة العلّامة القاسم بن
قُطْلُوبُغَا. ثم إن لفظ: ((تحت السُّرَّة))(٢) لم يوجد في بعض نسخه، فظنَّ المُلّ حياة السِّنْدِهي أنه
وَقَعَ فيه سقطٌ وحذفٌ، ثم صار متن الأثر مرفوعًا.
قلتُ: ولا عجبَ أن يكون كذلك، فإِني راجعت ثلاث نُسَخ (للمصنف))، فما وجدته في
واحدةٍ منها. والحاصل أن رواية وائل رواها غيرُ واحدٍ، ولم يَرْوِها أحدٌ على لفظ ابن خُزَيْمَة،
وإنما زادها راوٍ بعد مرور الزمان، فهو ساقطٌ قطعًا، فلا يجمد عليها مع فقدان العمل به. ثم إن
الشيءَ قد يكون مسمَّى، ولا يكون مدارًا للعمل. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ
مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ: ٤٦] ومعلوم أنه لم يذهب أحدٌ إلى أن المأمورَ به هو القيام كذلك، بل معناه
منفردًا أو جماعةٌ. وحينئذٍ لو سلَّمنا تلك الزيادة لم يَلْزَم كون المراد به الوضع على الصدر، بل
المراد ما ذكرنا أي الوضع على خلاف الإِرسال.
(١) قلتُ: ولذا لم يذكره الترمذيُّ مذهبًا لأحدٍ من الصحابة، بل قال: والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب
النبيِّ ◌َ﴿ والتابعين ومن بعدهم: يَرَوْن أن يضعَ الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضُهم أن يضعهما
فوق السُّرَّة، ورأى بعضُهم تحت السُّرَّة، اهـ. ولم يذكر منهم أحدًا ممن كان يضعُ على الصدر. ثم العجب أنه
لم يَعْقِد لهذه المسألة بابًا لا للحجازيين ولا للعراقيين، وذلك لأنه عَلِمَ أن الأمرَ فيه سهلٌ، وإنما عَنَى به الوضع
على خلاف الإرسال لا غير، ولذا بؤَّب لوضع اليمين على الشمال فقط، فصنيعه هذا يحقّق ما ذكره الشيخُ
رحمه الله تعالى.
(٢) قلتُ: قال مولانا العلامة ظهير أحسن رحمه الله تعالى في رسالته بالهندية: ((الدرة الغرة في وضع اليدين تحت
السُّرَّة)): قال العلامة حياة السندهي في رسالته ((فتح الغفور)): إن لفظ: ((تحت السُّرَّة)) ليس فيما رأيتُ من نسخة
ابن أبي شَيْبَة، ولا بُعْدَ أن يكون أثرُ النَّخَعِي الذي بعده قد اختلط على الكاتب فكتبه مع المرفوع، وجوابه أن
تلك الزيادة قد وُجِدَت من نَسْخِهِ، كما قال تلميذه الملا قائم السندهي في ((فوز الكرام»: أن هذه الزيادة في أكثر
النُّسخ صحيحةٌ، ثم كتب ورأيته بعيني في نسخةٍ صحيحةٍ: قال العلّامة ظهير احسن رحمه الله تعالى: إن تلك
الزيادة ثابتةٌ في النسخة الموجودة في القبة المحمودية بالمدينة الطيبة، ثم نقل عن العلّامة القاسم: أن سنده جيدٌ
كما في ((تخريج أحاديث الاختيار))، والعلَّامةُ القاسم رحمه الله تعالى شيخٌ للسَّخَاوي، والقَسْطَلَاني. وكذا نَقَّلَ
عن العلّامة عابد السندهي: أن رجاله ثقات كما في ((طوابع الأنوار)). وهكذا قال العلامة محمد أبو الطيب
المدني: إنه حديثٌ قويٌّ، ثم بعد نّقْل هذا التوثيق لم يَرْتَضِ به العلّامة ظهير أحسن رحمه الله تعالى، وذَهَبَ إلى
أن تلك الزيادة معلولٌ، وقرَّرہ فراجعه.

٣٣٤
كتاب الأذان
٨٨ - بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلاَةِ
٧٤١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثني مالِكٌ، عَنْ أَبِيِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي
هُرَيرةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِّه قَالَ: ((هَل تَرَوْنَ قِبْلَتِي هاهُنَا؟ وَاللَّهِ ما يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا
خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَراكمْ وَرَاءَ ظَهْرِي)). [طرفه في: ٤١٨].
٧٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَلْقَالَ: ((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي
لِأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي - إِذَا رَكَعْتُم وَسَجَدْتُمْ)). [طرفه في: ٤١٩].
هو مستحبٌّ مع أنه لا بدَّ منه، بل هو الروح، فدلَّ على أن الشيءَ قد يكون مما لا بدَّ منه،
ثم لا يكون واجبًا، وذهب الغزالي رحمه الله تعالى إلى أنه فرضٌ. قلتُ: وذلك يُنَاسِبُ منصبه
لا منصب الفقهاء؛ لأنه يُوجِب أن لا تَصِحَّ صلوات المسلمين عامة.
٧٤٢ - قوله: (وإِنِي لأَرَاكُمْ) ... إلخ، وكانت رؤيته من وراء الظهر معجزةً منه، كذا نُقِلَ
عن أحمد رحمه الله تعالى، وَثَبَتَ الآن في الفلسفة الجديدة: أن القوة الباصرة في الأعضاء
كلِّها .
قوله: (قال: أقيموا الركوع) ... إلخ، وهذه قطعة من حديث مسيء الصلاة، وتدلُّ على
أنه كان قَصَر فِي الركوع والسجود شيئًا، وقد وَقَعَ فيه لفظ الانتقاص عند الترمذيِّ، أي: ((وما
انْتَقَصْتَ انْتَقَصْتَ من صلاتك، فدلَّ على أن ترك التعديل لا يُوجِب البطلان بِلْ يُورِث النقصان،
فلا يكون إلَّا واجبًا كما قلنا. ولا بِدَعَ في أن يكون الواجب عندنا، والفرض، والذي لا يكون
شرطًا لصحة الصلاة عند الشافعية سواء، وحينئذٍ لا يبقى نِزَاعٌ في مرتبة الواجب، فإن الخلاف
آل إلى التسمية.
قوله: (أَقِيمُوا الركوعَ)، وقد مرَّ الفرقُ بين اركعوا، وأقيموا الركوع. فالثاني أبلغ، لأنه
يُسْتَعْمَلُ في موضع لولاه لانعدم الشيءُ، فترجمة قوله: يقيمون الصلاة (بربا ركهتي هين
نمازکوحتی که اکرا به بربانه ركهتي تواو سكي هستي دهي جاتي).
٨٩ - بابٌ ما يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٧٤٣ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ
وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المختارُ عندنا وعند الحنابلة: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ. وعند مسلم: أن عمر
رضي الله عنه جَهَرَ به مرةً في صلاته للتعليم. واختار الشافعيُّ ما عند البخاريِّ رحمهما الله
تعالى: ((اللهم باعد)) ... إلخ، وهو أولى بالنظر إلى قوة الإِسناد. وما اخترناه أحرى بالنظر إلى
العمل. وسُئِلَ أحمد رحمه الله تعالى عنه، فقال: أَخْتَارُ ما اختاره عمر رضي الله عنه. واعلم أنه
وقع الضررُ الكثيرُ بالاغترار بقوة الأسانيد والإغماض عن التعامل، مع أن الإسناد إنما كان
صلىالله
سلم

٣٣٥
كتاب الأذان
لصيانة الدين فقط، لئلا يَدْخُل فيه ما ليس منه، فما دَرَسُوا به ومارَسُوا، حتى خفَّ التعامُلُ في
نظرهم، مع أنه الفاصل في الباب عندي. ولا استفتاح عند مالك رحمه الله تعالى، ونقل عنه أبو
بكر بن العربي: أنه كان يَسْتَفْتِحُ بنفسه، ولا يأمر به الناس.
قلت: وحينئذٍ صار حاصله الاستحباب عنده. واستدلَّ بقوله ◌َّهِ: ((كانوا يَفْتَتِحُون الصلاةَ
بالحمد لله رب العالمين)). واستدلَّ منه الحنفيةُ على الإسرار بالتسمية، فأجاب عنه الشافعيةُ: أن
الحمدَ لله اسم لتلك السورة، فمعناه أنهم كانوا يَفْتَتِحُون الصلاةَ بتلك السورة، والتسميةُ جزءٌ
منها فلم يَثْبُت إسرارها. وأجاب عنه الحافظ الزَّيْلعِي: أن الآيةَ بتمامها ليست اسمًا للسورة،
وإنما اسمها ((الحمد)) فقط. ثم إن التسميةَ سنةٌ عندنا في ظاهر الرواية، وواجبٌ في روايةٍ،
ورجّح الشيخ السيد محمود الآلُوسي وجوبها .
٧٤٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ
يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً - فَقُلتُ: بِأَبِي وَأُمِّ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَينَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَينَ
خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ
الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِل خَطَايَايَ بالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ)).
٧٤٤ - قوله: (يَسْكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسْكَاتَةً)، واتفق الثلاثةُ على أن السكوتَ
كان للاستفتاح، فجاء البيهقيُّ وتمسَّك منه على أن السكوتَ يُظْلَقُ على القراءة سِرًّا أيضًا.
وحينئذٍ يجوز أن يكونَ الأمرُ بالإنصات محمولًا على القراءة سِرًّا.
قلت: لَمْ يُظْلَقْ السكوتُ ههنا على القراءة سِرًّا كما فُهِمَ، بلْ مراده من السكوت: هو
سكوته عن التكبير، فهو باعتبار ما قبله لا ما بعده. وهذا على نحوٍ ما يقوله أهل العُرْف: قال
فلان كذا، ونقل فلان كذا، وسَكَتَ عليه، أي لم يُرِدْه وإن تكلّم بعده، فلم يَصِحَّ النظير.
قوله: (اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَد). قال ابن دقيق العيد: معناه أن الناس يَعُدُّون
الثلج والبَرَد باطلًا، فاصرفه يا ألله في غسل خطاياي، وقال آخرون: إن هذه الأشياء فيها قَرٍّ،
فَأُحِبُّ أن يُطْفأَ بها حرّ خطاياه، وحاصله: أن اطفِ حرَّ خطاياي بقَرِّ هذه الأشياء.
٩٠ - بابٌ
٧٤٥ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيِكَةَ،
عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ
فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قامَ فَأَطَالَ الَقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ
السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ
الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ،

٣٣٦
كتاب الأذان
ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((قَدْ دَنَتْ مِنِّي الجَنَّةُ، حَتَّى لَوِ
اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا، لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلتُ: أَي رَبِّ، أَوَ أَنَا
مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: ما شَأْنُ هذهِ؟ قالُوا: حَبَسَتْهَا
حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ - قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ
خَشِيشٍ أَوْ خُشَاشِ الأَرْضِ)). [الحديث ٧٤٥ - طرفه في: ٢٣٦٤].
لم يُتَرْجِم فيه بشيءٍ، ثم أخرج حديث الكسوف وتعدُّد الركوع فيه، ولعلَّه قَطَعَ النظر عن
الاستفتاح إشارةً إلى مذهب مالك رحمه الله تعالى، ولذا تصدَّى إلى بيان الأذكار، وحَذَفَ دعاء
الاستفتاح من الترجمة. ثم أخرج حديثًا فيه: أنه قام طويلًا، وركع طويلًا، وسجد طويلًا،
فاندرجت فيه الأدعية، وقد جاءت مفسَّرة في الخارج في عين هذا الحديث.
بقيت مسألة تعدُّد الركوعات، فاعلم أنه صَحَّ عنه ركوعان في ((صحيح البخاري))
و((الموطأ)) لمالك، والروايات قد بَلَغَت فيه إلى خمس ركوعات، كما عند أبي داود، ورواية
الثلاث عند مسلم، فذهِب النوويُّ إلى حَمْلِها على تعدُّد الوقائع، وهو باطلٌ قطعًا، فإن الكسوفَ
لم يقع في عهده بَّ إِلَّ مرةً يوم مات إبراهيم عليه السلام، كما حقَّقه المحمود شاه الفرنساوي
في رسالته. وقد نقل فيها الحساب القمري إلى الحساب الشمسي، وفي ضمنها عيَّن أعداد
الكسوف في زمنه ◌َّ وعيَّن وقته، فلم يحقِّق فيه إِلاّ كُسُوفًا واحدًا .
أما خسوف القمر، فهذا الفاضل يكتب فيه شيئًا، وهو في السنة السادسة، كما في
((صحيح ابن حِيَّان)). ثم إنه غَلِطَ في موضعٍ، حيث أنكر النَّسِيءَ عند العرب، مع أنه ثابتٌ عنهم،
فيكون في السنة عندهم ذو الحجة اثنين، هو شائِعٌ في مشركي أهل الهند أيضًا، وهكذا كان عند
العرب، وقد أنكره هذا الفاضل وليس بصحيح، فاعلمه.
والحاصل: أن المحقَّق أنها واقعةٌ واحدةٌ فقط، وركع النبيُّ بَّ فيها ركوعين. أمَّا روايات
الثلاث والخمس فكلُّها معلولٌ، كما قاله ابن دقيق العيد، فإنها عند التحقيق آثار الْتَبَسَتْ
بالمرفوع. ووجهُ الاجتهاد في تعدُّد الركوع عندهم أنهم لمَّا رأوا النبيَّ يَّرَ زَادَ على ركوع
واحِدٍ، ثَبَتَ عندهم جنسُ الزيادة، فحملوه على الجواز بقدر الحاجة.
ولنا ما عند أبي داود: ((فإذا رأيتموه، فصلُوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها)) - بالمعنى - وأقرَّ
بصحته أبو عمر. ووجه التمسُّك منه: أن النبيَّ ◌َ﴾لمّا صلَّى بهم صلاةَ الكسوف وركع فيها
ركوعين، ثم لم يقل: صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي، أو: مثل صلاتي هذه، بل أَحَالَها على أحدثِ
صلاةٍ وهي الفجر، فَعُلِمَ أنه وإن كان ركع فيها بنفسه ركوعين، لكن الذي عَلِمْنَاه هو أن نصلِّي
بها على شاكلة صلاة الفجر في عدد الركعات والركوع، لأنه لو أراد كذلك لم يكن ليتركَ
الأقربَ عند التشبيه واختار الأبعدَ، فإنه كما قيل: جعل البديهى نظريًا. ولكان الأحسن
والأسهل حينئذٍ أن يُقَال: صلُّوا كصلاتي هذه. كذا كان يقرِّره شيخي المحمود، ثم جاء
((البدائع)) مطبوعًا، فرأيت فيه نحوه عن أبي عبد الله البَلْخِيّ، وهو من كِبَار الحنفية.
٧٤٥ - قوله: (هِرَّةٌ)، والتاء فيه للوَحْدَة دون التأنيث. ثم إن النبيَّ وَّ رآها في جهنم، وإن

٣٣٧
كتاب الأذان
كان دخولها في المستقبل، فإن حديدَ النظر يرى ما في المستقبل في زمن الحال بنحوٍ من
الوجود، كرؤية الشجرة في البَذْر.
٩١ - بابُ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلاَةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: ((فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بَعْضُهَا
بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ)) .
٧٤٦ - حدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
عُمَيرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا لِخَبَّابِ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلَنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابٍ لِحْيَتِهِ. [الحديث ٧٤٦ - أطرافه في:
٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧].
يريد به أن النظرَ إلى إمامه جائزٌ، وإن كان النظرُ إلى السماءِ ممَّا يُخَافُ عليه خطفُ
البصر، فترجمته هذه ناظرة إلى الوعيد الوارد في رفع البصر إلى السماء، واستدلَّ عليه بلفظ:
((حين رَأَيْتُمُوني)) فدلَّ على جواز رؤية الإمام.
٧٤٧ - حدّثنا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُوِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، وَكَانَ غَيرَ كَذُوبٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ يََّ،
فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامُوا قِيَامًا، حتَّى يَرَوْنَهُ قَدَّ سَجَدَ. [طرفه في: ٦٩٠].
٧٤٧ - قوله: (حتى يَرَوْنَه قد سَجَدَ): محمولٌ على كِبَرِ سِنّهِ.
٧٤٨ - حدّثُنَا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ
صَبَا الله
فَصَلَّىٍ، قالُوا: يَا رَسُوَّلَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مِقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ قَالَ:
(إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا)). [طرفه في:
٢٩].
٧٤٩ - حدّثَنا مُحمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ ثُمَّ رَقا المِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ، ثُمَّ
قَالَ: (َلَقَدْ رَأَيتُ الآنَ، مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ، الجَنَّةَ وَالنَّارَ، مُمَثَّلَتَينٍ فِي قِبْلَةٍ هذا
الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كاليَوْمِ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ)). ثَلَاثًا. [طرفه في: ٩٣].
٧٤٨ - قوله: (تَنَاوَلَ شيئًا)، وفي لَفْظِ: ((أردتُ))، وقد عَلِمْتَ أن عالم الغيب كالمَبْدَأَ
لعالم المثال، وعالم المثال كالمَبْدىءٍ لعالم الأجسام، وكل مَبْدىءٍ تُلْمَحُ فيه التطورات البعدية
ولو بنحوٍ من الوجود.
قوله: (الجنةَ والنارَ مُمَثَلَتَيْنِ) ... إلخ، وهذا أعلى ما يمكن أن يُسْتَدَلَّ به على ثبوت عالم

٣٣٨
كتاب الأذان
المثال، ثم إن هذا التمثيل في واقعةٍ أخرى غير واقعة الكسوف. وسقراط وأفلاطون أيضًا أقرًّا
بثبوت عالم المثال. وهكذا أرسطو في اثولوجيا. وقد حقَّق فيه أن أفعال الباري لا تُعَلَّل
بالأغراض، وقرَّره وأوضحه كما هو حق. وقد قرَّر السيد الجُرْجَانِي في ((حاشية حكمة العين)):
مسألة وَحْدَة الوجود ببيانٍ أوضح وأَوْفی، فراجعه.
٩٢ - بابُ رَفعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ
٧٥٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
عَرُوبَةً قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َيِّ: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ
يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ!)) فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذلِكَ، حَتَّى قَالَ: ((لَيَنْتَهُنَّ عَنَّ
ذلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)) .
وفيه الوعيد، ثم إنه دار البحثُ فيهم في رفع البصر عند الدعاء خارج الصلاة، فأجازه
الشيخ عابد السُّنْدهِي في رسالته في هذا الموضوع. وكذلك قال الدَّوَّاني: إنه لا غائلةَ في كون
السماء قِبْلة للدعاء. والشيخ عابد السِّنْدِهي من شيوخي بواسطتين، لأن الشيخ محمود الحسن
رحمه الله تعالى وقَدَّس سرّه، قد استجاز من الشاه عبد الغني قُدِّس سره، وهو من تلامذة
السُّنْدِهي، ثم الشيخ فخر الدين العراقي ذكر في رسالته ((التبيان في حقيقة الزمان والمكان)) أن
المكانَ أَثرٌ لصفةٍ من صفاته، وهذا هو حال الزمان، فإِن الدهرَ أثرٌ لصفة من صفاته، الفعلية،
وإليه أُشير في قوله: ((وأنا الدهر)).
والتحقيقُ عندي: أن ما من شيءٍ في العالم بقضِّه وقضيضه إِلَّ ينتهي إلى صفةٍ من
صفات الله تعالى، وليس فيه شيءٌ مستقلّ. فالزمانُ أثرٌ والدهرُ مَبْدأُ له، نعم ذلك الدهر مرجعه
إلى صفةٍ من صفاته تعالى، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وراجع لتذكرة العراقي ((نفحات
الأنس)) للجامي رحمه الله تعالى.
٩٣ - بابُ الالتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ
٧٥١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيم، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلِتُ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّهِ عَن الالتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟
فَقَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ)). [الحديث (٧٥ - طرفه في: ٣٢٩١].
٧٥٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ٍَّ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هذهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي
جَهْم، وَأُتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ)). [طرفه في: ٣٧٣].
٧٥١ - قوله: (يَخْتَلِسُهُ الشيطانُ)، فَمَثَلُ الشيطان كَمَثَلِ الكلب بعينه، حيث يشتركُ معه في
كثيرٍ من أوصافه وخواصِّه، فَيَلَغُ في الأواني ويَشَمُّهَا، فَيُفْسِدُ الطعام والشراب كالكلب.
وكذلك يَسْطُو على الإِنسان إذا غَفَلَ شيئًا، ثم إذا ذكر الله تَلكَّأ عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا

٣٣٩
كتاب الأذان
مَسَّهُمْ طَِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وهذا مَثَلٌ للكلبِ بعينه،
فإِنه يَسْطُو عليك كلما يجدك غافلًا، فإذا رفعت عصاك فرَّ مُسْتَثْفِرًا ذنبه. وهذا هو معنى
الخَنَّاسِ، فحالُ الشيطان مع الذكر كحال الكلب مع العصى. وأشياءُ عالم الغيب كلُّها عندي
على الحقيقة بدون تأويلٍ ولا استعارةٍ حتى إن صلاةَ المُلْتَفِت لو مُثِّلَت له، لرأى فيها موضع
الالتفات مَجْرُوحَةٌ مُخْتَلَسَةً.
٩٤ - بابٌ هَل يَلتَفِتُ لأَهْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، أَوْ يَرَى شَيئًا،
أَوْ بُصَاقًا فِي القِبْلَةِ؟
وَقَالَ سَهْلٌ: التَفَتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَأَى النَّبِيِّ وَّهِ.
٧٥٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ
رَأَى النَّبِيُّ ◌ََّ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدٍ وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يِدَي النَّاسِ، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ
حِينَ انْصَرَفَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ
أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ)). رَوَاهُ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعِ. [طرفه
في : ٤٠٦].
٧٥٤ - حدّثنا يحيى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ بْنُ مالكِ قَالَ: بَينَمَا المُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، لَمْ يَفجَأُهُمْ إِلَّا
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوِفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ،
وَنَكُصَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عَقِبَيْهِ، لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ، وَهَمَّ
المُسْلِمُونَ أَنَّ يَفتَئِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيهِمْ: ((أَتِمُوا صَلَاتَكُمْ)). فَأَرْخِى السِّتْرَ،
وَتُوُفِّيَ زَيِّمَ مِنْ آخِرِ ذلِكَ الْيَوْمِ. [طرفه في: ٦٨٠].
عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((رَأَى رسولُ اللَّهِ وَلَ نُخَامةً في قِبْلَةِ المسجد ... ))
إلخ والمصنّفِ رحمه الله تعالى حَمَله على داخل الصلاة، وفي عامة ظُرُقه: «إنه رآه خارج
الصلاة))، ولعلَّه نَظَرَ إلى قوله: ((وهو يُصَلِّي)). ثم إن المناجاة والإقبال على الله والمواجهة،
كلها حكايات عن شيءٍ واحدٍ.
٩٥ - بابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا،
فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ
٧٥٥ - حدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيرٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ
عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا
إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعَمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي؟! قَالَ أَبُو إِسْحاقَ: أَمَّا أَنَا، وَاللَّهِ فَإِنِّي

٣٤٠
كتاب الأذان
كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َّ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّ صَلَاةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي
الأُولَيَينِ، وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَينِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا،
أَوْ رِجَالًا، إِلَى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلُ الكُوفَةَ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُتْنُونَ
عَلَيْهِ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ،
يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ،
وَلَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هذا
كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِل فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ. قَالَ: وَكَانَ بَعْدُ إِذَا
سُئِلَ يَقُولُ: شَيخٌ كَبِيرٌ مَفتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ المَلَكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ
سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلجِوَارِي فِي الظُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ. [الحديث
٧٥٥ _ طرفاه في: ٧٥٨، ٧٧٠].
٧٥٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ
قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ
مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)).
٧٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي
سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾َ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ
رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَرَدَّ، وَقَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ). فَرَجَعَ
يُصَلِّي كَمَا صَلَّىٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ، فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)
ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيرَهُ، فَعَلِّمْنِي! فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ
فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ
قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافعَل ذلِكَ فِي
صَلَاتِكَ كُلُّهَا)). [الحديث ٧٥٧ - أطرافه في: ٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧].
فعمَّم فيها بالأنواع كلِّها، وَجَهَر به، ولم يتكلَّم في حقِّ المقتدي بحرفٍ وأخفاه، مع أن
جملة الخبر ومحظّ النظر هو ذلك لا غير. وهذا يَدُلُّ على أن في النفس منه شيءٌ: ولو كان
هناك مُنْصِفٌ، لكفى له صنيع المصنِّف رحمه الله تعالى، وشفاه في هذا الباب. فإِنه مع شَغَفِهِ
بإِيجاب الفاتحة على المقتدي، لم يَجِدْ إلى إثباته سبيلًا، وذلك لأن قولَه ◌َ﴾: ((لا صلاةَ لمن
لم يَقْرَأ بفاتحة الكتاب)) لم يَقُمْ عنده دليلًا على الإيجاب، وإِلَّ لجَهَر به على عادته، فإِنه إذا
وَجَبَت عنده على المقتدي، فكيف بها إذا كان إمامًا عادلًا. نعم وجد لها مساغًا في رسالته،
فعمل فيها بما قيل.
فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلًا فَقُلْ
لقد وَجَدْتُ مكان القول ذا سَعَةٍ
وكذلك لم يَقْدِر أن يفرِّق بين الفاتحة والسورة، لفقدان الاستدلال على الفرق بينهما.